يزحف الوقت ببطء في الحجرة الساكنة حيث استنشقتْ رائحة المعقمات التي ألفتها وشعرت بثقل الكرسيّ البلاستيكي في قدميها.
كانت تشارلوت تنتظر نتائج الفحص، وهي أم يافعة مصابة بمرض السرطان، وكانت تتوقع حدوث الأسوأ، ومن ثم وجهّت تركيزها إلى إحساس قدميها على الأرض، وشحذت تركيزها للشعور بأصابع قدميها وكعبيها.
شرعت تشارلوت في ممارسة مهارات اليقظة التي تعلمتها في برنامج دام 8 أسابيع حتى تتكيف مع موقفها الصعب.
بعبارة بسيطة، اليقظة هي القدرة الغريزية على الوعي بالتجارب التي نخوضها؛ إذ يستوعب العقل الأحداث التي نكون فيها حاضرين ذهنيًّا ويخلق من خلالها واقعنا.
تشكّل الجوانب التي نوليها اهتمامنا منظورنا إلى العالم، وعندما نكون متيقّظين، يتوجّه تركيزنا إلى الحاضر، ولكن المسألة أعمق من ذلك؛ يتجاوز مفهوم اليقظة الأمور التي نحيط بها، ويشمل أيضًا الوسيلة، إن اليقظة الحقّة هي اللحظات التي نكون فيها حاضرين في الوقت الراهن بلطف، ودفء، واهتمام، ويزداد فهمنا للتجربة عندما نلحظ اتجاه تركيزنا بدلًا من التفكير فيما ينبغي أن نركّز عليه، يسمّى هذا الاهتمام المتفتح بالحاضر “المعرفة البسيطة”، بصفتنا ندرّس مهارة اليقظة، فإننا ندرك بأن الأشخاص يميلون إلى ممارستها لأسباب مختلفة.
يشرع بعض المشاركين في ممارسة التيقظ لضبط القلق، أو الألم، أو التوتر، أو المزاج المتعكر على منوال تشارلوت، وآخرون يسعون إلى تحسين نمط حياتهم في غمرة ساعات العمل المضطربة والانطوائية كجورج مثلًا الذي يعمل طاهيًا، وبعضهم يرغبون في الشعور بالتحسن فحسب، وأن يشقوا طريقهم إلى حياة أصحّ وأكثر ازدهارًا، وقد يسمع البعض عن التيقظ من خلال أصدقائهم أو عمل قرأوه، فدفعهم الفضول إلى استكشافه، يشهد كثير من معلمي اليقظة -ونحن من بينهم- تجارب المشاركين في التغيير الجوهريّ والتغييرات الدائمة إثر تمارين اليقظة.
تدعم الدراسات هذه النتائج؛ إذ تخفف ممارسة اليقظة المعاناة والضيق الناجمَين عن الألم، أو مرض مثل السرطان، أو الاكتئاب؛ لأن التيقظ يمهّد الطريق إلى الاستجابة العقلانية في المصاعب ويحدّ من الانفعالات، يمكننا تتبع حالة “التصرف في غفلة”، أو “عقلنا المجبول على الفعل” قبل أن تهتاج استجابات متهورة أو تتفاقم الأفكار الضارة، كان من الممكن أن يكون انتظار تشارلوت نتائج الفحص مشحونًا بالأفكار المقلقة والتشاؤمية إزاء المستقبل أو أن تفقد زمام أفكارها فيتمكن القلق منها، ولكنها اكتشفت بفضل ممارستها لتمارين اليقظة بأنها تستطيع السيطرة على الموقف رغم صعوبته.
قد يعينك التيقظ على تذوق لحظات الفرحة والبهجة بدًلا من المرور عليها مرور الكرام، ولا تقتصر منفعته على معالجة المشاعر السلبية.
إن تخففت من سلطة الهواجس لن يشغلك التفكير في الرغبة بإدامة لحظات السعادة، وهكذا تتمتعّ باللحظة الراهنة، ولعل ممارسة اليقظة ستنفعك كما نفعت كثيرين، ولكن طريق البدء قد يكون عسيرًا.
هناك سبل كثيرة لممارسة اليقظة ويمكن أن تتعلمها من خلال الكتب، أو المصادر الإلكترونية، أو التطبيقات، أو من خلال الانضمام إلى مجموعة بدعم مدرّس مختص، وعلى منوال أي نشاط سواء كان رياضة ما، أو تعلم العزف على آلة موسيقية، أو الرسم، ثمة طرق مختلفة لتعلمها، وستستغرق الإحاطة بها وقتًا. لا يُختزل مفهوم التيقظ في الجلوس بسكون أو إتمام الأمور على مهل، ولا تقتصر اختياراته على التأمل مدة ساعة كل يوم أو الانفصال عن حالة التيقظ كليًّا.
