ترجمة: سمية العتيبي
عندما انتقلت إلى الجبل أول مرة، تحدى رجال الجبل (وهم مجموعة من الأشخاص خانوا وطنهم، يطلقون على أنفسهم رجال الجبل) قدرتي على البقاء في الجبل كوني امرأة عزباء أبلغ من العمر ٢٨ عامًا، من الضاحية {منطقة سكنية تقع في الإطار الخارجي لمدينة أو قرية} لقد كان أطول تحدي، قيل لي أن أبقَى لمدة سنتين؛ سنة لأجرب الطقس القاسي والسنة الأخرى لأضع الكوخ في السوق. بعد مرور ثمانية وعشرين عامًا، تفرق رجال الجبل وأنا لا زلت بمفردي في الجبل.
بالمجمل، الموقع مثالي: كوخ جبلي معزول في نهاية مسار قطع الأشجار {وهو نوع من المسارات غير المعبدة المستخدمة لنقل الخشب الذي جرى تقطيعه عن طريق الآلات} المهجور في سلسلة جبال رامبارت في كولورادو. أقرب طريق تجري صيانته من قبل المقاطعة يبعد ٢.٦ أميال عند قاعدة الجبل، وكذلك دار البريد المجتمعي، ومواقف السيارات. قطعت جذع الشجرة لإشعال موقد الخشب، وسرت في المسارات الجبلية يوميًا (بمعدل ١.٢ مليون هكتار، وما زال هناك العديد من المسارات لاستكشافها)، واستيقظ لأحظى بمنظر شروق الشمس الأخاذ. أنا ثاني أطول مقيمة دائمة في الجبل والشخص الوحيد على المدى الطويل بدوام كامل. إن العيش في الجبل بمفردي صعب جدًا. إلا أن تجربة الانعزال داخل هذا المنظر الطبيعي الشرح كان سبب بقائي.
أنا لا أصنف زاهدة أو منعزلة. إلا أنني أشعر بالسلام الروحي على الجبل، لم أنوِ الانعزال لأداء العبادة والتقرب من الله. والأهم أنني لم أنوِ الانتقال إلى الجبل بهدف البقاء وحيدة. انتقلت هناك لأن الكوخ أنسب مكان للعيش بينما أنهي التدريس لمدة أربع سنوات في جامعة تبعد ٢٠ ميلًا. لكن نتيجة العزلة كانت اكتشافًا غير متوقع، ومن ثَمّ فائدة غير متوقعة أو لم تكن في الحسبان. بعد أن انقضت تلك الأربع سنوات، استقلت من عملي، وتطلقت؛ لأن العيش في الجبل جذاب أكثر من أي منهما.
كما أن عزلتي ليست مغامرة. هناك وفرة من الروايات الشخصية التي كتبت من الرجال والنساء الذين غامروا بمفردهم في بيئة معزولة أو شبه معزولة لغرض محدد، ولفترة محددة من الزمن، يتبادر إلى الذهن قصة أليس كولر «امرأة غير معروفة» (1981م)، وأليكس كيتس شولمان «شرب المطر» (1995م). في الأساس، تجاربهم كان مخططًا لها للاختلاء من زينة العالم الحديث، وليست تغيرات حياتية دائمة. حتى آن لاباستيل، عالمة البيئة الأمريكية ومؤلفة سلسلة «المرأة الخشبية» (1976م-2003م)، أقامت في نهاية المطاف في أديرونداك في المواسم فحسب. يعيش المنعزلون الملتزمون، مثل الشاعر والروائي ماي سارتون، في منطقة سكنية ناشئة أو بالقرب منها. ولكن تحمل العزلة في بيئة شبه برية، عبر عقود، يتطلب مستوى مختلفًا من الالتزام.
طرحت ريان ساسين في مقالتها المنشورة في موقع أيون عن المرأة الزاهدة السؤال الآتي: “من المستحيل بالنسبة إلينا تقبل فكرة كون المرأة وحدها، لا أحد يراقبها، ولا أحد برفقتها، ودون أطفال. ماذا تفعل بوقتها؟ سأخبرك بما أفعله بوقتي. أعيش دون تكلف على الجبل. وأقرأ الكتب. وأطبخ جميع وجباتي، وصفات بسيطة، من المكونات الأساسية، التي تتجمد بشكل ممتاز. أتأمل، وغالبًا ما أتجول في الغابة. وأكتب يومياتي. وأنام على العرزال تحت النجوم وأغفو على الإطلالة. وأخبز الخبز من العدم. وعاودت الاستمتاع بالخياطة. اشتريت بيانو (كنت في حيرة من أمري في ذلك الوقت) ولم يكن معي من أستشيره، وتعلمت الموسيقى.
