القائمة الرئيسية

الدعاء المستجاب: قصة

الدعاء المستجاب: قصة
ملخص المقال

يروي المقال قصة الأستاذ أغسطس ميريك وعائلته في جامعة هيلبريدج، مسلطًا الضوء على خيبة أمله من أبنائه الثلاثة الذين فشلوا في تحقيق طموحاته الفكرية والأكاديمية، على الرغم من حبه العميق لهم ودعم أسرته النسائية لهم، مثل ابنته لوسي وعمّتيها. وبينما كانت السيدات الثلاث يحاولن التوفيق بين حبهنّ للأولاد وإدراكهنّ لعجزهم عن التطور الفكري المتوقع، يدخل حياة العائلة شابّ يُدعى أغسطس “غوس” ألسوب، يتيمًا ومحتاجًا للرعاية، ليصبح بمثابة فرصة لتعويض خيبات الأستاذ السابقة. بفضل شخصيته الفضولية واندفاعه الطبيعي نحو التعلم، يثير غوس إعجاب الأستاذ ويملأ الفراغ الفكري الذي لم يستطع أبناؤه سدّه، ما يمنح العائلة، وخاصة لوسي، شعورًا بالأمل والرضا، ويعيد التأكيد على فكرة أن العناية والتوجيه الصائب يمكن أن تثمر أحيانًا حيث فشلت التجارب السابقة.

بقلم: إديث وارتون 

قوبلت الإنجازات الأكاديمية للبروفيسور أغسطس ميريك من جامعة هيلبريدج بتجربة عائلية مؤلمة، فقد كان أبناؤه الثلاثة مخيّبين للآمال.

فعندما أنهى كل منهم الحضانة كان يراقبهم بفارغ الصبر أبٌ قَلِقٌ، وأخت كبرى محبّةٌ، وعمّتانِ يقظتانِ وحنونتانِ ولكن لم يكن أحد قد طوّر أدنى ذرّة من الشعور الفني أو الفكري. أكّد هارولد في وقت مبكر نيَّته للالتحاق بالقوات البحرية. أما فريد، فبعد عدّة سنوات من ممارسة الجولف والحيرة، تزوّج وعمل في وظيفة مكتبية في أحد البنوك. وأرمسترونج، الأصغر والأكثر تبشيرًا بالنجاح، توّج مسيرته الجامعية المؤسفة بأن يصبح وسيطًا (سمسارًا) ناجحًا للأوراق المالية.

“أنا لا أفهم ذلك”، هكذا كانت لوسي ميريك المسكينة تقول لعمّتيها، بينما كنَّ “يتحدثن عن الأولاد” في قاعة الاستقبال الهادئة في هيلبريدج، حيث كانت جدرانها ذات الألوان الحزينة مزيّنةً بصور بينوتزو غوزولي وبورن جونز: “لا أفهم أبدًا، مع كل الفرص المقدمة لهم يغدو الأولاد المساكين الثلاثة جميعًا فاشلين إلى هذا الحدّ. وبالطبع لا يعني ذلك أن يقلَّ الحب الذي نحمله لهم…”. فلم يعرف قلب لوسي ميريك تقليل محبّة أيّ شخص؛ فهي لا تعرف إلا أن تحبَّ أكثر.

وافقتها الآنسة آركيل الكبرى: “بالطبع لا”. كانت الآنستان آركيل أختينِ غير شقيقتينِ للبروفيسور ميريك من زواج والدته الأول، لكنهما اعتنقتا آراءه بشغف قد لا ينتج من قرابة الدم دائمًا. أبدت الأخت الثانية، الآنسة كانديس آركيل (في ذلك المنزل تم الإصرار على نطق المقاطع الثلاثة من اسمها) شيئاً من الاعتراض، فقد كانت أكثر تمسكًا بمبادئ الأستاذ ميريك من أختها، وأقلّ استعدادًا للتغاضي عن اختلاف أبنائه.

قالت بحزم: “لا أستطيع أن أوافق على أن الأمر لا يجعل الشخص يحبهم بدرجة أقل. وخصوصًا آرمسترونغ بموهبته في الرسم؛ أتذكّر عندما كان طفلًا صغيرًا، كيف كان يطلب مني أن أروي له قصص صور بورن جونز”.

