مارغريت روثرفورد | ترجمة: سمية العتيبي
ما يجب عليك معرفته
تأتي المثالية بأشكالٍ شتى
“إذا كان يستحق العناء، فسيستحق العمل بكفاءة”، كم مرةً سمعت بتلك الجملة التي نشأت معي؟ كان يسعى والداي لتعليمي (فقط في حالة عدم استيعابي لهذه الجملة من أفعالهم) أهمية الكفاح للتميز، فكانا يحفزان مبدأً يطلق عليه بعض علماء النفس “المثالية البناءة” أو “المثالية الصحية”، وهي سمة شخصية متعلقة بإيجاد المتعة والإنجاز في الحياة بالقيام بالأعمال على أكمل ما يكون، في البناء أو “المثالية الإيجابية” سيكون التركيز موجة وستتعلم من أخطائك أو حتى من إخفاقاتك، وهذا الأمر عمومًا يعد سمة نافعة متعلقة بكونك منجزًا لما يمليه عليك ضميرك ومنضبطًا ذاتيًّا.
لكن للمثالية حتى جانبٌ مظلم، عَرّفت الأكاديمية الأمريكية والمؤلفة برين براون هذا النوع من المثالية في كتابها الأول «نِعم النقص» (The Gifts of Imperfection) (٢٠١٠م) بأنها “تدمير ذاتي ونظام اعتقادي إدماني يغذي هذه الفكرة الأساسية: إذا ظهرتُ بمظهر مثالي، وعشت حياة لا تشوبها شائبة، وأتممت أعمالي كلها على أكمل وجه، سأقدر على تحاشي أو تقليل مشاعر الخجل والانتقاد واللوم المؤلمة”، يتضمن هذا الشكل من المثالية -والذي يتغذى بمشاعر الخجل الداخلية التي يجب إخمادها- المحاولة المستمرة لإيجاد التوقعات المصورة لما هو مثالي فتلك المثالية ليست مُرضية، وبعيدة كل البعد عن كونها ممتعة، مع ذلك، يوجد مجموعة من الناس يشعرون بأنهم ملزمون على الظهور وكأن كل شيء مثالي، ويؤمنون بأن ما يغاير ذلك يعني ببساطة عدم المثالية والنقص.
هذا ما يعرف عنه في الأدب النفسي الواسع ب “المثالية الضارة” أو “المثالية المدمرة” في هذه الحالة، لا علاقة للغاية بالعملية، فهي موجهة نحو هدف معين، ومسيرة، وتتعرض للضغوط، وإني مؤمنٌ بأنها تساهم بصورة متزايدة في مشاكل الصحة النفسية.
في المثالية البناءة، لنفرض بأن هنالك سباحين ذهبوا لتحطيم رقمهم القياسي، وكان شعورهم مصحوبًا بأنواع المشاعر الإيجابية كلها، ففوزهم بالمسابقة له نشوةٌ عظيمة، طبعًا إذا وصلوا إلى تلك الغاية فعلًا.
ولكن في المثالية المهلكة سيرغب الشخص بأن يكون أفضل سباح، وغايته هي الفوز بكل مسابقة، وإذا لم يحدث ذلك، فسَيُشعره الخزي الذي بداخله بأن ليس لديه قيمةٌ أو تقدير.
سيقع العديد من الأشخاص المثاليين في نطاق يكمن بين هذين القطبين، لكن في ممارستي الطبية لاحظت مشكلة أخرى، من المفارقات التي ظهرت لي أن أصحاب المثالية المهلكة قد لا يرون أنفسهم بأنهم مثاليون، والسبب يرجع إلى عدم إيمانهم مطلقًا بأنهم بذلوا قصارى جهدهم على نحو كامل، فدائمًا يوجد إنجاز آخر وآخر، ولن تنتهي تلك السلسلة.
إذًا، ما مسببات المثالية المدمرة؟ أؤمن أن الأشخاص غالبًا ما ينمون هذا النوع من الفكر والوجود بسبب نشأتهم التي تفتقر إلى الإحساس بالدعم والأمان والرعاية، وقد تكون ردة فعل لصدمة نفسية حدثت في طفولتهم، أو توقعات ثقافية عالية، حينها ستبدو المثالية استراتيجية إلزامية لنجاة المشاعر، ويكون الضعف مزدرًى.
