القائمة الرئيسية

كيف تتخلى عن حلم حياتك؟

كيف تتخلى عن حلم حياتك؟
ملخص المقال

المقال يسلّط الضوء على تجربة التخلي عن حلم حياتك ويبيّن أن المثابرة وحدها لا تكفي لتحقيق السعادة والنجاح، بل تأتي المرونة والقدرة على التكيف في مقدمة المهارات الضرورية. من خلال قصة إيما غاربر وتجارب شخصيات مشهورة أخرى، يوضح المقال أن التخلي عن هدف غير قابل للتحقيق أو مكلف جدًا ليس فشلاً، بل خطوة نحو إعادة توجيه شغفك نحو أهداف جديدة أكثر ملاءمة وإشباعًا. كما يشرح الباحثون أهمية تعديل الأهداف لتحقيق إدارة ذاتية فعّالة، واستثمار الفرص الجديدة، والحفاظ على التوازن النفسي، ويقدّمون تمارين عملية مثل الكتابة والتقييم المهني لمساعدتك على تجاوز شعور الندم واكتشاف اهتمامات وأحلام جديدة، مع التأكيد أن التخلي عن حلم لا يقلل من قيمتك كشخص، بل يفتح لك مسارات بديلة تحقق السعادة والنجاح الشخصي.

كريستيان جاريت | ترجمة: بدر مصطفى

بدأت إيما غاربر الرقص منذ أن كانت تبلغ ثلاثة أعوام وقضت فترة المراهقة بالتدريب المتفاني لتحقيق حلم حياتها في أن تصبح راقصة باليه محترفة. تقول إيما: “جلست مع والدي عندما كان عمري 14 عامًا وأعربت عن رغبتي قائلةً: الرقص يجعلني سعيدة وهذا ما أريد أن أفعله في حياتي.”

كلنا لدينا أحلام وآمال لمستقبلنا، ولكن أغلب أحلامنا تتمحور حول حياتنا المهنية، فعلى سبيل المثال، يحلم بعض الأشخاص بتكوين أسرة أو العيش في بلد آخر. فتشكل أحلامنا جزءًا من هويتنا، وهوياتنا تحدد أحلامنا كما أنها ترشدنا إلى طريق تحقيقها. ولكننا قد نصبح أشخاصًا مختلفين لسببَيْن، عندما يتضاءل شغفنا أو عندما نعجز عن تجاوز عقبات حياتنا الواقعية.

بدأ حلم غاربر يتلاشى بسبب شعورها بالإرهاق والشكوك التي راودتها خلال سنتها الأولى في جامعة ماساتشوستس. تتذكر إيما ما حدث بعد درس رقص سيئ، وتقول: “شعرت أنني لم أعد أريد أن أرقص بعد الآن، فخرجت مسرعةً لأتصل بأمي وقلت لها: أشعر بالضياع ولم أعد أعلم ماذا سأفعل في حياتي.”

ربما تكون قد واجهت إحدى هذه اللحظات المربكة في مفترق طريق حياتك الذي يجبرك على الاختيار، وربما تتركك أنفاس حلمك الأخيرة تشعر بالندم والفشل، كما قد تخشى أن يحكم عليك الآخرون. لكننا تربينا على أن الإرادة القوية هي سلاح النجاح، وهذا الاعتقاد متعارف عليه في الثقافة المعاصرة في أجزاء كثيرة من العالم.

كتبت عالمة النفس أنجلا دكورث (Angela Duckworth) في كتابها الأكثر مبيعًا “قوة الشغف والمثابرة” GRIT 2016: “أن تكون شجاعًا يعني أن تسقط سبع مرات، وتنهض في الثامنة”. هذا وقد تردد صدى نصيحتها عبر العصور المختلفة، كما كتب المخترع توماس إديسون Thomas Edison “إن العديد من حالات الفشل ناتجة عن أشخاص استسلموا دون إدراك مدى قربهم من النجاح.” 

