القائمة الرئيسية

أطفال المشروع الجيني النازي 

أطفال المشروع الجيني النازي 
ملخص المقال

يروي المقال قصة جيزيل نيانغو التي اكتشفت بعد طفولة مليئة بالإشاعات والعار أنها متبناة، لتكشف لاحقًا في سن متقدمة حقيقة صادمة: أنها وُلدت ضمن برنامج ليبينزبورن الذي أنشأه النظام النازي لتعزيز “النقاء العرقي”، ما جعلها تعيد النظر في هويتها وتاريخها الشخصي وعلاقتها بعائلتها وماضيها، بينما تتتبع أيضًا قصة والتر بوسرت وغيره من الأطفال الذين ولدوا في الظروف نفسها وعانوا لاحقًا من النبذ والارتباك حول أصولهم، ويستعرض المقال كيف ترك هذا الإرث النفسي والتاريخي أثرًا عميقًا في حياتهم وهوياتهم وعلاقاتهم، قبل أن يحاول بعضهم تحويل التجربة إلى ذاكرة جماعية والمطالبة بالاعتراف بهم كضحايا للحرب، مؤكدًا أن التاريخ الشخصي يظل متشابكًا مع أحداث كبرى وأن فهم الجذور يمكن أن يكون رحلة مؤلمة لكنها ضرورية للمصالحة مع الذات.

بقلم فالنتاين فاور

في المدرسة الابتدائية الصغيرة في قرية جوي سو ليه كوتس (Jouy-sous-les-Côtes) في شمال شرق فرنسا، علمت جيزيل مارك بالإشاعة التي تدور حولها: والداها ليسا والديها الحقيقيين، ووالدتها الحقيقية كانت عاهرة، كان ذلك في أواخر الأربعينيات، أي بعد الحرب مباشرة، وهو الوقت الذي انتقلت فيه القصص المُتناقلة همسًا مثل هذه القصة من الآباء إلى مسامع الأبناء، النساء اللاتي قيل إنهن أقمن علاقات غير شرعية مع جنود الاحتلال -“التعاون الأفقي أو النسائي”- حُلقت رؤوسهن وتعرضن للعار علانية من قبل الحشود الغاضبة، وفي ساحة المدرسة، سخر الأطفال من أولئك الذين قيل إنهم وُلدوا لـ “آباء مجهولين”.

إن فكرة التخلي عن جيزيل من قبل شخص سيئ السمعة جعلتها تشعر بالعار الشديد، وفي سن العاشرة، استجمعت قواها وواجهت والدتها والتي بدورها أخبرتها الحقيقة: “تبنيناكِ عندما كان عمركِ 4 سنوات، كنتِ تتحدثين الألمانية، لكنكِ الآن فرنسية.” نادرًا ما تحدثت جيزيل ووالدتها عن ذلك الموضوع بعدها.

وعثرت جيزيل على ملف التبني الخاص بها، مخفيًّا في أحد أدراج غرفة والديها، وكانت تتسلل من وقت لآخر لإلقاء نظرة عليه، كان الملف يحتوي على قدر ضئيل من المعلومات؛ عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها، أحرقته على الموقد. قالت لي: “قلت لنفسي، إذا أردت أن أعيش، يجب أن أتخلص من هذا التاريخ”.

تبلغ جيزيل الآن 79 عامًا من العمر، وهي غير نادمة على حرق الأوراق. لبعض الوقت، كانت قادرة على كبت التساؤلات المتعلقة بأصولها من ذهنها، في السابعة عشرة من عمرها، حصلت على وظيفة في مستشفى ودار للأطفال وأدركت أنها وجدت هدفها في الحياة، لقد أمضت حياتها المهنية في العمل بشكل رئيسي في مراكز الرعاية النهارية، وفي النهاية أسست مركزًا خاصًّا بها. في عام 1972م، تزوجت من جستن نيانغو، وهو طالب كيمياء من ساحل العاج، وقد قاما بشراء فندق قديم خلف ميدان ستانيسلاس في نانسي وحولاه إلى منزل.

وقمت بزيارة جيزيل هناك في يونيو، كان من السهل تصور الحياة العائلية المفعمة بالحيوية داخل المنزل ذات يوم: يركض أطفالها -فيرجيني وغابرييل وغريغوار وماتيو- ذهابًا وإيابًا على الدرج ويعزفون على الآلات الموسيقية في غرفهم. وفي المدرسة، كانوا في بعض الأحيان الأطفال السود الوحيدين في فصلهم، لدى جيزيل الكثير من القصص حول التعليقات القاسية التي تلقتها هي وأطفالها على مر السنين، وتنتهي كل القصص بمواجهتها للمذنب.