ترتبط المثالية المدمرة مع “الاكتئاب الخفي”
على مر القرن الماضي، عالجت كثيرًا من الناس الذين لم يدركوا تحديدًا سبب قدومهم إلى عيادة العلاج النفسي، ويرجع ذلك إلى بنائهم حواجز كبيرة يمنعون من خلالها إظهار أي ألم عاطفي، وقد تساءلت عن قدرتهم في التعبير عن هذا النوع من المشاعر، ظاهريًّا، لم تتضح عليهم علامات الاكتئاب بتاتًا، وكانت حالتهم أشبه ما تكون نتيجة الإفراط في العمل، والصداع، والقلق المعتدل.
تفسيري لوضعهم النفسي هو أنهم أصيبوا بالمثالية المهلكة، واستنفدوا طاقتهم كلها، ولا يعلمون على الأغلب بإصابتهم بذلك، فألمهم العاطفي كان مخفيًّا باحترافية وغالبًا ما يكون بلا وعي منهم.
إذا سألتهم عما إذا ما كانوا مكتئبين، سأسمع إنكارًا قويًّا، وسيقولون: “إننا محاطون بالنعم”، وإذا تساءلت عما إذا كانت طفولتهم محفوفة بالسلامة والأمان، سيضحكون وينكرون تعرضهم للمشاكل، أو سيقللون من شأن أي مشكلة واجهتهم، وأحيانًا سيخيم عليهم الهدوء وينظرون إلى النافذة، كما لو كان بودهم أن يكونوا في أي مكانٍ آخر غير مكتبي.
مع ذلك عندما يعودون إلى الجلسات الأخرى، يخاطرون ببطء في الإفصاح عن أسرارٍ تُخجلهم واحدًا تلو الآخر، يبدون من الخارج مثل ستار منشَأ من الصمت لا يمكن اختراقه، ولكنه يبدأ بالانكشاف شيئًا فشيئا، ليُظهِروا من خلفه وحدةً عظيمةً ويأسًا.
وفي حالات عديدة، عندما يتخلون عن حذرهم، أجد بمقدورهم فهم أن ما كان خاطئًا أو مضرًّا قد لا يتناسب مع خانة الاكتئاب المتعارف عليها، لكنه بدأ وكأنه حقيقي ومدمر بهيئة ذلك الاكتئاب نفسها.
بدأت البحث في الأدب الشعبي عن المثالية، والخجل، والخوف من الضعف، وجدت مجموعة كبيرة من البحوث والمؤلفات تتمحور حول أهمية الضعف وثمن الخجل في كتاب الكاتبة براون المذكور آنفًا، وفي الأفكار التي طُرحت سابقًا عن “الاكتئاب الخفي” للكاتب والمعالج الأسري تيرينس ريال، وفي كتاب «التعاطف الذاتي» (Self-Compassion ) (٢٠١٥م) لعالم النفس كريستين نيف، لكن الأهم من ذلك لم أستطع إيجاد أي شيء لعامة الناس عن العلاقة بين المثالية واحتمالية الإصابة بأي شكل من أشكال الاكتئاب الحاد.
تشكلت أفكاري الخاصة بشأن هذه المشكلة وكيف يمكن معالجتها بفعالية ورفق، من خلال تجارب وقصص المراجعين التي رأيتها على مدار ٢٥ سنة الماضية، يستند عملي -المنصوص عليه في كتابي «الاكتئاب الخفي تمامًا» (Perfectly Hidden Depression) (٢٠١٩م)- على كيفية تأثير المثالية الخطرة التي تغذي الاكتئاب على حياة الفرد، وكيف للفرد أن يعيش في صعوبة المشاعر عميقة الجذور وتجارب الصدمات النفسية العالقة، والتي قد تهدد في جوهرها حياته حينما يحصل على درجة منخفضة في مقياس الاكتئاب، وتهدد رغبته في العيش، أُطلق على هذا النوع من المتلازمات بـ “الاكتئاب الخفي تمامًا”.
أحصيت ١٠ سمات لمن تظهر عليهم أعراض هذه المتلازمة في اتخاذ القرارات اليومية وفي سلوكياتهم:
تتغذى مثاليتك العالية من خلال صوت النقد الداخلي المستمر للشعور بالخجل الشديد أو الخوف.