قالت الآنسة آركيل وهي تتنهّد: “أخشى أنه لم يكن يهتمّ سوى بالقصص، وأنت تعلمين أن رسوماته كانت كلها رسومًا كاريكاتوريةً للأساتذة”.

وتنهّدت السيدات الثلاث، وكانت لوسي، التي تشعر بالأسى دائمًا؛ بسبب أيّ علامة على الاستياء تجاه إخوتها المساكين، تسأل بلطف: “هل أقرأ لكم فصلًا آخر من كتابات إبكتيتوس”؟

ذكّرها هذا الاقتراح، بمجرد أن تحدثت، بحادثة مؤلمة عندما احتجّ فريد بوقاحة، عندما طُلب منه في أيام دراسته الجامعية أن يُحْضِرَ بعض أصدقائه إلى المنزل لتناول الشاي مع عمّتيه في الساعة الخامسة، فقد قال: “شاي الساعة الخامسة مع إبكتيتوس؟! شكرًا جزيلًا، لكننا نتناول الإفطار معه هذا الفصل الدراسي”!

كان الاطلاع على أعمال الفيلسوف الرواقي العظيم أحد الأنشطة المفضلة لدى الأستاذ ميريك، وفي هذا، كما هي الحال في جميع مساعيه الفكرية الأخرى، اتبعته السيدات بإخلاص لا ينقطع. لم يمانعنَ حقًا قراءة كتابات إبكتيتوس، فقد كان من السهل فهم كتاباته، وساعدتهم مسلّماته -على الرغم من أن لوسي اعتقدت أنها صارمة جدًّا- على تحمل اختلاف الصبيان. لكن عندما اقترح عليهنَّ الأستاذ أن يقرأنَ كتابات كانت وهيغل، أدركوا حدودهم العقلية بتألّم. لقد كنَّ مجرد ثلاث نساء مسكيناتٍ ومحبّاتٍ ومتحيّراتٍ، ولم يستطعن أبدًا أن يفهمن أن إطاعة الأمر الحتميّ هو تمامًا ما كنَّ يفعلنَه كلَّ يوم.

“أوه، لو كان أحد الأولاد فقط مهتمًا”! أعربت الآنسة كانديس عن أسفها ذات يوم شديد الحرارة، عندما انتبهت لوسي من صوت تنفُّس الآنسة آركيل المنتظم المثير للريبة، ووضعت كتاب نقد العقل الخالص (Critique of Pure Reason) على الطاولة.

وقالت: “كما ترين فلا فائدة من قراءة الفلسفة إذا لم نتمكّن من التحدّث عنها بذكاء مع والدك المسكين، ونحن لا نستطيع ذلك. رأيت مدى الملل الذي كان يشعر به بالأمس في أثناء العشاء عندما حاولت أن أخبره عما قرأناه بعد الظهر، وعندما يسأل أيَّ سؤال لا أستطيع تذكُّر أيِّ شيء! بالطبع كانت لدينا كل المزايا الفكرية في العيش مع والدك، والاستماع إلى حديثه، واتباع نصيحته بشأن ما نقرأه؛ لكن عقول النساء أقل شأنًا إلى حدٍّ ميؤوس منه، لدرجة أننا لن نكون أبدًا الرفاق الذين يحتاج إليهم”.

أيقظ صوت انفجار الغضب هذا الآنسة آركيل الكبرى فجأة. تمتمت: “كانت تلك الفقرة الأخيرة ملفتة للنظر جدًّا، لكنها غامضة قليلًا”. وعندما رأت عيني أختها مثبتتين عليها، أضافت شاعرة بالذنب: “على الأقل بدا لي الأمر كذلك”.

دفعت الآنسة كانديس الكتاب جانبًا بنفاد صبر: “لم يكن الأمر كذلك لك وحدك يا جوانا. ربما كنا جميعًا نائمين، فلم نستفد منه شيئًا”!

واقترحت لوسي، بصبرها الذي لا ينفد: “لم لا نعود إلى قراءة كتابات إبكتيتوس”؟

بعد مواجهتهنَّ الكارثية مع الميتافيزيقا الألمانية تبين أكثر للسيدات المسكينات أن هناك فراغًا فكريًا في حياة الأستاذ ميريك، لا يمكن لهنَّ أبدًا أن يملأنه.