 

The Children of the Nazis’ Genetic Project - The Atlantic

جيزيل عندما كانت صغيرة في قرية جوي سو ليه كوت في فرنسا (جهة اليمين)؛ جيزيل في منزلها في نانسي في فرنسا (جهة اليسار)؛ (نولوين برود إلى مجلة ذا أتلانتيك، بإذن من جيزيل نيانغو)

أحجمت جيزيل عن إخبار أطفالها بأنها متبناة، قلقةً من أن يؤدي هذا الكشف إلى إضعاف علاقتهم مع والديها، لكن في بعض الأحيان، كان السر “يلوح قليلًا”، وعلمت أنها ستبوح به في النهاية.

وعندما توفيت والدتها عام 2004م، جمعت أطفالها وأخبرتهم، صُدموا وطرحوا أسئلة لم تعرف إجاباتها.

وبعد سنوات من التجنب، تاقت جيزيل للعثور على تلك الإجابات، تذكرت الاسم المكتوب في ملف التبني المحروق ومكان الميلاد: جيزيلا ماجولا، وُلدت في بار لو دوك (Bar-Le-Duc) في شمال شرق فرنسا، بدأت بحثها هناك، وأرسلت إلى Arolsen Archives، المركز الدولي المعني بالاضطهاد النازي في ألمانيا، لتسأل عما إذا كان هناك أي ذكر لها في سجلات المنظمة.

وفي مارس 2005م، تلقت جيزيل ردًّ صادمًا: لم تولد في بار لو دوك، وإنما بالقرب من مدينة لياج في بلجيكا، في دار الولادة النازية في قصر Château de Wégimont، تم أُنشأ هذا المنزل وغيره من المنازل من قبل قوات شوتزشتافل، أي نخبة من الجنود النازيين، تحت ظل منظمة ليبينزبورن، والتي سعى النظام من خلالها إلى تشجيع ولادة الأطفال ذوي “الدماء الجيدة” من أجل تسريع هدفه النهائي المتمثل في النقاء العرقي الآري.

تلاشى كل ما اعتقدته جيزيل عن نفسها من قبل، حيث أدركت أن العائلة التي أمضت حياتها كلها في الدفاع عنها ضد العنصرية تنحدر من أحد أشنع المشاريع العنصرية في التاريخ.

كانت النازية أيديولوجية مدمرة، وكان هدفها الأساسي هو القضاء على “الأعراق والأجناس الدُنيا”، ويركز جانب آخر من العقيدة النازية -لا يقل-سوءًا- على شكلٍ مُتخيل من الإصلاح: بدأ النازيون بمجرد وصولهم إلى السلطة عملية إنتاج جيل جديد من الألمان ذوي الدم النقي. كانت منظمة ليبينزبورن جزءًا أساسيًّا من هذه الخطة، وهي منظمة تأسست في عام 1935م تحت رعاية قوات شوتزشتافل، وهدفها تشجيع الإنجاب بين أفراد العرق الآري من خلال توفير الراحة والدعم المالي للأمهات، والسرية عند الضرورة. كان المقر الرئيس للمنظمة في ميونيخ، في الفيلا السابقة للكاتب توماس مان، الذي غادر ألمانيا في عام 1933م. وفي عام 1936م، افتتحت المنظمة أول دار أمومة لها في بلدة شتآينهورينغ القريبة.

وأشرف على قوات شوتزشتافل هاينريش هيملر، الذي كان يأمل أن يكون جنود النخبة بمثابة طليعة عرقية لألمانيا “المُصلّحة”، وقال في خطاب ألقاه عام 1931م أمام قوات شوتزشتافل: “فيما يتعلق بقيمة دمائنا وأعداد سكاننا، فإننا نموت، يتوجب علينا إرساء الأسس حتى يتمكن الجيل القادم من صنع التاريخ”. باعتباره مهندسًا زراعيًّا مؤهلًا، أشرف هيملر على هذا المشروع بمستوى مُبالغ فيه من الاهتمام: في البداية، كان لا بد من إحالة جميع طلبات الزواج المقدمة من قادة قوات شوتزشتافل إليه، وكان من المتوقع من الجميع أن ينجبوا: تم تحديد أربعة أطفال كـ “حد أدنى… لزواج سليم جيد”، لم يكن لدى هيملر أي مشكلة مع الإنجاب خارج نطاق الزواج، وانتقد عداء الكنيسة الكاثوليكية تجاه الولادات غير الشرعية، حيث كتب أن تربية “الأطفال غير الشرعيين أو الأيتام ذوي الدم الجيد” يجب أن تكون “عادة مقبولة”، وفي عام 1939م، أصدر أمرًا يدعو أعضاء قوات شوتزشتافل إلى الإنجاب حيثما أمكنهم ذلك، حتى خارج نطاق الزواج.