يظهر عليك إحساس عالِ أو مبالغ به تجاه المسؤوليات والبحث عن الحلول.
تواجه صعوبات في تقبل مشاعر الألم والإفصاح عنها، وتبقى تلك المشاعر تحليلية أو “عالقة في عقلك”.
تهمل، أو ترفض، أو تنكر الاعتداء أو حدوث الصدمات من ماضيك أو من حاضرك.
تقلق بصورة كبيرة (لكنك تخفي هذه العادة) وتبتعد عن المواقف التي لا تسيطر عليها.
تركز بصورة عالية على المهام، وعلى تطلعات الآخرين لك، وتستعمل إنجازاتك بوصفها سبيلًا يشعرك بالثناء، لكن عندما يتلاشى آخر إنجاز يقوم مقامه ضغطٌ آخر، وأي نجاح آخر يهمل.
تمتلك اهتمامًا صادقًا وفعالًا تجاه رفاهية الغير، في حين تسمح بالقليل (إذا وجد) ليدخلوا عالمك الداخلي.
تحمل بداخلك إيمانًا قويًّا في “معرفة نعمك” وتشعر بأن أي موقف آخر ما هو إلا انعكاس لافتقار الحمد والامتنان.
تملك صعوبة في المشاعر مع منظور المودة الشخصية، ولكنك تظهر نجاحًا مهنيًّا فريدًا من نوعه.
قد تصاحبك مشاكل صحية نفسية والتي تتضمن الإرهاق، ومشاكل التحكم، مثل اضطراب الوسواس القهري (OCD)، واضطراب القلق العام (GAD)، واضطراب الأكل أو الهلع.
إذا قرأت هذه السمات العشرة، ووجدت كثيرًا منها أو جميعها تتطابق معك، نأمل أن ذلك أمرٌ مطمئنٌ لك، فقد تعطيك هذه السمات لمحة عن السبب خلف الشعور الذي يعتريك، وكيف غفلت عما كان خاطئًا ومخجلًا لدرجة عدم وضعك له في الحسبان، إذا أضيء دربك فجأةً، ستدرك أنك لا تستطيع إجبار نفسك على مشاركة أي من مواطن ضعفك، أو ربما ستلاحظ تلك السمات بشخص ما، خذ شهيقًا عميقًا، وأعلم أني وجدت الترياق للاكتئاب الخفي تمامًا ولتقبل الذات.
ما يجب عليك فعله
إذا كنت تؤمن بأنك مثالي بصورة ضارة، وقد يخفي ذلك جذور مشاكلك العاطفية، أقترح عليك ٥ مراحل، آملًا أن تكون ذات عون لك، وهي: الوعي، الالتزام، المواجهة، التواصل، التغير.
المرحلة الأولى: الوعي
تشير هذه المرحلة إلى أهمية أن تكون واعيًا بأن مثاليتك مشكلة في المقام الأول، على الرغم من أن إدراك المرء بمشاكله يعد جزءًا من كل عملية تعافٍ عقلية/ عاطفية، ربما تكون هذه المرحلة معقدة بعض الشيء لك بسبب إقناعك لنفسك بأن سماتك المثالية طبيعية أو أنها ليست مشكلة، وقد تتساءل “أليس كل شخص هكذا؟” فالإجابة هي “لا”، مع ذلك، فإن الاستسلام أو تغيير الاستراتيجية التي تجلب لك نجاحًا خارجيًّا غالبًا ما يكون أمرًا صعبًا للغاية، في الحقيقة، إن مراحل تجنب أي مشاعر وذكريات مؤلمة قد تفعلها عادةً بلا وعي.
هنالك سبل عديدة لتطوير معرفتك بشأن دور المثالية المدمرة التي تؤثر على حياتك، ومن التمارين التي يمكنك فعلها بنفسك هي اليقظة الذهنية، يخبر المؤلفون في اليقظة الذهنية بأنها ليست مرحلة لتأكيد اهتمامك بشيءٍ ما دائمًا، لكنها تتمحور حول تغيير كيفية الانتباه تجاه ذلك الشيء، وهي تعزز من تجاربك في الحاضر.
