أثبتت الدراسات سبب اختلاف الكراهية عن المشاعر الأخرى من خلال مقارنة شعور الكراهية بالغضب أو الاحتقار أو الاشمئزاز
تخيل أنَّه يوجد موظف خلوق يُدعى جون، وقد تعرّف على زميل متعصب ومتحرش بالنساء. شعر جون بالاستياء من أسلوب زميله إذ كان يلقي نكات غير لائقة في أول موقف بينهما. كما أنه وصف جون أنه “لين الطباع” بعد أنْ رفض اقتراحه بالسرقة من أموال شركتهم لكسب بعض الدعم المادي، لم يُظهِر جون أي مشاعر كره لزميله بعد ذلك الموقف، ولكنه بدأ يفكر بينه وبين نفسه ويقول: “هذا الرجل يمثل العينة الأسوأ في مجتمعنا، أتمنى أنْ يحدث له مكروه ويستقيل من الشركة، فأنا لم أعد أتحمل وجوده وأكرهه“.
ما الذي نستنتجه حينما يصف جون مشاعره لزميله ويقول إنه يكره زميله في العمل بدلًا من وصف مشاعره لزميله بالنفور أو الاحتقار؟ يدّعي الناس أنهم يكرهون العديد من الأشياء المختلفة في حياتهم اليومية، فعلى سبيل المثال يكرهون الدراما، والاختناقات المرورية، والرياضيات، والقرنبيط، وأيام الاثنين. ولكن حينما يُسأل الناس عن مشاعرهم تجاه أشخاص آخرين أو مجموعات محددة من الناس، فعادةً لا يعبرون عن مشاعرهم بالكراهية بهذه السهولة، ويتجنبون الاعتراف بها، فالكراهية مسألة صعبة وحساسة. وحينما يحاول الناس فهم سبب التحيز والإرهاب أو الإبادة الجماعية في المجتمعات، لا يجدون سوى الكراهية سببًا رئيسيًّا لهذه الحروب المجتمعية.
ولم يجمع العلماء حول أصل الكراهية، ولكن صُنفت كثيرًا أنها شعور، وقد تكون موقفًا أو شعورًا. يعتقد بعض العلماء أنَّ الكراهية نسخة معقدة من الغضب أو النفور، ويصف البعض الكراهية أنها مزيج من المشاعر المختلطة، مثل الغضب والاحتقار والاشمئزاز، كما يصف البعض الآخر الكراهية أنها شعورٌ مختلفٌ ومميزٌ. وتختلف النظريات أيضًا في وصفها، وذلك بسبب سوابق الكراهية، ومحفزاتها، ووظائفها، ونتائجها السلوكية. وعلى الرغم من ذلك، يصرّح الناس بثقة عن الخطابات المفعمة بالكراهية، أو الجرائم المرتكبة بدافعها، أو الحملات المكافحة لها.
ويمكن أنْ يكره الأشخاص الناس المقربين، مثل أفراد أسرتهم، أو أصدقائهم، أو حتى شريك حياتهم. ولكننا نعرف حق المعرفة أنَّ الكراهية شديدة ومستمرة، وذلك حسب أهدافها السيئة والتي في طبيعتها تشكّل تهديدًا لحياتنا. فعلى سبيل المثال، قتل جماعة الهوتو قبيلة التوتسي في الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994م بسبب شعورهم بالكراهية الذي كان مبنيًّا على تصور مفاده أنَّ قبيلة التوتسي كانوا أشرارًا في الأساس، ولا بد من القضاء عليهم. وتعود الكراهية التي تجسدها جماعة كو كلوكس كلان وغيرها من الجماعات المتطرفة إلى عقود أو أكثر وتتجاوز الأجيال، وقد تهدأ في بعض الأحيان مشاعر الكراهية، أي أنَّها لا تلازم الأشخاص طوال الوقت حتى يستجد شيء ما.
وما يزال يوجد نقص في الأبحاث التجريبية التي تدرس السمات المميزة للكراهية، ويعود أحد أسباب ذلك النقص إلى صعوبة دراسة الكراهية من الناحية المنهجية، كما أنَّ مجالس أخلاقيات البحث لا تطمح إلى تحفيز مشاعر الكراهية لدى المشاركين في الدراسة. لذلك شرعت مؤخرًا في البحث ومقارنة الاختلافات بين الشعور بالكراهية والنفور والغضب، والاحتقار، والاشمئزاز. كما أجريت سلسلة من الدراسات مع جان ويليم فان بروجين (Jan-Willem van Prooijen)، وبول فان لانج (Paul Van Lange) في جامعة فريجي أمستردام Vrije Universiteit) Amsterdam)؛ إذ طلبنا من المشاركين في الولايات المتحدة أنْ يصفوا تجاربهم في الشعور بكلٍّ من هذه المشاعر السلبية، سواء تجاه شخص أو مجموعة بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، فقيَّموا شدة عاطفتهم، ومدة استمرارها، ومدى التهديد الذي يشكله ذلك الفرد أو المجموعة لهم، والأبعاد الأخرى للتجربة. ومن الجدير بالذكر أنَّ مشاركة الأشخاص دون الكشف عن هوياتهم ساعدهم في التعبير عن مشاعرهم بصراحة، وبقدر كافٍ من التفاصيل، مما يشير إلى أننا نحمل مشاعر الكراهية في قلوبنا أكثر مما نظن.
