تلقيت مكالمة هاتفية ذات يوم وبشكل مفاجئ، من اثنين من علماء الأحياء البحرية في ويلز، وعلى ما أذكر، فقد قالا شيئًا من هذا القبيل: “مرحبًا دكتور أوستاد. نحن عالما أحياء بحرية ندرس البطلينوس الذي يبقى على قيد الحياة فترة طويلة جدًّا، هل ترغب في التعاون معنا للتحقيق في كيفية تمكنها من ذلك؟”
بصفتي عالم أحياء مختصًّا بالشيخوخة، والذي ربما اشتهر بمراهنته أن أول شخص يبلغ من العمر 150 عامًا لا يزال على قيد الحياة، أتلقى عددًا لا بأس به من المكالمات والرسائل الإلكترونية من أشخاص يتمنون العيش إلى الأبد، أو من أشخاص يعرفون بالفعل كيف يبقون على قيد الحياة إلى الأبد ويريدون فقط مساعدتي في نشر الخبر. أتذكر أن إجابتي -بتهذيب في هذه الحالة- كانت شيئًا مثل “ربما. ماذا تقصد بـ “وقت طويل جدًّا”؟
“لقرون طويلة”.
أبعدت الهاتف عن أذني، كانت مكالمة صادرة من المحيط الأطلسي، ربما أخطأت السمع. “آسف، ظننتك قلت “قرون”.
“نعم، هذا صحيح– لقرون”.
بعد بضعة أشهر، جلس باحثان من جامعة بانجور في مكتبي ليخبراني عن طول عمر ذوات الصدفتين –وهي حيوانات ذات أصداف مفصلية (الجزء المفصلي من القشرة المسمى صمام)، بما في ذلك البطلينوس، والمحار، والأسقلوب، وبلح البحر. علمت أنه يمكن للباحثين تحديد العمر الدقيق لأي بطلينوس على وجه الدقة –لأي سنة–. وأطلقوا على ذلك اسم علم التسلسل الزمني التصلبي– أي تأريخ الأشياء عن طريق البحث في الأنسجة الصلبة. وقد صيغت هذه الكلمة على أساس علم تحديد أعمار الأشجار، وهو تأريخ للأشجار من خلال حلقات النمو السنوية؛ إذ تُطَوِّرُ الأنواع ذات الصدفتين التي تعيش في المياه ذات التغيرات الموسمية في درجة الحرارة و/أو توفر الغذاء، حلقات نمو سنوية في قشرتها. وإذا تداخلت حياة نوعين من البطلينوس مع بعضهما البعض، يمكن للعلماء حينها الربط بين سلسلة حلقاتهما الأوسع والأضيق وبالتالي تأريخ تاريخ ميلادهما ووفاتهما. ومن خلال مقارنة سلسلة الحلقات من الأصداف الأقدم على التوالي، تمكن العلماء من تحديد أصداف البطلينوس التي يعود تاريخها إلى 649 بعد الميلاد.
سمح علم التسلسل الزمني التصلبي للعلماء باكتشاف مينغ، أقدم بطلينوس على الإطلاق. كان مينغ نوعًا من بطلينوس المحيط (Arctica islandica)، والمعروف أيضًا باسم mahogany quahog. يعيش هذا النوع من البطلينوس على الرفوف القارية على جانبي شمال المحيط الأطلسي. ويبدو أنه يضل المياه الباردة إلى الباردة جدًّا، ونادرًا ما يعيش حيث تتجاوز درجة حرارة البحر حوالي 16 درجة مئوية (61 درجة فهرنهايت). وقد أُطلق على هذا البطلينوس الشهير بالذات اسم مينغ –مينغ الرخوي– في الصحافة بعد اكتشاف عمره الكبير، لأنه وُلد في عهد سلالة مينغ الصينية، عام 1499م. ولتوضيح ذلك، ففي وقت ولادته، كان ليوناردو دافنشي قد انتهى لتوه من رسم لوحة العشاء الأخير، وكان كريستوفر كولومبوس في خضم رحلته الثالثة إلى ما يسمى بالعالم الجديد. ولم يكن كوبرنيكوس قد نشر بعد نظريته الجذرية القائلة إن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس. كما لم يكن شكسبير قد ولد بعد، إلا بعد مرور 65 سنة أخرى.