بين يديك واحدة من أبسط تكنيكات اليقظة الذهنية: اجلس في مكان ما على نحو مُريح، ضع مؤقتًا من ٣ إلى ٥ دقائق، تنفس بعمق، وأغلق عينيك، بقدر ما تستطيع ضع جل تركيزك على وضعية تنفسك، عد من ١ إلى ١٠، ثم أعد الكرة مرة أخرى، إذا انجرف عقلك بعيدًا (وهذا ما سيحدث)، بلطف ابتعد عما يفكر به عقلك، وضع تركيزك على تنفسك، عندما يرن المنبه، تحقق من مشاعرك بينما لا تزال عيناك مغلقتين، قد يبدو ذلك مزعجًا، مريحًا، سخيفًا، ببساطة لاحظها وانظر إليها وهي تتلاشى.
يتطلب الوعي صبرًا، فكلما تمرنت على اليقظة الذهنية لاحظت مزيدًا عن كيفية تعاملك مع عوالمك الداخلية والخارجية، بما في ذلك تنمية بصيرتك لحاجتك في أن تكون مثاليًّا، والتي تسربت إلى جميع جوانب حياتك.
المرحلة الثانية: الالتزام
كلما غدوت أكثر وعيًا في مشاكل المثالية التي تُسببها لك، قد تجد بأن التغير لا يزال صعبًا، من المفارقات (وبصورة هدامة) أن ذلك قد يتحول إلى هدف آخر لك لتصل إليه بمثالية، وجدت بأن هنالك ٥ عواقب رئيسية لتحدي هيمنة المثالية في عقلك وقلبك:
تبني مثل هذا الالتزام الصارم، سيقودك إلى الانسحاب أو ببساطة سترغب في التوقف عن التفكير فيه عندما لا تقوم به بمثالية أو عندما تتعثر.
البدء بهدف صعب أو كبير.
خوض الرحلة بنفسك من دون طلب المساعدة من الغير طوال الطريق.
التعامل مع خوفك وخجلك بالتخلي عن استراتيجيات شخصيتك المألوفة في حين يتزايد توترك.
قد تتفاقم بعض الصعوبات النفسية بسبب الضغوطات، مثل تفاقم الوسواس القهري (OCD) أو اضطراب الأكل.
واحدة من أفضل الاستراتيجيات لتخطي أول عقبتين محتملتين هي تغيير الهدف من “الالتزام” إلى “النية”، ففي ذلك تكون أقل استبدادية وتحمل المزيد من الرحمة والمغفرة، لنركز الآن على العقبة الثالثة، جرب تمرين الكتابة: تفكر واكتب أمثلة تتذكر من خلالها مواقف لم تطلب فيها المساعدة -لكن بعد فوات الأوان- كان سينفعك لو طلبت المساعدة من غيرك، عد للوراء وأعد ما قد يمكنك قوله أو طلبه، مارس هذه الجمل الخارجة من شفتيك، واسمع نفسك وأنت تنطقها، ما الشعور الذي يعتريك وأنت تفعل ذلك؟ اجعل تركيزك على الحاضر، وتفكر في موقف حيث يمكنك فيه طلب المساعدة.
سيوسع ذلك من وعيك في أن ما يمنعك من طلب المساعدة هو احتياجك لتبدو مسيطرًا، وعندما تبدأ فعلًا في ممارسة طلب المساعدة، سيكون الأمر كما لو أنك ممثل يتجاوز قدراته وحدوده، إن الممارسة بحد ذاتها قد تساعد في خلق إحساس جديد فيك بصفتك شخصًا لديه المقدرة على طلب المساعدة، وهو بالفعل يطلبها.
ربما تجد العقبة الرابعة الأكثر صعوبة في القائمة، فستشعر بأنك تتخلى عن سلاحك في منتصف المعركة حينما تترك ميولك المثالية، فلقد كنت تستعملها بوصفها آلية للتكيف لمدة طويلة على الرغم من نتائجها العكسية، عندما تميل إلى صفع ذلك الستار، فإن ذلك المكان والوقت والكيفية ملائمة لك لكتابة مذكراتك، فهي من أفضل السبل لتفرغ جل أفكارك فيها خصوصًا في هذا الوقت، ستتمكن بعدها بصورة أفضل من توقع الأوقات التي تتعثر بها على الأرجح، وإذا حدث ذلك، تذكر الأسباب المعقدة خلف تلك التصرفات الاعتيادية، وحاول أن ترفق بنفسك.
