عندما فرت عائلتي من فيتنام في نهاية الحرب، كان علينا أن نترك الكثير وراءنا، بما في ذلك الوثائق والممتلكات، وحتى أفراد الأسرة. كنت أنا وأختي طفلتين في ذلك الوقت، وعندما استُجوبَ والدنا من قبل مسؤولي الهجرة الأمريكيين، قال إنه نسي التواريخ التي ولدنا فيها. وكذلك نسي أعمامنا وجدتنا تواريخ ميلادنا. وكما أوضح والدي لنا ذات مرة، فإن أعياد الميلاد لم تكن مهمة حقًّا في فيتنام، أو على الأقل لم يكن الناس يقدرونها. وبدلًا من ذلك، كان يُقاس العمر بواسطة تيت، السنة القمرية الجديدة الفيتنامية، إذ تُحسَب أعمار الجميع من هذه النقطة الزمنية. وعرفت لاحقًا مدى شيوع امتلاك اللاجئين والمهاجرين في الولايات المتحدة تاريخ ميلاد، تاريخ قانوني وآخر فعلي. بالنسبة لي ولأختي، أصبحت تخمينات والدنا تواريخ ميلادنا القانونية، أما تواريخ ميلادنا الفعلية، فبقيت موضع سؤال، ولم نتمكن من الحصول على إجابة لعقودٍ من الزمن.
في مرحلة ما من طفولتي، قررت جدتي نوي أن يكون عيد ميلادي في 31 أغسطس ويكون عيد ميلاد أختي في 2 مارس، أي بعد أسبوع أو أسبوعين من التواريخ القانونية المخمّنة. لم نكن نعرف ما إذا كانت هذه هي الأيام الفعلية التي ولدنا فيها، ولكن لأن جدتنا وضعتها، وافقنا عليها. وكانت أختي تحتفل بعيد ميلادها في أحد اليومين مرة، وفي اليوم الآخر في العام اللاحق، وأصرت على مر السنين على أن نحدد بأنفسنا تاريخًا ليكون تاريخ ميلادنا “الحقيقي”. وفي أثناء نشأتي في غراند رابيدز بولاية ميشيغان، كنت أحسد أصدقائي الذين يمكنهم ذكر تفاصيل ولادتهم (حتى الدقيقة المعينة!)، فلم يكن لدى أحد في عائلتي اللاجئة شهادة ميلاد. وقد أمضيت سنوات مشتاقة إلى ما اعتقدت أنه دليل على بداياتي.
بدلًا من ذلك، كانت لدي بطاقة عليها عبارة “أجنبي مقيم”. وعندما بلغت 18 عامًا، تقدمت بطلب للحصول على الجنسية الأمريكية وحصلت في النهاية على شهادة التجنس التي تسمح لي بالحصول على جواز سفر أمريكي– كإثبات للهوية. ولم تكن لدي أدنى فكرة عن أن شهادات الميلاد التي نعرفها اليوم كانت أمرًا اختُرِعَ في القرن العشرين، كوسيلة لحفظ سجلات السكان وطريقة للتمييز بين أولئك الذين ولدوا على الأراضي الأمريكية وأولئك الذين لم يولدوا عليها. لم يخطر ببالي إطلاقًا أن أتساءل عن مدى غرابة كونك شخصًا حيًّا مضطرًّا إلى إثبات أنك قد ولدت يومًا ما.
عندما التقيت أخيرًا بوالدتي، التي جاءت إلى الولايات المتحدة كلاجئة بعد سنوات من مجيئنا، كان عمري 19 عامًا. كانت تعيش في بوسطن، وكنا نتجول في الحي الصيني نتحدث عن المباني والطقس. كان عليّ أن ألملم شجاعتي لأسألها عما يمكن أن تخبرني به عن وقت ومكان ولادتي، وكيف كانت الولادة بالنسبة لها، فلم يكن بوسع أبي وجدتي إلا أن يقولا إنني ولدت في مستشفى– دون ذكر أي شيء عن وقت الولادة أو وزني أو طولي. لكن والدتي لم تتذكر أي شيء أيضًا. وسألتها عن ولادتي في كل مرة زرتها فيها تقريبًا منذ سنوات، كما لو أنها ستتذكر فجأة. لكنها تنظر إليّ دائمًا وكأنها تقول، ما الفرق الذي ستحدثه هذه المعلومات؟
آخر مرة رأيتها فيها في بوسطن قبل عامين، ردت على سؤالي بـ “من يعرف هذا كله؟” بضحكة صغيرة. وذات مرة قالت: “لماذا تهمك هذه التفاصيل؟ أنت هنا الآن”.
كنت أتساءل أحيانًا عما إذا كان والدي قد نسي متى ولدت أنا وأختي لأنه لم يعتقد أنه يحتاج إلى التمسك بهذه المعلومات، أو ربما نسي لأنه كان بحاجة إلى تناسي هذه التفاصيل ليستطيع ترك منزله وبلده.
