القائمة الرئيسية

القطط تتخطى حدود قوانين الفيزياء بشكل كبير 

القطط تتخطى حدود قوانين الفيزياء بشكل كبير 
ملخص المقال

يتحدث المقال عن اللغز العلمي القديم لكيفية قدرة القطط على الالتفاف في الهواء والهبوط على أقدامها، منذ الصور التي عرضها عالم الفسيولوجيا إتيان جول ماري عام 1894، والتي بدت وكأنها تتحدى مبدأ حفظ الزخم الزاوي، قبل أن يوضح العلماء لاحقًا أن القطط لا تكسر قوانين الفيزياء بل تستغلها بفضل مرونة عمودها الفقري وقدرتها على تقسيم جسمها إلى جزأين يدوران في اتجاهين متعاكسين، مع استخدام الأطراف والذيل لضبط الحركة بسرعة مذهلة، كما يستعرض المقال مخاطر السقوط من الارتفاعات العالية ومتلازمة “السقوط من ارتفاع شاهق”، مع الإشارة إلى أن معدلات النجاة قد تكون مرتفعة بسبب الوصول إلى السرعة النهائية واسترخاء الجسم، وينتهي إلى أن مزيج التوازن وردود الفعل السريعة والبنية المرنة يجعل القطط مثالًا فريدًا على التكيف الحيوي الذي يبدو سحريًا لكنه في الحقيقة تطبيق بارع لقوانين الفيزياء.

بقلم كاثرين ج. وو

في أكتوبر من عام 1894م، عرض عالم الفسيولوجيا الشهير إتيان جول ماري في اجتماع للأكاديمية الفرنسية للعلوم سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي أثارت ضجة بين زملائه، حيث أعلن أحد الحاضرين في المؤتمر -وسط موجة من الأحداث التي تلت ذلك- أن ماري قدّم مفارقة علمية تنتهك القوانين الأساسية لكيفية حركة الأجسام.

كانت القطة هي محور الجدل، وعلى وجه التحديد، قطة مرمية التفت بشكل ملتوٍ في الهواء وهبطت على قدميها، لم يكن سقوط القطة هو المشكلة ولا حتى هبوطها، بل أثيرت الضجة بسبب ما حدث بين السقوط والهبوط.

افترض العلماء لسنوات طويلة أن القطط لا تستطيع الهبوط على أقدامها إلا إذا قفزت من على سطح ما أولًا، وقد استندت هذه الفكرة إلى مفهوم فيزيائي يُعرف باسم “حفظ الزخم الزاوي”، والذي ينص على أن الأجسام التي لا تدور لن تبدأ في الدوران ما لم يتم تطبيق بعض القوة الخارجية؛ فدون وجود قوة دفع لن يكون لدى القطة أي وسيلة للدفع، ولن يكون هناك ما يدفعها إلى الدوران والتوجه بالاتجاه الصحيح، ولكن كشفت صور ماري عن قطة بدأت في التواءاتها بعد أن بدأت في الهبوط، حيث يبدو أنها تدور حول نفسها من لا شيء على الإطلاق.

قدم العلماء في العقود التالية الكثير من التفسيرات لهذا اللغز المحير، والعديد منها كان خاطئًا تمامًا، وحتى يومنا هذا، “ستجد أن الناس لا يزالون يتجادلون” حول تفاصيل حيل القطط في حركاتها، كما يقول غريغ غبور، الفيزيائي في جامعة نورث كارولينا في شارلوت ومؤلف كتاب Falling Felines and Fundamental Physics (القطط الساقطة والفيزياء الأساسية)، ولكن يمكن أن يتفق الخبراء على أن القطط -مع الأسف- ربما لا تتحدى الفيزياء، لقد تطورت فقط لاستغلال أعمق الفروق الدقيقة فيها، حتى عندما تبدو الظروف مستحيلة للبقاء على قيد الحياة.

أخبرني غبور أن الفيزيائيين الحائرين في الأكاديمية الفرنسية كانوا يفكرون في كمية الحركة الزاوية للقط بشكل مبسط للغاية، يمكن الحفاظ على كمية الحركة الزاوية داخل جسم يدور -في هذه الحالة القطط- إذا كان نصف الجسم يدور في اتجاه واحد بينما يدور النصف الآخر في الاتجاه الآخر، مثل مطحنة الفلفل الأسود نوعاً ما، عندئذٍ يعمل الجزءان من الجسم نقطتي ارتكاز لبعضهما البعض؛ حيث ينقل كل منهما إلى الآخر قوة دفع متساوية ومتعاكسة وهو بالضبط ما يبدو أنه يحدث في القطط. تقول باربرو فيليكويست، وهي جراح بيطري في جامعة كاليفورنيا في ديفيس: “إن الهيكل العظمي للقطط مرن بشكل لا يصدق”. ويقول ديفيد هو، وهو مهندس ميكانيكي في جامعة جورجيا للتكنولوجيا، إن القطط يمكن أن تقوس عمودها الفقري بشكل حاد لدرجة أنها تقسم جسمها إلى قسمين بشكل فعال، كما لو كان “لديك مفصل ركبة فوق ظهرك”.