تبين هذه الرواية المؤثرة عن فضائل المثابرة وطموحاتنا التي قد تصبح جزءًا أساسيًّا من تقديرنا لأنفسنا أن شعورك بالقلق عند مواجهة احتمال فقدان حلمك أمر يمكن تفهمه. ولكن قد تشعر بالارتياح عند معرفتك بأن القدرة على التكيف والمرونة في تغير طموحات الشخص لا تقل أهميةً عن كون الشخص شجاعًا أو عازمًا. فيقول كارستن فروش (Carsten Wrosch)، أستاذ علم النفس في جامعة كونكورديا Concordia University في مونتريال (مدينة في كندا)، والذي درس نظرية “القدرة على تعديل الهدف” لأكثر من 20 عامًا، “إذا لم تستطع تحقيق ما تريد، فسوف تتعرض للإخفاق المتكرر إذا لم تتوقف عن المحاولة لتحقيقه.”

يتفق علماء النفس أن القدرة على تعديل الأهداف تعد طريقة مُجْدِية لتحقيق “الضبط الذاتي”، أو “الإدارة الذاتية”. وتتضمن القدرة على تعديل الأهداف عنصرَيْن رئيسيَّيْن أولًا: القدرة على ترك الأهداف غير المثمرة، ثانيًا: القدرة على الانخراط في أهداف جديدة أكثر إنتاجية. وتساعدك إمكانية تعديل الأهداف في اختيار الوقت والطريقة المناسبة لتغيير هدفك. وتُقاس رغبتك في تعديل أهدافك من خلال موافقتك على أسئلة الاستبيان مثل “يعد التوقف عن التفكير في الهدف والتخلي عنه أمرًا سهلًا”، و”يمكنني الاستفادة من أهدافي الجديدة الأخرى”.

هذا وقد يذكر الأستاذ فروش إن الأشخاص الذين لا يستطيعون تعديل أهدافهم يميلون إلى ضرب رؤوسهم بالحائط عندما يواجهون هدفًا لا يمكنهم تحقيقه، ويصبحون على المدى الطويل أكثر عرضة للإجهاد والأمراض المزمنة. وعلى النقيض من ذلك، فإن أولئك الذين يتمتعون بقدرة أكبر على التكيف يقضون وقتًا أفضل، فهم يتراجعون عن الالتزام بالهدف غير المثمر ويجدون طموحًا مختلفًا لتحقيقه. ومن الجدير بالذكر أن الباحثين المهنيين يتفقون على فوائد المرونة والقدرة على التكيف، كما يشيرون إليها بمصطلح “التكيف في العمل” career adaptability. وتتضمن جوانب التكيف عدة أمور مثل: فضول الأشخاص بشأن الفرص الجديدة وشعورهم بالثقة في قدرتهم على اكتساب مهارات جديدة. هذا وقد قال راجيف أمارناني Rajiv Amarnani، معيد في كلية إدارة الأعمال بجامعة غرب أستراليا University of Western Australia Business School أن الأشخاص الذين يتمتعون بتلك السمة بدرجات عالية يكونون بشكل عام “أكثر سعادة” كما يكون أداؤهم أفضل. ويقول راجيف أمارناني، “يشير تفكيرك في التخلي عن حلمك إلى إرادتك السليمة في التعديل والتكيف، وهو ما يصب في صالحك.”

وإذا كنت تواجه صعوبة في النظر إلى ما هو أبعد من الشعور بالخسارة أو الفشل، فاعلم أن هناك طرقًا أمامك وأن فرصًا أخرى ستظهر لك. ولمعرفة متى تتخلى عن شغفك أو متى تعيد توجيهه، سيتعين عليك من اتباع نهج العديد من الأشخاص الذين حققوا العظمة من خلال التحلي بالحكمة والمرونة. فقد تخلى ديفيد فوستر والاس (David Foster) عن أحلامه في أن يصبح لاعبًا عظيمًا في التنس وأصبح روائيًّا وكاتبًا مشهورًا بدلاً من ذلك. وفي الوقت نفسه، تحققت أحلام روجر فيدرر (Roger Federer) وأصبح لاعبًا عظيمًا ولكن على حساب حلمه في أن يصبح لاعب كرة قدم محترفًا. كما تخلت مريم ميرزاخاني (Maryam Mirzakhani) عن حلم طفولتها في أن تصبح روائية، لكنها حصلت على وسام فيلدز في الرياضيات عام 2014م، وهي المرأة الأولى والوحيدة التي تحصل على هذا التكريم.