ومن أبرز النتائج التي توصلنا إليها هي أنَّ الكراهية مختلفة تمامًا عن مشاعر النفور والغضب عبر الأبعاد المختلفة، وأقل اختلافًا إلى حد ما من الاحتقار، وأقرب إلى الاشمئزاز. فعلى سبيل المثال، صنف المشاركون تجاربهم مع الكراهية أنها أكثر حدة بالمقارنة مع النفور، أو الغضب، أو الاحتقار (ولكن ليس الاشمئزاز)، كما صنفوا تجاربهم مع الكراهية تجاه أفراد محددين بالمقارنة مع النفور أو الغضب أنها أكثر ثباتًا وقوةً. ويظن المشاركون أنَّ الأفراد الذين يحملون لهم مشاعر الكراهية يشكّلون تهديدًا للمجتمع أكثر من الذين يشعرون تجاههم بمشاعر سلبية أخرى، كما أعربوا عن استعدادهم للانخراط في سلوكيات، مثل مواجهتهم، أو إيذائهم، أو الإساءة إليهم. تشير هذه النتائج إلى أنَّ الكراهية شعور مختلف ولكن يتميز ببعض الخصائص المشتركة مع المشاعر الأخرى خاصة الاحتقار والاشمئزاز.
ما سبب اختلاف الكراهية عن المشاعر السلبية الأخرى؟ قد يكمن جزء من الإجابة في الأسباب التي أدت إلى تطور كل عاطفة وأهدافها. ويُعتقد أن المشاعر السلبية تطورت كآليات موجهة نحو هدف معين، وتساعد الأفراد على تنسيق أنظمتهم الفسيولوجية والإدراكية والسلوكية للتعامل مع التهديدات المختلفة. فيعد النفور حالة عاطفية سلبية وواسعة النطاق توجّه تفضيلات الأشخاص، فعندما ينفر الأشخاص من شخصٍ ما، فهذا لا يدل على رغبتهم في إيذائه، بل إنهم ببساطة لا يفضلون قضاء الوقت معه. وعلى الرغم من أنَّ الكراهية تعد أيضًا حالة عاطفية سلبية، فإنها تدل على أنَّ الشخص حينما يكره شخصًا آخر فإنه يريد أنْ يخرجه من حياته (كما تمنى جون استقالة زميله في العمل)، وقد يكون مستعدًا لفعل أي شيء لإخراجه من حياته والابتعاد عنه.
وحينما نقارن الكراهية بالمشاعر الأخرى، كالغضب والاحتقار والاشمئزاز، قد تبدو الاختلافات أكثر دقة. وعلى سبيل المثال، حينما يشعل شخص ما سيجارة في مكان غير مخصص للتدخين، قد يغضب الناس من حوله ويظهرون غضبهم وانزعاجهم من خلال الإشارات الصريحة، أو لغة الجسد لحث المدخن على إطفاء السيجارة، أو مغادرة المكان. يثبت لنا هذا المثال أنَّ غضب الناس من التصرفات المسيئة يكون لسبب وحكمة ما، ألا وهي جعل الشخص يشعر بالذنب ويمتنع عن التصرفات المسيئة ويتحلى بالأدب خلال تواجدهم. ولكن تأتي الكراهية على عكس الغضب، إذ إنَّ الكراهية لا تكون تجاه سلوك معين، بل تجاه الأشخاص الذين يمارسون ذلك السلوك، والهدف من ذلك الكره ليس إجبار الشخص على تغيير سلوكه، ولكن الابتعاد عنه بوصفه شخصًا سيئًا ومن الصعب التأثير به وتغيير سلوكه. وتثبت لنا تلك المقارنة سبب استمرار شعورنا بالكراهية فترة أطول من شعورنا بالغضب الذي يتلاشى حينما يكف الشخص الآخر عن ممارسة السلوك المسبب لغضبنا.
