القائمة الرئيسية

العلاقات شبه الاجتماعية هي نسخة البالغين من الأصدقاء الخياليين

العلاقات شبه الاجتماعية هي نسخة البالغين من الأصدقاء الخياليين
ملخص المقال

يناقش المقال مفهوم العلاقات شبه الاجتماعية من خلال تجربة الكاتب الشخصية مع ملصق نجمة مسلسل Charlie’s Angels، موضحًا كيف ينشئ الناس روابط عاطفية مع مشاهير لا يعرفونهم، وهو مفهوم صاغه عالما الاجتماع دونالد هورتون وريتشارد وول، وقد تتراوح هذه الروابط من إعجاب عابر إلى تعلق شديد قد يؤثر في القدرة على بناء علاقات حقيقية والسعادة، خاصة لدى أصحاب أسلوب التعلق المتجنب، كما تشير أبحاث من جامعة يورك. ويؤكد المقال أن هذه العلاقات ليست دائمًا ضارة لكنها قد تصبح إشكالية إذا استبدلت العلاقات الواقعية، مقترحًا تقليل الانشغال بحياة المشاهير والانفصال شبه الاجتماعي عند الحاجة، والعمل على فهم أسلوب التعلق الشخصي وبناء روابط حقيقية صحية بدل الاعتماد على علاقات خيالية، في عالم يعزز فيه الإعلام والشركات هذا الارتباط لأغراض تجارية مثل خدمات المشاهير عبر منصات مدفوعة.

بقلم آرثر بروكس

صدر الملصق الأكثر شعبية في تاريخ الولايات المتحدة في عام 1976م وتسبب في حالة من الذعر الأخلاقي بين الآباء الأمريكيين. ظهرت فرح فاوست، نجمة مسلسل Charlie’s Angels، وهي ترتدي ثوب سباحة أحمر من قطعة واحدة، وتتألق بابتسامتها العريضة المثالية، بِيع اثنا عشر مليون نسخة، بما في ذلك لي ولأغلب أصدقائي في الصف السابع، حيث قام كل واحد منا بلصقها على جدار غرفته، وتعرضت بذلك أمهاتنا “للفضيحة”، وهو ما أعتقد أنه كان جزءًا من الهدف.

الآن بعد أن أصبحت عالِمًا اجتماعيًّا، يمكنني تصنيف علاقتي بفرح – التي شعرتُ أنني أعرفها، لأنها كانت آخر شخص أراه كل ليلة عندما أذهب إلى النوم – كرابطة شبه اجتماعية (بالإنجليزية: parasocial bonding)، وهذا النوع من العلاقات شائع جدًّا، أي إنشاء وتنمية علاقة في عقلك بينك وبين شخص لا تعرفه، أو ربما لا يكون موجودًا على الإطلاق. يمكن أن تكون العلاقة علاقة مودة غير مؤذية، مثل علاقتي بفرح، أو علاقة حب خيالية كاملة، والتي يسميها بعض علماء الاجتماع “fictophilia” أو العشق الخيالي، والتي يمكن أن تبدو أقوى من الروابط الحقيقية.

لم يكن على والدتي أن تقلق بشأن فرح، فبدأنا في مخيلتي نفقد علاقتنا القديمة شيئًا فشيئًا. بحلول الصف الثامن، لم يكن الملصق أكثر من مجرد مصدر للمرح مع أصدقائي، ولكن في كثير من الحالات، يمكن أن تستمر العلاقات شبه الاجتماعية؛ مما يؤدي لصعوبة تكوين العلاقات في الحياة الواقعية، وبالمحصلة قد يؤثر على السعادة. إذا كانت علاقتك بشخص لا تعرفه قوية جدًّا، فقد تحتاج إلى التفكير في “الانفصال شبه الاجتماعي”.

جرى تقديم مصطلح التفاعل شبه الاجتماعي في الخمسينيات من قبل عالميّ الاجتماع دونالد هورتون وريتشارد وول، كانت هذه الفترة التي انتشر فيها التلفزيون المنزلي، وكانوا يرون الناس يبنون نوعًا من العلاقة المقربة مع الممثلين الذين كانوا يظهرون بشكل افتراضي في منزلهم. واليوم، أصبح التعريف أوسع بكثير؛ إذ أصبح الممثلون والمغنون والكوميديون والرياضيون وعدد لا يحصى من المشاهير متاحين لنا بطرائق أكثر من أي وقت مضى، وكذلك بات تكوين الروابط الاجتماعية أسهل مما سبق.