“ليت الطفل الصغير عاش عندما ماتت والدتك العزيزة!” تنهدت الآنسة كانديس بسرية للوسي، وردت لوسي بنحيب: “كان ليبلغ الرابعة عشرة من عمره في شهر يناير هذا العام”.

“ولربما كان ليصبح عبقريًا، من يدري”؟!

“على الأقل ربما كان ليشبه أبي العزيز”.

“أعتقد إن الأمر قاسٍ جدًا على والدك يا لوسي أن يكون قد فشل فشلًا ذريعًا مع أبنائه، خاصة مع مواهبه الرائعة في تعليم الشباب، وتأثيره التكويني المتميّز في طلابه”.

“أوه، لا تكوني قاسيةً جدًا على الأولاد المساكين، يا عمتي كانديس”!

“لا أقصد أن أكون كذلك يا عزيزتي، لكن هذا يجعلني أشعر -لا أستطيع أن أشرح السبب بدقة- أن الطفل المسكين الذي مات كان معنيًا ليعوضه”.

وباغتها دخول الأستاذ، وهو منحني الجسم بشعر رماديٍّ مصفّف بعناية، فيما شفاهه يمكن أن تعطي أروع الابتسامات.

بدأ كلامه وجلس فجأة وهو يلهث من الضيق: “عزيزتي كانديس، عزيزتي لوسي” 

فاقتربت المرأتان منه في لحظة ووقفتا فوق رأسه بقلق.

“أبي العزيز”، “عزيزي أغسطس، تكلّم – أرحنا من فضلك”!

كان يمسك رسالة ذات حوافَّ سوداءَ، وينقر عليها بيده المضطربة.

“الأخبار المحزنة كثيرةٌ -والأكثر إيلامًا غير المتوقعة-“.

قالت كانديس: “لوسي، عزيزتي، افتحي النافذة لتمنحي والدك قليلًا من الهواء، واذهبي يا عزيزتي لإحضار بعض الشراب، ستجدين المفاتيح في جيب عمّتك جوانا”.

رفع الأستاذ يده احتجاجًا: “لا داعي لهذا الهراء يا كانديس: أنا لا أحتاج إلى أيّ منبّه. تمالكنَ أنفسكنَّ وسأشرح لكنَّ ما حدث”.

عادت السيدات إلى مقاعدهنَّ بطواعية، وعدّل نظارته ذات الإطار الذهبيّ لتعود لمكانها في أعلى أنفه المرتفع:

“لقد سمعت للتوّ أن صديقي -صديقي المسكين جورج ألسوب- قد توفي فجأةً…”!

جلست لوسي صامتة، كما لو كانت متفاجئة أكثر من أنها مستاءة من هذا الخبر، لكن الآنسة كانديس كسرت الصمت وهي تصرخ بانفعال. ومع ذلك، رفع الأستاذ رأسه وتابع بجمود: “هذه الحقيقة ليست هي ذاتها السبب الأساسيَّ لحزني”.

“أوه…”. تمتمت الآنسة كانديس، وقد احمرّت خجلًا بسبب ردّ فعلها المنفعل.

وتابع الأستاذ: “أنا وجورج ألسوب كنَّا أصدقاء جامعيين، كما تعلمن، وظلّت صداقتنا في أثناء إقامته اللاحقة في هيلبريدج؛ ولكن عندما استُدعي إلى نيويورك، ليصبح شريكًا في بنك والده، أدركت أن مصالحنا قد تباعدت بالتأكيد، وأن القرب وحده هو الذي ساعد على جمعنا معًا. ولأن جورج المسكين كان قد سمح لنفسه بأن تسيطر عليه رذيلة قاتلة -الشغف بكسب المال-“.

أطلقت السيدات أنينًا متعاطفًا، فيما تابع الأستاذ: “وعندما كان في نيويورك، استسلم لأشدّ أنواع التجاوزات لإشباع هذه النزعة المبتذلة – قيل لي إن أقل رقم سيكون عشرة ملايين”.

“عشرة ملايين! كم هذا مروّع”! ارتجفت الآنسة كانديس.

