كانت تدخن في مكتبه، في الماضي، عندما سمحت الجامعة بذلك في مباني الحرم الجامعي. لم يكن يدخن، لكنه سمح لها بالتدخين وهي تجلس على الأريكة المقابلة لمكتبه. أو بالأحرى، لم يعترض، بل وضع طبقًا صغيرًا من الحلوى كمنفضة لرماد السجائر. ربما لأن ذلك أعطاهما ذريعة للتحدّث لمدة أطول، مدة إضافية لسيجارة، ثم ثانية، ثم ثالثة. لذا بحلول وقت تخرجها، صارت مدمنة على التدخين.
وقد سجلت العديد من المواد التي يُدرسها، معظمها حول السينما. لقد قرأت نصوص غومبريتش، ودرست مطبوعات مويبريدج، وكتبت ورقة بحثية عن صور مقربة لوجه فالكونيتي. بعد انتهاء الدرس كانت تذهب إلى مكتبه لمواصلة ما نوقش هناك. “أسمِعيني ما يدور في ذهنك” كان أول ما يقوله عند دخولها. خلال سنتها الأولى، كانا يتحدثان لمدّة ساعة كلّ أسبوع. بدأت محادثاتهما تطول بمرور الوقت، عادةً عندما شرع في الحديث عن أنه لم يكن ينوي أبدًا أن يصبح أكاديميًا مهنيًا. على الرغم من شعورها بالإطراء لوثوقه بها كانت تشعر بالملل قليلًا. كانت لديه وظيفة الأحلام، وهي مشاهدة الأفلام والكتابة عنها.
لقد كان، في الآن ذاته، مرشدًا يثير آراءها ويحفز أفكارها، ورجلًا سلبيًّا غاضبًا بشأن مصيره. ذات مرة ذكرت باستخفاف أنها متعبة ونعسانة. صرخ قائلًا: “اذهبي للمنزل إذًا”. تفاجأت من ردّ فعله، وأوضحت ألّا وقت لديها لتعود إلى المنزل قبل الدرس التالي. أجاب: “يمكنك أن تقيلي قليلًا”، واقترح أن يغادر مكتبه حتى تتمكن من النوم على الأريكة. قال في إشارة إلى مقهى الطابق السفلي في قاعة غودسبيد: “سآخذ هذه الأوراق وأنزل إلى مقهى (Holy Grounds) في الطابق السفلي”.
إلا أنها عندما استلقت لم يغادر. ربما كانت تعلم بالفعل أنه لن يفعل ذلك. بقي خلف مكتبه، وساعدها صوت تقليب الصفحات والتمريرات السريعة للقلم، وهو يكتب تعليقات مثبِّطة على أوراق الطلاب على النوم. تخيلت قلمه وهو يخربش على جسدها، ورأس القلم الحاد يعلّم عليها بملاحظات تصحيحية.
عندما استيقظت، كان يرتدي معطفه. سألها بينما كانت تتّخذ وضعية الجلوس: “أأنتِ بخير”؟
أجابت بنعم، وهي محرجة بعض الشيء: “هل نمتُ لمدّة طويلة”؟
“لا. لكن الساعات المكتبية تنتهي بعد دقيقتين”.
لقد أرادت أن تكون تحت نظره لمدّة أطول قليلًا، ولو تطلّب الأمر إغلاق عينيها. كانت تحب أن تشعر بدفء باهتمامه دون أن تظهر ذلك. بدأت تنام كثيرًا في مكتبه، بما يكفي ليكون متوقعًا. كانت الأريكة البرتقالية كلون الصدأ ليّنة، ولكن مريحة. بعد فترة لم تعد تشعر بالخجل من بقائها في مكتبه. وعندما تستيقظ كان يقول: “أأنتِ بخير”؟ وكانت ترد: “أنا بخير”! وتغادر.
لقد كان الهواء يدور دائمًا في مكتبه، وكان صوت صفير الرياح يُسمع من خلال الجدران. عند مغادرة قاعة غودسبيد كانت تغطّي عارضيها بياقة معطفها، الذي تفوح منه رائحة شجرة الصنوبر المنعشة بعد سيرها عبر الحرم الجامعي في تلك الأمسيات الشتوية المظلمة.
لم يكن هناك أريكة في شقتها ولا سرير. كانت تنام على مرتبة قابلة للنفخ، تنفخها كلّ ليلة بمضخة دراجة. أعاد والداها رهن منزلهما ليتمكنا من تسديد رسوم دراستها في الكلية الخاصة، ولم تطلب أكثر من ذلك. بأجرها الذي تحصل عليه من ترتيب رفوف الكتب في المكتبة كانت تعيش على السباغيتي والتفاح، إضافة إلى المقبلات التي تُقدَّم في استقبال قسم اللغة الإنجليزية. بعد حضور محاضرات حول تراجع الرواية والإخفاقات الإمبراطورية تسرق مقبلات سمك السلمون المدخن والأجبان الطرية والكافيار. في عطلات نهاية الأسبوع، دائمًا ما تكون هناك حفلات تحضرها لتتناول الوجبات الخفيفة.
وآخر مرة تذكرت رؤية الأستاذ (البروفيسور) كانت بعد مغادرة أحد هذه الحفلات، قبل أسابيع قليلة من التخرج. كانت تقف على زاوية الشارع في وقت متأخر من الليل، تنتظر تحت المطر. كان يمشي مع كلبه بالقرب من الحرم الجامعي.
نادت: “أحبّ كلبك يا أستاذ “! لقد كان كلبًا كبيرًا جدًا من فصيلة “بيرنيس”.
