معلومات مُهِمّة
منذ أن بدأ أفلاطون حكاياته عن ناس مُحتجَزِين في كهوف، بدأ الفلاسفة يتفكرون في العلاقة بين العقل والواقع، ما الذي يضمن لنا أنّ العالم الذي نعتقد أنّنا نعرفه هو العالم الحقيقي؟ فكلنا أخطأنا سابقًا -فلعل الشخص الواقف خلف نافذة المتجر دمية، ولعل الخطين اللّذَيْن نراهما مُنحَنييْن هما في الواقع مُتوازِيان- فكيف لنا أن نتأكد من أنّنا نعرف الواقع كما هو حقيقة؟
صوّر فيلما شاتر آيلند (Shutter Island) (2010) والاستدعاء الكامل (Total Recall) (1990) الاختلاف بين معرفتنا والواقع بطريقة درامية (أعتذر عن إفساد متعة فيلمين عمرهما عقدٌ وثلاثة عقود على التوالي) فلعل العالم الذي نعتقد أنّنا نعيش فيه مجرد حيلة مُتقَنة مُصمَّمة لخداعنا، أو ذاكرة صناعية مزروعة فينا، ولعل “العالم الحقيقي” يقع في مكان يتجاوز تجاربنا اليومية، وكيف لنا أن نعرف لو كان الأمر كذلك حقًا؟

في الخدعة البصرية التي اكتشفها العالم الألماني “إيوالد هيرينغ” Hering illusion، هل الخطان الأحمران مستقيمان أم منحنيان؟ الصورة من ويكيبيديا.
وقد طرح بعض الفلاسفة سؤالًا أكثر إرباكًا: كيف نعرف أنّ هناك عالمًا خارج أذهاننا أصلًا؟ لا شك أنّ كل واحد فينا مر بتجربة بدت واقعية تمامًا -كما في الأحلام أو الكوابيس- ثم اتّضحَ له لاحقًا أنّها من نسج الخيال، استفاد الفلاسفة المثاليون أمثال: جورج بيركلي (1685م-1753م) من هذه الحالات إلى جانب أدلة أخرى، وافترضوا عدم وجود عالم خارج عقولنا، وما الواقع إلّا تصورٌ في أذهاننا.
تتمحور هذه الاحتمالات كلّها حول مسألة العلاقة بين العقل والواقع، وقد حيّرَ هذا الموضوع الناس لآلاف السنين، وما يزال يُناقش حتى يومنا هذا، ويرى بعض المفكرين أنّ هذه المسألة هي القضية الأساسية في الفلسفة، بل في الحياة الإنسانية عمومًا. لكن، هل يتحتم علينا حل هذا اللغز المُحيِّر حتى تكتسب أفعالنا الأخرى كلّها معنًى؟
العالم المُجرّب
لا يتفق إدموند هوسرل (1859م-1938م) -مُؤسِّس الفرع الفلسفي المعروف باسم الفينومينولوجيا- مع هذا الكلام، ويطرح بدلًا من ذلك سؤالًا مختلفًا تمام الاختلاف، فيتساءل: لماذا يهمُّ ذلك؟ هل علينا حقًّا تضييع وقتنا في محاولة حل هذا السؤال المُستعصِي المُعقَّد؟ أم أنّ بإمكاننا طرحه جانبًا والتركيز على ما يهمُّ فعلًا؟
إنّ من أهم أهداف الفينومينولوجيا (علم الظواهر) تجاوُز القضية الشائكة لوجود العالم خارج التجربة الإنسانية؛ حتى يتسنّى لنا البحث في موضوع أقرب إلينا وهو: العالم المجرّب، فمن خلال التخلي عن التمييز الفلسفي التقليدي بين الوعي والواقع، ننفتح على مجموعة من البحوث التي تُعِيننا على فهم حياتنا اليومية.