يتباين الناس في احتياجاتهم؛ فمعرفة دوافعك إلى ممارسة اليقظة ستقودك إلى السبيل المناسب، لقد وصفنا بعض الطرق لممارسة التيقظ، بعضها عملية ويمكن أن تمارسها في خضم شؤونك اليومية، والبعض الآخر يتطلب تحديد مكان وزمان، بالإضافة إلى دليل صوتيّ، وجميعها تستهدف مهارات الوعي الأساسية للانتباه، والتعرف إلى التجارب من خلال الإحساس والوجود والتفاعل بحذق.
ابدأ يومك متيقظًا، انوِ قبل الخلود إلى النوم بأنك ستخوض يومك يقظًا، منذ لحظة صحوك، حتى قبل أن تنهض من فراشك، قد تستشعرُ ملمس الثياب على جسدك، أو تنتبه إلى الروائح أو الأصوات، تفقّد شعور جسدك (هل تشعر بالنشاط أم التعب؟) وما الذي يجول بخاطرك (هل تشعر بالتيقظ أم بالسكون؟).
قد تلاحظ بأن ذهنك أخذ يفكر ويخطط لليوم، تمهّل وحوّل انتباهك إلى علو وهبوط الصدر أو البطن إثر التنفس، وبكل بساطة استشعر الأحاسيس في جسدك، مثل الارتخاء والانقباض أو حركة الريح، وقد تكتشف شيئًا جديدًا عن تنفسك، أو جسدك أو ذهنك، وقد ينكشف يومك عن أمور جديدة ما كنت لتلاحظها إن لم تكن متيقظًا منذ لحظة صحوك، عدّها تجربة، وترقّب ما الذي سينجم عنها.
انتبه إلى مهامك اليومية، قد ينتابك الفضول تجاه الأشياء كلها التي تصادفها في يومك، انتباه مشوب باهتمام. استشعر ملمس الثياب على جسدك، ورغوة معجون الأسنان في أثناء تنظيف أسنانك، تمهل لوهلة قبل أن تتناول الإفطار، تذوقه على مهل واستنشق رائحته الذكية، كُل طعامك وأنت متنبه إلى رائحة الطعام، ومذاقه.
ستستشعر التغيرات التي تلحق بجوارحك، وأفكارك، وطباعك خلال اليوم. استعن بمحفزات للتذكّر، الجزء الأصعب في ممارسة اليقظة هي أن يتذكر المرء بأن يخوض التجارب بأعينٍ بصيرة، قد يكون مفيدًا أن تجدد مقاصدك، بالانتفاع من المحفزات وممارسة اليقظة في الشؤون البسيطة، على سبيل المثال لدى تلقيك إشعارًا في الهاتف، أو في كل مرة تغسل يدك فيها.
أو يمكنك التمهل من حين لآخر وتتمعن أشعة الشمس على جسدك بحذر، أو تشعر بالانقباض في كتفيك، أو تتلذذ بمذاق قهوتك، كل هذه أمثلة على حالة التيقظ. تأهّب لمواجهة المصاعب، في بعض الأحيان لن يروق لك ما تلاحظه، وهذا ليس خطأً وإنما تجسيدًا لواقع حياتنا.
لا تهيّج اليقظة الأفكار المستفزة، أو الألم الجسدي، أو المزاج العكر، ولكنك قد تتنبه إلى شعورك بالضيق عندما تكون أكثر حضورًا.
الجأ إلى ما يبهجك أو يضحكك قبل أن تحاول مرة أخرى، إن كان الوضع لا يُحتمل، كفّ عن ممارسة النشاط إلى أن تستعيد ثباتك.
سوف تستنتج بمرور الوقت بأن هذه التجارب طبيعية ولا داعي إلى الخوف، كما أنه يمكنك انتقاء التجارب التي ترغب في خوضها بيقظة، تتيح لك هذه الأنشطة غير الرسمية فرصة لأن تكون متنبهًا دون الحاجة إلى “تخصيص وقت معين لممارسة اليقظة”، ليست اليقظة نشاطًا مرهقًا ولا مبهمًا، فالأنشطة من قبيل المشي، أو قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، أو الأكل أو الاستحمام قد تتحول إلى أنشطة لممارسة التيقظ بشرط أن تتذكر ذلك، ويمكن اختزالها في الخطوات التالية:
اعقد النية على الاهتمام،
راقب تجربتك،
تفحّص ردود أفعالك واستجابتك،
وحاول مرة أخرى (عاود التكرار)
المحيط الخاص بالنشاط
تتطلب الأنشطة الرسمية التزامًا بالإضافة إلى تخصيص الوقت لتطوير مهارة اليقظة من خلال التأمل، يعينك التأمل على تثبيت تركيزك، ابحث عن طريقة أخرى لممارسة هذا النشاط، واستجب بحذق مع تجربتك، يمكنك أن تتأمل في صمت أو اتباع دليل صوتي (اطّلع على الروابط، والكتب المذكورة أدناه)، وجدنا بأن التأمل مدة 10 دقائق قد تكون بداية حسنة، وقد تمتد مدة التأمل إلى عدة ساعات أو حتى دقيقة واحدة، إن المعيار الأمثل لتحديد المدة هو قدرتك.
