القائمة الرئيسية

لتجرب يقظة الزن: حاول الخوض في ‘طريقٍ بلا برأس’

لتجرب يقظة الزن: حاول الخوض في ‘طريقٍ بلا برأس’
ملخص المقال

المقال يستعرض فلسفة اليقظة في بوذية الزن وتقليد الأدفايتا، مركّزًا على إدراك الطبيعة الحقيقية للذات التي تُرى على أنها فراغ بلا خصائص محددة، غير منفصل عن العالم والآخرين. يقدّم مثال “طريق بلا رأس” للفيلسوف دوغلاس هاردينغ كأسلوب حديث لتجربة اليقظة، حيث يوجّه الفرد انتباهه إلى مكان إدراكه بدلاً من الأشياء المحيطة، مثل الإشارة إلى الجدار أو الأرضية أو جسده، ليكتشف “الذات الأصلية” الخالية من اللون أو الهيئة أو الحدود. هذا الإدراك لا يعتمد على سنوات طويلة من التأمل، بل على تجربة مباشرة للوعي، ويكشف أن علاقتنا بالآخرين ليست وجهًا لوجه بمعنى الظاهر، بل ارتباط حقيقي من منظورنا الأول، ما يعزز التعاطف والوعي بالوجود المشترك. التجربة عمليّة وفورية، وتوضح أن الطبيعة الحقيقية للذات متاحة في اللحظة الراهنة، بغض النظر عن العمر أو الخبرة الطويلة.

ترجمة: إبراهيم الكلثم

حاول الإشارة لذاتك الحقيقة كما لو أنك تشير إلى جدار من طوب. هنالك تجارب أخرى في يقظة الزن.

هنالك فكرة بارزة في التقاليد الدينية الآسيوية كالأدفايتا وبوذية الزن، والتي تؤمن بأن تجارب البشر اليومية شبيهة بالحلم القائم على اعتبارك مجرد شخص-شيء في هذا العالم مكسو بالجلد- وذاتك ما هي إلا جزء منفصل عن الأشياء والآخرين. لكن في الحقيقة، أنت لست منفصلًا عن الآخرين ولا عن الأشياء، وعندما ترى من خلال وهم الانفصال، ستستيقظ!

في بوذية الزن تشان (Ch’an)، هنالك شكل بارز من أشكال تجربة اليقظة يعرف ب ‘كينشو'(Kensho)، ويترجم حرفيًا بـ ‘رؤية طبيعة المرء الحقيقية’. توصف الطبيعة الحقيقية في الزن بأنها ‘خاوية’، ومطابقة في الوقت نفسه للعالم الموجود. ولا تعد كينشو نهاية الممارسة، فهي ليست حالة نهائية عظيمة كالتنوير، أو النيرفانا (إذا كانت هذه الحالات ممكنة حتى)، بل هي بداية اليقظة، وممارسة طويلة المدى لن تكتمل إطلاقًا. وهي نوع تجربة اليقظة التي أعنى بها في هذه المقالة. 

قال هوها (Hui Hai) -راهب الزن عاش في القرن الثامن، والذي أسس معبدًا، والمعروف بتأكيده على أهمية العمل اليدوي- بأنه لا ينبغي البحث عن الطبيعة الحقيقية في الخارج. ووصف طبيعتك الحقيقية قائلًا: 

ليس للعقل لونٌ، كالأخضر، أو الأصفر، أو كالأحمر، أو الأبيض، وليس بطويلٍ ولا بقصير، ولا يَظهر أو يفنى، وهو محررٌ من الطهارة والدنس على حدٍ سواء، فهو ذو أمدٍ خارجي، وفيه سكونٌ مطلق. وهذا ما عليه هيئة عقولنا الأصلية وشكلها، وهي أجسادنا الأصلية أيضًا. 

بإمكاننا القول إن طبيعتنا الحقيقية كالفراغ، فهي تفتقد للخصائص الموضوعية، فلا هيئة لها، ولا لون، ولا حدود، ولا مشاعر. إذن كيف يرى الفرد طبيعته الحقيقة إذا كانت مجردة من السمات الملحوظة؟ تشير الطريقة التقليدية القديمة إلى إمضاء سنوات عديدة في الممارسة التأملية الشديدة تحت توجيه المعلمين ذوي الخبرة. وللأسف، كثير من الممارسين لهذه الطريقة لم يواجهوا ‘الفراغ’. ومع ذلك، هنالك تقليد في الزن لليقظة التلقائية حتى في غياب أي ممارسة تأملية، وذلك يشير لوجود وسيلة سريعة لليقظة ومباشرة. 