آخر عقبة في القائمة هي تذكيرٌ لك بأن معالجة مثاليتك لن تكون سهلة، فقد تحتاج للتوقف عن هذا الأمر لفترة بسبب حضور أي من أعراض القلق النفسية أو أي اضطرابات أخرى، إذا كنت قلقًا من هذه النتيجة، من فضلك اطلب المساعدة من طبيب نفسي متمكن، لكن ابتعد عن كونك مُحبطًا، وتذكر أن التداوي مرحلة وليس وجهة، فأنت بحاجة لتبقى آمنًا خلال فترة تداويك.
المرحلة الثالثة: المواجهة
لنتحدث عن الفرق بين المعتقدات الشخصية والقوانين، تحكم القوانين التي تسنها لنفسك تصرفاتك، في حين أن معتقداتك هي شيء اقتنعت بحقيقتها، كلاهما يتفاعلان، فمن المرجح أن تؤثر المعتقدات على القوانين التي تسنها لنفسك، وفي الوقت نفسه، ستحد القوانين التي تتبعها من معتقداتك أو توسعها، لتوضيح ذلك: ربما لديك قاعدة تنص على أن “ترسم ابتسامةً على وجهك دائمًا مهما كانت الظروف”، فهذه القاعدة مرتبطة بمعتقدك الذي ينص على “لن يتقبلني الآخرون إذا لم أبتسم”.
تتضمن مرحلة المواجهة معرفة القوانين التي تعيش وفقًا لها -ومن المحتمل أن تكون بلا إدراك منك- منها الذي تعده مسموحًا وممنوعًا، وما يجب عليك فعله، وما يجب عليك تجنبه، وما تحتاج لفعله دائمًا، وما تحتاج لتجنبه إطلاقًا، هذه الأمور كلها في عقلك طوال الوقت، لكن هل ما زلت ترغب في اتباعها؟ فقد تكون قوانين منطوقة مصدرها عائلتك، أو متعلقة بالثقافة التي تعيشها، أو بالخطر المحيط بك، أو ما هو متوقع منك، وقد تكون غير مصرح بها لكنها مفهومة.
إذا وضعت لنفسك قانونًا لا يخدمك، اكتب قانونًا بدلًا منه، فإدراك القدرة على استبدال قانون بآخر جديد قد يكون تحررًا، فقد بدأت بتخيل حياة تتسم بالحرية، وذلك سيغير من مجرى حياتك.
المرحلة الرابعة: التواصل
إذا اتّبعت هذه المراحل وبدأت بكتابة مذكراتك، سيزيد وعيك تجاه نقاط ضعفك، قد يكون مجرد التفكير في التواصل مع مشاعرك المقموعة بداخلك لوقت طويل مخيفًا، فالبحث عن السيطرة، وإرضاء الآخرين، وإبقاء قدميك على دواسة السرعة طوال الوقت، كل هذه الخيارات تشعرك بأنها تحميك، قد تخشى كشف مشاعرك، ولكن ذلك كله في سبيل مجابهة الخجل الذي بداخلك مباشرةً، ولترتبط مع الغضب، ولتعترف بالإجهاد.
فكر بالسلحفاة، في وجود أي علامة على الخطر، ستسحب رأسها إلى داخل قوقعتها وتنتظر، وبالمثل، إذا كنت عرضة بالفطرة إلى المثالية المدمرة بسبب ماضٍ صعب، من المحتمل أن تميل إلى الانسحاب إلى أي قوقعة يمكنك إيجادها عندما تثيرك المشاعر المؤلمة.
هنالك اقتباس مناسب في كتاب ريال «لا أرغب بالتحدث عنه» (I Don’t Want to Talk About It) (١٩٠٨م)، فقد كان يتحدث مع أحد المراجعين عن الضعف العاطفي، وعن المرء الذي يبذل قصارى جهده لفهم السبب خلف أهمية الانخراط مع مشاعره المؤلمة، قال أخيرًا: “إما أن تشعر بها، أو أن تعيشها، صحيح؟ فالألم، إما أن تشعر به، أو أن تعيشه، أليس هذا ما نويت قوله لي؟”.
