القائمة الرئيسية

حاول الباحثون فهم المعانقة، وبدلًا من ذلك، أفقدوا قيمة 30 عامًا من البُحوث العلمية

حاول الباحثون فهم المعانقة، وبدلًا من ذلك، أفقدوا قيمة 30 عامًا من البُحوث العلمية
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على التضخيم المبالغ فيه لدور الأوكسيتوسين المعروف بـ"هرمون العناق" في تكوين الروابط العاطفية والتعاطف والسلوكيات الاجتماعية، ويكشف عن دراسة وراثية حديثة على فئران البراري تُظهر أن هذا الهرمون ليس ضروريًا لتكوين روابط زوجية دائمة أو سلوكيات اجتماعية دافئة، ما يثير تساؤلات حول ما اعتُقد لفترة طويلة حول دوره المركزي في العاطفة. بالرغم من أن الأوكسيتوسين لا يزال يساهم أحيانًا في تعزيز المشاعر والتفاعل الاجتماعي، فإن غيابه يمكن للدماغ أن يعوضه بآليات بديلة، مما يوضح أن الرغبة في تكوين علاقات قوية ليست مرتبطة بهرمون محدد بل هي جزء أساسي من طبيعة الثدييات الاجتماعية، بما في ذلك البشر، لضمان البقاء ونقل الأجيال.

بقلم كاثرين ج. وو.

من بين العشرات من الهرمونات الموجودة في جسم الإنسان، يتلقّى الأوكسيتوسين تقديرًا مُبالغًا فيه؛ فقد تم وصف هذه المادة الكيميائية إلى ما لا نهاية بأنّها “هرمون العناق”، و”الجزيء الأخلاقي”، وحتى “مصدر الحب والسعادة”؛ نظرًا لارتباطها بملذات الرومانسية والعلاقات الحميمية والعمل الخيري، وما إلى ذلك. وقد ألهمت هذه المادة كتبًا مشهورة ومحاضرات (TED Talk) كذلك أصرّ العلماء والكتاب على أنّ رشّة منها في أنف الإنسان يمكن أن تغرس فيه التعاطف والكرم، وسوّق البائعون عبر الإنترنت خلطات الأوكسيتوسين المُكوَّنة من زيت الثعبان باسم “الثقة السائلة”.

لكن، كما كتب زميلي إد يونج وآخرون مرارًا وتكرارًا، فإنّ معظم ما يُقال عن الهرمون -في أحسن الأحوال- مُبالغ فيه. إنّ استنشاق المادة الكيميائية لا يجعل الناس أكثر تعاونًا أو ثقة، وقد أسفرت التجارب التي اختبرتها مثل علاج الأطفال المصابين باضطراب التوحد عن نتائج مُخيِّبة للآمال، وعلى الرغم من أنّ عقودًا من البُحوث العظيمة أظهرت أنَ الجزيء متعدد الاستخدامات يُمكنه -في بعض الأحيان- إثارة المشاعر الدافئة في أنواع الفصائل جميعها -التعاون في حيوانات السرقاط، الزواج الأحادي في فئران البراري، رعاية الوالدين في قرود القشة والأغنام- في ظل ظروف أخرى، يمكن للأوكسيتوسين أن يُحوِّل كائنات تتراوح من القوارض إلى البشر لكائنات عدوانية خائفة وحتى متحيزة.

الآن، اكتشف الباحثون أنّ الأوكسيتوسين قد لا يكون غير كافٍ لتكوين روابط قوية فحسب، بل إنّه غير ضروري أيضًا. تُشير دراسة وراثية جديدة إلى أنّ فئران البراري -وهي قوارض ناعمة بحجم قبضة اليد، والتي كانت منذ فترة طويلة بمثابة المثال السائد لتأثيرات الأوكسيتوسين الدافئة- يُمكن أن تتزاوج بشكل دائم دونه، قد يُؤدّي هذا الاكتشاف إلى زعزعة أسس مجال فرعي كامل من فروع علم الأعصاب، وقد يدفع العلماء إلى إعادة النظر في بعض أقدم الأدلة التي بدت ذات يوم وكأنّها تُثبت أنّ الأوكسيتوسين يقع في جوهر العاطفة الحيوانية، لقد اتضحّ أنّ العناق يُمكن أن يحدث دون هرمون العناق الكلاسيكي، حتى في أكثر المخلوقات المُحِبّة للعناق كلاسيكيًّا على الإطلاق.