لا زلت متنعمة في الهدوء التام معظم الوقت، غير مراقبة من الآخرين، ولا أجيب إلا على الجبل وعلى نفسي. في حرية تامة، ورائعة. ولكن المشكلة تكمن في أن هذا النوع من العزلة التأملية طويلة المدى في بيئة صعبة يتطلب دعمًا لوجستيًا. اخترت أن أحصل على الكهرباء، والمياه الجارية التي تعمل بمضخة الآبار، وغاز البروبان، ومركبة موثوقة وجيدة الصيانة، وملابس ومعدات شتوية عالية الجودة، ومستودع المؤن والفريزر. ولا أعتمد على المجتمع الجبلي للحصول على المساعدة (على الرغم من أنني أدفع أحيانًا للجيران لأداء وظائف غير مألوفة، فأنا أفتقد المهارات اللازمة للعيش بأمان بنفسي). لأنني أقدر وقتي في الاستمتاع بهذا العالم الطبيعي بدلًا من البقاء على قيد الحياة فيه (الترجمة: أنا لا أصطاد أو أبحث عن الطعام) ودون شريك أو راعٍ أو صندوق استئماني أو وسائل أخرى للدخل السلبي، يجب أن أعمل بنشاط للحفاظ على عزلتي على المدى الطويل. بالنسبة إليّ، هذا
يعني وظيفة في المدينة، على بعد ساعة بالسيارة من الجبل. أجد صعوبة متزايدة في تحمل هذا التنقل في أيام الأسبوع، سواء إضاعة وقتي الثمين أو انفصالي عن الحياة الفردانية التي أحبها. مكنت بداية وباء كوفيد-19 موظفي الشركة من العمل من المنزل، على الأقل في المستقبل القريب. أعلم، على الرغم من ذلك، أن هذه الراحة مؤقتة فقط؛ في يوم من الأيام سأضطر إلى العودة إلى حياة التنقل. لكنها مهمة سأفعلها عن طيب خاطر لدعم مسار الحياة الذي أسافر إليه بمفردي.
يوجد العديد من الفوائد لحياة الوحدة في الطبيعة: مثل السلام النفسي الذي يأتي مع عيش حياة غير مراقبة، ومزايا جسدية أيضًا . لم أعد أنسب صحتي البدنية إلى الحظ الجيد أو الجينات الجيدة. في الخمسينيات من عمري، أنا نشيطة بدنيًا كما كنت في العشرينات من عمري. لا أتناول أي أدوية، ووزني أقل مما كان عليه في الكلية. ولم أعانِ من أي أمراض خطيرة، نزلات برد طفيفة جدًا فحسب، ولا توجد مستشفيات. أخبرني أخصائي طبي مؤخرًا: “مهما كان الشيء الذي تفعلينه، استمري في فعله.” وأنا لا زلت أفعله. أتسلق لمدة ساعة على الأقل كل يوم، وأؤدي المهام الصعبة يدويًا. وأجرف الثلج عن الطريق ما يقارب ربع ميل إلى كوخي بمجرفة الدفع الزلقة بدلًا من الاعتماد على شاحنة المجراف الملائمة ولكنها صاخبة ومكلفة ومزعجة. أقطع الخشب يدويًا بدلًا من استخدام قطاعة ألواح الخشب الكهربائية. في الصيف الماضي، دهنت الجزء الخارجي من الكوخ بالفرشاة بدلًا من استخدام رش الطلاء. الفوائد التي استخلصتها من هذه الممارسات تتجاوز رفاهيتي الجسدية والعاطفية. هذا العمل اليدوي والجسدي يغمرني لأتعمق في هذه الأرض، ويزيد من علاقتي بهذا المكان، ويثري روحي. عندما أقطع الحطب، أتوقف لأستنشق رائحة الصنوبر. أنا معجبة برحابة المناظر الطبيعية الجبلية. وأخطط لرحلات لاستكشاف الأسرار المخبأة داخل غاباتها. أنا وحدي في الجبل مستغرقة في الصمت التام، وأزيل الثلج أثناء سقوطه بهدوء من حولي.