Top of Form
لكن، كيف لنا أن نتجنّبَ هذه المشكلة الشائكة التي حيرت كثيرًا من عظماء المفكرين عبر التاريخ؟ يقترح هوسرل إجابة بسيطة: علينا تطبيق الاختزال الفينومينولوجي، والاختزال منهج في التفكير يطرح جانبًا أي سؤال عن العقل أو الواقع بما هو في ذاته ويُعدُّه خارج حدود البحث الفلسفي، ويُركِّز بدلًا من ذلك -من خلال عملية الاختزال- على ما تُعدُّه الفينومينولوجيا هدفها الأساسي؛ أي: الروابط الجوهرية (أو التلازمات القبلية) بين الوعي والعالم المجرّب. تبدأ العملية بالاستبطان، يقول هوسرل: “فإنّني على كلٍّ عاجز عن تطبيق الاختزال إلّا إذا بدأتُ من ذاتي” ثم نربط وعينا بالعالم المجرّب، “ثم يُمكِنني إظهار نفسي الإنسانية كتجلٍّ للمطلق”، ولو صدق افتراض هوسرل وعلماء الفينومينولوجيا في أنّ الاختزال منهج نافع للفلسفة؛ فستكشف لنا طريقة التفكير هذه رؤًى مهمّة ما كنّا لنصل إليها دون تجاوز المُعضِلة الأزلية التي يسعى الاختزال لتفاديها.
وسيتّضحُ لنا أنّ للتحول الفكري الناتج عن الاختزال الفينومينولوجي آثارًا جمة على فهمنا للعالم ولأنفسنا حتى خارج السياق الفلسفي، فلا شك أنّ وضوح التفكير الناتج عن الاختزال نافع للفلاسفة؛ فهم بحاجة -كما يرى هوسرل- إلى مستوى عالٍ من دقة التفكير في القضايا التي يبحثونها، لكنّ هذا النهج الدقيق في تأمُّل أنفسنا وحياتنا يمنحنا -إضافة إلى ذلك- منظورًا جديدًا لمواضيع كثيرة في حياتنا اليومية، بدءًا من تجاربنا العادية إلى فهمنا لمكاننا في هذا العالم الذي يتحتم علينا العيش فيه بغض النظر عن وجوده حقيقة أم لا، يُعِيننا الاختزال على التفكير تفكيرًا واضحًا في المحتوى الحقيقي لتجاربنا (بدلًا من الركون إلى افتراض ما تعنيه هذه التجارب). وعلى صعوبة تطوير هذا المنظور والحفاظ عليه؛ فإنّ الاختزال الفينومينولوجي مسعىً شائق مفيد للفلاسفة وعامة الناس على حد سواء.
تأمل
يتطلب الاختزال صرامة
إذنْ، ما الذي نعنيه بممارسة الاختزال الفينومينولوجي، وكيف يُطبَّق؟ لنتفكر أولًا في متطلبات تنفيذ هذا التحول العقلي. لحسن الحظ، كان هوسرل عالمًا فينومينولوجيًا، لذا؛ لا حاجة لشراء أي شيء أو تجهيز أي معدات (إلا ورقة وقلمًا ربما، فإنّك لا تُريد أن تنسى أي رؤىً تتكون لديك أثناء انغماسك في هذه العملية). في الواقع، نظرًا إلى إمكانيّة تعريف الفينومينولوجيا (بشيءٍ من المبالغة في التبسيط) على أنّها دراسة تجربة الوعي، فإنّك لا تحتاج حقًّا إلّا إلى وعيك، وبما أنّك تقرأ هذا الدليل حاليًّا، فإنّ وعيك حاضر ولا شك.
لكنّ الاختزال لا يعني الاستمرار في ممارسة طرائق التفكير المُعتادَة؛ فمن النقاط الأساسية التي تطرحها الفينومينولوجيا هي الحاجة إلى الصرامة، أي: ضرورة الحذر من ترك التفكير يضعف بالاستسلام للعادات المتأصلة، أو التحيُّزات اللاواعية التي قد تُعِيق قدرتنا على فهم العالم المجرّب على حقيقته.