ردّ عليها، وهو يقترب منها: “يمكننا أن نتشاركه”.
“جيد! كنت على وشك استنساخه. ما اسمه”؟
“نيمو”.
“أهلًا، نيمو! هل تعلم أن اسمك يعني “لا أحد”؟ أتأسف لأنه أعطاك هذا الاسم”!
تحمل الكلب ملاعبتها مفرطة الحماس بعزة نفس.
“هل لديك استراتيجية للذهاب إلى المنزل”؟
أجابت بنعم، ولم تذكر أنها كانت تنتظر “حافلة الثملين” (خدمة الحرم الجامعي في عطلة نهاية الأسبوع التي توصل الطلاب الثملين إلى منازلهم).
درس تعابيرها، ثم أشار عبر الشارع إلى قاعة غودسبيد وقال: “مكتبي هناك”.
“أعلم ذلك”! على الرغم من أنها في الواقع لم تكن تعلم. دار محيطها فجأة من حولها من شدة الثمل: لقد كانت تقف في الزاوية الخطأ.
“يمكنك البقاء فيه إذا كنتِ ترغبين في مكان جاف. إليكِ المفاتيح. لن أكون موجودًا حتى يوم الاثنين”.
ابتسمت وقالت: “لا داعي لذلك”.
“حسنًا”. تردد ثم قال: “ستتخرجين في غضون أسبوعين، ماذا بعد ذلك”؟
“لا أعلم”! على الجانب الآخر من التخرج كانت حياتها الفعلية، التضييق البطيء للإمكانيات التي من شأنها أن تأسرها وتجمدها في مهنة وعلاقة وحياة واحدة. لقد كانت تنوي تجنب هذا التجمد البطيء، ولو بمجرد الامتناع عن اتخاذ أيّ قرارات حاسمة. بعبارة أخرى: كانت ستعود إلى بيتها. “أريد وظيفتك يومًا ما”، ربما قالت ذلك فقط لترى رده.
“تستطيعين أخذها. هذا هو عامي الأخير”.
“هل ستتقاعد”؟ أيقظتها مفاجأة هذا الخبر قليلًا.
“بقيت أكثر من المفترض. بمجرد أن يبقى المرء لفترة طويلة، لن يغادر أبدًا.” شد نيمو طوقه، لكن الأستاذ لم يتحرك. “تتسع الفجوة بينه وبين طلابه. يكبر هو بينما يظلّون في العمر نفسه عامًا بعد عام، كمصاصي الدماء”.
“لا يبدو هذا سيئًا لي”. لم تكن تعرف ماذا تقول. لم يكن سعيدًا. لقد كان إنسانًا كغيره. “لقد استمتعت حقًا بفصولك يا أستاذ”. أرادت إضافة المزيد. كيف جعلت مشاهدة الأفلام الطويلة في غرفة العرض بالحرم الجامعي، كما فعلوا في فصله، فصول الشتاء في الغرب الأوسط محتملة، وكيف قدّرت أنه، على عكس أعضاء هيئة التدريس الآخرين، لم يستخدم معرفته كسلاح ضد طلابه.
“الطريقة الأكثر عقلانية للمضي قدمًا هي أن يتعلم المرء كيفية تقسيم نفسه، مثل دودة الأرض”.
لم تكن تعرف ما الذي كان يتحدّث عنه.
“على أيّ حال. أعتقد أن نيمو نفد صبره. سأواصل المشي”. أومأ لها وقال: “انتبهي لنفسك في الطريق. وإذا لم أركِ قبل التخرج، ابقَيْ بعيدة عن المشكلات”.
شاهدت الأستاذ يسير في الشارع مع نيمو. تجولا عبر الساحة، ثم إلى المبنى الذي يضم مكتبه. كانت الساعة الثالثة صباحًا تقريبًا، لكنها ذكّرت نفسها بأنها لا تعرفه جيدًا. لم تكن سوى تلميذته، مصاصة دماء. مهما كان ما يفعله فهو في الحقيقة ليس من شأنها.
كان وضعها الدائم أشبه بوضع كلب يلهث ليشق طريقه للخروج من الزاوية. في معظم حياتها البالغة، اتخذت هذا الوضع الدفاعي، متوترة بشكل يمنعها من إثبات نفسها ضد الصعاب في جميع الأوقات. مثل العديد من أقرانها، كانت تفتقر إلى الضمانة بأنه إذا لم ينجح شيء ما فسيكون هناك دائماً شيء آخر. ربما ساعد هذا اليأس في دفعها إلى مسار التدريس، حيث استمرت بإصرار خلال تحدّيات معقدة من الدراسات العليا ودراسات ما بعد الدكتوراه والزمالات، حتى وجدت نفسها أخيرًا تعمل أستاذةٍ مساعدةٍ في كليتها التي درست فيها.
أقيمت حفلة كلية دراسات السينما والإعلام في برج دائري من الطوب. ارتشفت النبيذ بجوار النافذة، وكان هناك معطف من الصوف الثقيل فوق ذراعها الأخرى كما لو كانت مستعدة للمغادرة. استكشفت مساحة الحدث بالشكل المعتاد: الشخص الذي جاملها، والشخص الذي قاطعها في منتصف حديثها، والشخص الذي انحنى بشدّة وسأل، بلهجة هادئة ومهيبة، عن حالها، كما لو أنها ستكشف عن مشاعرها له. عُزفت سمفونية العلاقات الحميمة المصطنعة غير المكتسبة إلى ما لا نهاية في كلّ اجتماع.