“ربما لا ينبغي لنا أن نحكم عليه بقسوة شديدة”. تابع الأستاذ، الذي كان يزعجها دائمًا بتغيير موقفه فجأةً: “فقد قيل لي إن زوجته -التي ماتت- لم تحرّضه على ضعفه المؤسف فحسب، بل لقد دفعته إلى بذل جهود أكثر، بسبب تبذيرها. اضطرتني الأعمال المرتبطة بالجامعة إلى تناول العشاء معهم في أثناء زيارتي الأخيرة لنيويورك، ولم يكن يضاهي وفرة الأطباق على طاولتهم غير المعقولة إلا العوز المؤلم في حديثهم”.

تنهّدت الآنسة كانديس متّقدةً بالحماسة التبشيرية: “مجرد فكرة وجود الملايين من زملائنا المحكوم عليهم بمثل هذه الحياة”!

صحّت لوسي بلطفٍ: “أوه، بالكاد الملايين”. لكن الأستاذ استمرَّ دون أن يلتفت إلى تعليقاتهم: “في هذه الحالة من الفقر العقلي مات صديقي المسكين فجأة، ولم يترك لعائلته البائسة شيئًا أبدًا سوى وسائل العيش الماديّ”.

بكت الآنسة كانديس: “أوه، هذا أمر مروّع جدًّا؛ لست متفاجئة من ردّ فعلك”! 

“كم عدد أفراد الأسرة”. غامرت لوسي بالسؤال بهدوء. وبالإشارة إلى رسالته أجاب الأستاذ: “طفلان، الابنة وهي الكبرى، متزوجة، والابن -صبي في الرابعة عشرة من عمره-“. توقّف مؤقّتًا، وبعد إلقاء نظرة مرة أخرى على الرسالة، اختتم كلامه مثيرًا للإعجاب: “صبي في الرابعة عشرة من عمره، يُدعى أغسطس ميريك ألسوب، وقد عهد به والده برعايته إليَّ”.

أطلقت كلتا السيدتين صرخةٍ من المفاجأة! وصرخت لوسي، وهي تشعر بأنّها مهتمّة بهذا الغريب: “أوه، أبي، هل كنت تعلم أنه سماه باسمك”؟! 

“هذا أمر أتذكر أنه لم يعجبني في ذلك الوقت، إلا أنني لم أعترض علنًا عليه، تقديرًا لعلاقتنا السابقة”.

“ممتنة لأنك لم تعترض. ربما ساعده الاسم، – أو حماه”.

ابتسم الأستاذ بحنان لابنته، فحتى عندما لم تكن الأمور الفكرية محلّ شكّ، فقد كان هناك نوع من التعاطف والتفاهم بينه وبين لوسي.

“أخشى أن هذا أمل كاذب، فقد كان الصبي دائمًا يُدعى غوس”.

صاحت الآنسة كانديس، وهي تنبّه نفسها إلى فهم عمليّ للموقف: “لكن يجب علينا أن نصرّ على تسميته أغسطس، إذا كنت تريد أن تكون وصيًّا عليه”. بينما تمتمت لوسي: “من الغريب أن يكون عمره أربعة عشر عامًا فقط”.

قال الأستاذ، وهو غير واعٍ على ما يبدو لما قالته: “أخشى أنني كبير على أن أتأثّر كثيرًا. كتب لي محامي والده أنه يمتلك قاربًا بخاريًّا ومحرّكًا”.

تدخّلت الآنسة كانديس مذعورةً: “لكن إذا جاء إلى هنا، أغسطس…”! 

نظر إليها الأستاذ بجدية: “إذا أتى إلى هنا يا كانديس فيجب علينا جميعًا أن نتّحِدَ في خدمة حرمانه الروحي”.

2

جاء أغسطس ميريك.

لم يكن من عادات الأستاذ ميريك أن يرفض مساعدة شاب محتاج، مهما كانت تلك مهمّةً شاقّةً، وكانت لوسي إلى جانبه لتشجيعه بكلّ شجاعة القلب. يبدو أن الوصيَّ الآخرَ المحدد في وصية السيد ألسوب لم يكن قادرًا على توفير سكن للصبي، لذا فإن أغسطس الشاب، على الرغم من امتلاكه وسائل متنوعة للتنقّل، لم يكن لديه مكان يمكنه العيش فيه، إلا إذا استقبلته عائلة هيلبريدج.