ووَفقًا لهيملر، كانت منازل ليبينزبورن مخصصة “في المقام الأول لعرائس وزوجات شباب قوات شوتزشتافل، وثانيًا للأمهات غير الشرعيات من الدم الجيد”، إلا أن الأمهات غير الشرعيات كن يشكلن الأغلبية العظمى. بعيدًا عن أعين العالم، يمكن للأمهات العازبات أن يلدن في منازل ليبينزبورن، وأن يتخلين عن أطفالهن الذين سيحصلون على أفضل رعاية قبل وضعهم في أسرة متبنية إن أردن ذلك – طالما أن الوالدين البيولوجيين يطابقان المعايير العرقية (صور كلاهما مطلوبة)، كان على المتقدمين الأوائل تلبية متطلبات الطول وإثبات صلاحيتهم العرقية والطبية ببيانات تعود إلى جيلين سابقين، وجد المؤرخ الألماني جورج ليلينتال أنه في البداية، قُبل أقل من نصف النساء المتقدمات.

وراقب موظفو ليبينزبورن كيفية تصرف الأمهات أثناء الولادة، وطلبوا منهن إرضاع أطفالهن إذا استطعن قال أدولف هتلر عام 1935م: “للمرأة ساحة معركة خاصة بها، مع كل طفل تجلبه إلى العالم، تخوض معركتها من أجل الأمة”.

 

tk

أطفال ليبينزبورن في ألمانيا، 1945 (روبرت كابا / ICP / Magnum)

كما تلقت النساء “تعليمًا عقائديًّا” يوميًّا وَفقًا للمؤرخة ليزا باين. مُنِح بعض الأطفال اسمًا أوليًّا غير مسيحي من موظفي ليبينزبورن في حفل مستوحى من العادات النوردية القديمة، تحت العلم النازي وصورة للفوهرر، أمام الجمع، يحمل رئيس المراسم خنجرًا من خناجر قوات شوتزشتافل فوق المولود الجديد ويتلو ما يلي: “نحتضنك في مجتمعنا كعضو من جسدنا، سوف تكبر في ظل حمايتنا وتجلب الشرف لاسمك والفخر لإخوتك والمجد الذي لا ينضب لعرقك”. وظنوا أنه من خلال هذا الحفل، أصبح الطفل عضوًا في عشيرة شوتزشتافل، مرتبطًا “بالرايخ” (أي العشيرة) إلى الأبد.

بحلول 11 أكتوبر 1943م، عندما ولِدت جيزيل، كان هناك حوالي 16 منشأة ليبينزبورن في جميع أنحاء مناطق أوروبا التي يحتلها النازيون، لقد وصلت متأخرة بأربعة أيام عن الموعد المحدد ليكون هيملر الأب الروحي لها، حيث قام رئيس القوات الخاصة النازية شخصيًّا برعاية الأطفال الذين ولِدوا في يوم عيد ميلاده، 7 أكتوبر.

وبعد ظهر أحد أيام الربيع الماضي، جلستُ مع جيزيل في غرفة معيشتها، وكانت عشرات الوثائق والصور منشورة أمامنا، وكانت جيزيل امرأة قصيرة يتخلل شعرها الأبيض خصلات بنية، متحفظة وصريحة في الوقت نفسه، وتتمتع بروح الدعابة الساخرة، لقد قالت مازحة: “لقد أخطأ هيملر بشأني حقًّا” إشارةً إلى زواجها من رجل أفريقي وتكوين عائلة مختلطة الأعراق.

The Children of the Nazis’ Genetic Project - The Atlantic

بطاقة الكريسماس لعائلة نيانغو (جهة اليمين)؛ زواج جيزيل من جستن نيانغو (جهة اليسار)؛ (بإذن من جيزيل نيانغو)

وترفض جيزيل فكرة وجود صلة بين حياتها المهنية وسنواتها الأولى التي قضتها في نوع مختلف تمامًا من الرعاية النهارية، فقد اختارت طريقها قبل وقت طويل من معرفة أصلها الحقيقي.

ومع ذلك، فهي لا تقلل من حقيقة أن قصة حياتها لا يمكن فصلها عن تاريخ النازية، لقد تساءلت في كثير من الأحيان كيف يمكن لأصولها أن تشكل ما تسميه “ذاكرتها الداخلية”، حيث طالما كانت تخاف للغاية من الشاحنات العسكرية والقطارات والأحذية الجلدية، ولا تستطيع أن تتحمل سماع بكاء الأطفال، وغالبًا ما كانت تغادر مكتبها لتهدئة الأطفال الصغار، كما تشعر بالقلق من أنها نقلت شيئًا شريرًا إلى أطفالها من خلال جيناتها.