وجّه تركيزك إلى تجربتك، اضبط ساعة توقيت لعشر دقائق (أو المدة التي تناسبك)، انتقل إلى وضعية معتدلة أو حسبك أن تشحذ تركيزك، أغمض عينيك أو اخفض بصرك، إن كان ذلك سيساعدك على التركيز، وامضِ لحظاتك التالية بصفاء، واستشعر ما حولك.
ما التجارب الناجمة عن حاسة اللمس، والسمع، والبصر، والشم، والتذوق؟ تمهل قليلًا وأنصِت إلى جوارحك والتغيرات والتحولات التي تمر بها، قد تشعر بشيء صلب، أو ليّن، أو بارد، أو دافئ، أو لا شيء، أو بشعور مختلف تمامًا. لا تقاوم أفكارك، قد تلاحظ بأنك مشتت أو أنك في سباق مع أفكارك حول الماضي أو المستقبل وتستحضر لحظات الندم، أو القلق، أو الأحلام.
انظر إلى أفكارك على أنها أفكار مجردة، لا تضف إليها شيئًا، وعلى خلاف ما هو متعارف عليه، لا حاجة إلى مقاومة المشتتات.
حاول أن تصبّ تركيزك على اللحظة الراهنة، مطلقًا سراح الأفكار دون مطاردتها أو تنحيتها، لاحظ ما يحدث حولك، قد تلاحظ بأن أفكارك هي جزء من تجربتك، لعلك متنبّه أيضًا إلى مزاجك، قد تكون قلقًا، أو حزينًا، أو مبتهجًا أو في حال أخرى.
افحص هذه المشاعر ومن ثم حوّل انتباهك إلى جسدك وكن متيقظًا إلى أحاسيس جسدك، لعلك تشعر بشد في الكتف أو الفك، أو بابتسامة مرسومة على الشفتين؟ هذه الأحاسيس هي جزء من تجربتك المباشرة فتمهل لبعض الوقت واستكشفها. تنبّه إلى تنفسك، انسَ كل هذه الأحاسيس الجسدية، والأمزجة والأفكار، وحوّل انتباهك إلى حركة التنفس الطبيعية في الجسم، لاحظ تدفق الهواء على حافة أنفك أو حنجرتك، أو في علو وانخفاض صدرك أو بطنك، وركّز على هذه الحركة ثلاث أو خمس دقائق.
إن كانت ملاحظة حركة تنفسك تثير قلقك أو تعكر مزاجك، حوّل تركيزك إلى الأحاسيس التي تشعر بها في قدميك أو يديك.
تدرّب بغزارة، مارس التأمل كلما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وكلما شعرت بأن الوقت ملائم؛ إذ إنه يزداد نفعًا بزيادة ممارسته.
جرّب أشكالًا مختلفة من التأمل، لليقظة أشكال عديدة بوسعك استكشافها -نقترح بعضًا منها في الروابط والكتب المذكورة أدناه. لكل نوع هدف فريد (على سبيل المثال، تركز بعض التمارين على الجسد، وأخرى موجهة إلى حب للنفس واللطف)، قد تعينك تجربة أنواع مختلفة من الأنشطة على تبيان النشاط الذي يناسبك.
نقاط رئيسة – كيف تكون متيقظًا
إن حالة التيقظ هي قدرة غريزية في الإنسان، غرضها التنبّه إلى اللحظة الراهنة بدفء، ولطف، واهتمام، وتنطوي حالة التيقظ على اهتمام نحو تجربتك، بصرف النظر عن الحدث، سواء أكان التنفس، أو الأحاسيس، أو الأصوات، أو الأفكار، أو المشتتات فجميعها مهمة، يطبق النشاط غير الرسمي لحالة التيقظ على الأنشطة اليومية بطريقة معينة، لا يهم نوع النشاط الذي تمارسه وإنما المهم هو عزمك على التركيز:
لاحظ تجربتك والأحاسيس، وافحص أفكارك، وأمزجتك، وردود أفعالك، تتطلب الأنشطة المنهجية مثل التأمل والتركيز على التنفس تخصيص وقت معين للتركيز على التجربة تركيزًا تامًّا. كرّس مزيدًا من الوقت والتركيز لأحاسيسك الجسدية، ولاحظ أفكارك وطباعك، ومن ثم حوّل تركيزك إلى تنفسك لبعض الوقت.