لقد فهم المغزى، ومفاده: إذا لم تتصل مع الأذى، والغضب، والحزن العاطفي الذي بداخلك، وتعالج كلًّا منها، ستدير حياتك بسبل لا تقدر على رؤيتها، وسينتهي بك المطاف متعايشًا معها على نحوٍ أعمى.
إذا كنت تشعر بالأمن والأمان، وبين يديك الدعم اللازم لنفسك، هنا تمرين سيساعدك على التواصل على نحو أفضل مع عواطفك الصعبة، (من فضلك لا تؤدِّه وحدك إذا كنت تعاني من صدمة من الماضي، لأنك ستحتاج إلى موجه خبير وداعم لتتواصل بأمان مع تلك الآلام).
أنشئ بعناية جدولًا زمنيًّا، بحيث يمكنك فيه تقسيم خط أفقي بحسب سنوات العمر، اكتب “٢٠،١٢،٨،٤،٢”، وأكمل على هذا المنوال، ستعود إلى هذه السنوات وستكتب الأمور الجيدة والسيئة التي حدثت لك، إن هذا التمرين للاعتراف، وليس للوم الذات، فالاعتراف بالحسن والقبيح والسيئ؛ سيتطلب منك شجاعةً لتتصدى للإنكار الذي قد يرغب بالخروج والشكوى، فقولك “هذا ليس بالأمر السيئ” لا يُعد تذمرًا، إنك تعترف بالعواقب العاطفية أو تتولى مسؤولية حدث ما بالتعاطف نفسه الذي تُريه للغير، ستبدأ برؤية ارتباطات بين الأنماط والأحداث، آملًا منك أن تجد التعاطف الذاتي.
قد يكون هذا التمرين قويًّا بسبب عودتك إلى الماضي ومعرفة الأشياء التي أدت إلى وضعك الحالي، سواءٌ الهبات الإيجابية التي تلقيتها، وكيف قادتك مواهبك ومهاراتك إلى النجاح، بالإضافة إلى احترامك للألم الناتج عن ماضيك الذي استبعدته، وأنكرته، ونسيته، وتجنبته، فأنت تسمح لنفسك أن تدرك بأنك نتاج جميع تجاربك، فالتعاطف الذاتي وإدراك الأثر لأي ألم كان موجودًا ما هو إلا انعكاس للطف نفسه الذي تظهره بحرية للآخرين، فلا أسباب أخرى خفية، فيمكنك تقبل ما هو هناك، وتقبل ذاتك بأكملها.
مرحلة المواجهة السابقة وهذه المرحلة؛ التواصل، ستجد من خلالهما السبب “لماذا” بدأت حاجة الظهور بمظهر المثالي، لنستند على التمارين التي أكملتها سابقًا، اسأل نفسك ما الرسائل التي تلقيتها في الماضي عن قيمك وأمانك بداخل العلاقات، وابدأ باستيعاب بأنك لست مجبرًا على العيش بواسطة تلك القوانين، أو من خلال تجنب الألم بعد الآن، التواصل مع الألم يعلمك أن بمقدورك تحمله، وأن نقاط ضعفك لا تحدد شخصيتك كما تحددها نجاحاتك.
المرحلة الخامسة: التغير
خلال سنواتي كطبيب، تعلمت منافع المعرفة (آملًا أنها نمت بداخلك من خلال مرحلة التواصل وعن طريقة قراءة هذه المقالة)، فهي تعرض محتوًى وفهمًا، لكن منبع أملك يأتي عبر تغيير تصرفاتك، فإنهُ يرى النتائج الإيجابية من جهدك المبذول، وفي هذه المرحلة الأخيرة ستجد منبع ذلك الأمل.
هنا تمرين أخير: اذهب إلى السمات العشر التي ذكرتها والمرتبطة مع الاكتئاب المغذي للمثالية، وتفكر حول سبل معينة -مع صديق تثق به، أو مع والديك، أو شريك حياتك، أو حتى طبيبك النفسي- تبدأ بها لتضع إدراكك في العمل وتخاطر على نحو حقيقي بتغيير تصرفاتك، والعيش كل يوم على نحو مختلف، واتخاذ قرارات جديدة، والتعامل مع ذاتك بلطف بالغ، اختر من القائمة أسهلها عليك، وأعطها فرصة المحاولة، في نهاية المطاف هذا ليس أمرًا محتمًا عليك القيام به على أكمل وجه، وتذكر أنك في الرحلة ولست في الوجهة.
