حين أُوصي ببرنامج How to With John Wilson لشخصٍ لم يسمع عن هذا البرنامج من قبل، أجد صعوبة في معرفة من أين أبدأ. تقوم شركة “إتش بي أو” بتسويق البرنامج على أنه “مسلسل وثائقي” للمخرج جون ويلسون، الذي يستكشف فيه السلوك المميز لسُكان مدينة نيويورك الأكثر سخافة. لكن وصْفها بأنه “مسلسل وثائقي” أمرٌ خاطئ. نعم، يعتمد البرنامج على لقطات ومقابلات جمعها ويلسون من تِجواله في المدينة، لكن المادة تقدّم أيضًا بطريقة كوميدية. ولا يتعلّق الأمر تمامًا بأيّ شيء: في بعض الأحيان، تتنقل الحلقة من موضوعٍ إلى آخر كثيرًا، بحيث بحلول نهاية نصف الساعة، بالكاد تتذكر الموضوع الذي بدأت فيه.
قد يكون وصف ويلسون نفسه أمرًا صعبًا أيضًا. إنه نجم المسلسل ظاهريًا، لكنه نادرًا ما يظهر أمام الكاميرا. وبدلاً من ذلك، فهو يروي كل ما يراه الجمهور، مستخدمًا منظور الشخص الثاني للإشارة إلى تجاربه الخاصة. (عندما خضع المبنى الذي يعيش فيه لعملية تجديد، على سبيل المثال، قال إنّ البِناء “حول شقتك يحولها بسرعة إلى أكثر الأماكن ضجيجًا على الإطلاق”). بصوته الشبيه بالدُمية وتنحنحه المستمر، غالبًا ما يبدو متوترًا عند الخروج من المنزل. يبدو أن الكاميرا هي درعه، وطريقته في التواصل البصري مع الشخص دون الحاجة إلى النظر إليه مباشرة. في الموسم الأول، انتقدته مصممة الديكور الداخلي التي أجرى مقابلة معها بلطفٍ على ممارسة هذه العادة. حيث قالت: “أودّ أن تفكر في بعض الأحيان بأن تضع الكاميرا جانبًا، وأن تكون جون فقط”.
في الموسم الأخير من المسلسل، يبدو أن ويلسون قد سمع نصيحتها. حيث قدَّم المخرج لمحات من حياته الشخصية من قبل من خلال ذكر علاقاته وأصدقائه، ومن خلال دمج لقطات أرشيفية من أيام شبابه. لكن الموسم الثالث يخطو خطوات كبرى نحو هدم الجدران التي بناها ويلسون بينه وبين برنامجه. فحلقة الجمعة “How to Work Out”، هي الحلقة الأولى من سلسلة الحلقات التي يوجه فيها ويلسون الكاميرا إلى نفسه ويبدأ في المغامرة بانتظامٍ خارج أحياء مدينة نيويورك التي استكشفها منذ فترة طويلة، والنتيجة هي عمل ويلسون الأكثر تأثيرًا وطموحًا حتى الآن. إذا كان يستخدم How To في المواسم السابقة لفهم العالَم من حوله، فهو الآن يحاول عمدًا فهم نفسه – وفي هذه العملية، يسلّط الضوء على حدود نهجه. يشير المسلسل إلى أنّ تأريخ الواقع يتضمن دائمًا قدرًا من التلفيق.
اكتسب ويلسون سُمعته باعتباره مخرجًا وثائقيًا كريمًا، وشخصًا يرغب في التعمق في مواضيعه وتسليط الضوء على العواطف التي تتضمنها دون إصدار أحكام. يشبه عمل ويلسون إلى حدّ كبير مسلسل The Rehearsal، المسلسل غير التقليدي للممثل الكوميدي ومنتج How To ناثان فيلدر، حيث قد يكون من غير المريح مشاهدتهما، نظرًا لعرض كلاهما للكوميديا التي تتعلّق بمدى سذاجة المواضيع التي تتطرق للهواجس والمواضيع الغريبة. في حالة ويلسون، فهو يتتبع عمدًا الأشخاص الذين يبدون متشوقين لوجود أحد يسمعهم ويريدون التحدث عن أحد الجوانب الغريبة من شخصياتهم، مثل الرجل الذي قابله في محلِّ بقالة، الذي ذكر افتتانه بتأثير مانديلا، وهي الظاهرة التي يخطئ فيها مجموعة من الناس في تذكر الأحداث أو التفاصيل المهمة. وعلى الرغم من أن ويلسون لم يعلّق أبدًا، في روايته لمقطع الفيديو، على غرابة ما يصوّره، إلا أن الحلقات تنقل وجهة نظره على أيّ حال. وفي وقت سابق من هذا الموسم، أمضى بعض الوقت مع رجل كان يحاول نقل عائلته إلى صومعة صواريخ بلا نوافذ، وطوال المشهد، نشر ويلسون مقطوعة موسيقية مؤرقة بدت مأخوذة من فيلم مؤامرة مثير، كما لو كان لإظهار سخافة إجبار الرجل وكيف بدت من وجهة نظر ويلسون.
