القائمة الرئيسية

كيف تحظى بإجازة ترضيك؟

كيف تحظى بإجازة ترضيك؟
ملخص المقال

يطرح المقال فكرة أن أفضل إجازة ليست تلك المليئة بالأنشطة السطحية أو الكسل التام، بل التي تُستثمر في التعلم بدافع الفضول، مستندًا إلى المفهوم القديم لوقت الراحة بوصفه فرصة للتأمل واكتساب المعرفة كما أوضح جوزيف بيبر؛ إذ إن المشاعر الإيجابية العميقة مثل الاهتمام والانبهار تنشأ من تعلم أشياء جديدة، وهو ما يدعم الرفاهية على المدى الأطول حتى لو لم يمنح متعة فورية، ويتقاطع مع مفهوم “التدفق” لدى ميهالي سيكسنتميهالي. ويوصي المقال باختيار نشاط صعب نسبيًا ومثير للاهتمام — كالقراءة المركزة أو تعلم مهارة أو حضور دورة أو خلوة تأملية — لأن ذلك يحقق رضا أكبر من الترفيه السلبي، مستحضرًا نصيحة أفلاطون في كتاب الجمهورية بأن التعلم الأفضل يأتي عبر المتعة لا الإكراه، ليخلص إلى أن تحويل الإجازة إلى فرصة تعليمية بدافع داخلي هو الطريق إلى أكثر العطلات إشباعًا وسعادة.

بقلم آرثر بروكس

هل تريد أن تقضي إجازة جيدة هذا العام؟ يمكنك الاختيار من بين عدد من النماذج، على سبيل المثال مغامرة الإنستغرام؛ حيث تختار وجهة غير مألوفة، وتحزم كل ما تستطيع كل يوم، وتلتقط مليون صورة، وتوثق كل شيء على وسائل التواصل الاجتماعي لتبين أنك نشط في أوقات راحتك مثل ما أنت نشط في العمل أيضًا، وعكس ذلك الشخص الكسول والذي يعني تضييع الأسبوعين بأكملهما بفعل القليل جدًّا، وتشمل الخيارات الشائعة الأخرى قضاء أسبوعين لا نهاية لهما في الغرفة (للأشخاص الذين يبلغون من العمر ٢٠ عامًا أو نحو ذلك) وتضييع أجر شهر كامل في ديزني لأن الأطفال يتذمرون بشأن الذهاب طوال العام (للبالغين من العمر ٣٠ عامًا أو نحو ذلك).

وغالبًا ما يتم التغاضي عن نموذج عطلة عظيم يعود تاريخه إلى الزمن القديم، وكلمة وقت الراحة في اليونانية هي σχολή أو skhole. وفي اللاتينية، تسمى schola التي نحصل منها على كلمة school (المدرسة)، وبعبارة أخرى، فإن اسم المكان الذي نُعَلِّمْ ونتعلم فيه مشتق من كلمة وقت الراحة، وإحدى الطرق لتفسير ذلك هي أن التعليم هو نشاط ترفيهي (وهو مفهوم قد يصدم طلابي المجتهدين لكونه غير منطقي)، ولكن أفضل تفسير لذلك هو ما بينه فيلسوف القرن العشرين جوزيف بيبر الذي ظنَّ أن وقت الراحة هو الوقت الذي يمكننا من خلاله أن نتعلم أكثر، إذا فهمناه واستخدمناه بشكل صحيح.

وإذا كانت نماذج العطلات التقليدية لا تثير اهتمامك، فقد توفر أفكار بيبر العطلة التي كنت تبحث عنها، فكر هذا العام في اعتبار إجازتك فرصة لتعلم شيء رائع.

يسعى الأشخاص إلى تحقيق أهداف مختلفة في إجازاتهم، لكن لم يكن أي شخص قابلته من قبل يسعى إلى مستويات أقل من المشاعر الإيجابية، والهدف هو أن تكون أكثر سعادةً من المعتاد وهذا هو السبب في أن الإجازة السيئة تكون محبطة للغاية، فهي تبدو كأنها فرصة ضائعة للراحة وإحراز بعض التقدم العاطفي.

