القائمة الرئيسية

كيف يفسّر القياس في السياق التاريخي؟

كيف يفسّر القياس في السياق التاريخي؟
ملخص المقال

المقال يناقش مفهوم المقايسة التاريخية، أي الربط بين أحداث متفرقة زمنياً ومكانياً على أساس التشابه الظاهر، موضحًا أنها أداة يستخدمها السياسيون ووسائل الإعلام لإثارة الانتباه وتوجيه الرأي العام، لكنها ليست بديلاً عن التحليل التاريخي الجاد. يشير الكاتب إلى أن التاريخ لا يعيد نفسه وأن كل حدث فريد، وأن قيمة المقايسة تكمن في تحفيز التفكير النقدي وفهم السياق الحالي عبر الاستفادة من الماضي، مثل استحضار معسكرات الاعتقال النازية لمقارنة سياسات الهجرة الحديثة أو ربط الأوبئة السابقة بكوفيد-19. كما يوضح المقال أن المقايسة يمكن أن تكون مفيدة أخلاقياً وسياسياً إذا وُظّفت لتعزيز الوعي والمواقف الإنسانية، لكنها غالبًا تُستغل لأغراض سياسية أو إعلامية. في النهاية، يشدد على أهمية دراسة التاريخ بعين ناقدة لفهم حاضرنا واستلهام حلول للمستقبل، مع التأكيد على أن التعلم من الماضي لا يعني افتراض تكرار الأحداث نفسها، بل فهم أسبابها وسياقاتها لتوجيه أفعالنا اليوم.

بقلم: موشيك تيمكن | ترجمة إبراهيم الكلثم

 يُقصد بالقياس في السياق التاريخي: الزعم بتشابه حادثتين وقعتا في أزمنة وأمكنة مختلفة تشابهًا جوهريًا. ومن الأفكار الذائعة تلك التي مفادها أن “التاريخ يعيد نفسه”، وعادة ما تتمثل في عبارات من قبيل ” شهدنا هذا الحدث من قبل” أو ” الحدث مألوف” . وبما أن المقايسة ليست من الخصائص المحورية في الكتابة التاريخية، ولا هي من دأب المؤرخين، يجدر بنا التساؤل عمن يأتي بهذه القياسات؟ ومتى أُذيعت؟ وما سر انتشارها؟ وما هو غرضها؟ وهل تحسّن فهمنا للعالم؟ 

 الأرجح أنه لا يوجد من ينافس السياسيين المخادعين في حبهم لاستخدام المقايسات التاريخية. هيّأت إدارة جورج بوش الناس لحرب العراق عن طريق الخداع والكذب إذ غمرت الناس بالمقارنات بين الطاغية العراقي صدّام حسين وأدولف هتلر. مفاد الفكرة أننا لا ينبغي أن “نهادن الطغاة” على منوال بريطانيا وفرنسا مع هتلر في ميونيخ عام 1938م قبل عام من غزوه بولندا، حيث اندلعت أكثر الحروب ضراوة في التاريخ. 

صوّرت هذه المقايسة الحرب مع العراق على أنها واجب أخلاقيّ، إذ إن الامتناع عنها لا يقل ضراوة عن إطلاق جماح النازية. وبالرغم من أنها على الصعيد التاريخي عبثية، فإننا إذا نظرنا إلى حادثة 11 سبتمبر، عام 2001م التي قيست بهجوم اليابانيين على بيرل هاربور في ديسمبر 1941م سنجد بأنها كانت فعّالة. ( شاع لدى غالبية الأميركيين في عام 2002م، الاعتقاد بأن للحادثة صِلة بصدّام).

 قد تكون القياسات التاريخية قيّمة ومُثرية، طالما كنا متيقظين لهوية مستخدمها ودوافعه. إن كنا نتحلّى بالعقلانية تجاه الماضي سنرغب في التعلم من دروسه، وتقدير أسلافنا، واستخلاص ما هو مفيد من السبل التي سلكوها في مجابهة التحديات والمصاعب. 

الركون إلى التاريخ هو إحدى الطرائق الحدسية التي نلجأ إليها لفهم الحاضر فهمًا واضحًا. إنه تصرف طبيعي. 