وساعدت الصدفة جيزيل على تتبع أصولها. بعد أشهر قليلة من وفاة والدتها، عندما بدأت بحثها، ذهب قريبها إلى جنازة حيث ألقى رجل طويل القامة ذو شعر أشقر تأبينًا للمدرس الراحل، وتحدث الرجل الذي يدعى والتر بوسرت عن وصوله إلى فرنسا عندما كان طفلًا في قافلة من ألمانيا. أجرى قريب جيزيل، الذي كان كبيرًا بما يكفي ليتذكر تبني جيزيل وكان يعلم أنها جاءت من ألمانيا، محادثة مع بوسرت بعد الجنازة، تساءل قريبها عمّا إذا كانت جيزيل في القافلة نفسها.

وقد كان بوسرت طفلًا من ليبينزبورن، وقبل عقد من الزمن، كان أول شخص في فرنسا يدلي بشهادته بشأن ليبينزبورن، في تقرير تلفزيوني عام 1994م عن سعيه للعثور على المكان الذي ولد فيه في جميع أنحاء أوروبا، جمع قريب جيزيل بينها وبين بوسرت، الذي سرعان ما ساعدها على تتبع تاريخها.

ساعدت الراهبات في رعاية الأطفال النازحين في دير Kloster Indersdorf، بما في ذلك جيزيل (أقصى اليسار) ووالتر (الثاني من اليمين). (مجموعة متحف الهولوكوست التذكاري بالولايات المتحدة، إهداء من ليلو بلاشكيس)

 

The Children of the Nazis’ Genetic Project - The Atlantic

لا تزال القصة مليئة بالثغرات، إلا أن جيزيل تعرف الآن هوية والدتها البيولوجية، مارغريت ماجولا كانت امرأة مجرية هاجرت إلى بروكسل مع والديها وشقيقتها في عام 1926م. ذهبت مارغريت في النهاية إلى ألمانيا للعمل مع والدتها وشقيقتها في مصنع للملابس في ساربروكن، وعندما حملت عام 1943م، هربت وعادت إلى بروكسل، أخبرتني دوروثي شميتز كوستر، مؤلفة الكتاب بعنوان ليبينزبورن لمدى الحياة: أطفال تشوتزشتافل وما حل بهم (Lifelong Lebensborn: The Desired Children of SS and What Became Of Them)، أنه بحلول ذلك الوقت، كان مشروع ليبينزبورن قد خفف معاييره إلى حد ما: يمكن للإيمان القوي بالاشتراكية القومية أن يعوض عن قصر قامة مارغريت، إلا أن العوامل التالية كانت لا تزال إلزامية لكلا الوالدين: الآرية، والشهادة الصحية، وشهادة الصحة الوراثية.

وتغيرت مشاعر جيزيل تجاه مارغريت مع مرور الوقت، عندما علمت من أرشيفات شتاينهورينغ أن بعض الأمهات بحثن عن أطفالهن بعد الحرب، في محاولة لاستعادتهم، أصبحت جيزيل تكرهها، قالت جيزيل: “لم تبحث عني أبدًا ليس لديها أي حنان تجاهي، ولا حتى ذرّة، إنها ليست أمًّا”. وتشير وثيقة تعود إلى ما بعد الحرب إلى “حياتها السيئة”، حيث تذكر الوثيقة رفض طلب مارغريت للحصول على الجنسية المجرية (كانت هي وشقيقتها عديمتي الجنسية آنذاك)، لو التقتت جيزيل بمارغريت، ربما كان بإمكانها أن تشرح ذلك، لكن مارغريت توفيت عام 2001م، قبل سنوات قليلة من بدء جيزيل بحثها.

وكانت جيزيل أقل فضولًا بشأن هوية والدها، حيث تخيلته على أنه الصورة النمطية لضابط قوات تشوتزتافل، إنه بلا أدنى شك “وغد”.

وفي عام 2009م، التقت جيزيل بأخ غير شقيق لها يدعى كلاود، وُلد بعد الحرب وقامت مارغريت بتربيته. ما زالا يزوران بعضهما بعضًا من وقت لآخر. أشارت إلى أن كلاود كان يقول إن والدتهما أساءت معاملته، حيث أخبر جيزيل ذات مرة أنها كانت محظوظة لأنها لم تنشأ معها.

ومثل جيزيل، كان اكتشاف والتر بوسرت لأصوله نتيجة صدفة، عند ولادة ابنته الأولى، فاليري، في عام 1966م، حدقت الممرضة في ملامح بوسرت، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 22 عامًا خلف الشعر الأشقر الأملس الكثيف، لاحظت عينيه الزرقاوين الفاتحتين – كانت إحداهما عينًا زجاجية لا تغلق أبدًا – وتذكرت الأطفال الصغار السبعة عشر الذين وصلوا بالقطار إلى المستشفى في كوميرسي عام 1946م، قالت له: “أعتقد أنك أتيت من ألمانيا”، مما أكّد شيئًا كان والتر يشك فيه دائمًا.