 وللحصول على أكبر قدر من الرضا من إجازتك، من المفيد أن تبدأ بفهم المشاعر الإنسانية الأساسية، ويتضمن الجانب السلبي الغضب والحزن والخوف والاشمئزاز، ما ينبهنا إلى التهديدات ويحفز السلوكيات مثل المواجهة أو الهروب للحفاظ على سلامتنا، ومن الواضح أن هذه ليست المشاعر التي تأمل في تجربتها في الإجازة، ولكن قد لا يكون الأمر كما تتصور إذا كانت الإجازة رحلة طويلة بالسيارة مع الأطفال.

وما تبحث عنه هو وفرة من المشاعر الإيجابية الأساسية مثل الفرح والمفاجأة والترقب. ولكن لا يجب أن تهمل شعورًا إيجابيًّا ذا أهمية خاصة وهو الاهتمام، الشعور بالفضول أو الانبهار الذي يجذب انتباهك.

والاهتمام أمر ذو علاقة وطيدة بالتطور، فهو يأتي من تعلم أشياء جديدة مما كافأ أسلافنا بمزيد من الطعام وفرصة أكبر للبقاء والتكاثر، وكما كان يشعر أسلاف أشباه البشر في العصر البليستوسيني بالرضا بعد ابتكار طريقة جديدة للقبض على حيوان صغير، فنحن نشعر بذلك اليوم عندما نتقن ركوب الدراجة لأول مرة أو ننجح في صنع حلوى سوفليه مثالية.

إن التأثير الصحي الناتج عن التعلم ليس واضحًا كما هو بالنسبة لأنشطة أخرى كتناول كعكة الدونات مثلًا، وفي الحقيقة يتضمن الأمر قليلًا من التضحية، فكما وجد العلماء عام ٢٠١١م أنَّ الاستثمار في نشاط ما لرفع الكفاءة يمكن أن يقلل من سعادتك اللحظية ولكنه يمكن أن يعزز الرفاهية التي يمكن قياسها على مدى إطار زمني أطول كالساعات والأيام، وهذا أمر منطقي تمامًا؛ فقد تقوم بإرهاق عقلك بحسابات التفاضل والتكامل ولكن بعد ذلك تستمتع بالمعرفة التي حصلت عليها، وفي هذا الصدد، فالتعلم يشبه التمرين؛ قد يكون في الوقت الحالي مؤلمًا ولكنه مثمر بشكل عام.

وإن السر لتحقيق أقصى قدر من الرضا خلال التعلم هو الحافز الجوهري أو ما أطلق عليه عالم النفس ميهالي سيكسنتميهالي (الذي اشتهر بكتابته عن “حالات التدفق”) اسم “التعلم الذاتي” وهو التعلم لذاته، واستخدم علماء الأعصاب عام ٢٠١٤م تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لإظهار علاقة هذا النوع من التعلم باستجابة الدماغ للفضول، ولقد أظهروا مستويات عالية من النشاط في الدماغ الأوسط وبنية تُعرف باسم النواة المتكئة، ما يشير إلى زيادة إفراز الدوبامين، عندما كان المشاركون في الدراسة فضوليين للغاية بشأن موضوع ما، بمعنى آخر، فإن إرضاء فضولك من خلال التعرف على أكثر ما يثير اهتمامك سيمنحك مكافأة كيميائية عصبية.

لكن هل التعلم مطابق للتعليم؟ قد تتنبأ من هذه الأدلة على سبيل المثال أنه إذا ذهب الجميع إلى الكلية فسنحصل على مجتمع أكثر سعادة، ولكن هذا أمر خاطئ لأن إحدى الدراسات لعام ٢٠١٧م تشير إلى أن رفع التعليم العالي للسعادة أو خفضها يعتمد على المكان الذي تعيش فيه بجانب عدة أمور أخرى، ففي الدول التي ليست لديها مستويات عالية من التعليم والتي يعد عديدٌ منها دولًا نامية، يرتبط التعليم الجامعي بالسعادة العالية، أما في البلدان التي تكون فيها أسواق العمل مشبعة بالأفراد المتعلمين -وهو ما يميز التنمية الاقتصادية الكبرى- ينعكس التأثير، حيث يرتبط الالتحاق بالجامعة بانخفاض السعادة، وأحد التفسيرات المحتملة هو أنه بالنسبة للمجموعة الأولى فإن التدريب الجامعي يوفر طريقًا إلى الخروج من الفقر، ولكن بالنسبة للمجموعة الأخرى تم استنفاد كثيرٍ من هذا التأثير منذ مدة طويلة، وهنالك شيء ما حيال تجربة الدراسة الجامعية في عالم الأغنياء قد يساهم في انخفاض الرفاهية، ويكفي أن نقول إن نوع التعلم الترفيهي الذي كان يقصده اليونانيون لا يتطابق مع تجربة الجامعات الأمريكية الحديثة.