الأوكسيتوسين ليس بالضرورة بلا فائدة، تقول “ليندسي سايلر”، عالمة الأعصاب في جامعة كورنيل: “لا ينبغي أن يُؤخذ هذا على أنّ الأوكسيتوسين لا يفعل أي شيء”. لكن، لدى الباحثين سبب وجيه للشعور بالذُّهول؛ فعلى الرغم من البيانات الفوضوية كلّها وغير المتسقة وحتى المشبوهة التي تم جمعها من الدراسات البشرية للهرمون، فإنّ الأدلة من فئران البراري كانت دائمًا تُعدُّ جديرة بالثقة، تشتهر هذه القوارض الصغيرة -والتي يُعدّ موطنها الأصلي الغرب الأوسط للولايات المتحدة- بكونها واحدة من أنواع الثدييات القليلة التي ترتبط بكائن واحد مدى الحياة وتتشارك في تربية صغارها. على مدى عقود عديدة وعبر المناطق الجغرافية، وثّق الباحثون كيف تُعانق القوارض بعضها بعضًا في أعشاشها، وتُواسي بعضها بعضًا عند التوتر، وكيف ترفض بقوة فئران الحقل الأخرى التي تُحاول تدمير زواجها. وفي كل مرة يدرسونها، يجدون “هرمون الأوكسيتوسين، الذي يُوجد في منتصف القصة، مرارًا وتكرارًا”، كما تقول “سو كارتر”، عالمة الأحياء العصبية السلوكية الرائدة في بعض الدراسات الأولى حول روابط فئران البراري؛ بدت المسارات الجزيئية الدافعة للسلوكيات واضحة تمامًا؛ فعندما يتم تحفيزها بوساطة سلوك اجتماعي، مثل: العناق أو العلاقات الحميمية، تضخُّ منطقة من الدماغ تُسمّى “منطقة ما تحت المهاد” الأوكسيتوسين، ثم يتعلق الهرمون بمستقبِله، ممّا يؤدي إلى ظهور عدد كبير من التأثيرات التي تُعزّز من العاطفة.

استمرت سنوات من الدراسات المتابعة في إثبات هذه الفكرة، عندما أعطى العلماء فئران البراري أدوية تمنع الأوكسيتوسين من الارتباط بمستقبله، بدأت القوارض بِتجاهُل شركائها بعد أي لقاء. وفي الوقت نفسه، كان مجرد تحفيز مستقبلات الأوكسيتوسين كافيًا لإقناع فئران البراري بالاستقرار مع الغرباء الذين لم يتزاوجوا معهم من قبل، كانت العلاقة بين الأوكسيتوسين والترابط الزوجي قوية للغاية، وقابلة للتكرار، ولا جدال فيها لدرجة أنّها أصبحت من المُسلَّمات. تتذكر “زوي دونالدسون”، عالمة الأعصاب في جامعة كولورادو في بولدر والتي تدرس الهرمون أنّها تلقّت ذات مرة ردود فعل رافضة بشأن إحدى المنح؛ لأنّه -على حد تعبير المراجع-: “نحن نعرف بالفعل كل ما يُمكن معرفته عن فئران البراري والأوكسيتوسين.”

لذا؛ منذ أكثر من عقد من الزمن، عندما شرع عالم الوراثة العصبية والطبيب النفسي في جامعة ستانفورد “نيراو شاه” وزملاؤه في فصل مستقبل الأوكسيتوسين من فئران البراري باستخدام تقنية وراثية تُسمّى كريسبر (CRISPR)، اعتقدوا أنّ تجاربهم ستنجح نجاحًا مباشرًا. أخبرني نيراو أنّ جزءًا من الهدف كان إثبات المبدأ: لم يَقُمِ الباحثون بعد بإتقان الأدوات الجينية لفئران البراري كما فعلوا في حيوانات المختبر الأكثر شيوعًا، مثل فئران التجارب، اعتقد نيراو أنّه إذا نجحتْ تلاعبات الفريق، فسوف يُنجبون سلالة من القوارض المُحصّنة ضد تأثير الأوكسيتوسين، ممّا سيؤدي لعدم إخلاصهم لزملائهم وعدم مبالاتهم بصغارهم، مما سَيُثبِتُ بالتالي أنّ آلية كريسبر قد أجرتْ عملها.