عندما فكّرن في الأمر كانت الآنستان آركيل تشعران بخليط من مشاعر اليأس والسعادة؛ لكن لوسي ظلّت متفائلة بثبات. كانت عقيدة لوسي بسيطة جدًّا، فإذا كان هناك عمل يساعد الناس فيجب على المرء أن يفعله؛ وإذا فعل أحد ذلك فمن المؤكد أن النتيجة ستكون مرضية. وذكَّرت عمّتيها قائلةً: “وإذا فكّرتم في الأمر فخلال السنوات الثلاث المقبلة، سيكون هنا فقط في أيام العطلات”.

“ولكن كيف سيتحمّل والدك المسكين وجود صبي آخر في المنزل…”؟!

“سيكون أبي سعيدًا بتأسيس عقله، يا عمتي جوانا”.

“لكن والدك المسكين لم يتمكّن قطّ من تأسيس عقول أبنائه”.

“ربما سيكون حظّه أفضل هذه المرة يا عمتي كانديس”.

“لكن فكري في البيئة المروّعة التي يأتي منها هذا الشاب يا لوسي”!

“وهذا هو المهمّ؛ فكيف يمكننا أن نتركه فيها”؟

وهذه الإجابة دائمًا ما تقنع العمّتينِ مؤقّتًا .

ولكن عندما جاء غوس ألسوب عاودتهم كلّ المخاوف. وصل ومعه خادم وحقيبة ملابس ذهبية. واجهت السيدات هذه الحقائق الفظيعة قبل أن يدركن أن الشخص الذي دخل حياتهنَّ كان صبيًا صغيرًا خجولًا ذا شعر كثيف ونظارات. عندما تعرّفن على هذه التفاصيل، ورأينَ أن أغسطس الشاب، وهو يشرب الشاي، ويتناول الخبز المغطّى بالزبدة، قد أبقى بصره مثبّتًا بإصرار على صورة بورن جونز المعلّقة فوق رفّ المدفأة، بدأن يشعرن بمزيد من اللين تجاهه. وعندما أفرغ كوبه اقترب من الرفّ، وقال بخجل للآنسة آركيل: “ما موضوع تلك الصورة”؟

لقد استمع بانتباه بينما كانت تشرح القصة الرمزية، لكنها رأت أنه كان ضعيفًا شديدًا في أساسيات الأساطير الكلاسيكية.

وعندما انتهت سأل وهو يحمرّ خجلًا إن كان بإمكانه التحدّث إلى الأستاذ ميريك. في هذه الأثناء، كان الأستاذ منعزلًا مع الآنسة كانديس، التي كانت تشرح بينما دموعها تتساقط أن الطاهية وخادمة الاستقبال، وهما امرأتان عفيفتان طاهرتان دون اختبار، تهدّدان بالمغادرة إذا كان هناك “رجل في المنزل”؛ بينما قالت مسؤولة تنظيف الملابس، الأكثر اعتيادًا على الإغراء، بكل جرأة: “إنها ترغب في رؤيته وهو يحاول أن يدخل إلى غرفة الغسيل”.

كان الأستاذ غاضبًا من هذا التعقيد غير المتوقّع، فصاح بتهوّر: “أستطيع القول إنها ترغب بذلك”! . وبهذا الجوّ الفوضويّ دخل أغسطس الشابّ.

قال: “لقد جئت يا سيدي لأسأل إذا كان من الضروريّ لي أن أوظّف خادمي”؟

“ضروري”؟ قالها الأستاذ وهو منقطع النفس، وتابع الشابّ بشغف: “أنا حقًّا أحبّ الاعتماد على نفسي، ويمكنني أن أرتدي ملابسي لوحدي أسرع”.

وبعد ذلك فُصِل الخادم، ووضعت الآنسة كانديس أدوات الحمام الذهبية في مناديل ورقية. وقد استبدلها أغسطس بفرشاة خشبية ومشط من السيلوليد، إذ كانت أكثر توفيرًا، وعلى الرغم من أن الخادم المغادر ترك له زجاجة من الصبغة (الورنيش)، وأعطاه التعليمات وهو باكٍ عن كيفية استخدامه، فقد فضّل أن يلمّع حذاءه بطريقة الأستاذ.