ويشير البحث إلى استراتيجية واضحة لقضاء إجازة رائعة: حدد شيئًا يثير اهتمامك جدًّا في حد ذاته وركز عليه بشكل مكثف، ولأن المهمة أو المهارة يجب أن تكون صعبة بدرجة كافية لزيادة الكفاءة فيجب فهم هدف الرضا في ساعات وأيام، وليس في لحظة التعلم.

يمكنك اختيار مجموعة من الطرق لتحقيق هذه النتيجة، سواء كانت قليلة التكلفة وغير رسمية أو باهظة الثمن ورسمية، ويمكنك ببساطة تحديد جدول للقراءة على مدى أسبوعين، فيمكنك البدء بقراءة أربعة كتب بعناية حول موضوع معين أو قد تقرر قراءة الكتاب المقدس بأكمله أو القرآن، ويمكنك أيضًا فعل أكثر من شيء في آن واحد، فعلى سبيل المثال يمكنك قراءة سيرة جي إس باخ، في حين تستمع إلى ٥٠ من أغانيه.

وعلى مستوى أكثر رسمية يمكنك تخصيص إجازتك لحضور فصلٍ دراسي، فربما قد ترغب في تعلم كيفية طهي الطعام البنجابي أو متابعة واحدة من الدورات الدراسية الضخمة المتاحة عبر الإنترنت (أو كاختصار MOOCs) المتوفرة مجانًا، مثل دورة تدور حول استكشاف علم السعادة، وللحصول على خيار مكثف (ومكلف)، يمكنك تعيين معلم ليمنحك الدروس الأولية في العزف على الجيتار أو التحدث باللغة الصينية، والقيام بذلك عدة ساعات كل يوم، أو استأجر مدرب تغذية ولياقة وسوف تندهش من مقدار التقدم الذي يمكنك إحرازه في غضون أسبوعين.

وعلى مستوى أكثر صرامة، فيمكنك بذل كل ما في وسعك وقضاء إجازتك في خلوة صامتة في أحد التقاليد الروحية، أو يمكنك الذهاب في رحلة طويلة والمشي في تأمل دون أجهزة أو مقاطعات والانغماس في فترات الراحة في أدب الحكمة.

وفي مقطع شهير من كتاب الجمهورية، ينصح أفلاطون حول كيفية تعليم الأطفال بطريقة تقوم بإبراز أفضل ما لديهم: “لا تقوموا بإجبار الأطفال على الدراسة بل ليكون ذلك عن طريق اللعب، وهذا سيمكنكم من تمييز قدراتهم الطبيعية بشكل أفضل” وبعبارة أخرى، سيتعلم الأطفال بشكل أفضل إذا سمحت لهم بالاستمتاع بطريقة بناءة بدلًا من إجبارهم على الدراسة وهو الأمر الذي من المرجح أن يقوم بتحفيز التمرد.

ويكمن مبدأ مماثل لذلك وراء أفضل نموذج للعطلة، فالشعور بالإجبار على الاسترخاء والاستمتاع خطأ شائع ويؤدي إلى نتائج عكسية، وإخبار نفسك “سوف أشعر بالانتعاش ولن أفكر في العمل!” لا بد وأن يقودك في الاتجاه الخاطئ، فيمكنك بدلًا من ذلك استخدام استراتيجية أفلاطونية وتحويل وقت راحتك إلى فرصة تعليمية، وبذلك قد تحظى بأفضل عطلة على الإطلاق.

المصدر

مقالات ذات صلة