الانتباه للموقف الطبيعي
الخطوة الأولى في الاختزال هي أن نكون واضحين كل الوضوح بشأن ما نختبره حقيقة مقابل ما نفترضه، وهذه الخطوة أصعب ممّا تبدو؛ فنحن لسنا مُعتادِين على هذه الصرامة في الحياة اليومية، لكنّنا منذ اللحظة التي نستيقظ فيها (بل من اللحظة التي نُولد فيها) نُكوّن افتراضات كثيرة: هذه الغرفة التي أراها حولي، هذه الجدران، لوحة المفاتيح، كرسيي، إلخ، هذه الأشياء كلّها موجودة سواء أدركتُها أنا، أم أي أحدٍ غيري، أم لم نُدرِكها.
حتى عندما نستعمل مناهج تفكير صارمة مثلما يحدث عندما يبحث عالم فيزيائي أو كيميائي بحثًا علميًا، تبقى هذه الافتراضات في الخلفية، فلا يتردد الكيميائي في افتراض أنّ التفاعل الكيميائي الذي يلحظُه موجود بمعزل عن تصوراته، وعمومًا، إذا صرفنا النظر عن الوقت الذي نُخصِّصه لبحث الأسئلة الفلسفية (وحتى حينها غالبًا)، فإنّنا لا نميل إلى الشك في هذه الافتراضات المُسبَقة، لكنّنا نقبلها ببساطة على أنّها حقيقة.
لا يدّعي هوسرل أنّ امتلاك افتراضات كهذه أمر سيئ؛ فالنظر إلى العالم بهذه الطريقة أمرٌ طبيعي، وهو يُطلق عليه “الموقف الطبيعي”، ولا يُمكِننا التخلُّص منه تمامًا، كما لا يُمكننا إنبات أجنحة والطيران بها، يُعِينُنا الموقف الطبيعي على عيش حياتنا اليومية، فأنا لستُ بحاجة لأن أفكر فيما إن كانت طاولتي وكرسيي ولوحة مفاتيحي موجودة حقًّا حتى أتمكن من الجلوس والكتابة، فهذه الافتراضات مقبولة تمامًا لمعظم حاجاتنا، بل إنّها مفيدة ولا غنى عنها، حتى لو عجزنا عن إثبات صحتها دون شك بطريقة تنفي أي خدعة مشابهة لأحداث فيلم شاتر آيلاند.
غير أنّ هناك أسبابًا قد تدفعنا للتفكير في مسائل تتجاوز هذا المستوى؛ ففي حياتنا اليومية جوانب لا يخطر ببالنا التفكير فيها عن كَثَب ونحن في الموقف الطبيعي، وكما يقول هوسرل: نحن نخضع عادة لـ “[تحيز] كلي في تجربة العالم، يتغلغل خفيًا في الموقف الطبيعي” وهو تحيُّز لا نعيه عادة، ولكن حتى نصل لمستوى عميق من الفهم علينا أن نُشكِّك في الافتراضات المُعتادَة كلّها، وننغمس نتيجة لذلك في القضية الشائكة للعلاقة بين العقل والواقع.
وفقًا لذلك؛ يتطلب الاختزال الفينومينولوجي التفريق الواضح بين عناصر العالم التي نلحظُها ملاحظة مباشرة بتجاربنا والعناصر التي نستنتجها، فمثلًا؛ من العناصر الجوهرية في تجربة النظر لشجرة أن نرى بعض الأشكال والألوان، ونحس أنّنا نفهم أنّ ما نراه شجرة، وهي فكرة تربطها روابط متعددة مع أفكار أخرى نحملها (أوراق، التمثيل الضوئي، يوم الشجرة، إلخ)، لكنّنا نفترض ضمن هذه التجربة أنّ هذه الشجرة موجودة وجودًا خارجيًا مستقلًا عن تجربتنا؛ أي أنّها مُنفصِلة تمامًا عن وعينا بها، وأنّها ستبقى موجودة حتى لو لم يبقَ في الوجود أي كائن واعٍ، يُشِير هوسرل إلى بعض وجوه التجربة المشابهة للمثال السابق عن الشكل واللون أنّها “معطاة مباشرة” في التجربة (أي أنّها مُعطاة لنا من قبل الشجرة نفسها، بوصفها شيئًا يُمكِن تجربته)، بينما يُشِير للوجوه الأخرى من قبيل الوجود الخارجي المُفترَض للشجرة خارج الوعي على أنّها افتراضات شائعة لا غير.