يعد الارتباط العاطفي بين المعجبين والمشاهير أمرًا جيدًا للأعمال التجارية، فهو يشجع الناس على شراء المزيد من المواد الترفيهية والمنتجات التي يدعمها المشاهير من أجل الشعور بالقرب من “أصدقائهم” الخياليين؛ حتى إن العديد من المشاهير قد يقومون باستغلال هذه العلاقات شبه الاجتماعية في البيع من خلال شركات مثل Cameo. هل تريد أن تتمنى لك كايتلين جينر عيد ميلاد سعيدًا؟ سيكون ذلك بـ 2500 دولارٍ.

ربما تستحضر العلاقات شبه الاجتماعية صورة الأشخاص الوحيدين الذين يتعلقون بحياة الغرباء ليتذوقوا التواصل مع الناس، لكن الشعور بالوحدة والتفاعل شبه الاجتماعي لا يرتبطان بشكل ثابت، إذ لا يوجد دليل على أن الروابط شبه الاجتماعية، بالنسبة إلى معظم الناس، تمتد إلى ما هو أبعد من المستوى السطحي، فلم يسبق لي أن ناديت زوجتي عن طريق الخطأ بـ “فرح”، ومعظم الثرثرة حول الحياة الخاصة للمشاهير تكون تافهة.

على الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة حول مدى وجود مثل هذه العلاقات، إلا أن علماء النفس يوثقون حالات العلاقات شبه الاجتماعية التي يمكن أن تكون أعمق بكثير مما يؤدي إلى عواقب وخيمة. يلاحظ الباحثون أن الروابط شبه الاجتماعية تتراوح في شدتها، بدءًا من العلاقات الاجتماعية الترفيهية (على سبيل المثال، النميمة حول أحد المشاهير)، إلى العلاقات الشخصية الشديدة (المشاعر العارمة تجاه أحد المشاهير)، إلى الحدود المَرضية (السلوكيات والتخيلات التي لا يمكن السيطرة عليها). على المستوى الأعمق، يمكن أن تكون العلاقة شبه الاجتماعية خطيرة، كما هو الحال عندما يفقد أحد المعجبين الاتصال بالواقع ويطارد نجمًا، تحت وهم أن لديهم علاقة واقعية مع أحد المشاهير.

ولكن حتى في الحالات الأقل خطورة، يمكن أن يشير الترابط شبه الاجتماعي إلى وجود خطأ ما في علاقات الحياة الواقعية بين المعجبين، حيث يمكن أن يكون أحد أعراض “أسلوب التعلق”، وهو مفهوم نفسي كان مجالًا للتركيز المكثف لعلماء النفس لسنوات عديدة. أظهرت عقود من الأبحاث أن أسعد الناس يشعرون بالأمان في علاقاتهم الشخصية؛ مما يعني أنهم لا يشعرون بالقلق بشكل غير مبرر بشأن الالتزام ولا يتجنبونه، ويمكن أن يؤدي التعلق القلق إلى الغيرة أو الشك أو التشبث، بينما قد يؤدي التعلق المتجنب إلى تقديم دعم عاطفي أقل مما هو ضروري للحفاظ على علاقة ناجحة وبالنتيجة تكوين علاقات هشة. بشكل عام، يؤدي هذا إلى التعاسة والعلاقات غير المرضية.

وفي عام 2021م، وجد عالما نفس من جامعة يورك في كندا أن تكوين الروابط شبه الاجتماعية يرتبط بقوة بالتعلق المتجنب، أي أن الأشخاص الذين يميلون إلى إبعاد الآخرين في حياتهم اليومية كانوا أكثر احتمالية من غيرهم للارتباط بالشخصيات الخيالية، وخاصة الشخصيات التي تتميز بالتجنب عاطفيًّا أيضًا.

لم يثبت البحث وجود علاقة سببية بين التعلق المتجنب والروابط العاطفية مع الشخصيات الخيالية. ومع ذلك، يمكنك أن ترى بسهولة كيف يمكن للعلاقات شبه الاجتماعية أن تكون بديلًا عندما يجد المرء صعوبة في الارتباط في الحياة الواقعية، يمكن أن يؤدي هذا إلى بدء حلقة من ردود الفعل، حيث يحفز التعلق المتجنب الترابط شبه الاجتماعي، والذي يؤدي بدوره إلى قلة التواصل مع العائلة والأصدقاء في الحياة الواقعية حيث يقضي المعجب وقته ويبذل طاقته في سبيل شخصٍ لا يعلم بوجوده.