عندما تسقط القطة في الهواء مقلوبةً رأسًا على عقب، عادةً ما يكون النصف الذي يحمل الرأس هو أول من ينقلب، ولكي يحدث ذلك، يجب أن يستدير الجزء الأمامي بسرعة أكبر من الجزء الخلفي، وهي حركة ربما تبدأها القطة عن طريق ثني أرجلها الأمامية نحو بطنها، على غرار المتزلجين على الجليد الذين يسحبون أذرعهم أثناء تنفيذ دوران سريع، بينما تظل الأرجل الخلفية ممددة، ثم ترخي القطة بعد ذلك أرجلها الأمامية للخارج بينما تسحب أطرافها الخلفية للداخل، هذه المرة يلتف الجزء الخلفي منها بشكل أسرع، مما يجعل بقية الجسم في وضع الاتجاه الصحيح، وفي هذه الأثناء، قد يعمل الذيل كنوع من المروحة، مما يسرع من دوران الجسم بشكل مفاجئ، (فقد قال لي غبور إن هذه ميزة غير ضرورية: فقطط المانكس التي لا تمتلك الذيل تهبط بشكل مثالي).

يقول هانو إيسين، عالم الفيزياء في المعهد الملكي للتكنولوجيا في السويد، الذي قام بنمذجة رد فعل القطط في تصحيح مسارها، إن هذه الالتفاتات تحدث “بسرعة مدهشة”؛ فبوسع القطط أن تعيد توجيه نفسها في غضون بضعة أقدام، وتبدأ العملية في غضون جزء من الثانية، وقد ساعد هذا الدافع بالذات قطة إيسين المؤذية في طفولته، والتي تدعى موشي، على الهبوط بسلام بعد سقوطها من نافذة على ارتفاع 40 إلى 50 قدمًا عن الأرض.

وبالرغم من تصرفاتها الديناميكية الهوائية، فلا تزال القطط تواجه مخاطر هائلة عندما تسقط من المرتفعات العالية جدًا، خاصة مع ارتفاع المباني الحديثة في المراكز الحضرية، ففي مركز شوارزمان الطبي للحيوانات في نيويورك، تم تسجيل ما يقرب من ربع حالات الصدمة للحيوانات الأليفة على مدى السنوات السبع الماضية على أنها “سقوط من ارتفاع”، وفقاً لكارلي فوكس، أحد كبار الأطباء البيطريين في المركز، وفي أسوأ الحالات، يمكن أن يتسبب بما يسمى “متلازمة السقوط من ارتفاع شاهق” في إصابة القطط بنزيف الأنف وكسور في الفم وتلف في الرئتين وكسور في الساقين وحتى تمزق في الأعضاء. 

فكلما كان سقوط القطط أبعد كان حالها أسوأ، -على الأقل، إلى حد ما-، لمّحت مجموعة قليلة من الأبحاث، بما في ذلك بعض الأبحاث التي أجراها مركز AMC، إلى أن معدل الإصابة قد يستقر أو حتى ينعكس إذا كان السقوط على بعد 6 أو 7 طوابق، ويصف ريت ألين، عالم الفيزياء في جامعة ساوث إيسترن لويزيانا الذي كتب عن هذه الظاهرة في مجلة وايرد، بأن هذا الأمر “غريب” من الناحية العلمية، “لا تسمع أحدًا يقول، كلما كان السقوط أبعد كان الأمر أفضل”، وقد تكون بعض البيانات متحيزة من قبل المالكين الذين يجلبون قططهم إلى الأطباء البيطريين، ومن الصعب جدًّا التأكد من الجوانب الأخلاقية، حيث وجدت دراسات أخرى نتائج معاكسة تمامًا يقول مايكل كاتو، وهو طبيب بيطري متخصص في حالات الطوارئ والرعاية الحرجة في كاليفورنيا: “نحن لا نعرف” في ظل هذه البيانات المتفرقة والمتضاربة.

ولو كان هذا النمط صحيحًا، فإنه يتماشى مع مرونة بعض القطط المذهلة في الارتفاعات الشاهقة، إذ رأى غبور ذات مرة قطة سقطت من شجرة من ارتفاع 100 قدم تقريبًا، وعالجت فوكس مؤخرًا قطة نجت من سقوطها من ارتفاع 19 طابقًا، وقد سقطت قطة تدعى سابرينا ذات مرة من ارتفاع 32 طابقًا على الأرض الصلبة ونجت بأعجوبة، كما وبحسب ما ورد فإن قطة أخرى تدعى جومي سقطت من ارتفاع 26 طابقًا واخترقت سقف خيمة وعُثر عليها وهي تنظف نفسها في مكان قريب، ولم تصب بأذى، تقول كريستين راتر، طبيبة بيطرية في قسم الطوارئ والرعاية الحرجة في جامعة تكساس إيه اند إم: “لقد رأيت قططًا سقطت من سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة طوابق، وقد أصيبت بتمزقات وربما كسر في الساق، ولكن هذه أشياء يمكن معالجتها كلها”. تشير الدراسات إلى أن معدلات النجاة من متلازمة الارتفاعات الشاهقة في القطط تتجاوز 90% باستمرار، “وهو أمر غريب بالنسبة لي، بالنظر إلى وحدة الطوارئ والعناية المركزة التي أعمل فيها”، كما تقول صوفيا أميرسلتان، الطبيبة البيطرية في قسم الطوارئ والرعاية الحرجة في جامعة ولاية كارولينا الشمالية.