تعليق الحكم
ما إن تتّضح لنا هذه الفروقات يُمكِننا أن نُطبِّق الخطوة الأساسية في الاختزال الفينومينولوجي: وهي التحول الذهني الذي يُسمِّيه هوسرل “الإبوخية Epoche” وهو مصطلح يوناني قديم يعني: “الإيقاف” أو “التوقف”، لكنّ الأنسب أن يُترجم هنا إلى “تعليق الحكم”. لا يطلب منا الاختزال التخلي عن الافتراضات السابقة أو معاملتها معاملة الأخطاء، فحتى لو لم يتسنَّ لنا التحقُّق من وجود الشجرة خارج وعينا فلن يُمكِننا إثبات العكس.
لكن، في الاختزال الفينومينولوجي علينا أن نُعامل كل ما لا تُقدّمه لنا التجربة مباشرة على أنّه خارج حدود التحقيق الفلسفي، فمن وجهة نظر مخلوق مثلنا لا فرق فيما إن كانت الشجرة موجودة خارج تجربة الوعي أم لا؛ ففي كلتا الحالتين يُمكِننا وضع افتراضات مفيدة بشأن الشجرة كما هي في الواقع المُجرّب. (فسواء أكانت الشجرة موجودة فعلًا أم لا، يتحتم علي الانحناء لتفادي أغصانها؛ حتى لا أمر بتجربة الإحساس بارتطام رأسي والسقوط) لذا؛ نُركّز أثناء تطبيق الاختزال على ما نعنيه بتجاربنا، وليس على ماهية الأشياء بمعزل عنها. وكما يقول هوسرل: “فنحن عن طريق التعليق نختزل المعطى لما نعنيه… وللمعنى المقصود خالصًا كما هو مقصود”.
ومن خلال الاختزال، لا تعمد الفلسفة إلى إثبات أو إنكار افتراضات حول وجود الواقع بمعزل عن تجاربنا، لكنّها تصف الطّرائق التي نختبر بها العالم من حولنا عبر تجاربنا (وهذا ما يُطلق عليه هوسرل الوصف الكلي). يُحوّل الاختزال تركيزنا من ماهية العالم إلى معناه بالنسبة إلينا، وما إن أتوقف عن القلق بشأن وجود الشجرة عندما لا يُدركها أحد، يُمكنني التركيز على أمرٍ ملموس وهو: علاقتي أنا بالشجرة، هل تُمثّل الشجرة عَقَبة في طريقي أم عنصرًا لطيفًا يمدني بالظل في يوم مشمس؟
إنّ تطبيق هذا التحوُّل ليس بالأمر السهل؛ فطريقة التفكير هذه تتعارض مع طرائقنا المألوفة في التفكير في العالم من حولنا، فإذا كان ما يُدعى الموقف الطبيعي يتميز بالتسليم بأنّ كل شيء نختبره موجود وجودًا حقيقيًا مستقلًا؛ فإنّ الموقف الذي نأخذه ضمن الاختزال الفينومينولوجي موقف غير طبيعي أبدًا، فيتطلب منا أن نصف بمنتهى الدقة المُعطى (وغير المُعطى) في تجاربنا، وهذا الضرب من التركيز الذهني لا يتحقّق إلا بكثرة المِران.