توضح هذه الأمثلة المثيرة أن طريق تحقيق الأحلام ليس دائمًا سلسًا أو مباشرًا، ولكنك ستجد اهتمامات أخرى وستكون أحلامك تنتظرك حين تتصالح مع خسارتك.

ما الذي عليك فعله؟

تصالح مع قرارك

عندما تتخلى عن حلمك، قد تتألم وتشك في صحة قرارك. فيقول الأستاذ فروش: “ليست هناك إجابة جيدة، ولا توجد صيغة لتحديد ما إذا كان يجب الاستمرار في الحرث أو الاستسلام“. ومع ذلك، فهو يقترح بأن نأخذ في الحسبان ظاهرة تُعرف باسم “حماية الهدف”، فعندما نركز بشكل كبير على حلم أو طموح معين، فإننا نميل إلى تصفية المعلومات غير الملائمة التي قد تعرض المشروع للخطر. ويذكر الأستاذ فروش: “يطلق علماء النفس التحفيزي على تلك الظاهرة اسم “العقلية التنفيذية” (implemental mindset9) كما يقول: “إذا اتخذت قرارًا حاسمًا، فإنك تركز على ما تريد تحقيقه ولن تتعامل مع الموقف باتزان.” ويعتقد الأستاذ فروش لهذا السبب أن معظمنا أكثر عرضة لخطر السعي العنيد من أجل تحقيق حلم لفترة دون الاستسلام والتخلي عنه مبكرًا.

ويتفق المؤلف ورجل الأعمال سيث غودين Seth Godin مع الأستاذ فروش، حيث يقول سيث غودين: “لا يوجد طريقة حساب لتحديد متى يجب علينا الاستسلام. ” كما يحذرنا أيضًا من الكذب على أنفسنا طوال الوقت بشأن ما إذا كانت لدينا الموارد اللازمة لتجاوز هذا المنخفض. يعد مصطلح “الانخفاض (The dip) “مصطلح ينتسب لغودين، ومأخوذ من كتابه الذي نُشر في عام 2007م بعنوان المنخفض The dip وعنوانه الفرعي” كتاب صغير يعلمك متى تنسحب” (ومتى تتمسك بموقفك). ويقول غودين أنه يشير إلى “المساحة الصعبة بين متعة البدء وفائدة الوصول إلى الجانب الآخر.”

تعد اللحظة التي تصبح بها واقعيًّا بشأن حلمك من إحدى طرق التفكير للتغلب على هذه اللحظة الصعبة. فهل كلّفك السعي لتحقيق حلمك تكلفة شخصية كبيرة فيما يتعلق بعلاقاتك وأهدافك الأخرى في الحياة؟ إذا كان جوابك نعم، فهذا يشير إلى ما يسميه علماء النفس “الشغف بهوس” ومن الحكمة أن تتخلى عن ذلك الحلم. ويأتي الشغف بهوس على النقيض من “الشغف المتناغم” الذي يتناسب جيدًا مع بقية حياتك دون تكلفة. 

حاول أن تفكر وكأنك شخص مثالي ولكن بطريقة سليمة واعلم أن التخلي عن أهدافك لا يلقي حكمًا نهائيًّا عليك كشخص، واعترف بقوة بتأثير الظروف الخارجة عن إرادتك. وتذكر أيضًا أن النجاح لا يعني أن تحصل على كل شيء أو لا شيء، على الرغم من أنك قد تكون لم تحقق حلمك بالكامل، ولكن من المرجح أنك تعلمت واكتسبت الكثير خلال رحلة تحقيقك لحلمك. فلديك الآن فرصة مناسبة لإعادة توجيه طاقتك وشغفك بسبل جديدة وطلب مشورة العائلة والأصدقاء المقربين فهم قادرون على مساعدتك في رؤية موقفك بموضوعية وتقبل قرارك.