كيف نتصرف؟ 

إن المقايسة بين الأحداث التاريخية فعل طبيعي وفي بعض الأحيان مهم ونبيل، ويعيننا على اتخاذ مواقف معيارية تجاه العالم الذي نعيش فيه. إن كان هناك على سبيل المثال حاكم مرتشٍ، ومستبد، وجشع، سيدعونا ذلك إلى البحث في الماضي سواء في تاريخنا أم تاريخ الثقافات الأخرى عن مثال مشابه. 

 إن هجمت القوات المسلحة على طوائف الأقلية وحلفائهم المحتجين على العنف الذي يمارسه رجال الشرطة وشراستهم، قد يدعونا ذلك إلى استحضار مواقف في الماضي تنطوي كذلك على شراسة رجال السلطة أو الدولة. يمكن لهذه المقايسة أن تنهض بالناس وتثير غضبهم واستياءهم في مواقف كتلك، وهي أيضًا تذّكرنا بأن غيرنا قد واجهوا ذات التحديات السياسية والأخلاقية. ولأن كل حدث في التاريخ هو حدث متفرّد، من المحال أن تتميز المقايسة بالدقة. ولكن تكمن قيمته في هدي أذهاننا إلى أحداث ماضية، تحمل في ثناياها مدلولات تنفع الناس في الحاضر. 

تختلف المقايسة في السياق التاريخي عن المقارنة؛ إذ إن المقارنة بين حادثتين متشابهتين قد تتبع نهجًا أوضح. تقع الكوارث الطبيعية كالزلازل في أوقات متباينة وليست بالضرورة نتيجة للأنشطة البشرية، وتتفاوت تأثيراتها حسب الظروف الاجتماعية المتغيرة، والسلطة السياسية، والتطور الاقتصادي. 

ومن هذا المنطلق، ستكون تفاصيل دمار منطقة عائدة إلى العصور الوسطى إثر بركان ثائر مختلفة عن ثوران وقع في مدينة حديثة من حيث الحجم والسرعة. سوف نقارن التأثيرات، والاستجابات، وأبعاد أخرى متشابهة (بلا شك). وقد نقارن بين معدل تواتر ثوران البراكين في الماضي واليوم ومدى قوتها لنربط بناء على ذلك بين الكوارث الطبيعية والاحتباس الحراري الناتج عن أنشطة البشر. وبالمثل، عندما انتشر مرض كوفيد-19 في أرجاء العالم، استحضرنا وباء الإنفلونزا الذي ظهر في عام 1918م ليعيننا على التفكّر في التحدي. 

 قد تتباين الأمراض، ولكن جسد الإنسان هو ذاته، كما أن الأوبئة تحمل في جوهرها خصائص متكررة. ستركز المقارنة بين أزمتين صحيتين على إحداث تغييرات في العالم – وبالأخص في أحكام الصحة العامة كما حدث في القرن الماضي. 

 أما القياس فهو يُستخدم مجازًا بدلًا من كونه تكرارًا لظاهرة ما. عندما نقايس في السياق التاريخي فإننا على نقيض المقارنة نستشهد بأحداث مختلفة ونعتقد بأنها متشابهة وتحمل ما قد ينفعنا. 

 هذا يفسّر سبب كون المقايسات مدعاة للجدل. سنظلّ هدفًا للمقايسة المُسيئة، والتافهة أو الغبية التي لا تستحق الذِكر، طالما أن وسائل الإعلام تدنس الثقافة السياسة، تدنسها بوسائل تستهدفُ إثارة العواطف، وتعزيز الطبقية والعنصرية، والحكام المخادعين والعاجزين. 

لنلقي الظلال على المواقف التي أُثبت فيها فعالية المقايسة التاريخية حيث كانت فعّالة ومحرّضة.

 أهاجت عضوة الكونغرس الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز استنكار العامة عندما أشارت إلى معسكرات احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة بمعسكرات الاعتقال النازية في شهر يناير للعام 2019م، التي تقع في ولاية تكساس وأماكن أخرى حيث يتفرّق الأطفال وأسرهم (الذين في الغالب يُنقلون دونهم). 