لا يختلف التمرين الضروري لتغيير تفكيرنا لهذا النهج عن ضروب التركيز التأملي الذي يُميِّز العديد من الأديان والتقاليد الفلسفية، مثل: بعض صور البوذية، ولا شك أنّ هذا النوع من التأمل لا يتحقق بيسر، يُوضِّح هوسرل أنّ تطبيق الاختزال الفينومينولوجي تطبيقًا صحيحًا والحفاظ على مستوًى ثابت من التركيز على المعطيات الحقيقية في حياتنا اليومية هو الطريق الأوحد للتفكير في المحتويات الفعلية لتجاربنا، وهو الطريقة الوحيدة لتجنُّب الخلط بين الافتراضات التي نخلقها باستمرار وبين الحقائق.
بحث الوعي الخالص
ما الذي يتبقّى لنا لِنُفكّر فيه بعد تطبيق الاختزال وطرح كل ما هو غير مُعطى مباشرة في التجربة؟ يتبين لنا أنّ ما يتبقى كثير؛ فالاختزال لا يُجرِّد العالم تمامًا تاركًا إياه فارغًا إلّا من أفكارنا وتأملاتنا (مثلما يعتقد المثاليون، أمثال: بيركلي)، لكنّه يُتيح لنا اكتشاف (وإعادة اكتشاف) أنفسنا ووعينا وكذلك العالم من حولنا، بقدر ما يفهم العالم مرتبطًا ارتباطًا فطريًا بتجاربنا، أي: بوصفه عالمًا من الظواهر، وليس عالمًا مُستقلّ الوجود.
وكما يقول هوسرل: “فنحن حينما نُطبِّق الاختزال الفينومينولوجي تطبيقًا مستمرًا تتبقى لنا… الحياة الواسعة للوعي الخالص ومتلازماتها… والعالم المقصود، خالصًا كما هو”، وما إن نحد بحوثنا بهذا المستوى -وإذا حرصنا على الالتزام بالصرامة، وتفادي الافتراضات غير المبررة- فسنجد طيفًا واسعًا من العناصر التجريبية الصادقة التي لا نلتفت لها عادة في موقفنا الطبيعي، لكنّنا نراها الآن بوضوح لا مثيل له.
نكتشف على وجه الخصوص أنّ ما ندرسه حقًّا ليس أنفسنا كوننا مفكرين معزولين عن العالم، ولا العالم بمعزل عن تجاربنا، بل الروابط بين الأمرين، إنّ التفكر في أنفسنا عن طريق الاختزال طورٌ متطور من أطوار الاستبطان؛ فهو يكشف لنا سعينا المستمر لما يتجاوز أنفسنا للانخراط في عالم يطوع نفسه لوعينا، وبطرح مسألة الترابط بين العقل والواقع جانبًا يفتح الاختزال مجالًا واسعًا من الاحتمالات الجديدة لاستكشاف كلا الموضوعين؛ من حيث ارتباطهما الوثيق أحدهما بالآخر.
ومن هذا المنطلق؛ فإنّني أعجز عن التفكير في نفسي دون الأخذ في الحُسبان العالم الذي أعيه دائمًا، وأعجز عن استكشاف العالم دون ملاحظة الطّرائق التي يتفاعل بها مع الوعي الذي يسمح لي بإدراكه، وبدلًا من فصل الأمرين يُوضّح لنا الاختزال الفينومينولوجي أنّنا مُرتبِطون بكل ما حولنا (على الأقل بقدر ما نتجاهل أي تساؤل حول استقلالية الوجود لكل ما حولنا، كما هو مطلوب في عملية الاختزال).
يُتيح لنا التفكير من خلال هذه الروابط ملاحظة أنفسنا بطرائق لم نعهدها في موقفنا الطبيعي، فيُتيحُ لنا التفكير فيما يحدث عندما نرى شجرة، وأيضًا فيما تعنيه لنا قدرتنا على رؤية الشجرة، ومثال على مهمة سهلة في هذا السياق؛ وصف هوسرل لكيفية عمل التجربة البصرية؛ فيُشير إلى أنّه مهما كان الشيء الذي أنظر إليه يُمكنني أن أثق دومًا بأنّ لهذا الشيء جانبًا خلفيًّا (حتى لو لم يكن شكل الجانب الخلفي ذاك كما أتوقع، وحتى لو لم ينطبق هذا الكلام على أنواع التجارب الأخرى مثل: الاستماع إلى لحن).