وكان أغسطس قد بدأ تعليمه في مدرسة داخلية عصرية، يسودها حبّ المسيحية والقوة، ويشكّل فيها الصبية المجتهدون أقليّةً مهملَةً. جاء إلى هيلبريدج خلال العطلة الصيفية، وقبل بداية الفصل الدراسي الجديد كشف عن موضوع تعليمه للأستاذ.

قال: “لا أعرف شيئًا، ولن أتعلّم شيئًا أبدًا، طالما بقيت في سانت كريستوفر. لم أسمع قطّ عن بيرسيوس وميديا اللذين في تلك الصورة. أودّ أن أذهب إلى مكان حيث يمكن لأيّ شخص أن يكتشف أشياءَ أخرى غير لعبة الكريكيت”.

ولا يمكن إنكار سعادة الأستاذ. في المواسم وخارجها، كان قد ندّد بالتجاوزات في عبادة العضلات، وكانت فرصة رائعة لأن يتعرّف على إحدى ضحايا هذه العبادة غير الراغبين فيها، وأن يكون بين يديه. اسْتُشْهِد بغوس ألسوب في جميع أنحاء هيلبريدج مثالًا على ردّ الفعل الذكيّ ضدّ نظام غير متنوّع ومملوء بالألعاب الرياضية، وقرّر الأستاذ مشتعلًا مغمورًا بالحماس أن يرسله إلى مدرسة نهارية ممتازة في المدينة نفسها، من أجل إبقائه في بيئة ذات تأثير إيجابيّ على مدار العام.

صرخت الآنسة آركيل، وهي تتذكّر ذلك العام المضطرب، فبعد أن “انسحب” فريدي من المدرسة ظلّت لوحات بورن جونز في غرفة الرسم تهتزّ إلى الأبد، تكاد تسقط:”هذا أمر لطيف جدًا من والدك؛ أتمنّى ألّا يغلق أغسطس الأبواب بقوة بعد أن يعتاد علينا أكثر”! 

وتحت تأثير هذه الذكرى غامرت بأخذ أغسطس جانبًا وتوسّلت إليه أن يستخدم الأبواب بلطف.

نظر إليها من خلال نظارته بمفاجأة. قال: “لا يوجد شيء أقلَّ ذكاءً من استهلاك الطاقة الزائدة عن الحاجة”. وظنت للحظة رهيبة أنه يسخر من الأستاذا. لكنها سرعان ما أدركت أن التبجيل العميق للوصيّ عليه قد دفع بأغسطس بالفعل إلى اكتساب مفردات الأستاذ، حتى استخدمها دون وعي، وأحيانًا بتأثير مذهل، ولكن ليس بأقل نيّة للسخرية.

لم يكن أغسطس يعرف استخدام الفكاهة، فقد بدا مملًّا وسط منزل كثرت فيه الدعابات. لكن فكرة الأستاذ عن الفكاهة كانت في الأساس صاروخًا موجّهًا ضد نفسه أو معتقداته العزيزة، وبدا له غيابها عن التركيبة العقلية للصبي، في الوقت الحالي، ورأى فيها دليلًا آخرَ على قدراته المتميّزة الواعدة. كان الأستاذ يعلّق بالفعل آمالًا كبيرةً على الشابّ أغسطس، وأصبحت لوسي، وهي تشاهد الآمال تكبر، مقتنعة أكثر فأكثر بأن العناية الإلهية المجسّمة التي تثق بها غرائزها بما لا يمكن تغييره، قد أوجدت غوس “لتعويض” عيوب إخوتها.

لمدّة من الوقت، كانت العمّتان، الأقل تفاؤلًا أو الأكثر تشكُّكًا، تراقبان العضو الجديد في أسرتهما بحثًا عن دليل على عدم التجديد. إذا كان هناك أيّ شيء في “البيئة”، ولماذا جعلهنَّ يبحثن في هذا العدد الكبير من المجلدات السميكة عن التطوّر إذا لم يكن هناك شيء يذكر؟ إذن، لبدا أن الصبي المسكين مقدَّر له أن يُظهر بشكل ما التأثيرات الملوّثة لماضيه. وكانت الآنسة كانديس خصوصًا حريصةً على تتبّع هذه التأثيرات. تشمّمت من باب غرفته آثار دخان السجائر، وراقبت حديثه بحثًا عن إشارات إلى مضمار السباق وسوق المال، حتى أنها اختلقت عذرًا للبحث في أدراجه ببحثًا عن روايات وبطاقات فرنسية. لكن أغسطس لم يترك أيَّ إشارة إلى ماضيه. والمؤلفات الأدبية المخفية الوحيدة التي اكتشفتها بين ملابسه الداخلية كانت كتاب منطق جون مِل، وممجلدًا من كتابات إرنست هيكل، كما كان يحضر كل شهر المال المخَصَّص له إلى الأستاذ، ويطلب منه إيداعه في بنك الادّخار.