انتقت أوكاسيو-كورتيز مصطلحًا حفّز قياس معسكرات احتجاز المهاجرين بمعسكرات النازية في الحرب العالمية الثانية. علاوة على وضوح المصطلح في الوصف. بالرغم من أن المقايسة كانت ناقصة ولم تضف أي جديد إلى التاريخ فقد وثّقت الشر الكامن من خلال الربط بين الأربعينيات وزمننا ربطًا منذرًا ومعقولًا

تدرك أوكاسيو-كورتيز كما يدرك المؤرخون المناصرون تصريحها بأننا لا نعيش بين النازيين الألمان، وأن المهاجرين في تكساس لا يساقون إلى غرف الغاز على سبيل المثال. ولكن قياسها الضمني (حيث إنها لم تلفظ النازية) كان غرضه التذكير بأن لمعسكرات الاعتقال تاريخًا طويلًا. وأحدها تضمنت (وتسبق) الإبادة الجماعية النازية لليهود. إن معسكرات الاعتقال لها حضور في تاريخ الولايات المتحدة ومعسكرات الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك (ICE) هي في الواقع أحدث تكرار لهذا التاريخ العالمي. 

 وهي كذلك نبهّتنا إلى أن الجرائم التي ارتكبتها الفاشية تمّت في غمرة أحداث الحياة الطبيعية. 

فضلًا عن أن قياسها يمثل نداءً للتحرك. إن تصوير الاعتقالات التابعة لإدارة الهجرة والجمارك على أنها مشابهة لمعسكرات النازية هو رفض للاستهانة بها وإنكارها أخلاقيًا.

إذن فإن القياس قد يوضّح لنا الجوانب المهمة في الحاضر حتى تتبلور مواقفنا تجاه المعضلات السياسية والأخلاقية. تكمن المعضلة عندما نخلط ما بين القياس التاريخي والتحليل التاريخي، والأدهى من ذلك الاعتقاد بأن “التاريخ يكرر نفسه”، خاصة فيما يتعلق بالوضع المزري في الولايات المتحدة. 

بوسعنا أن نعد معسكرات الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك جزءًا من تاريخ معسكرات الاعتقال النازية، كما أنها تثير سيرة الأنظمة الفاشية. لا يمكننا إسناد وجود معسكرات للاعتقال في عام 2020م أو تصرفاتها إلى الفاشية الأوروبية التي بزغت في سنوات ما بين الحربين العالميتين.

ولا نزعم بأن معسكرات الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك تتبع حسب “التقاليد” الأمريكية أي نوع من التفسير التاريخي. إن كراهية الأجانب والقومية ليست بالأغراض المادية حتى تتوارثها الأجيال، إنها لا تملك أية سلطة. لذا يجب أن نتطرق إلى التاريخ الحديث كي نفسر معسكرات الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك، وأن نعزو تصرفاتها وسلطتها إلى مسيرة تاريخية. 

 يجدر بنا التساؤل: ما الذي يقود إلى الهجرة؟ وأي نوع من المسؤولية يقع على عاتق الولايات المتحدة إزاء اللاجئين البائسين؟ ومن الذي أنشأ وموّل معسكرات الاعتقال التابعة لإدارة الهجرة والجمارك؟ ولأي غرض؟ 

العنصرية التي كانت تتسّم بها أمريكا في الماضي لا تفسّر لنا شيئًا. وعلى حد تعبير المؤرخة باربرا فيلدز، إن العنصرية شيء نعيد خلقه كل يوم. من الذي أوجد العنصرية في حاضرنا؟ أو ما الذي كان سببًا في نشوئها؟ وما الظروف التي تسهم في تفاقم العنصرية ومُعاداة الأجانب؟ 

إن الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917م وصعود بلشفية إلى قمة السلطة خير مثال للتفكّر في هذه المعضلة. أكّد مجموعة من علماء الاجتماع على تشابه الثورات عبر مختلف الأزمنة والأمكنة أو كيف تسهم ثورة في اندلاع أخرى. قد يركز الناس الذين يبحثون عن سوابق تاريخية لتفسير الحدث المأساوي الذي وقع في روسيا عام 1917م على الثورة الفرنسية مثلًا والتي وقعت عام 1789م، 

 إلا أن أي مؤرخ جاد لن يقنع بالثورة الفرنسية كتفسير لنشوء الثورة الروسية أو مآلها. ولن يفترض أن نتائج الثورة الفرنسية قد حددت مسار الثورة الروسية. 

