الإنسانوية هي تقليد يقدِّر -فوق كل شيء- التجربة التي لا يمكن الاستغناء عنها في أن تكون إنسانًا، تهدف سارة بيكويل في كتابها الجديد بعنوان “Humanly Possible” (ممكن إنسانيًّا) إلى إحياء تركيز الفلسفة على الأخلاق والعقل والتفاؤل، ولكن صدر كتابها في وقت غريب كما كتب فرانكلين فوير: فطريقة تفكيرها مهددة بالخطر في الثقافة المتغيرة، وخاصةً التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبما أن هذه التطورات -كما كتب فوير- تهدد بقلب أولوية “قدرات العقل المستقل، وجوهر الشخصية الفكرية”، فمن الممكن للإنسانوية أن تستفيد من وجود أنصارٍ لها (ولسوء الحظ، فقد فشل دفاع بيكويل في أن يكون فعالًا).
أخبر إريك شميدت، الذي شارك في تأليف كتاب عن الذكاء الاصطناعي مع هنري كيسنجر، زميلي تشارلي وارزل في الشهر الماضي، أن “السبب الذي يجعلنا نسير نحو هذه الثورة التكنولوجية هو التطور الملموس في الذكاء البشري”، ولكن -كما يشير وارزل- لا نعرف في الواقع كيف سيغير الذكاء الاصطناعي المولّد حياة البشر، وقد نظر ماتيو وونغ في إمكانية أن يصبح الذكاء الاصطناعي المولّد بمثابة عامل تسريع لنظرية المؤامرة، أو طريقة جديدة لنشر أنواع المعلومات التي لطالما كان البشر عرضة لها.
وبطبيعة الحال، فإن قدراتنا غير المعززة هي التي تجعل نماذج اللغات الكبيرة مثل ChatGPT وخليفته GPT-4 ممكنة، إذ كتبت ويندي ليو: “يتم إنشاء كل روبوت دردشة آلية من خلال استيعاب الكتب والمحتوى الذي تم نشرها على الإنترنت، من قبل عدد كبير من الأشخاص، لذلك، فقد تم بناء هذه الأدوات من قبلنا جميعًا إلى حد ما”، ونتيجة لذلك، فإن التحرك نحو تحقيق الدخل من هذه المنتجات هو محاولة لخصخصة ما ترى ويندي أنه يجب أن يكون مملوكًا بشكل جماعي: “التراث المعلوماتي للبشرية”.
لطالما عكست مخاوفنا بشأن الاكتشافات التكنولوجية ما نقدره بالفعل عن الإنسانية، ففي منتصف القرن العشرين، كتب إسحاق أسيموف بعضًا من أكثر الحكايات تأثيرًا في الثقافة الأمريكية عن الذكاء الاصطناعي، ففي قصة تلو الأخرى، تتوق شخصياته الروبوتية إلى أن تكون رجالًا حقيقيين، ويشير جيريمي دوبر إلى أن أسيموف “كان في أعماقه إنسانويًّا”، كما تلتمس الشخصيات في قصصه ما كان يعتز به: الخيال والتواصل والحب، وبالمثل، يشير دوبر إلى أن “شبكات الذكاء الاصطناعي… هي بمثابة نتائج ابتكاراتنا تمامًا، كما هي ابتكارات أسيموف بالحبر والورق الخاصة، فهي آلات مصممة لخلق ارتباطات عن طريق التنقيب والبحث وجمع البيانات عن كل ما نشرناه، والتي تبلغ عن اهتماماتنا ورغباتنا وهواجسنا ومخاوفنا”.