لم يخطر بباله أبدًا أن يشتريَ أيَّ شيء؛ لأن الكتب كانت هي الأشياء الوحيدة التي يهتمّ بشرائها، وكانت مكتبة الأستاذ تزوّده بأكثر مما كان يحلم بوجوده. أما ملابسه فكان سيتركها تتداعى لو لم تكن الآنسة كانديس موجودة لتمنع مثل هذا الاحتمال، وعندما لم تعد إبرة الخادمة قادرة على إصلاحها اضطرّت كانديس نفسها إلى أن تقترح على المليونير الشاب أن يجدّد خزانة ملابسه فهي بحاجة إلى ذلك.

وأبدى غوس عجزه بعد هذا الاقتراح، فقال: “لقد كان هاريس يُحْضِرُ دائمًا لي أغراضي”، في إشارة إلى الخادم الذي غادر، فانتهى الأمر باضطرار الآنسة آركيل إلى توفير ما يحتاج إليه من “الملابس الجاهزة”، وفقاً لمعاييرهم الخاصة (السابقة) في نظام هيلبريدج.

من وجهة نظر لوسي، التي كانت أكثر انتباهًا من عمّتيها، بدا أغسطس غريبًا بعض الشيء عن المعتاد بربطات العنق والياقات التي اخترنها، لكنه بدا غير واعٍ بأيّ شيء غريب في ملابسه، بخلاف الانزعاج الناتج عن حداثتها، والذي استمرّ لمدّة أطول من معظم الأولاد؛ لأنه لم يفعل سوى القليل لتغيير مظهره.

باختصار، إذا كان غوس ألسوب قد سبّب أيَّ خيبة أمل لعائلته المتبنّاة، فقد كان ذلك ناتجًا سرًا عن اكتشاف أنه لم يكن بحاجة إلى التجديد. كانت الآنسة آركيل قد استعدّت، بتعبير الأستاذ، لتقديم المساعدة بشأن عَوَزِه الروحي، ولكن بينما كان هناك كثير مما ينبغي عمله في طريق التعليم، فقد اضطروا إلى الاعتراف بأن الوعظ والتحذير لا لزوم لهما. كان غوس متحمّسًا للتعلّم، وكان مدركاً لجهله بألم؛ لكنه تعلّم بسرعة كبيرة، وكان يتذكّر جيدًا، لدرجة أنه سرعان ما أصبح بعيدًا عن أيّ تدريس سوى تدريس الأستاذ.

أما تحذيره من إغراءات الكسل والإسراف، أو حثّه على مزايا التفكير الرفيع والعيش الرصين، فكان بلا مسوّغ له، كتوصية بالماء لبطّة فقست حديثًا. وقد انخرط غوس في تطوير القوى العقلية غريزيًّا مثلما اتّجه أبناء الأستاذ إلى الرياضة والحرب وجمع المال. ولو كان في قلب لوسي ألّا تتعاطف تجاه أيّ شخص، لكانت ستستاء قليلًا من الطريقة التي تنعكس بها مزاياه على إخفاقات هؤلاء الشباب غير المتجددين. ولكن كيف يمكن لها ألَّا تشعر بالاعتزاز بهذا الشخص، الذي قُدِّر له أن يعوّض الأستاذ عن خيبات أمله الأبوية؟! كانت سعادة والدها بسبب غوس كافية تمامًا للوسي، وإذا أحسّت فيه بقليل من الجفاف، أو افتقار طفيف إلى نشاط الشباب، فقد أرجعت ذلك إلى خوف خبيث من أن يحلَّ محلَّ إخوتها.

المصدر

مقالات ذات صلة