على أيّ حال كانت تسجل حضورها وتنخرط في الاجتماعات، وكانت كارولين تستقبلها بفتور. “قبل أن أنسى! لشرف كتابك” قالت كارولين، وهي ترفع الكأس لتقرعه بكأسها، “هل ستوقعين نسختي لاحقًا”؟ وتابعت دون انتظار الردّ: “لا بد أنكِ مشغولة جدًا بعد إصدار كتابكِ. أنا متأكدة من أن الأوسمة تنهال عليكِ دون توقف”.
“كلّ ما في الأمر هو أنني سعيدة من الانتهاء منه.” صدر كتاب ماري عن “سينمائية الوجه” من مطبعة الجامعة في بداية الفصل الدراسي.
انحنت كارولين: بشكل هادف، “ما شعوركِ”؟
لم تكن متأكدة تمامًا من طبيعة السؤال عندما أجابت: “يستغرق الأمر دائمًا وقتًا أطول مما تعتقدين”. تنحنحت وأضافت: “هل لديكِ أيّ خطط مثيرة لقضاء العطلة”؟
“سنأخذ الأطفال إلى جبال آديرونداك. نحن جميعًا بحاجة إلى بداية جديدة، أليس كذلك”؟!
لوّحت كارولين بيديها المرتعشتين المتلألئتين بالخواتم، وهي تنظر إلى ماري بفضول: “ننشغل كثيرًا خلال الفصل، أنا أعمل في حوالي 10 لجان”!
اقترب شون ووضع يديه على ظهريهما -لم تكن تطيقه أبدًا-. “سيدتيّ، أفترض أنكما ستدرّسان في الفصل الدراسي القادم”.
أومأت كارولين وماري برأسيهما في انسجام.
نظر شون إلى ماري وقال: “وأعتقد أن هذه الفصول لها عناوين”. لم يطرح عليها أسئلة بقدر ما أصدر تصريحات يمكنها تأكيدها أو دحضها.
قالت ماري: “يُسمى أحد الفصول “المرأة المختفية”، نبدأ بنوع الأفلام النسائية، ثم ننظر إلى البطلات المعاصرات. مثل: فيرتيغو، لافينتورا…”.
ارتشف النبيذ ونظر حول الغرفة: “يبدو هذا ممتعًا”. ولوح لرئيس البرنامج عبر الغرفة. لم تستطع معرفة ما إذا كان يتظاهر بعدم المبالاة: “أفترض أن المرأة تختفي دائمًا في النهاية”.
ردّت وهي ترتشف شرابها: “يجب أن يأتي عنوان الفصل مع تنبيه بحرق الأحداث”.
“أتعلمين؟ لقد وجدت من خلال تجربتي أن الطلاب يستجيبون أفضل للاستطلاعات المتعلقة بالصنف، مقارنة بالفصول المبنية عن موضوع ما”.
قالت بلطف: “يعتمد ذلك على المنهج الدراسيّ”. لم يبدأ في التدريس قبلها بوقتٍ طويل. التفتت إلى كارولين:”ماذا ستدرسين هذا الربيع يا كارولين”؟
“مقدمة في السينما الصامتة.” ثم غيرت كارولين الموضوع بحذر قائلةً: “لا بدّ أن أذهب. لقد وعدت جليسة الأطفال بأنني لن أتأخر الليلة”.
تجاهل شون تراجع كارولين وقال: “أود أن ألقي نظرة على بعض قوائم الفصول من السنوات الماضية لإعطائك الفكرة الصحيحة عن الأفضل”.
“سبق أن فعلت ذلك، ولكن شكرًا”! نظرت ماري حول الغرفة، وتفحصتها بحثًا عن أسبابٍ تبرّر بها ذهابها. كان الزملاء يطوّق بعضهم بعضًا، ثم يتفرقون دوريًّا ليشكلوا مجموعات جديدة. وعندها، رأت الأستاذ يتحدث مع شخص ما عبر الغرفة. لقد بدا، بسبب عدم وجود أوصاف أكثر لباقة، ضعيفًا ومتهالكًا. لم تكن قد رأته منذ أيام الكلية قبل 15 عامًا.
وفي الوقت المناسب رفع رأسه ولاحظ تحديقها.
أراد الأستاذ رؤية مكتبه القديم، الذي أصبح الآن مكتبها. مشيا معًا عبر ساحة الجامعة ذات الإضاءة الخافتة في الثلج. كان يستعين بالعصا وهو يمشي، ويخفي ألمه في كلّ خطوة. كان يتحدث إليها بعد أكثر من عقد من الزمن كما لو كانا يتابعان محادثة الأمس: “أنا مريض جدًا، ولا أستجيب للعلاجات”.
سألته: “هل المرض خطير”؟ وهي تعلم جيدًا أن جميع الأمراض في مثل سنه خطيرة.
قال بواقعية: “إنه مرض عضال. ليس لدي وقت طويل، على الرغم من وجود آراء مختلفة حول ما يعنيه ذلك”.
“أنا آسفة”، بدا ردّها السريع تافهًا جدًا. واصلا طريقهما إلى قاعة غودسبيد في صمت. عندما فتحت باب مكتبها وأضاءت مصابيح الفلورسنت، نظر حوله إلى الجدران العارية الآن، والمفروشات المصنوعة من الخشب الجديد، وخزائن الكتب الفارغة، والثلاجة الصغيرة في الزاوية. لقد أرادت الاعتذار عن عدم تخصيص المساحة الخاصة بها بما يتناسب مع شخصيتها: “إنه في الغالب مخصص للقاء الطلاب فقط” -فضلت القيام بعملها العلمي في المنزل- ثم قالت: “هل ترغب في شرب الشاي أو أي شيء آخر”؟
لم يرد في البداية، ثم قال أخيرًا: “أود أن تتقبلي ما سترينه الآن.” تفقّد خزنة الحائط خلف طاولتها المكتبية، ثم فتح الباب ليكشف عن خزانة قديمة كانت دائمًا موجودة بداخلها. شاهدت وهو يعاني في محاولة تحريكها.
