القائمة الرئيسية

سببٌ آخر لكراهية الصراصير

سببٌ آخر لكراهية الصراصير
ملخص المقال

يشرح المقال كيف تحوّل استخدام الطعوم المُحلّاة قبل عقود إلى نقطة تحوّل في الحرب ضد الصراصير، قبل أن تنقلب المعادلة عندما طوّرت الصراصير الألمانية نفورًا جينيًا من السكر مكّنها من تجنّب السموم والبقاء، وهو اكتشاف وثّقه باحثون مثل كوبي شال وجولز سيلفرمان، لتُظهر القصة مثالًا حيًا على سرعة التطور تحت ضغط التدخل البشري. ويتناول المقال كيف أثّر هذا التكيّف في غذاء الصراصير وسلوكها وحتى تكاثرها، قبل أن تطوّر الحشرات بدورها حلولًا جديدة للحفاظ على فرص التزاوج كما توضح أبحاث أياكو وادا كاتسوماتا، ما يجعل كثيرًا من الطعوم أقل فاعلية بمرور الوقت. ويخلص المقال إلى أن هذه المعركة المستمرة تكشف مرونة مذهلة لدى الصراصير وقدرتها على مواصلة التكيّف، ما يعني أن جهود البشر للسيطرة عليها ستظل سباقًا تطوريًا مفتوحًا يصعب حسمه.

بقلم: كاثرين ج. وو

تمّ توجيه الضربة الأكثر مرارة قبل نحو 40 عامًا في الحرب التي دامت قرونًا بين البشر والصراصير. فبعد أن سَئِم الباحثون من مطاردة الحشرات باستخدام البخّاخات والقنابل الضارة، بدأوا في حَقْنِ الموادِ السَّامة بنكهاتٍ لذيذة يمكن أن تجبر الصراصير على الاقتراب من تلقاء نفسها، لتتغذَّى حتى هلاكها. وقد كان السِّر هو السُكر: فالصراصير مثلنا نحن البشر، لا تتمكَّن ببساطةٍ من مقاومة شهيّتها للحلويات.

يقول كوبي شال، عالِم الحشرات في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، إنّ ظهور هذه الطعوم “قد أحدث ثورة في مكافحة الحشرات”. فقد كانت الشركات المُصَنِّعَة واثقة من أنها قد حقَّقت تفوقًا حاسمًا بعد قرون من الصراع، والنَصر كان رائعًا. 

ولكن لم يَمُرَّ سوى عقد من الزمن حتى عدنا لساحة المعركة مرّة أخرى. ففي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، تلقَّت الشركات المُصَنِّعَة لمنتج Combat -وهو طُعم مكافحة الصراصير الشهير- مكالمة محيّرة من أحد مشغليّ مكافحة الحشرات في فلوريدا. فقد كان يقوم بزراعة طُعم Combat في جميع أنحاء المنازل لسنوات، ولكن فجأة، فشل في إغراء الصراصير الألمانية وجذبها ناحية الموت. وقام أحد الباحثين في الشركة، وهو جولز سيلفرمان، بأخذ العديد من الصراصير من شقةٍ في مدينة غينسفيل، واندهش لاكتشافه أنّ الحشرات لم تعد تميل ناحية شراب الذُّرة التابع لـ Combat، بل قامت بالهروب والنفور منه.

اكتشف سيلفرمان حالة من حالات التطور: فبعد أن جذبتهم السموم المُحلاَّة بالسُكر لسنوات، ماتت معظم الصراصير الموجودة في الشقة. ولكن بعض الحشرات المولودة بتغيراتٍ جينية غير عادية في نظام حاسَّة التذوّق لم تعد تنجذب إلى الطعوم –على عكس أقرانها المدمنين على السُكر- حيث عاشت هذه الحشرات ما يكفي من الوقتِ لنقلِ تلك الطفرات الجينية إلى نسلها. وقد أخبرني شال أنه منذ ذلك الحين تمّ اكتشاف مجموعات من الصراصير التي تتجاهل الطعوم في أجزاءٍ أخرى من العالَم، حتى في بلدانٍ بعيدة مثل روسيا، ويبدو أن كل منها يتطور بمفرده لتجنّب الطعم. وفي مواجهةِ الموت. تكيّفت الصراصير بسرعةٍ هائلة وقلَبت الخصم رأسًا على عقب، وهو سببٌ آخر يجعلها من أكثر الحشرات العنيدة التي تواجهنا.