وكان والتر الطفل الوحيد في تلك القافلة المتجهة إلى فرنسا الذي لم يجرِ تبنيه أبدًا. نشأ في دور اليتامى وأصبح مراهقًا متحفظًا وصارمًا. على خلاف العادة بالنسبة لطفل من ليبينزبورن، جرى ختان بوسرت، لم يعرف السبب أبدًا. قالت فاليري ابنة والتر التي تبلغ الآن 65 عامًا، عندما التقيت بها في حانة قديمة على طراز “الفن الجديد” في نانسي: “كان والدي مهووسًا بالبحث عن عائلته، لقد بحث عن والدته طوال حياته”.

TK

فاليري بوسرت (جهة اليسار)؛ والدها، والتر بوسرت (جهة اليمين)؛ (نولوين برود إلى مجلة ذا أتلانتيك؛ بإذن من فاليري بوسرت)

في عام 1994م، أثناء تصوير التقرير التلفزيوني عن ليبينزبورن، سافر والتر إلى موقع منزل ليبينزبورن السابق في Château de Wégimont، حيث سمع من السكان المحليين عن امرأة تدعى ريتا، كانت طاهية في ليبينزبورن، وأنجبت طفلًُا اسمه والتر. عندما حاول الجنود الألمان أخذ والتر بعيدًا عن ريتا، تقول القصة أنه سقط وأصيبت عينه اليسرى، مثّل هذا الخيط الذي كان والتر البالغ ينتظر الحصول عليه ليتتبعه، إذ صار يعتقد أن ريتا هي والدته.

قالت فاليري: “إلا أن ذلك لم يكن صحيحًا، التقينا بريتا وعرفنا من هو والتر، وهو ليس والدي، إلا أن والدي رفض الاقتناع بالحقيقة، وقال إن ريتا لديها طفل ثانٍ اسمه والتر أيضًا قلت له إن ذلك غير منطقي، إلا أن إنكاره كان مرَضيًّا”.

وكانت فاليري، التي لديها عيون زرقاء فاتحة وشعر أشقر أملس مثل والدها، تلقّب بـ “sale boche” – أي “ألمانية قذرة” – في المدرسة خلال طفولتها، كما كان والدها يُطلق عليه باسم “الفأر الأبيض”. في عام 1986م، وقعت فاليري في حب لاجئ من فيتنام، وقالت: “كان والد ابني أول شخص ببشرة ملونة في قريتنا، ولكن بالنسبة لي لم يمثل ذلك مشكلة، إذ شعرت بأنني أنا الغريبة، لا هو”.

 

TK

والتر وحفيده لام (جهة اليمين)؛ والتر عندما كان صغيرًا (جهة اليسار)؛ (بإذن من فاليري بوسرت)

ووُلِد ابنهما، لام، بعين بنية وعين زرقاء؛ كانت إحدى العينين – الزرقاء – تعاني من عيب خلقي قد يسبب العمى، وهو العيب الذي حملته فاليري أيضًا ونقلته إليه، أدركت أن عين والدها الزجاجية لم تكن نتيجة إصابة على الإطلاق، “عندما اضطر ابني إلى الخضوع لعملية جراحية، قلت لأبي: كما ترى، إنه عيب خلقي، وليس إصابة”، استشاط والدها غضبًا، ووَفقًا لما تذكرته فاليري، قال: “هذا هراء! لا تقولي ذلك!”

وقالت فاليري أن الأمر لم يكن مجرد أن والتر أراد أن يصدق أن عينه الزجاجية كانت نتيجة كفاح أمه البيولوجية لحمايته من الجنود الألمان، كان أيضًا مرعوبًا من المرض، ومن كونه “حاملًا لعيب خلقي”، وبذل قصارى جهده لإثبات تفوق قوته وقدرته على التحمل. في أحد الأيام، بينما كان يقطع الخشب مع صديقه، اخترق منشار صديقه الجذع، مما أدى إلى جرح ساقي والتر حتى العظام، عصّب والتر ساقيه بنفسه وقاد السيارة إلى منزله، تتذكر فاليري صعوده الدرج وكأن شيئًا لم يحدث، وكانت ساقاه ملطختين بالدماء، وطلب منها بهدوء استدعاء سيارة إسعاف.

وشعر والتر أن ضعف الآخرين لا يطاق، عندما شُخّصت إصابة زوجته، والدة فاليري، بالسرطان، كانت فاليري تمنعه أحيانًا من دخول غرفتها، “كان يقول لها: عليك أن تكافحي، يجب أن تأكلي، ستتحسنين إن قمتِ بهذا وذاك، وكان ذلك شكلًا من أشكال الإساءة النفسية!”