 لعلنا نستثني وبمستوى عال من التجريد قلّة مما حدث في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، والتي أثّرت على تصرفات معظم الروس في أوائل القرن العشرين.  بالنسبة للأغلبية الساحقة من الشعب الروسي في عام 1917م، …

لفهم انتصار بلشفية يجب أن نحلل تاريخ روسيا ذاتها بدلًا من النظر إلى الثورات العظمى، ويعتمد على المؤرخ العمق الذي يود النبش فيه. لكن التركيز الأكبر سيكون على التطورات في روسيا وما حولها والتي سبقت اندلاع الثورة مباشرة مثل إخفاقات النظام القيصري المتصلب العاجز. 

ويشمل ذلك خسائر الحرب العالمية الأولى والهزيمة المشينة في الحرب الروسية اليابانية لعام 1904م، والفقر المدقع الذي حلّ بالفلاحين، والتحريض بين الطبقة العاملة الصناعية الحضرية المتنامية، والإلحاح المتزايد بشأن المشاركة الديمقراطية، فضلًا عن القدرات القيادية والاستراتيجية للبلاشفة أنفسهم.

 نقاط أساسية – كيف تفسر المقايسة في التاريخ.

قد تكون المقايسة في التاريخ أداة قوية لربط الحاضر بالماضي، ولكنها ليس إلا أداة واحدة من الأدوات التاريخية. لا بد أن يُنظر إلى المقايسة في التاريخ على أنها تصريحات سياسية وسط بيئة إعلامية تحرّكها متطلبات السوق ولا يمكن أن تحلّ محل التحليل التاريخي. 

إن المقايسة في التاريخ ليست بالإحصائيات القادرة على التنبؤ بالمستقبل، ولا يكرر التاريخ نفسه. 

تكون المقايسة في التاريخ نافعة في بدء النقاشات والجدالات. وأقصى فائدتها هي أن تكشف لنا التاريخ بطرائق جديدة وتحفّز رغبتنا في تعلم الماضي. 

قد تبلور المقايسة التاريخية مواقفنا تجاه المعضلات الأخلاقية، عن طريق ضرب الأمثال المستوحاة من الماضي لتبيان فكرة مهمة عن الحاضر. 

غالبًا ما نرى في النطاق السياسي وفي بلدان عدة اللجوء إلى المقايسة التاريخية بغرض تحليل الحاضر. وفي بعض الأحيان أملًا للتنبؤ بالمستقبل.

هذه الوسيلة في تبيان الرابط ما بين الماضي والحاضر ليست نابعة من تساؤلات تاريخية وإنما مدفوعة بأغراض سياسية. 

إن نهج المؤرخين في التعلم ومزاولة المهنة يختلف اختلافًا هائلًا عن المقايسة في التاريخ وظهورها في عالم العامة والسياسة. نادرًا ما يستخدم المؤرخون القياس في كتاباتهم أو تدريسهم. 

ولكن عندما يعلّقون على الشؤون الحالية، يكون غرضهم مناقشة القياسات التي ذاعت بين النقاد والطبقة السياسية. لا تقتصر أهمية فهم القياسات التاريخية على كونها خطابًا سياسيًّا (للأحسن أو الأسوء)، وإنما ظاهرة يحرّكها السوق كذلك. 

عادة ما توهِم القياسات التاريخية بالاطمئنان؛ إذ تتنبأ بما سيحدث (إذ كل ما يتطلبه ذلك نظرة إلى الماضي) علاوة على أننا سنرّحب بالنهاية (إذ إننا نميل إلى اختيار القياسات التي تتماشى مع اعتقاداتنا، لا سعيًا إلى إجراء تجارب أو دراسات بحق. 

 كل الأفكار والكتابات في نطاق التاريخ مبنية على الحاضر ومتجذّرة في النظرة المعاصرة إلى العالم، بما أننا نعيش في الحاضر. إن القياسات التاريخية في الساحة العامة ليست مجرد تصريحات سياسية مستترة وإنما هي نتاج رغبة في أن يكون الغد قابلًا للتنبؤ.

على سبيل المثال في الآونة الأخيرة أثار الإعلام مقايسات بين رئاسة دونالد ترامب وفضيحة ووترقيت التي أزاحت زميله الرئيس نيكسون في عام 1974م. انطوت المقايسة على فكرتين أساسيتين: الأولى والأكثر منطقية هي أن فضائح رئاسة ترامب تُماثل جرائم البيت الأبيض في عهد نيكسون. 