أمضى بطلينوس مينغ الفترة الأولى من بداية حياته، كما هو حال المحاريات جميعها، يتجول بلا هدف في عمود الماء، قبل أن يستقر أخيرًا في حوالي 80 مترًا (260 قدمًا) من المياه قبالة الساحل الشمالي لأيسلندا. عاش خلال الفترة المتبقية من العصر الجليدي الصغير وتحولت آيسلندا على مدى قرون من الزمن من بلد ريفي قليل السكان إلى واحد من أكثر المجتمعات التكنولوجية في العالم. كما عاش مينغ أيضًا خلال فترة نشوء العلم، حتى قتله العلم عام 2006م للحصول على ما يمكن أن يقدمه من معلومات تاريخية؛ يتطلب علم التسلسل الزمني التصلبي فحص الصدفة في مقطع عرضي، وهو أمر ممكن فقط بعد إزالة ما بداخلها– أو كما نحب نحن علماء الأحياء أن نقول: التضحية به. دُفِنَت بقايا بطلينوس المينغ في البحر. وفي حالة عدم قيامك بالعد، فإن عمر مينغ 507 سنة عندما ضُحِّيَ به في خدمة العِلْم.
قد تكون ذوات الصدفتين مجموعة من الحيوانات الأطول عمرًا؛ فقد وُثِّقَت العديد من الأنواع التي تعيش قرنًا أو أكثر، بما في ذلك بطلينوس المحيط الهادئ الجيوداك (168 عامًا) مع عنقه الطويل بشكل يبعث على السخرية، وبلح البحر اللؤلؤي في المياه العذبة (190 عامًا)، والبطلينوس العملاق المكتشف مؤخرًا في أعماق البحار– والذي لا يحتوي على حلقات نمو ولكن أُرِّخَ بالاستعانة بالكربون المشع، مع ما ينطوي عليه ذلك كله من التشكيك، إلى أكثر من 500 عام. يظل سبب بقاء هذه المخلوقات على قيد الحياة فترة طويلة لغزًا كبيرًا– أو في الحقيقة هو اللغز الأكبر، بقدر ما يتعلق الأمر بأبحاثي الخاصة. تكثر التفسيرات، وكل احتمال يقدم دليلًا محيرًا حول أساس طول العمر. يمكن أن يساعد الفهم الأفضل في الكشف عن كيفية تجنب مجموعة كاملة من الحيوانات، من ذوات الصدفتين إلى الديدان الأنبوبية إلى أسماك القرش، الشيخوخة. وقد تشير أسرارها بدورها إلى العلم الذي من شأنه أن يساعد في إطالة عمر أكثر المخلوقات التي نهتم بها: نحن، البشر.
قد يرجع الفضل في طول عمر ذوات الصدفتين إلى بعض الصفات الطبيعية التي تتمتع بها، أو البيئات التي تعيش فيها، أو الطرق التي تتصرف بها– أو ربما، على الأرجح، إلى هذه الأشياء كلها مجتمعة. مثل العديد من الحيوانات طويلة العمر، فإن ذوات الصدفتين هي كائنات خارجية الحرارة، أو من ذوات الدم البارد؛ إذ تستمد الحرارة من البيئة المحيطة بها بدلًا من إنتاجها بنفسها. قد تتجنب المخلوقات خارجية الحرارية، خاصة تلك التي تعيش في بيئات باردة، عمليتين يمكن أن تلعبا دورًا في الشيخوخة: يعتقد بعض علماء الأحياء أن أجسامها، التي مصادرها الداخلية للحرارة خارجية، تنتج عددًا أقل من جزيئات الأكسجين السامة– جزيئات سامة وهي نتاج ثانوي لنشاط الميتوكوندريا والتي طالما طرحت كاقتراح منذ فترة طويلة كسبب للشيخوخة. وقد تكون لديها أيضًا معدلات أقل من سوء تطوي البروتين. (تتطلب البروتينات تطويًّا معقدًا يشبه الأوريجامي لأداء وظائفها الصحيحة، وقد يسهم فقدان هذا التطوي الدقيق بمرور الوقت في الشيخوخة).
تتمتع ذوات الصدفتين أيضًا بمعدلات أيضية منخفضة، والتي من المحتمل أن تسفر عن فوائد مماثلة؛ فمعظم ذوات الصدفتين تتجمد ونادرًا ما تتحرك عندما تكون بالغة. ويعد بطلينوس Arctica، الذي لديه معدل أيض بطيء بشكل خاص حتى بين ذوات الصدفتين، واحدًا من أبطأ الأنواع المعروفة في النمو. كما يبدو أيضًا استثنائيًّا بين ذوات الصدفتين في قدرته على البقاء على قيد الحياة عند مستويات منخفضة من الأكسجين؛ إذ تمكن بطلينوس Arctica من البقاء على قيد الحياة مدة شهرين في غياب الأكسجين تمامًا، وساعده في ذلك قدرته على تقليل عملية الأيض إلى جزء صغير (ربما أقل من 1%) من المعدل الطبيعي مدة تصل إلى أسبوع.