وبالنسبة لفاليري، كانت هذه السمة في والدها بمثابة صدى مثير للقلق للتركيز النازي على التفوق الجسدي. أعلن هتلر في عام 1935م: “يجب على الشاب الألماني أن يكون بسرعة الكلاب السلوقية، وبمتانة الجلد، وبصلابة فولاذ شركة كروب”. طُرِد أطفال ليبينزبورن الذين ولدوا بحالات مثل متلازمة داون أو الشفة المشقوقة أو حَنَف القدم من المنازل أو قتلهم.

وفي بعض الأحيان تشعر فاليري بالقلق بشأن ما من الممكن أنها تتوارثه هي وابنها من والدها. “عندما أرى بعض السمات الشخصية لابني – صارم وسلطوي بعض الشيء – والتي يمكن أن تنتمي إلى والدي وإليَّ أيضًا، ينتابني دائمًا هذا القلق العابر: هل قمنا بنقل شيء شرير من ليبينزبورن؟”

وفي صيف عام 1945م، نشرت مجلة Life تقريرًا مع صور التقطها المصور روبرت كابا عن “الأطفال الخارقين” في منزل ليبينزبورن، جاء في أحد التعليقات: “إن الأوغاد الذين خلّفهم رجال هيملر في هوهنهورست هم من ذوي العيون الزرقاء والشعر الكتاني وسمنة الخنازير”. وكتب آخر: “الكثير من الحساء والكثير من ضوء الشمس جعلا هذا الطفل النازي الذي يرتدي بدلة وأحذية محبوكة يدويًّا سمينًا وذا صحة جيدة للغاية لدرجة أنه يملأ بطنه كبير الحجم بالكامل”. وقال آخر: “ذوو سمنة الخنازير الذين تمتعوا برعاية وزيادة مفرطة في الممرضات النازيات صاروا الآن يشكلون للحلفاء مشكلة لم تُحلَّ بعد”. تعطي نبرة هذه التعليقات فكرة عامة عن مستوى الاستياء الذي شعر به الأمريكيون والأوروبيون في عام 1945 تجاه أولئك الذين نجوا من أهوال الحرب – حتى الأطفال الصغار.

ولكن لم يكن جميع أطفال ليبينزبورن ذوي عيون زرقاء أو شعر كتاني أو حتى في هذا الصدد “سمنة خنازير”. ومن المحتمل أنه بسبب عدم وجود ارتباط بمقدم رعاية واحد، تأخر نمو بعض الأطفال، تشير الفحوصات الطبية التي أجريت بعد الحرب إلى أن والتر كان يعاني من نقص الوزن، ويرد في وثيقة من الأخصائيين الاجتماعيين الفرنسيين أن جيزيل أصيبت بنوبات غضب عند وصولها إلى فرنسا.

وبالنسبة لجيزيل وزملائها من أطفال ليبينزبورن، كان تحرير الحلفاء لبلجيكا بمثابة بداية رحلة – في حاملات من الخيزران مثبتة في الجزء الخلفي من الشاحنات العسكرية – عبر أوروبا المدمرة، في كتابه بعنوان مصنع الأطفال المثاليين (The Factory of Perfect Children)، يروي الصحفي الفرنسي بوريس ثيولاي أن الجنود الألمان المنسحبين غادروا منزل ليبينزبورن بالقرب من لياج في الأول من سبتمبر بعام 1944م، ومعهم حوالي 20 طفلًا صغيرًا. وبعد عدة توقفات في ألمانيا وبولندا، وجد الأطفال أنفسهم في أول منظمة ليبينزبورن في شتاينهورينغ، وانتهى الأمر بوالتر بوسرت هناك أيضًا.

وفي شتاينهورينغ، كان مسؤولو قوات شوتزشتافل محشورين مع الأطفال والنساء الحوامل من المؤسسات الأخرى التي أُغلقت الآن. وانتشرت صناديق الوثائق في ممرات جناح الولادة، حيث واصلت النساء الولادة.

وعندما انتشر خبر وفاة هتلر، أحرق المسؤولون أكبر عدد ممكن من الوثائق، يصف ثيولاي أهداف هذه الإبادة: “سجلات المواليد، وهوية الأطفال والآباء، والمخطط التنظيمي، وأسماء الأشخاص المسؤولين: يجب أن يختفي كل شيء، يجب إزالة دليل وجود ليبينزبورن”. لكن هوس النازيين بالوثائق جعل محو السجلات بالكامل مهمة مستحيلة، فقد كانت كثيرة جدًّا.

