القائمة الرئيسية

صرخة الفضاء المرعبة

صرخة الفضاء المرعبة
ملخص المقال

يتحدث المقال عن الضجة التي أثارها مقطع صوتي نشرته ناسا لصوت مُستخرج من عنقود برشيوس على بُعد نحو 250 مليون سنة ضوئية، والذي بدا للكثيرين كصرخة كونية مرعبة، موضحًا أن الصوت في الأصل ناتج عن تموجات في الغاز الساخن رصدها مرصد تشاندرا للأشعة السينية بفعل نشاط ثقب أسود فائق الكتلة، ثم جرى تحويلها رياضيًا إلى نطاق يمكن للبشر سماعه ضمن جهود لجعل البيانات الفلكية أكثر إتاحة للجمهور، خاصة لضعاف البصر؛ كما يستعرض المقال مفهوم “تصويت” الصور الفلكية وتحويلها إلى موسيقى مثل لحن مركز مجرة درب التبانة، ويشير إلى أن الطابع المخيف للصوت مسألة إدراك بشري أكثر منه حقيقة كونية، إذ يراه بعض العلماء أقرب إلى مقطع موسيقي درامي يشبه أعمال هانز زيمر، ليخلص إلى أن الفضاء لا “يصرخ” فعلًا بل يكشف لنا طرقًا جديدة للإحساس بالكون عبر تحويل بياناته إلى تجارب سمعية.

بقلم مارينا كورين 

تتردد في الأرجاء أصوات أواخر الصيف. أمرّ بحوض السباحة، وأستمع إلى صراخ الأطفال السعداء. أجلس في الخارج ليلًا، وأسمع طنين حشرات السيكادا المختبئة بين الأشجار. أفتح الإنترنت، وأستمع إلى عواء الفضاء الخارجي المرعب.

يعود الفضل لوكالة ناسا على الأمر الأخير، فقد شاركت الوكالة الفضائية مؤخرًا مقطعًا صوتيًّا عبر الإنترنت يأتي من مجموعة من المجرات تبعد حوالي 250 مليون سنة ضوئية عن الأرض. ناسا، الحريصة دائمًا على التباهي بقدرتها على إنتاج العجائب الكونية، قدمت الصوت بحماس، كما لو كانت تقول: “واو! انظروا إلى هذا الشيء الرائع!” وعلى الرغم من أن تحويل الظواهر الفضائية إلى شيء يمكن اكتشافه بآذاننا البشرية يبدو بالتأكيد أمرًا مثيرًا، إلا أن الواقع هو– عليكم الاستماع إليه بأنفسكم.

الضجيج يبدو كصرخة شبحية، أو موسيقى تظهر في أفلام الرعب قبل لحظة مرعبة مفاجئة، أو كما أشار العديد من الأشخاص، صرخات أرواح لا حصر لها محاصرة في الظلام الأبدي. باختصار، ليس شيئًا جيدًا: أقل إعجابًا، وأكثر رعبًا. هل الفضاء حقًّا بهذا الرعب؟

الإجابة هي: إلى حدٍ ما، ويوجد -أيضا- تفسير غير مرعب لذلك. بعض أجزاء الفضاء مليئة بالغاز الساخن، بما في ذلك الفراغات بين المجرات البعيدة والمتلألئة التي تتجمع معًا في كُتل. عام 2002م، عندما درس تلسكوب الفضاء ناسا المسمى “تشاندرا” عنقود برشيوس، اكتشف حركات موجية في الغاز، تتمدد من الداخل إلى الخارج مثل الأمواج على سطح الماء. وقد حدد العلماء أن تلك التموجات أُنتِجَت بواسطة الثقب الأسود فائق الكتلة في المجرة المركزية للعنقود. عندما يمتص الثقب الأسود المواد الكونية، يطرح بعضها للخارج، وهذا سلوك انفجاري يؤثر على الغاز المجاور. استنتج الفلكيون أن التموجات الناتجة هي موجات صوتية، بتردد يفوق بكثير قدرة أي منا على سماعها.