وفي النهاية زد من وعيك تجاه أحاسيسك، وأفكارك وطباعك الراهنة قبل الاستجابة إلى أي شيء سيواجهك خلال اليوم،
وتذكر أن تمارس اليقظة عدّة مرات كل أسبوع أو يوميًّا إن استطعت، سواء بشكل منهجي أو غير منهجي، بصرف النظر عن دوافعك إلى ممارسة اليقظة، تشير نتائج الأبحاث العلمية إلى أن منافعها تزداد بازدياد ممارستها، ولكن المواظبة عليها قد يكون شاقًّا، فقد تكون مرهقًا أو منشغلًا، أو لعلك متخوف من التركيز على تجربتك الراهنة، أو لعلك مشغول البال، إن كان غرضك من ممارسة التيقظ هو التغلّب على تحدٍ معين، ستفتر عزيمتك بعد زوال المحنة، عندما شرع جورج في ممارسة التيقظ، اكتشف أن تحديد وقت معين للتيقظ أعانه على الالتزام.
عند تعلم نشاط جديد يكون المواظبة عليه يسيرًا في البداية، ولكن مع مرور الوقت ينوء المرء بثقل الالتزام به ويتفاقم شعوره بالذنب عندما يمر الوقت دون أن يكون متيقظًا، إن عانيت من هذه المعضلة، ذكّر نفسك بالدافع الأساسي الذي قادك إلى ممارسة اليقظة، وتأمل المنافع التي اكتسبتها جراء ذلك، واكتبها لعلك تجد فائدة في ذلك، قد تتذكر كيف أعانتك حالة اليقظة على الشعور بالاستقرار والسيطرة، استحضر شعورك الحسن لدى ممارستك التيقظ.
تشارلوت -التي ذكرناها في البداية- كانت قلقة حيال الأشياء التي قد تكشف عنها حالة اليقظة، أنهكتها الآلام الجسدية، بالإضافة إلى ثوران أفكارها وتساؤلاتها عن الممكنات، التي تشغل بالها ما إن تبتعد عن المشتتات، إن كنت في حالة مماثلة من المهم أن تستوعب مخاوفك أو مقاوماتك للتجربة، سيعينك ذلك على الثبات قليلًا، ومع مرور الوقت سوف تستنتج بأن التعاطف سيعينك على المواظبة لا التفاعل، تفاجأت تشارلوت من ثباتها في غمرة التيقظ واحتمالها للألم الجسدي والعاطفي، والنظر للألم على أنه “محض تجربة”.
السر في الالتزام بحالة اليقظة هو التركيز في التجربة بأي طريقة تلائمك، التكرار مطلوب لتشييد سبل جديدة. يعني هذا بأن لحالة اليقظة تأثيرًا على صحتك وقد تغير من تركيبة العقل، على سبيل المثال، مناطق العقل المرتبطة بضبط العواطف، والذاكرة، والتعلم، والتلّقي، أنت لست أسير “نظام حتمي” بل بوسعك تمرين عقلك كي يكون أكثر يقظة، لقد التفت العلم إلى تأثير اليقظة على العقل، ويمكنك إجراء التجارب على عقلك الخاص.
كُن الباحث الخاص بك لا لغرض الاستغراق في الذات، بل في سبيل فهم طبيعة عمل ذهنك وطريقتك للتجاوب مع العالم.
يقدم مركز أكسفورد لليقظة دورات تدريبية عبر الإنترنت، بما في ذلك جلسات تمهيدية مجانية ونشرات صوتية، يقدم مركز أبحاث وممارسة اليقظة الذهنية في جامعة بانجور في ويلز تأملات مع توجيهات، مجانية للاستماع إليها، وتشتمل على تلك التي تركز على التنفس، والجسم، والمشي، والحركة.
يقدم مركز اليقظة الذهنية بجامعة براون في رود آيلاند جلسات اليقظة الذهنية عبر الإنترنت بالإضافة إلى مجموعة من الدورات والموارد الأخرى، يحتوي موقع (The Mindful Directory) على دليل شامل للبحث عن مدرب متخصص، حيث قد تكون هذه الإرشادات مفيدة إذا كنت تؤثر هذه الوسيلة للتعلم، توفر المنظمة غير الربحية -والتي تقع في الولايات المتحدة- تطبيقات الوعي الذهني المجانية، على سبيل المثال تطبيق بلم فيليج، وهو تطبيق مجاني من المجتمع الرهباني في فرنسا، أسسه ثيت نات هانه، معلم مذهب الزين، كما أن تطبيق (هيد سبيس) خيار مدفوع جيد، ويقدم تجربة مجانية قبل حسم مبلغ الاشتراك.