وبعد أيام قليلة من وفاة هتلر، وصلت جماعة صغيرة من الجنود الأمريكيين إلى شتاينهورينغ، وحُوّلت مسؤولية الأطفال: أصبح الأمريكيون مسؤولين عنهم الآن.

في وقت لاحق من عام 1945م، نُقِل جيزيل ووالتر إلى كلوستر إندرسدورف، على بعد تسعة أميال من معسكر داخاو، حيث جرى إيواؤهما في دير يعود إلى القرن الثاني عشر كان قد استولى عليه الجيش الأمريكي لصالح إدارة الأمم المتحدة للإغاثة وإعادة التأهيل لاستخدامه مركزَ استقبال للأطفال النازحين. هناك، عاش أطفال ليبينزبورن مع الناجين: الأطفال اليهود الذين تمكنوا من الخروج من معسكرات الاعتقال، بالإضافة إلى لمراهقين غير اليهود من أوروبا

 

TK

الشرقية والوسطى الذين أجبروا على العمل أثناء الحرب.

ليليان روبنز، الأخصائية الاجتماعية الأمريكية التي أدارت مركز الأطفال النازحين في كلوستر إندرسدورف، تتشاور مع راهبة في عام 1946م. يظهر والتر بوسرت في أقصى اليسار، وتجلس جيزيل عند قدمي روبنز (مجموعة متحف الهولوكوست التذكاري بالولايات المتحدة، إهداء من ليلو بلاشكيس)

وجرى تشجيع الأطفال الأكبر سنًّا على مساعدة الصغار، تُظهر أحد الصور ثلاث فتيات صغيرات شقراوات يمشطن شعر الرضع بلطف ويطعمنهم بالملعقة كما لو كن يلعبن بالدمى، وتظهر الصورة أعلاه مجموعة من الأطفال على غطاء منقوش بالمربعات تحت مراقبة الأخصائية الاجتماعية الأمريكية ليليان روبينز وراهبة. في الزاوية، يجلس على الأرض بعيدًا عن الأطفال الصغار الآخرين والتر الصغير، بعينٍ مغمضة وابتسامة عريضة للمصور.

وحاول موظفو إدارة الأمم المتحدة للإغاثة والتأهيل العثور على أفراد أسر الأطفال الناجين، إن وجدوا، رغم أن بعض الأطفال لم يكن لديهم هوية مسجلة، أُعطيَ بعضهم تاريخ ميلاد تقريبي. ربما كان هذا هو ما حدث مع والتر بوسرت، الذي يصادف تاريخ ميلاده الرسمي تاريخًا مشبوهًا – وإن كان ممكنًا بلا شك: الأول من يناير عام 1944م. لم يكن مكان ولادته معروفًا، ولكن على الأرجح، لأنه كان يُعتقد أنه عاش سابقًا في منزل ليبينزبورن في فرنسا، قرر موظفو إدارة الأمم المتحدة إرساله إلى هناك من إندرسدورف.

أما جيزيلا الصغيرة، فقد أظهر ملفها أنها ولدت في “Wégimont” (مع حذف الاسم الكامل للقصر)، والتي اعتقد الموظفون أنها مدينة فرنسية، وانضمت إلى والتر في القافلة المتجهة إلى منطقة نهر الميز في فرنسا، التي لم يتعافَ سكانها أبدًا من الحرب العالمية الأولى، تغير اسم جيزيلا إلى جيزيل، وبدأت حياتها طفلةً فرنسية.

هل كانوا “ناجين”؟ هؤلاء الأطفال الصغار الذين يدينون بوجودهم لسياسة الولادة النازية؟ الذين تناولوا الفواكه الطازجة والحساء بينما كان الأطفال الآخرون يتعرضون للغازات السامة أو يتضورون جوعًا حتى الموت؟

في 10 أكتوبر من عام 1947م، في نورنبيرغ، امتثل أربعة من قادة ليبينزبورن أمام محكمة عسكرية أمريكية خاصة كجزء من محاكمات نورنبيرغ اللاحقة، التي حاكمت القادة النازيين المساعدين، ووجهت إليهم ثلاث تهم: جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حربية، والانتماء إلى منظمة إجرامية، وأدين ثلاثة من القادة الأربعة بالتهمة الثالثة، إلا أن المحكمة أثبتت أن منظمة ليبينزبورن لم تكن سوى “مؤسسة رعاية اجتماعية”، ولذلك، لا يعتبر الأطفال ضحايا.