لا يتمثل هدفي في الإشارة إلى أن العلاقات شبه الاجتماعية تكون دائمًا سيئة، أو حتى غير طبيعية، بل في أن الترابط شبه الاجتماعي الشديد قد يكون إشارة إلى أنك تبعد عنك الأشخاص الحقيقيين الذين يمكنهم منحك الحب الذي تحتاجه حقًّا. وتتمثل إحدى طرائق معالجة ذلك في الابتعاد عن أصدقائك الخياليين، ثمَّ إيقاف حلقة ردود الفعل مؤقتًا ومنح نفسك مساحة أكبر لمتابعة التواصل الشخصي، فكر في القيام بأمرين:

1. لا تُعِر الأمر اهتمامًا كبيرًا.

إحدى الطرائق التي نتواصل بها مع الآخرين هي مشاركة التفاصيل الشخصية لحياتنا. قد تشعر أنك قريب جدًّا من زميلتك في العمل، على سبيل المثال، بعد أن تخبرك عن عائلتها، وعلى نحو مماثل، يستطيع المشاهير تنمية الروابط شبه الاجتماعية مع معجبيهم من خلال منحهم إمكانية الوصول إلى حياتهم الشخصية، غالبًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. قد يكون من الصعب أن نتذكر أن مثل هذا الوصول لا يبني أساسًا لصداقة متناغمة مبنية على الثقة، وبدلًا من ذلك، عادةً ما يكون الهدف هو استغلال إخلاصك لأغراض تجارية.

ذكّر نفسك بأن الحياة الشخصية لأحد المشاهير ليست من شأنك حقًّا تمامًا كما لا يمكنك النظر إلى نوافذ منزل شخص غريب، لا تقرأ عن حياتهم في مجلات القيل والقال، أو على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم، إذا كنت تشعر أنك بحاجة إلى أخذ حياة المشاهير على محمل الجد، يمكنك فرض حظر على الحديث عن حياة المشاهير مع الأصدقاء.

2. الانفصال شبه الاجتماعي.

إذا كانت الرابطة شبه الاجتماعية تستهلك الكثير من أفكارك ووقتك، فقد ترغب في التوقف عن متابعة أعمال أحد المشاهير (على سبيل المثال، التوقف عن مشاهدة أحد البرامج التلفزيونية) تمامًا بمعنى آخر، “انفصل” رسميًّا عن صديقك شبه الاجتماعي.

قد يكون هذا أصعب مما يبدو. لقد درس العلماء حالات الانفصال شبه الاجتماعي ووجدوا أنها تتطلب رعاية وجهدًا لأنها يمكن أن تؤدي إلى أعراض حقيقية من الحزن والشعور بالخسارة، ولحسن الحظ، فإن تلك المشاعر السيئة لا تكون شديدة للغاية. عندما قام الباحثون الذين يكتبون في مجلة الإذاعة والوسائط الإلكترونية (Journal of Broadcasting & Electronic Media) بقياس الضيق الذي شعر به الناس بعد انتهاء البرامج التلفزيونية التي يمثل فيها شخصيات كانوا مرتبطين بها عاطفيًّا، وجدوا أن التجربة كانت أقل حدةً من تجربة انتهاء العلاقات في الحياة الواقعية، وأقل ألمًا مما توقعه الناس.

هناك مشكلة أخرى يجب التعامل معها: التعلق المتجنب الذي قد يكون هو السبب الأساسي وراء علاقتك شبه الاجتماعية. يُعد تغيير أسلوب التعلق الخاص بك أكثر تعقيدًا قليلًا من التوقف عن متابعة أحد المشاهير عبر الإنستغرام أو اتخاذ قرار بعدم قراءة مقال عن إحدى الشخصيات في برنامج تلفزيوني.

في البداية، قد ترغب في معرفة المزيد عن العلوم الأساسية وراء أسلوب التعلق، وتحديد ما إذا كان أسلوبك في الواقع متجنبًا أم لا. يستخدم علماء النفس استبانةً قياسية لتقييم أساليب التعلق، ويمكنك ملؤها بنفسك. إن مجرد معرفة أسلوبك يمكن أن يكون مفيدًا، خاصة إذا كنت على استعداد لبذل الجهد، ربما بمساعدة معالج نفسي، من أجل بدء علاقات صحية مع أشخاص حقيقيين.

إذا لم يكن أسلوبك متجنبًا، فمن المحتمل أن تكون مخاطر الترابط شبه الاجتماعي أقل، ولكنك قد تجد أنه إذا ركزت أكثر على علاقاتك الواقعية، فلن يكون لديك مساحة في قلبك لصديق خيالي.

المصدر

مقالات ذات صلة