قالت: “دعني أساعدك”. عندما نجح في دفعها إلى حافة خزنة الحائط، وتبين من علامات السحب الموجودة على ألواح الأرضية أنها قد نقلت عدة مرات.
قال راضيًا: “حسنًا. الآن شغّلي الضوء من فضلك”.
عندما سحبت حبل المصباح المتدلي كشف الضوء عن ثقب في الحائط، لم تلاحظه من قبل. كان كبيرًا بما يكفي بحيث يمكن لأي شخص الدخول منه بسهولة. دخل عبر الثقب حتى اختفى بالكامل تقريبًا. أخذت خطوة إلى الأمام، ثم إلى الخلف.
شعر بترددها، فاستدار وسألها: “أأنتِ بخير”؟
أجابت: “أنا بخير”، وتبعته كما لو كانت في حلم.
وعلى الجانب الآخر تبدأ القصّة.
أدّى الممر إلى الخارج. نظرت حولها بينما كانت عيناها تتكيف مع الظلام. على يسارهما فناء به أشجار صنوبرية تتمايل مع النسيم. توقف تساقط الثلج. في الواقع لم يكن هناك ثلج على الأرض أبدًا. لم يكن الجوّ باردًا. كان الهواء لطيفًا -دافئًا تقريبًا- كما لو كانت ليلة صيف. ربما كانت بالفعل ليلة صيف في مكان ما.
قالت: “لم آتِ إلى هذا الجزء من الحرم الجامعي من قبل”. ثم انتظرت منه أن يصحح لها. لا يقع هذا الجزء في الحرم الجامعي، ولا حتى بالقرب منه.
“كنت آتي إلى هنا عندما كان مكتبكِ لي”. كان لا يزال ينظر حوله.
كان القمر مكتملًا في السماء، ممثلًا المصدر الوحيد للضوء، أضاء ما بدا وكأنه طريق ريفيّ ينحسر باتجاه الأفق.
أرادت أن تخلع معطفها، لكن فعل ذلك يعني قبول حقيقة ما يحيط بها. سألت: “أين نحن”؟
أشار إلى شجرة الصنوبر البعيدة: “هل ترين ذاك الكوب هناك، على الأرض؟” حدّقت ورأت كوبًا ورقيًا أبيضَ عند جذورها، “إنه كوب قهوة، أيمكنكِ إحضاره”؟
مشت إلى الشجرة والتقطت الكوب من تصنيع شركة Solo،كان مملوءًا بالقهوة الطازجة المخلوطة بالكريمة.
“هل لا زالت دافئة”؟
“نعم”. أحضرت الكوب إليه، لكنه لم يكلف نفسه عناء معاينته.
“ماذا لو أخبرتك أنني تركته هناك منذ سنوات، في آخر يوم لي قبل التقاعد”؟
“لكن القهوة لا تزال دافئة”. الحرارة تتدفّق من الكوب.
“هذه هي الفكرة التي أريد إيصالها”. توقف عن الحديث للحظة، ثم قال: “ما يمكنني قوله هو أنني زرت هذا المكان مئات المرات. هنا، الليل دائم، والطقس ثابت دافئ ومعتدل”.
نظرت إلى كوب القهوة في يدها، بشعار مقهى Holy Grounds -الذي أغلِق منذ سنوات- على الغلاف الورقي.
نظرت حولها مرة أخرى، ودرست المساحة. سألت: “إلى أين يقود هذا الطريق”؟ وهي تشير إلى الطريق السريع ذي المسارين.
“لا أعرف. لم يسبق لي أن رأيت سيارة تمرّ عبره. كان لدي كثير من الأسئلة أيضًا. ولكن في النهاية قرّرت الاستمتاع بهذا المكان دون أي إجابات”. كان ينظر إلى السماء، ويتأمل البدر المكتمل: “إنه دائمًا بدر مكتمل”.
وضعت الكوب على العشب، ثم سألته: “لماذا أحضرتني هنا”؟ وعندما لم يجب، كررت السؤال.
لم تدخل الممر مرة أخرى إلا بعد وفاة الأستاذ في أثناء العطلة. أقيمت مراسم تأبين له في الجامعة، بعد وقت قصير من حلول العام الجديد، في غرفة البرج الدائريّ نفسها التي تقام فيها حفلات أعضاء هيئة التدريس. لم تكن تتوقع أن تكون الجثة مكشوفة، وقد فُتح نصف التابوت ليكشف عن وجهه الجاد الشاحب العبوس.
لقد قال ذات مرة في محاضرة: “المواقف الأكثر سريالية هي المواقف التي يشعر الشخص فيها بأنه الأكثر حضورًا، والأقرب إلى الواقع”. ما الفيلم الذي كان يتحدث عنه؟ تمنت لو كان بإمكانها أن تسأله الآن!
اقترب شون وهو يتنحنح وقال: “سمعت أنكِ ستكونين المقدمة في منتدى HFF”.
“سأناوب عن شخص آخر لم يكن متاحًا”. ابتعدت عن التابوت، لعدم رغبتها في إجراء المحادثة بالقرب من الجسد؛ تبعها شون.