وحتى سبعينيات القرن العشرين، كانت منازل ليبينزبورن تُعامل على أنها إشاعة، أو توصف بأنها مزارع تربية حيث يتزاوج رجال قوات شوتزشتافل مع نساء مختارات على أساس العرق، صدر أول كتاب عن ليبينزبورن في فرنسا عام 1975م وأسهم في سوء الفهم هذا من خلال الإشارة إلى أن “الممرضات” جرى اختيارهن في الواقع ليصبحن آلات إنجاب، كتب جورج ليلينتال أول عمل أكاديمي عن المشروع في عام 1986م. 

وفي السنوات التسع التي استمر فيها المشروع، وُلد ما لا يقل عن 9200 طفلٍ في دور الرعاية، وُلد حوالي 1200 في النرويج، التي تضم أكبر عدد من دور الولادة التابعة لقوات شوتزشتافل خارج ألمانيا. بعد الحرب، نُبِذ هؤلاء الأطفال، إلى جانب النساء اللاتي يشتبه في أنهن أقمن علاقات غير شرعية مع الجنود الألمان، كما جرى اعتقال بعض هؤلاء النساء في المعسكرات. لم يكن لدى فرنسا سوى دار ليبينزبورن واحدة فقط، والتي كانت تعمل لمدة أقل من عام، لذلك كان احتمال الاعتراف بأطفال ليبينزبورن هناك أقل بكثير.

وفي عام 2011م، سافر كل من جيزيل ووالتر إلى إندرسدورف للانضمام إلى الاحتفال السنوي الذي أقيم هناك من قبل المقيمين السابقين في مركز الاستقبال التابع لإدارة الأمم المتحدة للاجئين، ووصفت جيزيل المنظمين بأنهم “أطفال يهود”، تمامًا كما لا تزال تشير إلى نفسها على أنها “طفلة ليبينزبورن”. وقالت لي: “لقد كان أمرًا استثنائيًّا أن يجري تضميني في الحفل.” أثناء وجودها في إندرسدورف، ذهبت لزيارة معسكر داخاو مرتين، حيث شعرت أنها بحاجة إلى مواجهة ما ربما كانت لتؤمن به لو أنها نشأت في عائلة من عائلات قوات شوتزشتافل.

وقام كل من جيزيل ووالتر معًا بتأسيس منظمة ذكرى الأطفال ضحايا ليبينزبورن في عام 2016م، وهي محاولة لتشجيع الاعتراف العام بأطفال ليبينزبورن كضحايا للحرب.

ومن جانبه، أصبح والتر مهووسًا بالحصول على القبول من المجتمع اليهودي، حيث درس التوراة وأصبح صهيونيًّا. تتذكر فاليري: “كان يحتفل بالأعياد اليهودية، كان أصدقاؤه اليهود عونًا كبيرًا لوالدي، كان إخبارهم له: “أنت أيضًا ضحية يا والتر” أعظم هدية”.

وتوفي عام 2021م وهو يرتدي نجمة داود حول رقبته، لقد كان في حالة صحية سيئة ويعيش في دار للمسنين، قبل بضعة أيام، ولأول مرة في حياته، اعترف بأن ريتا قد لا تكون والدته.

واحتفظت فاليري بمشط لا يزال يحتوي على خصلات شعر والدها، وتأمل أن تكتشف الأسرار التي قد يحتويها حمضه النووي في أحد الأيام.

وتوفي زوج جيزيل، جوستين، قبل 15 عامًا، لكنها لا تزال تقضي كل شتاء تقريبًا في أفريقيا، في قريته التي تُعد فيها شخصية “مشهورة” على حدّ قولها، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن السكان رأوها على شاشة التلفزيون، في مقطع عن ليبينزبورن.

وفي منزلها في نانسي، تحتفظ بصورة والدتها البيولوجية في مكان مكشوف، إلا أنها لم تعد تنظر إليها كثيرًا. قالت لي: “إنه تراثي، لا أريد أن أنسى أنني ولِدت من هذه المرأة، كل ما تريده الآن هو أن تُروى قصتها”، وقالت مازحة: “أنا متواضعة، أريد أن يعرف العالم كله قصتي”.

وتزوج ابنها غابرييل من امرأة ألمانية، ويتحدث أحفادها الآن اللغة الألمانية، اللغة التي نسيتها جيزيل تمامًا. قالت: “هذا يظهر أن التاريخ يستمر”. يعمل ابنها ماتيو على كتابة كتاب حول ليبينزبورن، وكتب هو وزوجته كاميل مسرحية عن قصة الأطفال، التي حضرت جيزيل عرضها مؤخرًا في مسرح صغير في باريس حيث شاهدت قصتها وهي تُمثَل أثناء جلوسها بجوار ابنتها فيرجيني.

وقال أحد الممثلين الصغار: “يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، ولكن الأهم من ذلك كله، يكتبه البالغون مسحت جيزيل دموعها بتكتم خلف نظارتها.

المصدر

مقالات ذات صلة