إنّ نفورَ الصراصيرُ من الحلوياتِ كان له ثمنه، فلا يزال مذاق اللحوم والمكسَّرات والأطعمة النشويَّة شديدة التعقيد كالفول، جيدًا في الغالب. ولكن أيّ شيء يحتوي على سُكر الجلوكوز البسيط، أو يتحلّل بسرعة، يُعْتَبَرُ بالنسبةِ للصراصيرِ المتحوّلة ذا مذاق مُرّ بشكلٍ مروع، كما تقول أياكو وادا كاتسوماتا، عالِمة الحشرات في جامعة ولاية كارولينا الشمالية. فيما قال شال إنّ هذه مشكلةٌ على الأرجحِ بالنسبةِ للحشراتِ في العالَمِ الغربي المُدمن على السُكر، لأنها “تأكل كل ما نأكله” -من الحلوياتِ والمعجناتِ والوجبات الخفيفة المُعبَّأة-، وأضاف قائلاً: “تخيّل لو أنّ هناك غزوًا في دانكن دونتس”. لذا بسبب تعطّشها للخيارات منخفضة الكربوهيدرات، فقد تواجه الصراصير المتحوّلة صعوبةً في تناولِ ما يكفي من الطعام. ولَم يقم كلاً من وادا-كاتسوماتا وشال بالكثير من العمل في محلاّت بيع “الدونتس”، ولكن تجاربهم في المختبرِ أظهرت أنّه عندما تكون الطعوم نادرة وتتدفق الأطعمة السُكرية بحريَّة، فإن الصراصير المتحوّلة تتفوق بسرعةٍ على أبناء عمومتها الذين يحبّون الجلوكوز.

إنّ النظامَ الغذائيُ المُشابه لنظام أتكينز الغذائي قد ترك أثرًا على حياة الصراصير الألمانية الجنسية أيضًا. فقبل “فضيحة السُكر”، كان للحشراتِ بروتوكول تزاوج قياسي: إذ ينفث الذكور “هدية زواج” دهنية ومُحلاَّةٌ من غدةٍ على ظهورهم لجذبِ الإناثِ المُحتملات إلى لقاءٍ غراميّ. ومن الناحيةِ الكيميائية، فإن هذه الإفرازات تشبه “الشوكولاتة” في تأثيرها وجاذبيتها، كما أخبرتني وادا-كاتسوماتا. وإذا كانت هديةُ الزواجَ لذيذةً بما فيه الكفاية، فقد تنجذب الصراصير الإناث للتمتّع بوجبةٍ خفيفة -لمدة خمسة أو ستة أو سبعة ثوانٍ وربما أطول من ذلك بقليل-؛ لبدءِ عملية التزاوج التي قد تستمر لمدة ساعة أو أكثر.

ولكن وجبةُ الزواج التي يقدّمها الذكر لا تثير اهتمام الإناث الكارهات للسُكر، فهي مليئةٌ بالمالتوز وهو نوع من السُكر الذي يتحوّل بسرعةٍ في اللُّعابِ الأنثوي إلى جلوكوز. وكما أخبرتني وادا-كاتسوماتا “بأنّ الأنثى تكون مُهتمة في البداية”، لكن مع مرور بضع ثوانٍ، يصبح الطعم مُرًّا، مما يحثّها على الانسحاب قبل تخصيب البويضة. وقد تمرّ أسابيع قبل أن تكون الأنثى جاهزة للتزاوج من جديد، هذا إذا كانت مُهتمة بالمحاولة مرّة أخرى. وقالت وادا-كاتسوماتا “تعلم الإناث أنّ عملية التزاوج ليست جيدة بسبب الطعم المُرّ”.

يبدو هذا، من الناحيةِ النظرية، كما لو أنه “يجب أن يكون رائعًا للبشر”، كما يقول جوستا هاينن-كاي، عالِم الأحياء التطورية في جامعة مينيسوتا. وربما في البداية كان كذلك، حيث كانت الصراصير مضطرة لخوض “صراع” بين البقاء على قيد الحياة أو المحافظة على الحياة الجنسية، كما تقول جيسيكا وير، عالِمة حشرات في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي. فالصراصير المُدمنة على السُكر كانت محكومةٌ بالموتِ في الفِخاخ، بينما تنقرض أقرانها التي تتبع نظامًا غذائيًا قليل الكربوهيدرات دون أن يتمّ تكاثر جيل جديد من الحشرات.