لم يحدث هذا السيناريو، استمرت القوارض في مُعانقة عائلاتها، وكأنّ شيئًا لم يتغيّر، كان الاكتشاف مُحيِّرًا. في البداية، تساءل الفريق عما إذا كانت التجربة قد فشلت بكل بساطة. “أتذكر بوضوح أنّني كنتُ جالسًا هناك وقلتُ لنفسي: كيف يمكن ألّا يوجد فرق؟” أخبرتني “كريستين بيرندزن”، عالمة الأحياء العصبية والطبيبة النفسية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو التي قادت الدراسة، ولكن عندما كرّرتْ ثلاث فرق منفصلة من الباحثين عمليات التلاعب، حدث الشيء نفسه مرة أخرى، كان الأمر كما لو أنّهم نجحوا في إزالة خزان غاز السيارة وما زالوا يُشاهدون المحرك يعمل بعد ضخ الوقود فيه، ربما حدث خطأ ما في التجارب. ومع ذلك، يبدو هذا غير مرجح، كما يقول “لاري يونج”، عالم الأعصاب في جامعة إيموري الذي لم يُشارك في مجال الدراسة الجديد: ولكنّ فريقه أنتج نتائجَ متطابقة تقريبًا في مختبره.

ما تزال التفسيرات حول كيف تم قلب عقود من بُحوث الأوكسيتوسين رأسًا على عقب قيد البحث، ربما يمكن للأوكسيتوسين الارتباط بأكثر من مستقبل هرموني واحد، وهو الأمر الذي أشارت إليه الدراسات على مر السنين، كما أخبرتني سو. لكنّ بعض الباحثين -ومن بينهم لاري- يشكون في احتمال أكثر تطرُّفًا. ربما، في غياب مستقبله المعتاد، لم يَعُدِ الأوكسيتوسين يفعل أي شيء على الإطلاق -مما يُجبر الدماغ على شق طريق بديل نحو العاطفة- قال لي لاري: “أعتقد أنّ هناك أشياء أخرى تحل محل الأوكسيتوسين”.

هذه الفكرة لا تُمثِّلُ رفضًا تامًّا للبُحُوث القديمة. يقول “ديفاناند مانولي”، وهو طبيب نفسي وعالم أعصاب في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، والذي ساعد في قيادة مجال الدراسة الجديد؛ إنّ تجارب أخرى مشابهة أُجريت على حيوانات بالغة نشأت مع هذا الهرمون. تم تجهيز أدمغة القوارض هذه المرة للاستجابة للأوكسيتوسين طوال فترة النمو، ولم تتمكّن من تعويض فقدانه المفاجئ في وقت متأخر من الحياة، لكنّ فريق جامعة ستانفورد وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ربّى حيوانات تفتقر إلى مستقبل الأوكسيتوسين منذ ولادتها، الأمر الذي كان من الممكن أن يدفع جزيئًا آخرَ قادرًا على الارتباط بمستقبل آخر للتدخل، ربما لم تَحتجِ السيارة أبدًا إلى الغاز لتشغيلها: بعد تجريدها من خزان الوقود من البداية، أصبح كل شيء كهربائيًّا لاستبدال ذلك.

سيكون من السهل النظر إلى هذه الدراسة كونها ضربة أخرى للحملة الدعائية للأوكسيتوسين، لكنّ الباحثين الذين تحدّثتُ معهم يعتقدون أنّ النتائج تكشف أكثر من ذلك. قالت لي سو: “ما يُوضِّحه لنا هذا هو مدى أهمية الرابطة الزوجية”، بالنسبة لفئران البراري، ولكن أيضًا بالنسبة لنا. بالنسبة للثدييات الاجتماعية؛ الشراكة ليست عاطفية فقط، إنّها جزء أساسي من كيفية بناء المجتمعات، والبقاء على قيد الحياة بعد مرحلة الطفولة، والتأكُّد من أنّ الأجيال القادمة يُمكنها أن تفعل الشيء نفسه. تقول “بيانكا جونز مارلين”، عالمة الأعصاب في جامعة كولومبيا: “تُعدُّ هذه من أهم العلاقات التي يمكن أن يُكوّنها أيٌّ من الثدييات”. عندما يكون الأوكسيتوسين موجودًا، فمن المحتمل أنّه يُوفّر الجاذبية الكامنة وراء تلك العلاقة الحميمة، وإذا لم يكن كذلك؟ قال لي ديفاناند: “لن يفشل التطور في تعويض شيء بالغ الأهمية مثل الأوكسيتوسين”. قد يُشكّل إزالة الأوكسيتوسين من منصبه خيبة أمل، لكن، من المُريح أن نعلم أنّ الدافع لخلق العلاقات لا يُمكِن تدميره.

المصدر

مقالات ذات صلة