المهم هو أنّنا إذا طبّقنا الاختزال سنتمكن من فحص جوانب مختلفة من تجاربنا بهذه الطريقة المميزة، وتنكشف لنا بذلك رؤًى جديدة عن أنفسنا والعالم قد تتبين فائدتها العظيمة لنا، وما الاختزال إلا خطوة البداية، فإذا وصلنا إلى هذه النقطة يتبقّى علينا عمل مُضنٍ حتى نصف وصفًا بالغ الدقة ما يحدث حقًّا في تجاربنا، إذا أردتَ فهم ما تعنيه الشجرة لي حقًّا عبر الاختزال الفينومينولوجي، فعلي أن أخرج وأختبر الشجرة بمختلف الطّرائق: بالنظر إليها، ولمسها، والاستناد إليها جالسًا أقرأ كتابًا شَائِقًا، ولن أتمكن من فهم المعنى الدقيق لهذا الجانب من حياتي اليومية إلّا ببذل الجهد لوصف هذه التجارب كلّها وصفًا دقيقًا بقدر ما يُمكِن -وما هذا إلا جزء صغير من حياتي ككل- لكنّ تطبيق الاختزال هو ما يسمح أساسًا بتنفيذ هذا العمل حتى لو أدّى إلى الحاجة لعمل إضافي؛ فالاختزال نقطة انطلاق مهمة لفهم أنفسنا من جديد.
مع أنّ الاختزال الفينومينولوجي مُتاحٌ لكل إنسان قادر على التفكير؛ إلّا أنّ إتقانه ليس بالأمر السهل، لكن بما أنّ البدء في التدريب على طريقة التفكير هذه يسير ومفيد لمنحنا رؤًى جديدة حول حياتنا -إذا صدق هوسرل وغيره من علماء الفينومينولوجيا- فلعله أمر يستحق عناء التجربة.
النقاط الرئيسة- كيف تفكر مثلما يفكر عالِم الفينومينولوجيا
إنّ التفكير في الكيفية التي يعرف بها العقل الواقع قضية قديمة قدم الزمان: لكن، لعل حل هذا السؤال الفلسفي الأزلي ليس ضروريًا للتفكير النافع في حياتنا اليومية.
يتعلّق علم الفينومينولوجيا بكيفية تجربتنا للعالم: وهدفها بسيط: أن تنظر فقط إلى طبيعة تجربتك، لكنّ تحقيق هذا الهدف ليس سهلًا.
يتطلب الاختزال الفينومينولوجي تركيزًا صارمًا: فحتى تفهم طبيعة التجارب فهمًا صحيحًا لا بُدّ أن تفكر تفكيرًا دقيقًا بطيئًا؛ فممارسة الفينومينولوجيا تحتاج وقتًا وتركيزًا.
انتبه للموقف الطبيعي: ما هي الافتراضات التي تحملها حول تجاربك حتى تمارس حياتك اليومية؟ تُشكِّل هذه الافتراضات موقفك الطبيعي.
علّق أحكامك: والآن ابتعد عن موقفك الطبيعي قدر الإمكان؛ حتى تصل إلى الصفات الجوهرية للتجربة دون أن يشوبها شيء من الافتراضات اليومية، يُسمّى هذا الفعل “تعليق الحكم”.
افحص الوعي الخالص: بعد أن “حصرت” الموقف الطبيعي، فإنّ كل ما يتبقى لك هو جوهر الوجود، وهنا تبدأ الفينومينولوجيا حقًّا.