قد تلعب الحياة في البرد، والتي يمكن أن تقلل أيضًا من معدلات إنتاج الأكسجين الجذري وسوء تطوي البروتين، دورًا لبعض البطلينوس أيضًا. فعلى سبيل المثال، عاش بطلينوس مينغ، في مياه تتراوح درجة حرارتها من 6 إلى 7 درجات مئوية (43 إلى 45 درجة فهرنهايت). وفي المياه الأكثر دفئًا، يبدو بطلينوس Arctica أقصر عمرًا. بينما في بحر البلطيق، على سبيل المثال، لا يبدو أن هذا البطلينوس يعيش أكثر من 50 عامًا، على الرغم من أنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك بسبب درجات الحرارة الأكثر دفئًا في بحر البلطيق، أو الملوحة المنخفضة والمتغيرة نتيجة الأنهار جميعها التي تصب فيه، أو التلوث من تلك الأنهار، أو ضحالة البحر (يبلغ متوسط عمقه 55 مترًا، أو 180 قدمًا)، مع ما يترتب على ذلك كله من عدم الاستقرار البيئي. وقد يعيش بعض البطلينوس حول التسريبات الباردة أو في قاع البحر في القطب الجنوبي الذي يجعل بطلينوس المينغ يبدو وكأنه صغير، نحن فقط لا نعرف.
من الفوائد الأخرى المحتملة: تعيش العديد من ذوات الصدفتين حياة آمنة جدًّا؛ فبمجرد تخطي الطبقات السطحية، يكون المحيط مكانًا مستقرًّا نسبيًّا للعيش فيه. وكلما تعمقت أكثر، كلما كنت محميًّا من التغيرات البيئية المفاجئة. وعلاوة على ذلك، كلما طالت مدة حياة ذوات الصدفتين، كلما كبرت قشرتها وازدادت سماكتها، وبالتالي يقل تدريجيًّا عدد الحيوانات المفترسة المحتملة التي يمكن أن تعترضها وتخترقها. وما يجعل الأمر أكثر أمانًا لهذه الحيوانات، أن العديد من أنواع ذوات الصدفتين تعيش أيضًا مغمورة جزئيًّا أو كليًّا في الوحل في قاع البحر.
إذا ساعدت هذه العوامل في تفسير طول العمر الاستثنائي لبعض أنواع ذوات الصدفتين، فقد نتوقع أن يتنبأ عكسها بقصر العمر حتى في ذوات الصدفتين. فعلى سبيل المثال، إذا كانت توجد أنواع من ذوات الصدفتين تعيش في المياه السطحية الدافئة والضحلة والأقل استقرارًا وتعرض نفسها للأخطار عن طريق السباحة والتحرك في الماء مثلًا (وهو ما يتطلب أيضًا معدل أيض أعلى)، فقد نتوقع أن تكون قصيرة العمر. نعم، يوجد مثل هذا النوع من البطلينوس: يعيش أسقلوب الخليج (bay scallops) في المياه الدافئة الضحلة. وفي الواقع، يعيش مدة عام أو عامين فقط.
والشيء الجميل في معظم ذوات الصدفتين طويلة العمر –وكذلك قصيرة العمر– هو أنه يمكن إحضارها إلى المختبر ودراستها. وأنا وزملائي نقوم بذلك منذ بعض الوقت. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن ندّعي بعد أننا اكتشفنا السر وراء عمر هذه الكائنات الذي يبلغ 500 عام، إلا أننا حققنا في نظريتين قائمتين.