لم يكن ذلك كذلك حتى قررت كيمبرلي آركاند، عالمة تصور تلسكوب تشاندرا، تحويل تلك النغمات الكونية إلى نطاق قابل لأن يُسمع. أرادت أن يتمكن الجمهور، وخاصةً الأكفاء أو من لديهم رؤية ضعيفة، من تجربة عجائب عنقود برشيوس بوسائط غير البصر. استلهمت آركاند الفكرة من واندا دياز ميرسيد، عالمة الفلك العمياء التي طورت برنامجًا لتحويل أشعة الشمس إلى صوت إذ يمكنها سماع الكسوف الشمسي وهو يمر عبر الولايات المتحدة عام 2017م. استخرجت آركاند وفريقها بيانات الصوت من ملاحظات تشاندرا ثم مع بعض العمل الرياضي وتحرير الصوت، حولوها إلى نطاق السمع البشري، أعلى بمئات الكوادريليونات من التردد الأصلي. النتيجة: صراخ كوني مخيف.

سبق لآركاند وفريقها في تشاندرا أن حولوا مجموعة متنوعة من الصور الفلكية إلى موسيقى من خلال عملية تعرف باسم “التصويت”، ولكن كانت هذه المشاريع مبنية على الضوء، وليس الصوت. لنأخذ مثالًا على مركز مجرة درب التبانة المليء بالنجوم المتلألئة. لسماعه، عين العلماء ميزات صوتية مختلفة للمواد الكونية في لقطة من المجرة. تُمثّل المواد النجمية في أعلى الصورة ترددات أعلى، إذ تُمثل الأجزاء الأكثر إشراقًا بأعلى صوت. تُمثل النغمات القصيرة النجوم، بينما يشير الصوت الممتد إلى كُتل الغاز والغبار. تضم الصورة ملاحظات في عدة أطوال موجية، واستخدم العلماء هذه الملاحظات لإنشاء أغنية أجمل: الزيلوفون للأشعة السينية، والكمان للضوء البصري، والبيانو للأشعة تحت الحمراء.

لحن مركز مجرتنا درب التبانة يبدو جميلًا وسلميًّا، ومعظم عمليات التصويت في مكتبة تشاندرا تبدو كذلك، حتى المقاطع التي تفتقر إلى العناصر الموسيقية وتتضمن فقط نغمات متقطعة. إنها ليست مثل صرخة برشيوس الأولية التي أطلقها فريق تشاندرا في مايو من هذا العام. قالت آركاند: “قد يكون صوت برشيوس معبرًا أكثر لأنه يعتمد فعليًّا على موجات الصوت”. إنه موضوعي أكثر، مما يجعل الضجيج يبدو حقيقيًّا أكثر. وفي الوقت نفسه، سيكون الصوت مختلفًا لو كنت تستطيع الاستمتاع به مع خوذة وسماعة متخصصة. الصوت المرعب هو مزيج من الموجات الصوتية الناتجة عن المجرة المركزية في اتجاهات مختلفة، وليس صرخة واحدة في وقت واتجاه معين. ومع ذلك، “هذا هو أقرب ما يمكن أن نصل للحقيقة”، كما قالت.

عندما سألت آركاند عن رأيها في الصوت الذي يخيف الناس، انفجرت بالضحك وقالت: “أشعر بالسوء”. ترعرعت آركاند وهي تغني في الجوقات، وبالنسبة لها، فإن صوت برشيوس هو صوت موسيقي، مثل لحن درامي من مقطوعة موسيقية عاطفية لهانز زيمر. لقد عملت في مهمة تشاندرا لأكثر من عقدين من الزمن، وكونها على دراية وثيقة بالبيانات، فمن غير المرجح أن تشعر بالذعر منها، حتى عندما يكون الصوت بهذا السوء (كما سمعت). أضافت: “لا أرى الجانب المخيف من الصوت، ولكن أتفهم تمامًا أن الآخرين لديهم وجهة نظر مختلفة”. يمكن للعلماء ومهندسي الصوت بالتأكيد تعديل المقطع لجعله أقل رعبًا، ومزج رنين بعض الأجراس أو الأوتار الجميلة. لكن الفضاء يقدم لنا عرضًا موسيقيًّا صغيرًا، ويجب علينا أن نستمع للموسيقى بشروط الفنان.

المصدر

 

مقالات ذات صلة