ومع ذلك وبالطبع، فقد واجهت الصراصير هذه اللغز وقامت بتعديلِ طرقها التطورية للتغلّبِ عليها. فمن خلالِ دراسة سُلالات من الصراصير الألمانية المُستندة إلى التجارب المختبرية، اكتشف كلاًّ من وادا-كاتسوماتا وشال أن الإناث المتجنِّبة للسُكر يبدو أنهن يُنتجن لُعابًا أقل فعالية في تحويل المالتوز إلى جلوكوز، ما يجعل طعم هدايا الزواج أكثر تحمّلاً – مع الحفاظ على قدرتهن على تجنب الطعوم الغنية بالجلوكوز. وقد قام الذكور بابتكار عمليتيّ تكييف على الأقل للمطابقةِ، إذ يقومون بتعديلِ تركيبةِ الهدية لتحتوي على مزيدٍ من السُكر المُعقد ومالتوز أقل، يصعب للعاب الصرصور لتحليله. ويبدو أنهم يقومون بالاقترابِ من الإناثِ بشكلٍ أسرع بعد بدء تغذيتهن – كما لو كانوا يتحضرون لاحتمالية أن “تشمئز وتغادر”، حسبما أخبرتني هاينن-كاي.

كل ذلك يؤدي، مرّةٌ أخرى، إلى موقفٍ خاسر بالنسبةِ للبشر. فإن العديد من طُعومنا الشهيَّة تصبح قديمةٌ وغير فعَّالة فيما يبدو أنّ الحشرات تتكاثر بشكلٍ جيد. كما قالت وير لي: “يذكّرنا هذا بمدى سرعةِ قدرةِ الحشرات على التكيّف”، خاصةً تحت الضغط الهائل الذي نمارسه عليها. وهذه بالتأكيدِ ليست المرّة الأولى التي تتسبب فيها تدخلاتنا في تطور الحيوانات الأخرى بسرعةٍ خلال قرون أو حتى عقود قليلة فقط، فقد فقدت بعض الذبابات الحجرية في نيوزيلندا قدرتها على الطيران وسط إزالة أشجار الغابة المنتشرة، فيما بدأت الأفيال في موزمبيق بإنجاب عجولٍ بلا أنياب تحت الضغط الناتج عن صيد العَاج.

وكما يقول تشو-يانغ لي، عالِم حشرات حضري في جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، فإن إنجازات الصراصير الألمانية مُلفتة للغاية بسرعتها وتنوعها. وعلى الرغم من أنّ الحيوانات الأخرى قد تصطدم في نهاية المطاف بحدود مرونتها التكيفية، إلا أن الصراصير – المشهورة بانتشارها الواسع وصعوبة القضاء عليها – يبدو أنها لا تزال في بداية الطريق. وربما هذا هو جزء من السبب في أنّ هذه الصراصير موجودة في كل مكان وعلى كل قارَّةٍ تقريبًا باستثناء القارَّة القطبية الجنوبية.. وهي تؤرِّقنا بشكلٍ واسع في منازلنا.

ولم يتخلَّ صانعوّ المكائد بعد عن مُهمةِ تحضير طعوم تتناسب مع عادات الغذاء الجديدة للصراصير – وقد تتوفر قريبًا أصناف غذائية أكثر سُمكًا أو ملوحَة أو لذَّة. ولكن قد يكون الأمر مسألة وقت قبل أن تجد الصراصير الثغرات في تلك الطعومِ الجديدة أيضًا. وإن لي، الذي يدرس الحشرات منذ عقود، لا يجرؤ على التقليل من شجاعتها. حيث قال لي إن الصراصير الألمانية قد تكون ” الأكثر مرونةً وصمودًا” من بين أقاربها، إذ “تتغلَّب على التحديات مرارًا وتكرارًا، حيث لا يمكنك إلا أن تكنّ لها الكثير من الاحترام”.

المصدر

 

مقالات ذات صلة