أولًا، إذا كان طول العمر مرتبطًا بالقدرة على مقاومة الأضرار الناجمة عن جذور الأكسجين، كما يعتقد العديد من العلماء، فإن مينغ كان سيصبح محميًّا بشكل جيد. نحن نعلم ذلك لأنه في أحد فصول الصيف، في المختبر البيولوجي البحري في ماساتشوستس، حققتُ أنا وطلابي في مدى قدرة الأنواع المختلفة من ذوات الصدفتين على النجاة من الإجهاد الناتج عن جذور الأكسجين. وقد باعت لنا قوارب الصيد القريبة بعضًا من بطلينوس Arctica. واشترينا أيضًا بعض بطلينوس المائدة، الذي يمكن أن يعيش مدة تصل إلى قرن من الزمان؛ والعديد من أنواع البطلينوس الأخرى التي تعيش حوالي 20 عامًا؛ وبعض أسقلوب الخليج. ثم أضفنا بعض المواد الكيميائية المولدة لجذور الأكسجين إلى أحواضها وسجلنا ما حدث. وكانت النتائج مذهلة، فقد فارق أسقلوب الخليج قصير العمر في العادة الحياة في غضون يومين، ونفق البطلينوس الذي يبلغ عمره 20 عامًا في اليوم الخامس. وقد استغرق بطلينوس المائدة الذي يبلغ عمره 100 عام 11 يومًا ليفارق الحياة. ومع ذلك بدا بطلينوس Arctica غير متأثر. وبعد أسبوعين، بقي هذا البطلينوس على قيد الحياة وبدا قانعًا بوضعه الحالي. لقد جربنا العديد من المواد الكيميائية الأخرى التي أضرت بالخلايا بطرق مختلفة، وكانت النتائج مماثلة. أكدت هذه الملاحظات ما شوهد في الحيوانات المختبرية القياسية: يمكن للحيوانات التي عاشت فترة أطول أن تتحمل اعتداءات أكبر من المنتجات الثانوية الضارة للحياة، مثل جذور الأكسجين. إن فهم طبيعة هذا التحمل الأكبر يمكن أن يعلمنا شيئًا عن كيفية البقاء على قيد الحياة فترة أطول وبصحة جيدة.
الشيء الثاني الذي اكتشفناه عن بطلينوس Arctica كان طريفًا في مفارقته. على الرغم من أن البطلينوس يفتقر إلى أي شيء يمكن أن يسمى دماغًا بشكل معقول، إلا أن Arctica قد يحمل مفتاحًا علاجيًّا لمرض الزهايمر. لقد أردنا أن نتحقق مما إذا كان لدى Arctica حماية أفضل ضد سوء تطوي البروتين. فعندما تُطوَى البروتينات بشكل خاطئ، فإنها لا تكون غير قادرة على تأدية وظائفها الخلوية الطبيعية فقط، بل تصبح لزجة وتتكتل معًا. إن اللويحات والتشابكات المألوفة في الدماغ –من علامات مرض الزهايمر– هي عبارة عن تكتلات من البروتينات اللزجة المطوية بشكل خاطئ. لقد طبقنا عددًا من الطرق المعروفة جيدًا لسوء تطوي البروتينات بشكل متعمد على المستخلص الخلوي السائل لأنواع من البطلينوس التي عاشت حتى سبع سنوات فقط، إلى جانب أنواع أخرى عاشت حتى 30 عامًا، وأخرى عاشت حتى 100 عام، وصولًا إلى Arctica، النوع الذي عاش 500 عام. لقد وجدنا أنه مهما حاولنا بشتى الطرق، فقد قاومت بروتينات Arctica، إلى حد كبير، محاولاتنا لسوء تطوي بروتيناتها. عملت آلية حماية البروتين في Arctica بشكل أفضل من أي بطلينوس آخر. في الواقع، لقد عملت بشكل أفضل من أي مستخلص مماثل من الأنسجة البشرية مع أي بروتين جربناه. حتى أننا جربناه على بروتين A-beta البشري، وهو البروتين الذي يصنع لويحات الزهايمر.
عند هذه النقطة، بدأنا نشعر بالحماس الشديد. فإذا تمكنَّا من عزل الجزيء أو الجزيئات الموجودة في آلية الحفاظ على البروتين في بطلينوس Arctica والمسؤولة عن هذه القدرة الرائعة على مقاومة سوء التطوي، فقد نتمكن من استخدام هذه المعرفة لتطوير علاجات لأمراض سوء التطوي البروتيني، مثل الزهايمر ومرض باركنسون. على مدى السنوات السبع الماضية، كنا نبحث عن سر قدرة بطلينوس Arctica على منع سوء تطوي البروتين، وقد نجحنا إلى حد كبير في اكتشاف عدد من الأشياء غير المسؤولة، وللأسف، لم نتمكن حتى الآن من اكتشاف ما المسؤول عن ذلك. ومع ذلك، سنواصل العمل على الأمر. فقلّما يكون العلم سريعًا أو سهلًا.
ستيفن ن. أوستاد هو أستاذ متميز في علم الأحياء في جامعة ألاباما في برمنغهام، وهو مؤلف كتاب Why We Age: What Science Is Discovering About the Body’s Journey Through Life.