في بعض الأحيان، أشعر بأنني أناضل في سبيل اختياري الذي اخترته. مبدئيًا، لم أعد أتقبل الضوضاء. بعيدًا عن الجبل، الأصوات العادية أشعر وكأنها عالية (مثل: إغلاق باب السيارة، وساحة اللعب، والطابعات، وحتى سعال الناس). ترهق حواسي بسهولة. بصرف النظر عن الطعام، أتسوق في الغالب عبر الإنترنت لتجنب الإعلانات الملونة والازدحام في متاجر البيع بالتقسيط، حتى وإن زادت التكلفة. أنا على بعد 54 ميلًا من دنفر، وعلى الرغم من هذا إلا أن زياراتي قلت على مر السنين؛ ومع ظهور أقراص الفيديو الرقمية فإنها حلت محل الرحلات السنوية ومسرح السينما، ناهيك عن الحفلات الموسيقية والأحداث الثقافية التي كنت أستمتع بها. أيضًا في بعض الأحيان، يؤسفني عدم إنجاب الأطفال، لكنني لم أستطع تربيتهم بمفردي على الجبل، ولم تكن رغبتي في إنجاب الأطفال ملحة بما يكفي لأتزوج وانتقل. وقال أحد المتقدمين للزواج الذين أصابتهم خيبة أمل: “ماذا ستفعلين، هل ستموتين على هذا التل؟” ربما. إذا مت، فسأكون متأكدة أن العلاقة الأساسية في حياتي لم تكن مع شخص، بل مع الجبل.
مع اقترابي من عمر الثلاثينيات، أتساءل: هل هذه الحياة الانفرادية التي فرضتها على نفسي ضرورية أم تساهل أم شكل من أشكال الجنون؟ لست سريعة في رفض أي من هذه الاحتمالات. تذكرني هذه المنحدرات الحادة والطرق دون حواجز الحماية والعواصف الثلجية، وحرائق الغابات، والمواجهات القريبة مع الدببة السوداء والأسود الجبلية، أنه في حين أن هذه الحياة يمكن أن تكون تأملية، إلا أنها ليست رعوية بأي حال من الأحوال. خاصة أنها ليست آمنة. في الربيع الماضي، خلال عاصفة شديدة، انقسمت شجرة إلى نصفين وصعقت الكوخ؛ بعد شهرين، أشعلت ضربة صاعقة النار في السطح. كنت داخل الكوخ في كلتا الحادثتين؛ في كل مرة، كنت محظوظة للهروب دون أن أصاب بأذى وأن الضرر الذي لحق بالكوخ كان بسيطًا.
على مر السنين، أصبحت أرى علاقتي بهذا الجبل كزواج، ومثل الزواج، وفي بعض الأحيان أريد الطلاق. لأن الاعتماد على النفس أحيانًا يكون مستنزفًا عاطفيًا وجسديًا. أنا دائمًا أدفع الفواتير، وأستبدل البنية التحتية القديمة، وأربط إطارات الشاحنات، وأخزن كومة الخشب، وأجرف الثلوج الثقيلة التي تتساقط في أواخر الخريف وأوائل الربيع. قبل خمس سنوات، سقطت داخل الكوخ، وبينما كنت مستلقية على ظهري على الأرض، وأنظر إلى النجوم في الظلام، فهمت تمامًا الضعف الذي يأتي مع العزلة. في الليل، تعكس النوافذ المظلمة ظلي وأنا أنتقل من غرفة إلى أخرى في الكوخ الهادئ. قبل عشرين عامًا أو نحو ذلك، مزحت قائلة إن هدفي في الحياة هو مطاردة الجبل بعد أن أموت. لم أعد أمزح هذه المزحة. في الآونة الأخيرة، في ليلة شتاء باردة ، شاهدت فيلم «أنا الشيء الجميل القاطن بالمنزل» (2016م). متناسية المواجهات القريبة مع الأسود الجبلية، هذا الفيلم قد أرعبني بشدة، خاصة مع خاتمته الهادئة: “بالتأكيد هذه هي الطريقة التي نصنع بها أشباحنا، نحن نصنعها من أنفسنا.
وما زلت، باقية