كن واقعيًّا بشأن ما تخليت عنه

عندما تقرر التخلي عن حلمٍ ما، فمن المؤكد أنك ستتألم لبعض الوقت، ولكن هناك طرق تساعدك على تخفيف ألمك وتعينك على مواصلة حياتك. فيقول أمارناني (Amarnani)، الذي يشبّه تجربة التخلي عن الحلم بالانفصال الرومانسي: “يبدأ منهجي بالمواجهة المأساوية للأمر حيث ستكون المواجهة صعبة ومؤلمة.” ويقول أمارناني: “أن تكون شخصًا طموحًا يعني أن يكون لديك تصور لنفسك في المستقبل، وأن تتخلى عن حلمك يعني أن تتخلى عن قطعة من نفسك.“

تقدم العلاقات المتوازية دليلاً دامغًا لكيفية التأقلم، وفي سياق العلاقات الرومانسية، يقول أمارناني أن الواقعية قد تكون علاجًا عندما تكون واقعيًّا مع الشخص الذي ستنفصل عنه أو عندما تركز عمدًا على عيوبه على عكس المثالية. فالعديد من أحلامنا رومانسية، ومن الجدير بالذكر أن ما تتخلى عنه ليس تلك النسخة الخيالية من المستقبل. فنحن نرى الأطباء أنهم يعالجون المرضى، وكما يقول أمارناني، يبني الموظفون في الأمم المتحدة السلام، لكن واقعهم اليومي غالبًا ما يكون بسيطًا، فالأطباء يتنقلون بين بيروقراطية نظام الرعاية الصحية الخاص بهم حيث يتلقى العاملون في الأمم المتحدة معاملة سيئة.

يذكر أمارناني جزء من تجربته الشخصية ويقول كان حلمه أن يصبح طبيبًا مختصًّا في علم الأعصاب الإدراكية، لكنه عانى من الرفض المتكرر، ثم اندلعت أزمته المالية مما أدى إلى تغيير مساره العلمي ليصبح باحثًا في الإدارة، فيقول أمارناني: “اعتقدت أنني كنت أبيع روحي، لكن في الحقيقة كنت أحاول أن أتكيف مع ذلك الموقف وأن أكون واثقًا أن الشغف سيتجدد عندما أجرب شيئًا جديدًا.” ركّز أمارناني على سلبيات التخصص الذي تخلى عنه ليستطيع التصالح مع قراره. ويقول أمارناني “قضينا عقودًا من الزمن نبحث حول الدماغ ولم نتعلم شيئًا عن العقل”. هذا وقد صرّح أمارناني بسعادته لأنه تخلى حلمه. ويقول: “شعرت بالحزن، لكن الحياة مستمرة.“

ابحث عن شغف جديد

يعد قول “حين يُغلق أحد الأبواب، يُفتح باب آخر” قولًا مبتذلًا ولكنه صحيح. فأنت تحرر نفسك حينما تتخلى عن حلم مستحيل، وتكرّس وقتك وجهدك في تحقيق حلم مُجْزٍ. قد يكون من المغري أن ننظر إلى الأشخاص الذين حققوا إنجازات كبيرة مثل غودين ونفترض أنه سلك طريق النجاح مباشرةً، مدفوعًا بالإصرار والطموح المركز. ولكن ترك غودين العديد من أحلامه في الماضي مثل أغلب الأشخاص الناجحين، فقد باع شركته يويودين (Yoyodyne) إلى ياهو (Yahoo) مقابل نحو 30 مليون دولار في أواخر التسعينيات. فيقول غودين: “لم ينتهِ بي المطاف بإدارة شركة كبيرة وكان ذلك أمرًا عاديًّا“. كما يذكر ” كنت أساعد في إدارة معسكر صيفي في شمال كندا وكان هذا حلمي لفترة طويلة من الوقت، ولكن لو سعيت لتحقيق هذا الحلم، لما حصلت على الأشياء التي أملكها الآن“. ومن تلك الأشياء التي يملكها غودين تأليف ما لا يقل عن 19 كتابًا منذ عام 1993م، وإدراجه في قاعة مشاهير التسويق وقاعة مشاهير التسويق المباشر. 