غالبًا ما يأتي شخص إلى الجلسة العلاجية ويبدؤها قائلًا: “حسنًا، جربت طريقةً جديدة، لكنها لم تكن مفيدة”، فيكون ردي عليهم أن أي تغيير تجاه الطريق الصحيح والمرغوب به هو ذو فائدة كبيرة، تسمح لك هذه المرحلة باختيار كل خطوة صغيرة أنت مستعد لخوضها -سواءٌ كان فحواها تعلم الرفض، أو السماح لشخص آخر ليقود، أو المخاطرة في ثقة صديق- ولا تنسَ الاحتفاء بهذه التغيرات.
نقاط محورية- كيف تتغلب على مفهوم “ليس جيدًا بما فيه الكفاية”
تأتي المثالية بصور مختلفة، فالمثالية الإيجابية هي جهد موجه إلى السعي نحو التميز، على نقيضها، فإن المثالية المدمرة أو الضارة تتضمن هوس التركيز على أهداف غير واقعية.
ترتبط المثالية المدمرة مع “الاكتئاب الخفي”، وقد حددت عرضًا أطلقت عليه “الاكتئاب الخفي تمامًا” إذ يكون السعي للظهور بصورة مثالية في الأوقات كلها له استراتيجيات تؤدي إلى نتائج عكسية، وتجعل الماضي صعبًا والمشاعر ضعيفةً، إذا تعرفت إلى هذا الوصف، نأمل أنه يوجد سبيل للخروج منها.
اعرف دور المثالية المدمرة التي تلعبها في حياتك، لأن المثالية قد تجلب نجاحات خارجية، وسيكون من الصعب على المثاليين تحديدًا معرفة امتلاكهم لهذه المشكلة؛ المثالية الضارة.
ضع سبلًا لتتخطى بها العقبات التي تمنعك من التغير، قد يتضمن ممارسة طلب المساعدة، وإعادة النظر في العلاقات الضارة، أو التعامل مع أعراض الصحة النفسية.
واجه القوانين الضارة التي تعيشها، سواء التي نشأت من عائلتك، أو من خلفيتك الثقافية، من المهم إعادة صياغة أي قانون يضرك، مثل: “يجب عليَّ الابتسامة دائمًا، مهما كانت الظروف”.
تواصل مع مشاعرك الصعبة التي كنت تكبحها لوقت طويل، ستتعلم أن بمقدورك التسامح معها، وأن ضعفك لا يحدد شخصيتك.
أدرك تقدمك واحتفِ به، وتذكر أنك تستحق أن تقاتل من أجلك، وليس على الرغم من عدم مثاليتك، بل بسببها، فأنت تستحق الحب، ليس بسبب ما تقدر على فعله، بل بسبب ذاتك.
تعلم المزيد
يدرس الباحثون في أنحاء العالم أجمع مسببات المثالية، سواء كانت ثقافية، سياسية، أسرية، اجتماعية، أو تفاعلًا بين هذه العوامل الأربعة جميعها، يوجد معارضات في ما إذا كانت المثالية قابلة للتكيف إطلاقًا أو لا.
من بين أنواع المثالية المدمرة الموصوفة في الأدب، توجد “المثالية الموجهة ذاتيًّا”، والتي تتمحور حول دفع نفسك إلى أقصى حدودها، وهنالك “المثالية الموجهة من الغير” والتي تتمحور حول توقع المثالية من الآخرين، و”المثالية المفروضة اجتماعيًّا” والتي تتسم بمشاعر الاحتياج إلى تلبية تطلعات الآخرين العالية، آخرها هي الأكثر خطورة بسبب ارتباطها مع السلوك الانتحاري.
هنا بعض المصطلحات الأخرى، على سبيل المثال: في التحليل التجميعي المنشور عام ٢٠٢٠م، قام الكاتبون بالتفريق بين “المخاوف المثالية” (والتي تتضمن محاولة الوصول إلى الأهداف/ التوقعات الخارجية المحددة من قبل الغير، والمشابهة لـ “المثالية الموصوفة اجتماعيًّا”) و”الكفاح المثالي” (دفع نفسك إلى المثالية، والتي تشابه “المثالية الموجهة ذاتيًا”)، وجدوا أن كلا الشكلين من المثالية مرتبط بالاكتئاب والانفصال الاجتماعي، وأن مخاوف المثالية تشير إلى ارتباطها مع توتر أعظم.