أصبحت دائمًا أبحث سرًّا عن الأشخاص الذين يحملون عيدَيْ ميلاد، إذ يعني ذلك لي أكثر من مجرد صدفة عابرة، أكثر من مجرد بهجة قصيرة لمعرفة أن شخصًا آخر يشاركني التجربة نفسها. يشترك الأشخاص الذين لديهم عيدَيْ ميلاد في التاريخ نفسه من الهجرة والنزوح، يحملون علامة الشتات، ويخفون ذواتهم بحذر أحيانًا.
بعد وفاة جدتي نوي عام 2007م، بحثت أنا وأختي في ألبومات الصور التي احتفظت بها في غرفة نومها في منزل عمي. كانت تحتفظ بهذه الألبومات منذ السبعينيات والثمانينيات، وكانت الصور مصفرّة ومخزّنة في درج، إذ وجدنا صندوقًا صغيرًا لم أره من قبل يحتوي على قطع قليلة من مجوهرات الذهب واليشم والمزيد من الصور.
وكانت توجد أسفل هذا الصندوق ورقتان رفيعتان، صفحات ممزقة من تقاويم يومية مكتوبة باللغتين الفيتنامية والفرنسية، كان مكتوبًا على أحدهما 2 مارس والآخر 31 أغسطس، وقد كتبت جدتي اسمي وراء الصفحة الثانية.
هل حملت جدتي نوي هذه الأشياء معها طوال الطريق من فيتنام عندما غادرنا، هربًا من نهاية الحرب؟ أم أنه يوجد من أرسلهم إليها؟ لماذا لم نر هذه الأوراق من قبل؟ هل نسيت أنها كانت معها؟ لن يتمكن أحد من معرفة ذلك أبدًا. حدقنا أنا وأختي في هذه الأوراق، وفي بعضنا البعض، فقد تبين أننا عثرنا على إجابة لتساؤلاتنا طوال هذه السنوات.
إن معرفة هذه الحقائق نعمة، ولكنني كنت أفهم في الوقت نفسه أنها لا تغير شيئًا. فكما قالت لي والدتي، نحن هنا الآن.
لم أحتفل حقًّا بعيد ميلادي منذ أن كنت في العاشرة من عمري. فقد توقفت عن التساؤل، منذ سنوات عديدة مضت، عما إذا كان عيد الميلاد الذي أعطته لي نوي هو عيد ميلادي الحقيقي. فالتواريخ التي بقيت في ذهني هي 29 أبريل اليوم الذي أصبحنا فيه لاجئين، و21 ديسمبر يوم الانقلاب الشمسي الذي توفيت فيه جدتي، والأيام التي ولد فيها أطفالي.
ومع ذلك، كلما اضطررت إلى تدوين تاريخ ميلادي القانوني ومكان ميلادي، أشعر وكأنني أنسلخ من هويتي لهوية أخرى. مثل استخدام اسم مع الأصدقاء وآخر مع عائلتي. كما لا أقول “مدينة هوشي منه” عندما أتحدث عن المكان الذي ولدت فيه، بل أقول “سايغون”. لطالما احتفظت بعيدَيْ ميلاد في ذهني؛ القانوني والحقيقي. ولطالما اعتقدت أنني إما/أو، وأنه قد تكون لدي هوية سرية.
ربما هذا الانسلاخ والعيش بهويتين، هو ما قدمته لي جدتي عندما أعطتني تاريخ ميلادي الحقيقي. مثل العديد من اللاجئين والمهاجرين الفيتناميين، كانت تتطلع إلى المستقبل أكثر من الماضي. ولم تتحدث أبدًا بمشاعر الندم، فهي لم تنس الماضي، لكنها لم تعش فيه أيضًا.
عندما أنظر إلى صفحة التقويم التي تعد شهادة ميلادي المعلَّمة بخط يد جدتي، لا أستطيع إلا أن أفكر في الرغبة في تسجيل لحظة محددة من الوقت على الورق. أعلم الآن أن أعياد الميلاد لا تتعلق بالعمر بقدر ما تتعلق بحقيقة مرور عام آخر بما يتضمنه من أحداث نتحملها فيه. عام آخر من كونك شخصًا يعيش على هذا الكوكب. لا تُعد ولادتنا إنجازًا، بل بقاؤنا على قيد الحياة يُعد كذلك. وهذا ما فعلته عائلتي، بشكلٍ جماعي، حتى لو لم نكن في المدينة أو البلد نفسه. لقد عشنا في أماكن نبنيها، نبحث طوال الوقت عن شعور الوصول إلى الوجهة.
هذا المقال مقتبس من كتاب بعنوان “Owner Of A Lonely Heart” للكاتبة بيث نغوين.