تعد مهنة غودين مهنة استثنائية، ولكن يمكنك إيجاد وسائل مختلفة لإعادة توجيه شغفك واهتماماتك إلى مسارات جديدة. وإذا وجدت شيئًا يلبي الاحتياجات نفسها وأكثر جدوى، فمن المرجح أن يكون “هدفًا بديلاً جيدًا”. يقول فروش: “إذا كان حلمك أن تلعب كرة القدم باحترافية، فيمكنك أن تصبح مدربًا (وتستمر في اللعب مع فريقك المحلي في عطلات نهاية الأسبوع). اتبعت غاربر هذا النهج ومازالت تمارس الرقص كهواية وتستمتع به أكثر بعد أن زال الضغط عنها، حيث إنها تجمع بين مسارها المهني الجديد كصحفية وحلمها السابق. تقول غاربر: “ تدربت هذا الصيف في قسم العلاقات العامة في شركة رقص، وكان الأمر مجزيًا حقًّا كما أنني أعمل الآن على بعض الأعمال المماثلة“.

قد يكون من المؤلم أن تتخلى عن حلمك، خاصة عندما تكون مضطرًّا بسبب الظروف كالأسباب الصحية التي قد تعترض طريق تحقيقنا لحلمنا. ولكن لا يزال هناك طرق لتوجيه شغفك، فإذا كنت تحلم بتكوين أسرة ولكنك لم تستطع لأي سبب من الأسباب، فقد تجد ما يرضيك في التدريس أو رعاية الأطفال. يعد العلاج بالقبول والالتزام أحد فروع العلاج السلوكي المعرفي الذي يساعدنا على التركيز على قدراتنا في السعي لتحقيق قيمنا ومصالحنا، بدلًا من الندم على ما فقدناه. فلنفترض أنك حلمت بأن تصبح محاميًا ولكن المشاكل الصحية تمنعك من تحمل هذا العبء الثقيل، هل يمكنك التعبير عن اهتمامك بالدفاع عن الناس من خلال الدعوة المجتمعية؟

قد تكتشف أن شعور الحرية الناتج عن تخليك عن حلمك شعورًا رائعًا فتبدأ تحلم في اتجاه مختلف؛ لذلك خذ وقتك برسم أهدافك الجديدة وقم بتقييم خياراتك. فيحذر غودين من التسرع ويناقش “المساحة البيضاء والفارغة والمفتوحة”، حيث يقول غودين “سيقوم عقلك الباطني بالتفكير بالخطوة التي يجب أن تتخذها“، كما يقول غودين: ” إذا كنت بحاجة إلى اختراع أرجوحة جديدة للتمسك بها وللتخلص من الأرجوحة القديمة، فمن المحتمل أنك لن تكون بارعًا باختراعك وستفعل ذلك بدافع اليأس فقط. وأعتقد أنه من المنطقي أن نسأل أنفسنا، كيف استخدم هذه المساحة المفتوحة لمعرفة ما يستحق الالتزام به؟”

ويُعد إجراء اختبار الاهتمامات المهنية من أحد التمارين العملية التي قد تساعدك على اتخاذ قرارك، كما أن هناك العديد من الأنواع المختلفة المتاحة، ولكن يعد اختبار الكفاءة المهنية من أفضل الخيارات، حيث إنه يعتمد على نظرية RIASEC التي طرحها عالم النفس الأمريكي جون هولاند في الخمسينيات من القرن الماضي. يصنف اختبار الكفاءة المهنية شخصيتك على أنها في الغالب إما واقعية أو استقصائية أو فنية أو اجتماعية أو مغامرة أو تقليدية.

كما تُعد بعض المهن أكثر توافقًا مع فئات الاختبار المختلفة فعلى سبيل المثال، تندرج الهندسة المدنية ضمن الشخصية الواقعية، ويندرج علم النفس السريري ضمن الشخصية الاستقصائية. يبين نهج جون هولاند أن توافق اهتماماتنا مع مساراتنا الوظيفية يؤدي إلى الرضا الوظيفي وتفوُّق الأداء، سواء كان ذلك صحيحًا أم لا فالمؤلفات العلمية تناقش أدلة هذا النهج وقد يساعدك هذا التمرين على تغذية خيالك ويلهمك بتحقيق حلم جديد.