بصورة عامة، يظهر أن جميع أنواع المثالية المدمرة في تزايد، والعديد من النتائج تشير إلى ارتباطها مع السلوك الانتحاري، ويعد مستوى المثالية الضارة في جيل الشباب على نحو خاص مقلقًا، والتي أظهرت الدراسات أنه خارج عن نطاق السيطرة بشكل ملحوظ.
آمل أن أكون وفقت لمساعدتك على فهم كيف للمثالية -والتي قد تبدو كأنها ميزة- أن تكون ضارة، إذا كنت تعتقد بأنك تُظهر علامات المثالية الضارة وخصوصًا علامات “الاكتئاب الخفي تمامًا”، فبمنظوري أن التمارين الواردة في هذه المقالة ستعينك على خلق سبيل آخر للعيش والبقاء.
مع ذلك، إن خلق التغيير ليس النقطة الصعبة، بل الحفاظ عليه، يوجد العديد من الشد والجذب الصادر من صوت الخجل المثالي، والذي قد يشكل تحديًا بسبب تمسكه بسلوك ومنظور جديدين، لكن تغييره ليس بالمستحيل، فقط يتطلب الممارسة الجادة والمكثفة.
أحيانًا يوجد أشخاص في عالمك لا يدعمون التغيرات التي تصنعها، لذلك أعد النظر في علاقتك بمن قد يكون سببًا في تدمير حياتك، وضع حدودًا مناسبة لمن بقي فيها.
على سبيل المثال: ربما لا تزال عائلتك تتوقع منك العطاء المستمر لهم بغض النظر عن احتياجاتك، وربما تقضي ساعات طوالًا على الهاتف تتحدث مع صديقك الذي يطلب منك أن تعيره انتباهك مستمرًّا بقوله لك إنه لا يعرف ماذا يصنع من دونك، قد يعتاد الأشخاص في عالمك كثيرًا على عملك الشاق، وعطائك اللامنتهي، دون طلب أي مقابل جراء ذلك، يجب عليك تقييم هذه العلاقات سواءٌ كانت تعزز من “شخصك الجديد” وحاول وضع حدود جديدة.
نفسك تستحق النضال لأجلها، ليس على الرغم من عيوبك، بل بسببها، إنك تستحق الحب، ليس بسبب ما يمكنك فعله، بل بسبب ذاتك نفسها، إنك تنمو بقوة حقيقية، ليس لأنك تبدو مسيطرًا، لكن بسبب تقبلك لذاتك، واستماعك لكل جزء منك وتجاوبك معه.
روابط & كتب
المادة في هذه المقالة مستمدة من كتابي «الاكتئاب الخفي تمامًا: كيف تتخلص من المثالية التي تخفي اكتئابك» (Perfectly Hidden Depression: How to Break Free from the Perfectionism that Masks Your Depression) (٢٠١٩م).
في فيلم نتفلكس الوثائقي The Call to Courage (٢٠١٩م)، وصفت الأكاديمية الأمريكية والكاتبة برينيه براون ببلاغة خطورة الخجل وصحة الضعف.
في حلقة تيد توك The Power of Vulnerability (٢٠١٠م) -والتي حصلت على أكثر من ٥٠ مليون مشاهدة، وأصبحت واحدة من أكثر الحلقات مشاهدة على الإطلاق- ناقشت براون بحثها عن التواصل البشري والضعف.
في بودكاست Middle Finger to Perfection والمقدم من قبل الطبيبة النفسية جينا تيج والمدربة آشلي لوكر -واللتين تشافيتا من هوس المثالية وشاركتا نضالهما مع تلك الحالة- يستضيفان ضيوفًا مختلفين يعملون في مجال المثالية نفسه، تمت استضافتي في إحدى الحلقات في أغسطس عام ٢٠٢٠م، وكانتا ممتعتين ومريحتين.
في مقطع اليوتيوب القصير “The Problem With Being Perfect” (٢٠١٨م)، ناقشت الكاتبة والمتحدثة ميل روبنز المثالية وكيفية معالجتها.