لنلقِ نظرة على أسلوب لفهم الذات والذي يطلق عليه ‘طريق بلا رأس’، والذي يزودنا بأسلوب حديث لمعالجة اليقظة. طُورت التجارب من ناحية المنظور الأول من قبل الفيلسوف الإنجليزي والصوفي دوغلاس هاردينغ في كتابه المؤثر “عدم وجود رأس: الزن وإعادة اكتشاف ما هو واضح” (On Having No Head: Zen and the Rediscovery of the Obvious) ١٩٦١م. نشأ هاردينغ في طائفة مسيحية متطرفة، والتي تمنع روادها من الذهاب لسينما، والكتاب الوحيد المسموح له بقراءته هناك هو الإنجيل. عندما غادر هاردينغ طائفته في عمر ٢١، كان مصرًا على السعي نحو الحقيقة لصالح نفسه وليستقل بذاته. كان منهجه غير تقليدي، وقد يعد شكلًا من أشكال التجربة الراديكالية. 

المفتاح لأسلوبه يقبع في ملاحظة عجزك عن رؤية رأسك، عوضًا عن الانتباه إليه، ومن الناحية الظاهرية يوجد هنا فجوة. في الحقيقة، أشار أساتذة الزن الصيني الأوائل إلى الحاجة إلى ‘فصل رأس الفرد’، وزعم هوها (Hui Hai) على استحالة تعليمه لأي شيء نظرًا لعدم امتلاكه لسانًا يتحدث به. تنص سترا القلب (sutra)- والتي تركز على جوهر تدريس الزن- بأن ‘ في الفراغ لا يوجد شكل، ولا عين، ولا إذن، ولا خشم، ولا لسان، ولا جسد’. ويحث أساتذة الزن الممارسين ليتعرفوا على ‘وجوههم الأصلية'(اسم آخر لطبيعة الفرد الحقيقة).

كيف باستطاعة الفرد رؤية طبيعته الحقيقية بناء على أسلوب الزن؟ من أنسب المواضع لنفتتح به هذا الجان هو مع الشخصية الغامضة بودهيدهارما، وهو أول بطريرك لطائفة الزن- والذي جلب البوذية للصين من الهند في القرن الخامس كما يشاع- تخبرنا أسطورة ذكرت عنه بأنه بلغ التنوير بعد مكوثه لتسع سنوات في مواجهة جدار كهفي، وأنه قص جفنيه ليمنع نفسه من النوم. تنسب إليه أبيات الشعر الآتية، التي يعتقد أنها تعبر عن جوهر تعاليم الزن: 

انتقال خاص، خارج النصوص المقدسة 

لم يبنَ على كلمات وحروف 

بل بالإشارة مباشرةً إلى عقل الفرد 

سيسمح له برؤية طبيعته الحقيقية 

ومن ثَمّ الوصول إلى البوذية 

كيف يمكن للمرء الإشارة مباشرةً لعقله أو لطبيعته الحقيقية؟ تساعد ‘تجربة الإشارة’ الخاصة بهارديسك لإعادة انتباه الفرد، بدايةً مع تمرين الإشارة بالإصبع للاتجاه الذي تنظر له. علمًا بأنه في حال عدم تنفيذ هذه التمارين، أو إذا فكرت بها فحسب، فلن تُفيدك هذه المقالة. لذا من فضلك اتبع الآتي: 

أشر لشيء بعيد؛ كالحائط، لاحظ هيئته ولونه، فهو من الأشياء الممتدة في الفضاء، ويعد أيضًا معتمًا، فلن ترى من خلاله. مرة أخرى، أشر إلى الأرضية، لاحظ لونها الممتد وقوامها. أشر لقدمك، فإنه شيء ملون ذو هيئة. أشر لصدرك ولاحظ لونه وهيئته وطريقة حركته من خلال تنفسك. الآن، أشر إلى المكان الذي تنظر منه، هل هناك ألوان في تجربتك الحاضرة؟ أي هيئة؟ أو ملمس؟ أو حركة؟ عيون، وشفاه، أو وجنات؟ هل هناك أية سمة لبشري؟ لاحظ أن هذه البقعة تفتقد تمامًا لأي من سمات التعريف الشخصية. هل هنا شيء على الإطلاق؟ أم هي فتحة تتسم بالشفافية؟

عندما أنظر لداخل، وعندما أوجّه انتباهي ١٨٠ درجة من الأشياء المركونة هناك إلى مكان استنادي، سأجد أنني غير ملون، وغير محدود، بل إنني شيء عديم اللون وذو قدرة ثابتة للعالم، تمامًا كما وصف في الزن. هل هذا ‘الفراغ’ المرغوب فيه، والذي تشير إليه التقاليد التأملية عبر الأزمنة والثقافات؟ 