فائدته
الاختزال الفينومينولوجي وعالم الحياة
هل تعني طريقة التفكير هذه في العلاقة بين العقل والواقع أن نعيش الحياة “معلقين أحكامنا” طارحين جانبًا أيّ فكرة عن عالم يتجاوز أذهاننا؟ بالتّأكيد لا! أوّلًا: هذا أمرٌ مستحيل كما أشار هوسرل نفسه؛ نحن نعيش “بمواقف” مختلفة، وليس الموقف الفينومينولوجي إلّا واحدًا منها. لنستعمل مثال هوسرل: كما أنّ على عالم النباتات أن يتخلى عن موقفه العلمي الذي يفحص به تركيب الزهرة فحصًا دقيقًا ويتبنى موقف الفنان ليرى جمال الزهرة، يعجز حتى أعلم علماء الفينومينولوجيا عن تبنّي الموقف الفينومينولوجي طوال الوقت.
ثانيًا: إنّ محاولة البقاء في الوضع الفينومينولوجي تتعارض مع الهدف الرئيس لهذا العلم: وهو إعانتنا على فهم التجارب اليومية؛ فالاختزال على صعوبته ليس تمرينًا ذهنيًا خالصًا، بل إنّ الهدف من “حصر” الافتراضات التي نضعها في الحياة اليومية هو الابتعاد عن الموقف الطبيعي حتى يتسنّى لنا فحصه بدقة أكبر.
إنّ “العالم” الذي ندرسه عبر الاختزال -العالم المجرّب- هو العالم ذاته الذي نعيشه يوميًّا بالموقف الطبيعي، وللتأكيد على تشابكه مع التجارب الحياتية يُسمّي هوسرل هذه النظرة للواقع بوصفها شيئًا نرتبط به ارتباطًا وثيقًا: “عالم الحياة”. ففي نهاية المطاف؛ يهدف الاختزال الفينومينولوجي إلى مساعدتنا على فهم “عالم الحياة” هذا -حتى لو كان الاختزال “موقفًا غير طبيعي” يُخرجنا من التجربة اليومية، لكنّه يُعيدنا إليها لنطبق الرؤى التي اكتسبناها من التفكير الفلسفي على أهم السياقات على الإطلاق: حياتنا اليومية.
آثار الاختزال الفينومينولوجي
لذا؛ فإنّنا بتقييد أفكارنا عبر الاختزال الفينومينولوجي نكتسب وجهة نظر (أو مجموعة من وجهات النظر المُتنوِّعة) عن حياتنا ما كنا لنلتفت إليها لولاه، ثم لنا أن نستعمل وجهة النظر هذه لبلوغ رؤى جديدة حول مختلف جوانب عالم الحياة، فإذا أردت أن تتعلم دقائق التجربة الموسيقية وكيف تُنتج الألحان والإيقاعات المختلفة تأثيرات مختلفة، طبّقِ الاختزال وركز على الظاهرة المتعلقة بالسمع وتقدير الفن، وإذا أثار فضولك سبب اختلاف الناس حول المعضلات الأخلاقية مثل الحالات التي يُقبل فيها الكذب، ارتدِ نظاراتك الفينومينولوجية وركز النظر على تجاربنا القيمية، خاصّة القيم الأخلاقية المذكورة.
تمتد فوائد الفينومينولوجيا إلى مواضيع أخرى كثيرة في حياتنا، من علاقاتنا مع الآخرين إلى تجارب اللذة الحسية والألم وحتى حياتنا المهنية (وهذا ليس حصرًا على الفلاسفة الأكاديميين!). إذا أردتَ تطبيق رؤى الاختزال في سياق الأعمال مثلًا، ألقِ نظرة على شركة الاستشارات الدنماركية ReD Associates. وفقًا لريد؛ يُساعد التفكير الفينومينولوجي على بناء الخطط الاستراتيجية، مثلًا: إذا كانت شركة من الشركات تعمل على تطوير حملة تسويقية لخط ألعاب جديد، فلعلها تبحث عن طرائق لعب الأطفال من وجهة نظر فينومينولوجية؛ حتى تعرف الميزات التي تهمّ الأطفال الذين سيحصلون على الألعاب.