“آه، لقد استبدلتِ شخصًا ما إذًا”. ارتشف رشفة من النبيذ.
“هذا ما قيل لي. لست متأكدة من ذلك”. كانت تقلل من شأن شرف التقديم. كان منتدى مستقبل العلوم الإنسانية -أو “هف”، كما كان الجميع يسمّي منتدى HFF- حدثًا سنويًا لجمع التبرعات في عطلة نهاية الأسبوع للجهات المانحة الرئيسة للجامعة.
“أفترض أن لديكِ أفكارًا عمّا ستقدّمينه”.
تمنت عدم الردّ: “لست متأكدة بعد. ربما شيء ما حول الخيال السينمائي أو مساحات الأحلام. مثل (The Wizard of Oz)، أو ربما فيلم Stalker”.
“الخيال”. أومأ ببطء: “يمكنك تخصيص الجلسة بأكملها لجميع أفلام تاركوفسكي وحدها”.
“مدّة العرض التقديمي 20 دقيقة فقط. لكنني سأضع ذلك في عين الاعتبار.” منعت ماري ابتسامتها من الظهور. “يجب أن أذهب لأقدم التعازي”.
في فترة وجودها في الجامعة بدأت تكره شون بشدة، ولكن بسبب اعتزازها بنفسها لم تتمكن من الاحتفاظ تمامًا بكراهيتها. الرجل الذي يفرض على طلابه بأن يلقبوه بالدكتور لم يستحقَّ حتى كرهها.
ولكن اليوم، في بداية العام الجديد، في حفل تأبين أستاذها السابق، احتمالية رؤية شخص مثل شون بانتظام، ومحاولة مراوغته إلى الأبد في الحفلات، والتعامل معه في أثناء العمل في اللجان نفسها، وفي اجتماعات هيئة التدريس؛ كانت لا تُطاق.
في الجانب الآخر من الغرفة تجمع الحاضرون حول أرملة الأستاذ الأنيقة بردائها الرماديّ. قالت الأرملة: “لقد أراد أن يرحل من العالم بشروطه الخاصة. قرر بنفسه متى يريد إيقاف العلاج. أنا سعيدة؛ لأنه تمكن من التحكم قليلًا في العملية على الأقل”.
هتفت كارولين: “وماذا عنكِ؟ كيف حالكِ؟ أقدم لكِ التعازي. لا بدّ أنكِ مرهقة جدًا. هل هناك أحدٌ يعتني بكِ”؟ يكاد لا يُسمع صوتها وسط تعازي الآخرين. وضعت ماري كأسها على الطاولة وغادرت.
كانت السماء لا تزال مشرقة في الخارج. مشت عبر الساحة ودخلت مكتبها، فلم تُذرَف الدموع. وفي صمت اللابكاء، سمعت صفير الريح من خزنة الحائط.
ولأول مرة دخلت الممر بنفسها. وعندما وصلت إلى الجانب الآخر كان ليلًا كما كان من قبل. كان حفيف الأشجار الشاهقة يحيّيها، وتفوح منها رائحة الصنوبر المألوفة. كانت السماء زاخرة بالنجوم، وكان البدر مكتملًا. بشكل غير معقول كان كلّ شيء لا يزال على حاله.
تحركت عبر المساحة الخالية بقلق حتى رأت شيئًا مألوفًا: كوب القهوة الورقيّ، حيث وضعته آخر مرة. كان لا يزال دافئًا. بل ساخنًا. أخذت رشفة فحرقت لسانها، ثم أسكبت بقية الكوب.
في أيام الأربعاء كانت تُدرس مادّة “المرأة المختفية”. في ذلك الأسبوع، في شهر فبراير من فصل الربيع الدراسي، شاهدوا فيلم Ghost World، الذي صدر في عام 2001م، وهو العام الذي ولد فيه العديد من طلابها. في النهاية تستقل إنيد، بطلة الرواية المراهقة، حافلة غامضة ويبدو أنها تغادر المدينة. ثم عُرِضت شارة النهاية.
أضاءت ماري الأضواء ونظرت حولها إلى طلابها الخمسة عشر: “ما رأيكم”؟
تحدّث طالب يدعى زاك أولًا “لم أفهم النهاية. أحب النهايات المفتوحة نوعًا ما، لكنْ يبدو هنا وكأن الفيلم ناقص. إلى أين تتجه حافلة إنيد”؟
قلّبت السؤال في ذهنها: “يبدو أن النهاية بمثابة دحض من نوع ما، إذ اختارت إنيد الخروج من المدينة على متن هذه الحافلة الغامضة. إحدى الطرق للتعامل مع هذا هي أن نسأل: ما الذي يحاول Ghost World دحضه؟ هل هناك مشاهد محدّدة تلمح بإجابة”؟
عندما بدأت ماري عملها معلمة كانت قد وجهت كلّ جهودها نحو التظاهر بعدم الخوف، لكن تدريب نفسها على التظاهر بعدم الخوف لم يكن مثل تدريب نفسها على عدم الشعور بالخوف؛ وهو الفرق بين التظاهر والشعور الفعلي. تعلمت أن تصبح شخصًا آخرَ تمامًا فور دخولها إلى الفصل الدراسيّ.
قالت آبي: “هناك قلق دائم حول الأصالة. مثل مشهد مطعم الخمسينيات الذي يشغل أفضل “40” أغنية، أو مدرس الفنون الذي لديه هذه المعايير الدقيقة لما يعتبر فنًا. إنيد وريبيكا يدركان دائمًا ما هو غير أصيل”.