قد يتضمن السر انزلاق القطط من خلال ثغرة فيزيائية أخرى؛ فخلال عشرات الأقدام الأولى من الهبوط، سيستمر جسم القطة في التسارع، مما يزيد من الصدمة التي ستشعر بها عندما تصطدم بالأرض في النهاية، وهذا أمر صعب للغاية بالنسبة للقطط التي تسقط من طابقين إلى خمسة طوابق تقريبًا، ولكن بعد هذا الطابق الخامس بقليل، ستصل القطة التي تزن 11 رطلًا إلى سرعتها النهائية التي تبلغ حوالي 60 ميلًا في الساعة، وبغض النظر عن مدى ارتفاع النقطة التي بدأت سقوطها منها، فإن ارتطامها النهائي لن يكون بذاك السوء، الآثار المترتبة على ذلك جنونية: أخبرني ألين أنه قد لا يوجد في الواقع حد حقيقي للارتفاع الذي يمكن للقط أن يهبط منه وينجو.

لقد أخبرني روتر أن الوصول إلى السرعة القصوى يمكن أن يُشعرك بانعدام الوزن بشكل مثير للإعجاب، وقد يجعل دماغ القطة “يتوقف عن الهلع” وترتخي ساقاها، ويستمر التأثير، لكنه يكون أكثر انسيابية قليلًا وموزَّعًا بشكل متساوٍ على جسم القطة، وهذا قد يفسر لماذا وجد كاتو أن أنواع الإصابات التي يراها هو وزملاؤه على ارتفاعات سبعة طوابق وما فوق تميل إلى التركيز على الجذع والفك أكثر من الأطراف.

كما يبدو أن الأرانب أيضًا تمتلك رد فعل تصحيحيًّا جيدًا جدًّا، وقد وجد العلماء أن بعض أنواع من الوزغ يمكنها دفع نفسها بأمان إلى الأرض عن طريق تحريك ذيولها السميكة جدًّا، ولكن ربما تكون القطط المنزلية هي الوحيدة التي تحقق هذا المزيج المثالي: إحساسًا مذهلًا بالتوازن، لمعرفة الوقت التي تحتاج فيه إلى الانقلاب بسرعة، بالإضافة إلى ردود فعل سريعة خاطفة، وظهر قابل للانحناء، وأطراف كثيرة التمدد لتنفيذ ذلك، كما أخبرتني مايرين باليسي، عالمة الحفريات في متحف ريموند إم ألف لعلم الحفريات في كاليفورنيا، وأخبرني أمير سلطان أن بنية القطط البدنية المرنة التي تمتص الصدمات قليلًا، قد ساعدت تلك القطط التي تطورت لتكون رشيقة ومتسلقة للأشجار، وأخبرني العديد من الأطباء البيطريين أن الكلاب لا تكون بخير في العادة بعد السقوط، وقالت باليسي إنه حتى بعض الأنواع الأكبر من القطط قد لا تنجو دائمًا من السقوط، (وأضافت أنه لو فعلوا ذلك، لما نجح فيلم الأسد الملك).

سألتُ غبور عما إذا كان بإمكان البشر أن يتعلموا محاكاة انعطافات القطط الجيروسكوبية، فقال لي إنه يمكن القول إننا تعلمنا ذلك بالفعل؛ إذ يمكن لأفضل الغواصين ولاعبي الجمباز أن يصبحوا كالقطط إلى حد كبير في شقلباتهم؛ كما أن وكالة ناسا أيضًا استعانت بالقطط لتعليم رواد الفضاء كيفية التنقل في الفضاء الخالي من الجاذبية، ولكن القطط “ستفعل ذلك دائمًا بشكل أفضل”، كما أخبرني غبور، على الرغم من أنها قد لا تستمتع بالرحلة إلى الأسفل، ربما لا أحد يعرف ذلك أفضل من ماري، الناشر الأصلي لصور القطط الساقطة: لم تستطع ورقة بحثية في مجلة نيتشر التي نُشرت في الشهر التالي للمؤتمر إلا أن تشير إلى “تعبير الكرامة المهانة” التي يحملها موضوع دراسته، والتي خلدها إلى الأبد بالصور.

المصدر

 

مقالات ذات صلة