وبالمثل في سياق الرعاية الطبية: يمكن أن يُطبِّق المُمرِّضون ومُقدِّمو الرعاية الصحية وجهة النظر الفينومينولوجية لِتُعينهم على فهم تجارب المرضى مع مختلف العلاجات الطبية، ممّا يمكن أن يُهدِّئ من مخاوف المرضى ويُحسِّن النتائج الطبية، أمّا في ما يتعلق بالرفق بالحيوان: تبنّى أشخاص مثل: تمبل جراندين Temple Grandin نهجًا فينومينولوجيًا لفهم تجربة الحيوان للمكان من حوله مثل: المزرعة والمسلخ، وأدّت نتائج هذه البحوث لتغيرات في تلك المؤسسات تهدف إلى تقليل معاناة الحيوانات، فمن الشركات مثل شركة “ريد” إلى الممرضات، إلى المدافعين عن حقوق الحيوان، استخدم الناس في محاولة فهم جوانب الحياة اليومية المختلفة رؤًى مستمدة من الأساليب الفينومينولوجية، ولعلها ليست أسهل مناهج التفكير تطبيقًا، لكنّ النعيم لا يُدرَك بالنعيم.
الاختزال الفينومينولوجي أداة تُعيننا على التفكير في ممارساتنا اليومية بطرائق جديدة، ولو صدق هوسرل وغيره من علماء الفينومينولوجيا في القرن الماضي فإنّها طريقة تفكير لا غنى عنها للفلاسفة؛ فهي بالضبط ما نحتاجه حتى نتفادى المشكلة الصعبة للعلاقة بين العقل والواقع والانخراط في العمل الفلسفي، لكن، كما رأينا للاختزال منافع تتجاوز هذا السياق، وبغض النظر عن السياق الذي تريد التطبيق عليه، فإنّ “حصر” الأسئلة والافتراضات غير المُعطَاة صراحة في تجربتك المعاشة طريقة نافعة لفهم حقيقة التجربة، فسواء أكنا نُمارِس الفلسفة أم نعيش حياتنا اليومية؛ فإنّ الاختزال وسيلة مُهِمّة لبلوغ الهدف الأهم للفينومينولوجيا، وهو: التركيز على جوهر الأمور.
مصادر إضافية:
مع أنّه ليس المُؤلَّف الأيسر على القراء، لكنّي أنصح دائمًا بالعودة إلى المصدر الرئيس: وهو في هذه الحالة إدموند هوسرل، يُعدُّ الاختزال موضوعًا مُهمًّا في كتاباته جميعها، لكنّه يتضح أكثر (وباختصار) في كتابه: تأملات ديكارتية: مقدمة في الفينومينولوجيا (1931م).
لمعلومات متخصصة أكثر حول هذا الموضوع؛ اطّلع على مقال: “الاختزال الفينومينولوجي” على موسوعة ستانفورد للفلسفة.
بما أنّ اكتساب التركيز اللازم للحفاظ على حالة الاختزال مدة طويلة أمرٌ صعب، من المفيد ممارسة التأمل: وفي هذا الموضوع أقترح كتاب دانيال إنجرام: إتقان تعاليم بوذا الأساسية (2008م)
قد تُعين الأفلام المُتضمِّنة رواة غير موثوقين على التمييز بين المُعطَى والمفترض، وفي هذا السياق أُرشِّح الفيلم الكلاسيكي: راشومون (Rashomon) (1950)، للمخرج الياباني: أكيرا كوروساوا، وفيلم دراما الجريمة الأمريكي: ذا يوجوال ساسبيكتس (The Usual Suspects) (1995).
على أنّ هذا يُعدُّ ترويجًا ذاتيًا؛ في كتابي: (Towards a Phenomenology of Values: Investigations of Worth 2021) أمثلة كثيرة لفائدة الرؤى الفينومينولوجية في فهم الحياة اليومية، اطّلع عليه إذا أعجبتك هذه المقالة، وتودُّ معرفة المزيد عن التجارب القيمية مثل: الجمال والخير.