ومع ذلك، في الحلقة الأخيرة، واجه ويلسون دافعه لتحويل غرابة أطوار الناس إلى ترفيه، حيث توجّه إلى مسابقة كمَال الأجسام بموضوع هجمات 11 سبتمبر –وهو حدث ذو إمكانات كوميدية واضحة، وإن كانت صادمة–، وسأل العديد من المتسابقين عن ذكرياتهم حول الهجمات التي من المفترض أنهم مجتمعون لتذكّرها، لكنه يصمت عندما يتلقى بدلاً من ذلك ردودًا حول كيف يمكن أن يكون كمَال الأجسام مرهقًا للعقل. وبعد أن التقى ويلسون بمدربٍ يدّعي أنه عمل ذات مرة مع أحد المجرمين، تعمّد قطع التصوير بعد فقرة أسئلة وأجوبة قصيرة، حيث بدلاً من ذلك قام بتشغيل فيلم بطل خارق منزليّ سجله عندما كان طفلاً في 11 سبتمبر. يبدو الأمر كما لو أنّ ويلسون نفسه منزعج جدًا من الاستمرار في السماح للآخرين بالمبالغة في المشاركة، لذلك يتدخل بنفسه كبديل، ويقفز في دوامة حياته الشخصية.
هذا أسلوب لم يُتوقع مِن ويلسون باعتباره أسلوب كاشف، حيث يدرس السبب الذي دفعه إلى صنع فيلم، من بين كل الأشياء، بعد ظهر ذلك اليوم. إنه يفكر في دوره كمخرج ويتأمل كيف غيّره برنامجه، وعلى هذا العمل الذي يقوم به. قام بإدراج مقاطع لنفسه وهو يقف بصلابة على السجادة الحمراء لحفل جوائز الإيمي. يُدرج لقطات التقطها لإيلون ماسك، ومارثا ستيوارت، ومايكل بلومبرج، وهي أسماء بارزة شاركها بعض الفعاليات الفاخرة. ويلفت الانتباه إلى كيف تحولت كاميرته من درعٍ إلى سلاح -بسبب برنامجه- على شركة “إتش بي أو” يحمل اسمه في العنوان، حيث يقوم بالتركيز على لوحة إعلانية لنفسه تظهر في تايمز سكوير “تحبّ أن تعتقد أنك تشاهد كل هذه الأشياء من مسافة بعيدة”، يروي بجدية “ولكن ربما هذا هو ما أنتَ عليه الآن”.
ذكّرني هذا الاعتراف بشيء عبَّر عنه ويلسون في الحلقة الأولى من البرنامج. حيث قال: “كلَّما تحدّثت مع شخص ما، أصبح من الصعب عليك إخفاء هُويتك الحقيقية”. لم يكن برنامج How To، على مدار ثلاثة مواسم، مسلسلاً وثائقيًا أو كوميديًا، بل كان استكشافًا لهذا الخط الرفيع بين الراوي والموضوع، ومدى استحالة تسجيل الواقع بشكلٍ موضوعي. كان فضول ويلسون هو الذي ساهم في تشكيل البرنامج، لكن بقدر ما حاول أن يظلّ بعيدًا عمَّا استطلعه، أثَّرت خصوصياته الخاصة على كل ثانية مما تمّ بثّه. قال ذات مرة بازدراءٍ في إحدى المقابلات، وهو يشرح سبب انجذابه إلى تصوير حياة الأشخاص العاديين: “هذه الأيام، كلّ شيء أصبح مثل هذا الأداء”. في الموسم الأخير، يبدو أنّ ويلسون قد تصالح مع كونه أكثر من مجرد مخرج وثائقي يصادف شخصيات مضحكة؛ فهو بنفسه شخصية سينمائية تلعب دورًا.