النقاط الرئيسية – كيف تتخلى عن حلم حياتك؟

  • تعد العزيمة والمثابرة من الصفات التي تهتم بها ثقافتنا. هذا وقد تعد القدرة على التكيف والمرونة واغتنام الفرص الجديدة من الصفات التي لها الأهمية نفسها، لذلك تحليك بتلك الصفات من شأنها أن تساعدك على التخلي عن حلم حياتك.
  • تعرضنا الظاهرة الشائعة المتمثلة في “الدفاع عن الهدف” لخطر المثابرة لفترة طويلة لتحقيق أحلام بعيدة المنال، على الرغم من عدم وجود طريقة مضمونة ترشدنا إلى اتخاذ القرار الصحيح.
  • كن واقعيًّا حيال حلمك الذي قررت أن تتركه لتخفيف ألمك، ولكن حتى لو استطعت أن تكون صريحًا مع نفسك فقد تكتشف أن تخليك عن حلمك ليس أمرًا سهلًا كما تخيلته.
  • قد يبدو التخلي عن الحلم أمرًا صعبًا ومقلقًا، ولكن هناك طرق أخرى لإعادة توجيه شغفك.
  • استغل هذه اللحظة لصالحك من خلال استكشاف فرص جديدة وتعلن أن تتكيف في المستقبل فهناك أحلام جديدة تنتظرك.

اكتشف أكثر

يعد مفهوم “التخلي عن الهدف” مفهومًا نفسيًّا شائعًا، ويعني تخفيف شعور الندم والصوت المزعج الذي يسأل: ‘ماذا إذا…؟’ كما يعد جزءًا من القدرة على تجاوز أحلام الماضي. اختبر فروش في وقت سابق من حياته المهنية فوائد تمرين الكتابة للتغلب على مشاعر الندم ويستهدف ذلك التمرين كبار السن الذين يعانون تلك المشكلة. فقد وجد فروش وزملاؤه أن التمرين لمدة ثلاثة أيام قلل من شدة ندم كبار السن المشاركين وحسّن من جودة نومهم. (مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تكمل التمرين.)

إذا أردت تجربة التمرين بنفسك، اكتب في اليوم الأول عن أصدقائك وزملائك الذين يشعرون بالندم حيال تخليهم عن أحلامهم؛ واكتب في اليوم الثاني عن العوامل الخارجة عن إرادتك والتي أدت إلى تخليك عن حلمك؛ واكتب في اليوم الأخير عن أحلامك الجديدة ولماذا تعد مثيرة للاهتمام وممتعة بالنسبة لك، وكيف تفيد تلك الأحلام الجديدة الآخرين في حياتك أو مجتمعك. تسهل هذه الأنشطة الثلاثة التخلي عن الأحلام فعندما ندرك أن تغيير الأهداف لا مفر منه من الحياة؛ وعندما نعترف بدور العوامل الخارجية، بدلًا من التركيز على مسؤوليتنا؛ وعندما نحوّل انتباهنا إلى أهدافنا البديلة والمبهجة، يسهل علينا التخلي عن أحلامنا برضًا وقناعة.

نأمل أن يساعدك هذا التمرين على تخفيف ندمك على أحلامك الضائعة، ولكن مع تقدمك في حياتك يمكنك اغتنام هذه اللحظة في أن تدرب نفسك على التكيف للمستقبل. وبعد كل شيء، فالحياة قد تجبرك على التخلي عن العديد من أحلامك، سواء في حياتك المهنية أو في حياتك الشخصية. لذلك من المهم أن تتعلم كيفية التحلي بالمرونة والتركيز وإيجاد هدف جديد فامتلاكك لهذه المهارات يعد أمرًا مرغوبًا به ومهمًّا مثل أهمية “العزيمة” أو الإصرار، على الرغم من أنها ليست بتلك الأهمية في ثقافتنا.