ردّ غريه: “نعم، ولكن أينما انتهى الأمر بإنيد، فإنها لن ترى سوى الزيف والنفاق. لا يوجد مكان يخلو من ذلك لتذهب إليه. ما المكان القادر على تلبية معاييرها، والذي يمكن الوصول إليه عبر حافلة؟ إنه غير موجود”.
وأضافت سارة: “نعم؛ لأن إنيد ستختفي، لكن معظمنا مثل ريبيكا، ننتقد العالم، ولكن لا يزال يتعين علينا أن نعيش فيه”.
قاطعتها آبي: “لكن هذا هو الجزء الخيالي، أليس كذلك؟ هناك مفر، هناك مخرج من…”، توقفت، ثم أكملت: “لا يقدم لنا الفيلم إجابات. النهاية ببساطة تختار أن تكون ناقصة. تعزف عن الكمال”.
بعد انتهاء الدرس عادت ماري إلى مكتبها، ودخلت ممر خزنة الحائط. أشارت إلى المنطقة باسم “الغرفة”. في البداية كانت بمثابة منطقة سرية للتدخين، عادةً اكتسبتها حديثًا بعد تأبين الأستاذ . كانت تقفل باب مكتبها وتحرك الخزانة وتمر عبر الحائط. تقف في المساحة الخالية بالقرب من المدخل، تنفث دخانها في هواء الليل، محاطة بتلك الأشجار المتمايلة. اكتشفت أن متعة هذا المكان تكمن في خصوصيته الشديدة والسريالية.
وبمرور الوقت أصبحت زياراتها أكثر استكشافية. في الغرفة ثمة طريق وغابة. سمعت صوت الماء -قد يكون جدولًا مائيًا- لكنها لم تغامر بالذهاب أبعد من ذي قبل. لم يعرف الأستاذ حجم الغابة. لقد ضاع هناك ذات مرة، وظهر بعد أيام، وهو في حيرة من أمره لا يعرف كيف يفسّر اختفاءه لزوجته، التي قدّمت بلاغًا عن فقده.
باستخدام مصباح معلق في سلسلة مفاتيح لإرشادها سارت ماري على طول الطريق الصامت. لن تضيع أبدًا إذا بقيت بالقرب منه، سيقودها دائمًا إلى المدخل. نمت الزهور في الحفر، نبات الشوك والقيصوم والزوفا، وبعض الدغل العشبيّ والبابونج. جمعت ماري بعضها. كلما تعمقت داخل الغرفة شعرت بالخوف أكثر.
ذكّرها الطريق بعامها الضائع. بعد التخرج عادت إلى منزلها، المنزل نفسه الذي أعاد والداها رهنه لدفع تكاليف كليتها. عاشت لمدّةِ عام كالهاوية، تنام في وقت متأخر جدًا وتشاهد الأفلام في أثناء النهار. في المساء بينما كان والداها يعملان على تحضير وجبات العشاء في مطعمهما كانت غالبًا ما تجد نفسها تسير بمفردها على طول طريق سريع بالقرب من المنزل، طريق يمر عبر مراكز الخدمات، كمتجر Target، ومقهى ستاربكس، ونادي Orangetheory Fitness الرياضيّ. حينئذٍ كان من الممكن أن يكون المستقبل أي شيء، وفي أي مكان. لقد كان مفتوحًا جدًا حتى أنه كان من الممكن أن يسحقها.
عرضت على والديها العمل في المطعم، لكنهما لم يرسلاها إلى الجامعة حتى تعيش كما عاشوا. لقد سمّياها على اسم ماريا من فيلم The Sound of Music، وهو أول فيلم شاهده والداها في أمريكا. تغني الأم آبيس: “تسلقي كلّ جبل”، وتحث ماريا على المغادرة لترى العالم. أخبرها الأستاذ ذات مرة أن هذا المشهد بأكمله قد حُظِرَ في ألمانيا. “راهبة تنصح امرأة شابة بمغادرة الوطن واستكشاف العالم، فالمعنى الضمني هو أن تعيش حياة بعيدة عن القيم الأخلاقية؛ لقد كان الأمر أكثر شناعةٍ من أي مشاهد دموية مروعة”.
عندما فكرت في الأستاذ الآن استطاعت أن تفهم تعاسته بشكل لم تستطع أن تفهمها به من قبل. والأهم من ذلك كله هو أنها تذكرت شكاواه: ضغوط التدريس، وقلة الوقت للعمل على كتاباته، وعالم البيروقراطيات. ورأت أيضًا كيف وضع شروط علاقتهما، كيف شجعها على قضاء الوقت معه في الساعات المكتبية، تلك القيلولة التي سمح لها بأخذها، والتعبير عن عدم رضاه؛ كلّ تلك التصرفات الصغيرة التي أدّت دورًا في جعلها تشعر بالتميّز.
وقد يعود له فضل عدم حدوث أي شيء غير أخلاقي بينهما أبدًا. ربما أراد منها أن تبادر؛ وهو ما يعفيه من المسؤولية، لكنها لم تفعل ذلك أبدًا. كانت راضية بالتأثير الخافت للرومانسية بدلًا من ممارستها. وبحلول سنته الأخيرة أصبح الأستاذ أكثر قساوة وازدراءً وسأمًا، وتوقفت عن الذهاب إلى مكتبه. وفي غيابه كانت تخجل من اعتمادها على اهتمامه، كانت ساذجة، كان الأمر واضحًا.
وها هي الآن.