يعد الاحتقار والاشمئزاز مثل الكراهية؛ إذ يركزان على تصرفات الفرد أو المجموعة. ويتمثل الاحتقار في التشامخ تجاه الآخرين أو النظر إليهم على أنهم أقل شأنًا بهدف الانتقاص من قيمتهم واستبعادهم. ويظهر الاشمئزاز في وصف الآخرين أنهم غير أخلاقيين أو غير مرغوب فيهم بهدف تجنبهم أو الابتعاد عنهم. ولكن عندما تسكن الكراهية قلوب الناس، فإن هدفهم من الكراهية ليس كهدف الشخص الذي يحتقر الآخرين أو يشمئز منهم، وعلى الرغم من أنهم قد يشعرون بالمشاعر نفسها وينظرون للناس بنظرته نفسها، فإنَّ الكراهية قد تتجاوزهم بعدة مراحل، فتحفز الكراهية الأشخاص على اتخاذ ردود أفعال قوية وقاسية قد توصلهم إلى الابتعاد عن الأشخاص جسديًّا أو رمزيًّا كإزالة رموز المجموعة حينما تبدأ شرارة الكراهية في المجموعة بدلًا من إخراجهم من حياتهم أو تجنبهم فقط.
لماذا تشكّل الكراهية وأهدافها تهديدًا كبيرًا للناس؟ اختبرنا في مجموعة من الدراسات التي نعمل عليها ما إذا كانت الكراهية تنتج بسبب موارد الناس وأهدافهم، أو بسبب اختلاف قيمهم ووجهات نظرهم. وكشفت دراسة أنَّ المشاركين عبروا عن كراهيتهم الشديدة للأشخاص الذين يؤيدون وجهات نظر تتعارض مع آرائهم بشأن القضايا المختلفة، فعلى سبيل المثال، قضية الإجهاض، أو تشريع المخدرات، أو زواج المثليين. كما أثبتت تلك الدراسة أنَّ المشاركين لا يكرهون الأشخاص الذين منعوهم من تحقيق أهدافهم أو حصولهم على مكافأة ما بقدر كراهيتهم للأشخاص الذين يؤيدون وجهات نظر مختلفة. وقد تشير نتائج الدراسة إلى أنَّ تصور الأشخاص أنَّ الأفراد أو المجموعات يؤيدون عكس ما يعتقدون أنه عادل ونبيل وصحيح، أو فكرتهم عن الحياة الطيبة، أو الحياة الجيدة، أو المجتمع الصالح، قد يكون جزءًا من سبب كراهية الناس للآخرين.
وتعد هذه المعتقدات جزءًا لا يتجزأ من هويات الناس، مما يشكل عنصر تهديد إضافي. فيمكن للناس أنْ يكرهوا جوانب معينة من شخص ما، أو أنْ يغضبوا من سلوكياتهم، ولكن ترتبط الكراهية بخلافات أساسية وغير قابلة للتفاوض في المعتقدات الأخلاقية الأساسية. وفي حين أنَّ هذه الخلافات يمكن أنْ تكون موجودة إلى حد ما حينما يشعر الناس بمشاعر، مثل الاحتقار والاشمئزاز مما يساعد على تفسير الكراهية وتبريرها. وعندما يشعر الناس بالكراهية، يعدون هذه الاختلافات الأخلاقية بمنزلة تهديدات شخصية بناءً على أهمية قيم الناس ومعتقداتهم. وقد تنمّي تلك الاختلافات مشاعر الكراهية لدى الأشخاص مما يؤدي لمهاجمتهم للآخرين بدلًا من الاكتفاء بتجنبهم.
وختامًا يجب تثقيف الأشخاص فيما يخص مشاعر الكراهية وديناميكياتها وذلك للاستجابة لها استجابة فعّالة. فعلى سبيل المثال، قد تغرس الأيديولوجيات السياسية التي تستفيد من التهديدات ضد الهوية أو الشخصية الشريرة المزعومة لجماعات معينة ما يتعدى مشاعر الغضب بين أتباعها، وتزرع العدوان طويل الأمد، وتعزز الانقسام الاجتماعي. فالتثقيف يساعد صنّاع السياسة في بذل جهود أكبر لمكافحة الخطابات المسببة للكراهية ورفع مستوى وعي المواطنين. فحينما يفهم الأشخاص ويكون لديهم تصور عن مفهوم الكراهية سيدركون المفاهيم الأخرى المرتبطة بها؛ كالخطابات المفعمة بالكراهية التي تهدد السلم الاجتماعي والجرائم المرتكبة بدافعها، مما يسهم في اتخاذ الإجراءات القانونية أو المبادرات المناهضة للكراهية. مشاعر الكراهية كالبحر وما زال يوجد الكثير لنبحر به في بحر هذه المشاعر السلبية، ولكننا نأمل أنْ يفهم الناس معنى الشعور بالكراهية وآثارها الفردية المجتمعية.