وتذكّر عندما يقتصر شغفك على هدف واحد في الحياة، فإنك تعرض نفسك لخطر اليأس. فإحدى الطرق البسيطة لزيادة قدرتك على التكيف هي أن يكون لديك هدفان على الأقل. ويقترح غودين بدء نشاط جانبي ويقول: “قم بإطفاء نتفليكس Netflix وفيسبوك Facebook، وخصص 20 ساعة أسبوعيًّا من وقت فراغك لتجربة شيء جديد دون ترك عملك اليومي“. ويضيف غودين على كلامه: “فكرة أن كل شيء يجب أن يكون مؤكدًا ومثاليًّا وبدوام كامل، ليست فكرة معاصرة.“

تبيّن بعض الأدلة أنه من الممكن تدريب الفرد على التكيف في المستقبل، وتنبع هذه النتائج من مجال علم النفس المهني، وبالتالي فهي تتمحور حول القدرة على التكيف الوظيفي، لكن الفلسفة العامة تهتم بكل أنواع الطموح.

أشارت دراسة أجرتها جيسي كوين (Jessie Koen) عام 2012م في جامعة أمستردام (the University of Amsterdam) إلى أنه من الممكن تدريب حديثي التخرج على عدة جوانب من “القدرة على التكيف الوظيفي” (career adaptability). وتشمل هذه الجوانب المرونة وقابلية الاستمرار في الحياة التي تتمحور حول إيجاد وظيفة جديدة مُرضية. وقد ساعدت العديد من التمارين الأشخاص على تنمية الاهتمام والسيطرة والفضول لديهم، ومن هذه التمارين: تمارين التفكير في قِيَم الفرد وتخيل يوم عمل مثالي والتدريب على البحث عن المعلومات والتخطيط الوظيفي. يتعلق أول جوانب القدرة على التكيف الوظيفي بتعليم الأشخاص كيفية التطلع إلى المستقبل والاستعداد له؛ كما يتعلق الجانب الثاني بالحسم (مثل معرفة متى يجب تغيير المسار)، ويتعلق الجانب الأخير بالانفتاح لقبول الفرص الوظيفية المختلفة. ومن الجدير بالذكر أن دراسات التدريب على التكيف أظهرت نتائج مماثلة.

وقد تقدم مدرستك أو جامعتك برنامجًا تدريبيًّا مماثلاً، ولكن قد يعد تلقي دروس منهجية في القدرة على التكيف الوظيفي تحديًا لبعض الأشخاص. ويمكنك أن تستلهم من المنهج الرسمي من خلال التفكير بأولوياتك في الحياة وقضاء الوقت في استكشاف فرص جديدة ووضع العديد من الطرق البديلة لتحقيق أهدافك وأحلامك. كما يمكنك في المستقبل أيضًا أن تخطط تخطيطًا مسبقًا للظروف التي ستجبرك على التخلي عن أي هدف أو حلم. وسيساعدك هذا النهج على تجنب التعلق في حلم حياتك والتخلي عن الاستمرار في تحقيقه لمصلحتك. 

وفي الواقع، يشعر الشخص حينما يتخلى عن حلمه بالحزن وكأنه مُكبّل بالأغلال، بغض النظر عن مدى استعداده وقدرته على التكيف. ولكن تذكر أن شعورك بالضيق لن يدوم لفترة طويلة، فيقول أرماناني (Armanani): “سينقضي حزنك فكل شيء له نهاية في الحياة“.

شعرت غاربر بالحزن بعد أن تخلت عن حلمها في أن تصبح راقصة باليه محترفة، ولكن حزنها لم يستمر لفترة طويلة كما أنها قالت بعد عامين: “يعد قراري في التخلي عن حلم حياتي أفضل قرار اتخذته على الإطلاق“. ولا تزال غاربر تمارس هواية الرقص، لكن من أجل المتعة فقط كما أنها تحب شغفها الجديد بالكتابة والعمل الصحفي. وتقول غاربر: “لا تمارس شيئًا لا يجعل منك شخصًا سعيدًا، وابحث عن شيء آخر يستحق عناء رحلة تحقيقه“.

المصدر

مقالات ذات صلة