 والفكرة الثانية مفادها أن استقالة نيكسون القسرية كانت نذير شؤم لترامب، الذي سيشقى بدوره تحت تأثير هذا القياس من مصير مشابه. نظرًا لاختلاف عام 2020م عن 1947م اختلافًا كبيرًا. إذ يتطلب تكرار حادث الاستقالة تحقيقًا لمطلب سياسي وليس تفكيرًا تاريخيًا. 

 لذا عندما نتفكّر في القياس التاريخي، من المهم أن نتساءل: من هم الأبطال ومن هم الأشرار؟ وفيما يتعلق بمقايسة مآل ترامب بحادثة ووترقيت، على الأرجح أن الصحافة السياسية أدت دور البطل في إزاحة نيكسون؛ مما أسهم في ذيوعها كتشبيه للنظر في أمر رئاسة ترامب. 

يعدّ النظر إلى الماضي بغرض التنبؤ بالمستقبل شكلًا من أشكال الهروب وتفادي

 فحص التطورات التاريخية التي كانت سببًا فيما يحصل. 

 بوسعنا النظر إلى حالات من شتى بقاع العالم لفحص هذه الديناميكية. لا يمكن تفسير حكم ناريندرا مودي الاستبدادي للهند أو مغالاته في الوطنية بالتفكّر في فترة “الطوارئ” في منتصف السبعينات عندما ألغت غاندي الحرية الديموقراطية. بدلًا من ذلك، للتفكير من منظور تاريخي لا بد أن نلتفت إلى تفاقم التعصب القومي لدى الهندوس في الآونة الأخيرة، والتوترات مع باكستان، والتأثيرات الاجتماعية الناتجة من عدم المساواة الاقتصادية في السوق الحر. 

 وفي البرازيل لا علاقة لوصول الرئيس السابق جايير بولسونارو إلى السلطة بظهور الدكتاتورية العسكرية في الستينيات. بدلًا من ذلك يجدر بنا النظر إلى القوات المسلحة الكامنة خلف بزوغ جايير بولسونارو والفساد الحاصل في البرازيل، وانهدام ثقة الشعب تجاه الحكومة، والدمار البيئي المستمر. 

 لن نجد في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة ما سينفعنا في قضية تقدَم ترامب أكثر مما سنجد في الأحداث التاريخية والظواهر التي وقعت في الآونة الأخيرة مثل انهيار القطاعات، ومُعاداة الأجانب، والعنصرية وتفاقم اللامساواة، وقمع الأصوات، وعبادة الإعلام و…

 لا بد أن نعي جوانب القصور في المقايسات بين الأحداث التاريخية. إن التاريخ لا يعيد نفسه. مما يعني بأن كل حدث يقع هو حدث متفرّد في جوهره. 

تكمن منفعة المقايسة في حثّنا على التفكير من منظور تاريخي، بدلًا من تحديد هل كان أيّ من ترامب، أو بولسونارو، أو مودي، أو بنيامين نتنياهو في إسرائيل، فاشيًا. 

 إن سلّمنا بأن هؤلاء الطغاة ليسوا فاشيين هل سيعني ذلك بأن الحاجة إلى العثور على قائد أفضل غير ضروري؟ وإن سلّمنا بأن هؤلاء الطغاة فاشيون، هل سيحدث هذا أي فرق في تجربة الناس لهذا العصر أو ما الذي يمكننا فعله؟ في كل الأحوال إن الإجراءات السياسية اللازمة تظل نفسها. 

 لا يعني التفكير من منظور تاريخي النبش عن أحداث تمثّل ما يحدث اليوم، إنما محاولة فهم كيف أصبح العالم ما هو عليه – وكيف يمكن أن يتغير. 

 إلا أنه لا يجب الخلط بين القياس التاريخي والتحليل التاريخي، علينا أن نتبنى روح الإيجابية في التاريخ لأنها تمسّ اهتمامًا عميقًا في الإنسان وقوته وهو اهتمام جدير بأن نعيه ونشجعه. 

 عندما تصادف مقايسة تاريخية مثيرة في الساحة العامة أعتبرها فرصة ودعوة إلى استزادة العلم عن الماضي عوضًا عن تطويعها لإثبات وجهة نظر سياسية للتنبؤ بالغد. 

إننا نحن البشر نمثّل العنصر المشترك بين الأحداث التاريخية جميعها (لا داعي لتحديد مقايسات معينة). 