بعد فترة توقفت عن السير على طول الطريق، واستدارت لتعود. رمت باقة الزهور التي جمعتها على الأرض، باقة العزاء. تحزن بصفتها من؟
لقد أدخلت زهورًا من الغرفة إلى مكتبها من قبل، ورتبتها في مزهرية جميلة، لكنّها تحللت على الفور أمامها، كما لو كانت في مقطع فيديو مسرّع. ما بقي كان عفنًا، وفوسفورًا، وسيقانًا سوداء، وماءً تفوح منه رائحة الأسنان المتعفنة. لا يعيش ما جاء من ذاك العالم في هذا العالَم.
بدأ منتدى مستقبل العلوم الإنسانية صباح يوم السبت. وصل المانحون وهم يرتدون قمصانًا من ماركة “بولو” وسترات رياضية. صُمِّمت قاعة المحاضرات على شكل قوقعة تنحدر لولبيًا نحو المتحدثة التي وقفت عند قاعها المغطّى بالسجاد، ونظرت إلى الأعلى نحو الجمهور.
عندما جلس الجميع في مقاعدهم خفتت الأضواء. شُغِّل جهاز العرض، وتحدثت عبر الميكروفون، ورحبت بهم في العرض التقديمي: “السينما، كما يقولون، هي مساحة الخيال. اليومَ أود أن أعرض لكم مقاطعَ من فيلمين يفصل بينهما 40 عامًا: The Wizard of Oz وStalker”.
وأنزِلت شاشة العرض من السقف. شُغِلَ مقطع بالأبيض والأسود من The Wizard of Oz. تستيقظ دوروثي في منزلها العائم بسبب الإعصار، وينفتح الباب على عالم أوز الملون. تبع ذلك مقطع من Stalker، يُظهر مجموعة من الرجال يركبون خطوط السكك الحديدية إلى “المنطقة (The Zone)”. مرةً أخرى يُنْتَقَل من العالم البني إلى العالم الجديد بأوراق الشجر الخضراء.
كان عليها أن تتذكر أن تضع الميكروفون بالقرب من فمها قبل التحدث: “في كل فيلم، نسافر عبر واقع بديل، ومساحة خيالية، وموقع ثانٍ – إن صح التعبير – ليس جزءًا من عالمنا”.
وفي الغرفة المظلمة نظرت إلى وجوه الجمهور الصامتة: الخريجون المتميزون، والمانحون الرئيسيون للجامعة. كان منتدى مستقبل العلوم الإنسانية من الناحية الفنية بمثابة عرض لبرامج الجامعة، ولكنه كان في الغالب مجرد فصل دراسي بزي تنكري لهم. كان الحرم الجامعي منطقة متقنة سمحت للمانحين بالتظاهر بأنهم ما زالوا طلابًا جامعيين.
وتابعت: “سواء كان هذا الموقع البديل يسمى “أوز” أو “المنطقة”، فهناك قاسم واحد مشترك. يتحرك المسافرون نحو نظام مركزي، مكان يُقال إن رغباتهم تتحقق فيه. أما دروثي وأصدقاؤها فإنهم يبحثون عن مدينة الزمرد (Emerald City)، حيث يقيم الساحر. في Stalker يتحرك المسافرون نحو الحجرة (Room)، وهي مساحة أسطورية تمنح كل راكب رغبة لاواعية.
عرضت الشاشة مقاطعَ من الفيلمين – مدينة الزمرد، متبوعة بلقطة خارجية للحجرة. ومن حين لآخر ذهب المانحون لتناول الطعام من طاولة كانت مملوءة بالشطائر (الساندويشات) والمقبلات والشمبانيا. على عكسها لا بدَّ أنهم قد سددوا قروضهم الطلابية بنجاح.
واصلت عرضها التقديميَّ الصغير قائلةً: “لا يسعني إلا أن ألاحظ أنه في كلّ فيلم، لا يكون لدى البطل أبدًّا رغبة مفصلة. وجّه بطل فيلم Stalker الآخرين عبر المنطقة عدة مرات، لكنه لم يدخل الحجرة أبدًا. وبعد رحلة شاقة للعثور على الساحر، كانت رغبة دوروثي الوحيدة هي العودة إلى الحياة الطبيعية، العودة إلى المنزل. إن التمنيات المفصلة، كما توحي تصرفات شخصياتنا الرئيسة الفاضلة، لا يمكن أن تعبر إلا عن الجنون”.
وعندما انتهت أجابت عن الأسئلة، بينما أعيد ملء الطاولة بالأطعمة، ثم جاءت المجموعة التالية من المانحين، وجلسوا على المقاعد. كرّرت العرض التقديميّ مرّةً أخرى، ثم عقدت جلسة أخرى للأسئلة والأجوبة. جاءت مجموعة أخرى بعد ذلك، وكرّرت العملية.
وبعد العرض التقديميّ الأخير لليوم فهمت ماري ما كان عليها فعله. عبرت الساحة إلى غودسبيد. داخل مكتبها فتحت خزنة الحائط، ودفعت الخزانة جانبًا، واختفت داخل الغرفة.