واحدة من القصص المعروف في الزن هي قصة يقظة تونغ شان في القرن التاسع، والتي تظهر أوجه تشابه مثيرة للاهتمام مع ملحوظات هاردينج. ذات مرة عندما كان تونغ شان طفلًا، كان يقرأ قلب سترا مع معلمه، وعندما وصل إلى الصفحة التي تقول ‘لا أعين، ولا أذن، ولا أنف، ولا لسان، ولا جسد، ولا عقل’ شعر بالحيرة. فتحسس وجهه بيديه، وسأل معلمه لماذا ذكر في سترا أن هذه العناصر غير موجودة؟ فرد عليه معلمه بأنه لا يستطيع مساعدته، وأمضى تونغ شان سنينًا طويلة بحثًا عن أستاذ جدير بالثقة ليشرح له هذه النقطة وأمور دهارما الغامضة. وفي يوم من الأيام، كان يعبر النهر، فرأى انعكاس وجهه على الماء، وعلم موضع وجهه من التجربة التي عاشها، وعلى الفور، وعاش تجربة يقظة عظيمة!

تتجاوز الزن الكلمات والحروف، فمجرد التفكر بالقصة المذكورة سيكشف لنا أنها مضادة لروح الزن. لتختبر ذلك مباشرةً على تجربتك الخاصة، من فضلك قم بـ ‘تجربة المرآة’: 

انظر إلى المرآة، سترى وجهك البشري، لاحظ مكانه. ومن واقع تجربتي، يقع هناك، بعد عدة خطوات، وليس على كتفي. هل هذه حقيقة لك؟ كما أن وجهك يقابل الاتجاه الخاطئ، وينظر في الداخل، بدلًا من الخارج. كم وجهًا ترى؟ اثنان أم واحد؟ لاحظ هيئة وملمس ولون ذلك الوجه الصغير العالق خلف الزجاج. وعلى النقيض؛ لاحظ عدم وجود هيئة وملمس وألوان وحدود للبقعة التي تنظر منها!

الوجه الذي هناك، هو الذي اكتسبته، فعندما كنت رضيعًا، لم تتعرف عليه، فقد كان رضيعًا آخر خلف الزجاج، واستغرق منك الأمر عدة أشهر لتتعلم كيف تتعرف على ذلك الوجه، وتعلمتَ أن تربط بين الشيء المرئي في المرآة هناك بأحاسيس وجهك هنا، وبالمحصلة، حوصرت من قبلها (على الأقل ظاهريًا). أليس ما أنت عليه لذاتك- ‘وجهك الأصلي’- يتناقض تمامًا مع ذلك الوجه الصغير في المرآة؟ حقيقةً، باعتبارها تفتقر لأي خصائص متعلقة بها، ألا تعد هذه ‘الفجوة’ متحدة بشكل انسيابي مع العالم؟ ألا يمكنك القول بالمثل إن ‘ وجهك الأصلي’ هو العالم بحد ذاته؟ 

كل ذلك قد يبدو غامضًا، لذا، لننظر لواحدة من المنافع المحتملة في تجربة ‘انعدام الرأس’ في العلاقات الشخصية. نعتقد أننا نتقابل وجهًا لوجه، شيئًا لشيء، وهذا ما يبدو عليه الأمر من الخارج، لكنك ترتبط مع غيرك من منظورك الأول، وليس من هناك، فالتجربة الحية في انخراطك مع الآخرين ليست في الحقيقة وجهًا لوجه، لكن وجهًا لغير وجه. فوجهي لم يقف أبدًا في طريق وجوه الغير- بما فيهم وجوه الذين تكرههم-. فالفضاء الذي تنظر منه ليس له أفضلية، فهو يتعامل مع الجميع، من دون إصدار الأحكام وبصرف النظر عن هوياتهم. ولاحظ أنه بالأحرى طريق بسيط وواقعي لتستوعب اتصالك مع غيرك، ونظريًا، قد يزودك ذلك بركائز للتعاطف الحقيقي تجاه الآخرين.

يمكن للفرد التأمل لسنوات طويلة من دون رؤية طبيعته الحقيقية، والأغلب ينطبق عليهم ذلك، فالدقة والمصداقية الواضحة لهذه التجارب تفتح نموذجًا من نماذج يقظة الزن في التحقيق العلمي التجريبي، ولكن لم تحظَ هذه التكنيكات إلا بقدر يسير من اهتمام العلماء والفلاسفة. (وصَفت هذه التجارب وناقشت علاقتها بالزن بصورة وافية في مقالتي الأخيرة ‘ تقنية اليقظة’.) تقترح نتائج هذه التجارب أن العمر المديد أو الحيوات المتعددة ليست متطلبًا لترى طبيعتك الحقيقية، يمكنك البدء حالًا، فمن السهل عليك رؤية من وماذا أنتَ عليه في اللحظة الراهنة، وأن ترى هذه الكلمات بذاتها. 

المصدر

مقالات ذات صلة