إذا اعتبرنا أنفسنا ممثلّين تاريخيين، ونتاجًا للماضي، ومنتجين للمستقبل، يعلمنا دراسة التاريخ كل شيء عن العالم الذي صنعناه. نتعلم بأن كل المشاكل الكبرى هي نتاج أفعال البشر، يمكننا أن نستلهم من الماضي. ونحن في طريقنا للبحث عن الحلول. 

 لا داعي للخوف مما يسمى بالحاضرية وهي الفكرة التي مفادها أن من الخطأ اعتبار الحاضر مرتكزًا على التحقيقات التاريخية. إن أعظم الأعمال في التاريخ التفتت إلى الحاضر وتطرقت إلى مشاكلنا المعاصرة، وسعت إلى فهم مسبباتها، وإن كانت الأحداث نائية، فهم يسعون مع ذلك إلى تبيان الأسباب التي تقود سلوكاتنا وكيف نتخذ قراراتنا. 

 ومن هذا المنطلق، القراءة عن تاريخ الإمبراطورية الرومانية، أو الثورة الصناعية، أو غزو الإسبان، كلها تشكّل تفكيرنا إزاء العصر الذي نحيا فيه وإزاء أنفسنا. 

من الجدير أن نناقش الأعمال التي تشير إلى تكرار الأحداث، والمخاوف، والمعضلات عبر الزمن. إن القلق بشأن الماديات، والمنافسة الاقتصادية، ومتاعب القيادة، والتوترات الجغرافية السياسية، والقمع والتمرد، جميعها لازمت الإنسان منذ نشأته. 

 من الدراسات العميقة التي تطرقت إلى ظهور الطاغية وسط الفلاحين الفقراء هي دراسة بعنوان أسس الطغيان (2002م) للمؤلف ريتشارد لي توريتس عن حكم رافائيل تروخيو في جمهورية الدومينيكان في عام 1930م-61. قد تعيننا هذه الدراسة على فهم أسباب تخلي العديد من الفقراء عن الديموقراطية في حال سلّموا بأن شؤونهم المادية أفضل في ظل الحكم الديكتاتوري. 

 يعيننا كتاب السباق (2012م) للمؤلفة باربرا جيه فيلدز على فهم طبيعة العنصرية في مجتمع رأسمالي، إذ يرسّخ العنصرية باستمرار. 

 تعد خطابات مالكوم إكس ومقابلاته مصدرًا جيدًا لاستكشاف قوة تطويع المقايسة التاريخية في نقل الضروريات الأخلاقية والسياسية إلى الجماهير. ويمكن العثور عليها في العديد من المنصات الإلكترونية، كمنصة يوتيوب. 

 كتابة التاريخ العظيم ليس مقتصرًا على المؤرخين، تطوّع المؤلفة أرونداتي روي الجدل التاريخي المهاتما غاندي وبي آر أمبيدكار في كتابها الطبيب والقديس (2017م) حول الطبقية والاستقلال الوطني بغرض فهم الظلم وعدم المساواة في صلب المجتمع الهندي اليوم. 

 إن الأفلام التاريخية هي إحدى الوسائل الجذّابة للتعلم عن حاضرنا، مثل فيلم معركة الجزائر (1966م) للمخرج جيلو بونتيكورفو، الذي يحكي عن اندلاع ثورة التحرير الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، فهو مثرٍ في تناوله لحالات القمع، والتمرد، والعنف السياسي. 

 كتب بعض المؤرخين تأملات للعامة عن التفكير من منظور تاريخي، من أبرزها كتاب مشهد التاريخ (2002م) للمؤلف جون لويس جاديس الذي يشبه هذا المجال بالعلوم الفيزيائية مثل علم الفلك، والجيولوجيا، وعلم الحفريات.

 وربط آخرون مخاوف الحاضر بالماضي، مثال على ذلك كتاب السباق وحرب أمريكا الطويلة (2017م) للمؤلف نيخيل بال سينغ والذي يركز على العلاقة بين 

العنصرية الأسرية، والرأسمالية، والذي يُطلق عليه مسمى الحرب ضد الإرهاب والأسباب الجذرية لارتقاء ترامب. 

 لا تحمل هذه الكتب اليقين التام ولا تنطوي على كل الأجوبة. ولكنها أمثلة على جدوى التفكير من منظور تاريخي (والكتابة التاريخية)، والتي تكشف عن الحاضر، وتدفعنا إلى تصوّر مستقبل أفضل. 

المصدر

مقالات ذات صلة