تجاوزت الطريق ودخلت الغابة. كان من الصعب الرؤية في البداية، حيث كان ضوء البدر محجوبًا بأوراق الأشجار وأغصانها المتشابكة. أخرجت المصباح اليدوي الصغير الموجود في سلسلة مفاتيحها، متتبعة صوت الماء الذي قادها إلى جدول يلمع في الظلام. لم تتمكن من المرور عبر الغابة بسبب المياه، التي ينبعث منها صوت رنين أدركت ماري أنه شيء آخر غير الماء. لقد كان صوت معدن، كخشخشة المفاتيح. كان هناك شيء يتحرك على ارتفاع منخفض على الأرض، على الجانب الآخر من النهر. اقترب المخلوق من الماء، وتلقائيًا وجهت مصباحها نحوه: إنه كلب، يدور بعطش على حافة الماء. كان من فصيلة “بيرنيس” وكان يرتدي طوقًا به بطاقة. سرعان ما انضم إلى انعكاس الكلب على سطح الماء انعكاس صاحبه. رفعت رأسها وسلطت مصباحها عليه، لكن الشعاع كان أضعف من أن يكشف وجهه. كان يرتدي معطف المكنتش وأحذية اللوفر – لباسه المعتاد في الحرم الجامعي. نظرت مرّة أخرى إلى الماء، واستطاعت رؤية انعكاس الوجه. هل كان هذا هو حقًا أم صورةً طبق الأصل؟ أو وهمًا؟
تحدثت وصوتها يرتعش، “أستاذ”؟ لم تكن هناك إجابة. استدار ببطء وابتعد، والكلب بجانبه. اقتربت من النهر، ورفعت صوتها هذه المرة: “نيمو”؟
توقف الكلب واستدار لينظر إليها. نبح قبل أن يلحق بصاحبه. وعبر النهر اختفى الاثنان في الغابة.
الصوت المتكرر لشيء ما يصطدم بالحائط بقوة دفع شون إلى الخروج من مكتبه والتحقيق. لقد كان يعمل في قاعة غودسبيد يوم السبت ذاك، محاولًا إنهاء مقال.
كان باب مكتب ماري، الواقع أسفل القاعة، مفتوحًا، لكنها لم تكن بالداخل. وقف عند المدخل، وألقى نظرة خاطفة على مكتبها -الزاخر بالأشياء المتناثرة من حقيبتها الجلدية- قبل أن يدخل. أشار تردده إلى ارتكابه لخطأ.
كان الجوّ باردًا، ذلك أول ما لاحظه. لقد تركت النافذة مفتوحة، وكان الصوت الذي سمعه شون صوت ارتطام الستائر بإطار النافذة. لقد كان ذلك تصرّفًا نموذجيًا منها: إهمالها. أغلق النافذة.
فُتح باب خزنة الحائط. التفت ورآها تمر من خلاله. قال وهو يخفي دهشته: “لم أدرك أنكِ هنا. لقد تركتِ النافذة مفتوحة”.
“لم ألاحظ ذلك، المعذرة! سأذهب لحفل الاستقبال في منتدى مستقبل العلوم الإنسانية”، صمتت قليلًا، ثم أضافت: “هل ترغب في الانضمام معي”؟
“أوه! لدي بعض الأشياء للقيام بها في المكتب”. كانت هذه المرة الأولى التي تدعوه فيها إلى أي شيء.
أجابت مبتسمة: “هل أنت متأكد؟ سمعت أن المشروبات مجانية. حفلات المانحين هي دائمًا الأرقى”.
كان هناك شيء غريب، لم تبدُ منزعجة. تنحنح وقال: “يجب عليك حقًا إبقاء نافذة مكتبك مغلقة في الشتاء. بسببكِ أفرط نظام التدفئة في المبنى في التدفئة؛ وهو ما أدى بدوره إلى رفع درجة حرارة مكاتب الجميع”.
أومأت برأسها وقالت: “حسنًا. سأتأكد من إبقائها مغلقة في المرة القادمة”. وأضافت كما لو كانت تتحدث مع نفسها: “يجب أن أكتب تذكيرًا على ورقة لاصقة”.
“نعم، يجب عليكِ فعل ذلك”! خرج إلى الممر وعاد إلى مكتبه. أغلق الباب وجلس، وأدار ظهره إلى حاسوبه المحمول متجاهلًا وميضه. لم تكن أي من الكلمات التي كتبها للتوّّ منطقية. من نافذته رآها تغادر أمام غودسبيد، ومعطفها يتطاير خلفها.
قام وذهب إلى مكتبها مرة أخرى. نظر حوله، كما لو أنها قد تظهر من العدم. فتح خزنة الحائط، وشعر بتيارات هوائية برائحة الهواء الطلق. استغرق الأمر لحظة قبل أن تتكيف عيناه، وتراجع عند رؤية بقعة من العفن الأسود تنمو عبر الجدار. كانت غريزته الأولى هي إلقاء اللوم على ماري، إذ إنها لم تستدعِ عمال صيانة المباني في وقت سابق للقضاء عليها. ملأ النسيم خزنة الحائط، واستغرق الأمر لحظة أخرى قبل أن يدرك أنه ليس عفنًا.
اقترب من الفتحة بحذر، وأدخل رأسه إلى الداخل. لم يستطع رؤية أي شيء. ثم لعدم قدرته على إيقاف نفسه، هرع عبر الممر. لسببٍ غيرِ مفهوم وجد نفسه في الخارج، في مكان مكشوف. رأى ظلّ امرأة تقف هناك وهي تدخن، وظهرها تجاهه. لم يتمكن من رؤية وجهها، إلا أنه تعرّف على هيكلها فورًا: شعرها، والمعطف الصوفيّ. هل كانت هذه هي حقًا؟ رآها للتوّ تغادر المبنى! أسرع نحوها على أمل أن يفاجئها. صرخ ظافرًا ومحتارًا: “رأيتك تغادرين للتوّ”!
تفاجأت، واستدارت لتنظر إليه. سقطت السيجارة من فمها، وانطفأت عندما ارتطمت بالأرض.
