قد تنتج الفلسفة الزائفة عن سوء فهم بسيط أو غموض متعمد وعلاجها اكتساب مهارات التفكير النقدي الأساسية.
ثمة أنواع عديدة للعلوم الزائفة: علم التنجيم، المعالجة المثلية، نظرية الأرض المسطحة، حركة ضد التطعيم، هذه “المجالات” تعج بمزاعم غريبة تحمل ادعاءات علمية. قد تبدو هذه المزاعم علمية لأول وهلة وغالبًا ما تتناول المواضيع التي يتناولها العلم. مع ذلك، عند تفحصها بعمق، يتكشف لنا بأن العلم الزائف كلام فارغ: غير عابئ بالحقيقة.
هل يوجد ما يسمى، على منوال العلوم الزائفة، بالفلسفة الزائفة؟ حيث يكوّن الشخص زعائم مبنية على ادعاءات فلسفية والتي ما إن فحصناها بدقّة تتضح بأنها كلام فارغ؟ أعتقد أنه يوجَد. لنبدأ بتناول مفهوم الفلسفة الزائفة. إن كان ثمة ما يستحق هذا اللقب، سيعني ذلك بأن هنالك قصورًا في القضايا الفلسفية يضاهي قصور العلم الزائف فيما يتعلق بالقضايا العلمية. لذا حتى نحيط بالفلسفة الزائفة، ينبغي علينا اكتشاف مواطن القصور في العلم الزائف، ومن ثم نرى ما أن كنا نستطيع أن نعثر على شيء مشابه في مجال الفلسفة.
إن سبب قصور معتقدات العلم الزائف هو صياغتها بطريقة تفتقر إلى الانضباط المعرفي. ما أقصده هو أن تلك المعتقدات نابعة عن تفكير مرتبك وجاهل بشكل يستحق اللوم. على سبيل المثال، الاعتقاد بأن الأرض مسطحة هو ليس إلا نتاج تغاضي الفرد عن الأدلة الوافرة التي تدعم الموقف الآخر، والتي تراكمت خلال العقود وتناولته علوم متنوعة. على أية حال، لا يفترض هذا الجهل أي سوء نية أو خداع. المخادع هو شخص يُبطن أجندة غالبًا ما تكون هادفة للربح ولا يهتم ما إن كانت معتقداته صحيحة أم لا. عادة لا ينتج الكلام الفارغ عن سوء نية، قد يولي المرء الحقيقة عناية بيد أنه يفتقر إلى الانضباط المعرفي. المعضلة هي أن أغلبنا يفتقر إلى الانضباط المعرفي، على الأقل بعض الأحيان وإلى حد ما. لأجل أن نطلق على شيء مصطلح علم زائف، لا يد أن ينطوي على الحد الأدنى من الافتقار إلى الانضباط المعرفي.
ثمة قاعدة عامة للانضباط المعرفي وهي أن تكون منتبهًا إلى المغالطات الشائعة من قبيل: الشخصنة، مغالطة رجل القش، المعضلات المغلوطة والانتقائية. تظهر مثل هذه الأغلاط في جميع السياقات، ولكنها تظهر في العلم الزائف بانتظام.
ما إن كان ثمة حقائق أخلاقية موضوعية أم لا هي مسألة تتطلب الإجابة عليها تفكيرًا متأنيًا. إن كان ذلك ممكنًا على الإطلاق. الافتقار إلى الانضباط المعرفي هو مكوّن جوهري في العلوم المزيفة، ولكنه ليس الوحيد. لا بد أن يكون المعتقد علمي حتى نطلق عليه مصطلح العلم الزائف، وهنا يكمن الاختلاف بين العلم الزائف والفلسفة الزائفة.
تمامًا كما في حالة العلم الزائف، تتصف الفلسفة الزائفة بنقص في المعرفة الواعية، ولكنها تتناول المعضلات الفلسفية عوضًا عن العلمية. وبشكل عام، الاختلاف بين المعضلات العلمية والفلسفية هو أن الثانية لا يمكن حلها عن طريق المنهج التجريبي. على سبيل المثال معضلة وجود الإله، أو ما إن كان ثمة حقائق أخلاقية موضوعية، هي أسئلة تستوجب التفكير المتأني، إن كانت الإجابة عليها ممكنًة على الإطلاق. تختلف طبيعة هذه الاسئلة عن الاسئلة العلمية من قبيل ما إن كانت الأرض مسحة أو كروية، أو ما إن كان مرض الجمرة سببه البكتيريا، والتي يمكن التوصل إلى حلها من خلال النهج التجريبي.
هناك نوعان من الفلسفة الزائفة، أحدها غير ضار والآخر ضار. النوع الأول يتواجد غالبًا في الكتب العلمية المبسّطة. حيث يشرع الكتّاب، عادة المنخرطين في العلوم الطبيعية، في الاقتحام بثقة إلى نطاق الفلسفة دون أن يدركوا ذلك، ودون انتباه واعٍ للتمييزات الفلسفية ذات الصلة والحجج. عادة ما يعوّل على الافتراضات التجريبية في نظرية المعرفة، والميتافيزيقيا، وفلسفة اللغة وكأنها بديهيات ودون الوعي بالمخاطر التي تمثلها هذه الاعتقادات لتفكير الكاتب. نطلق على هذا الظاهرة الفلسفة الزائفة العلمية.
من الأمثلة التوضيحية هو كتاب المشهد (2010)، للفيلسوف سام هاريس حيث ينطوي على حجج واهية نتيجةً إخفاق هاريس في الإحاطة بالعديد من الأعمال الفلسفية والحجج التي انتقدها مثل قانون هيوم مفاده أن ثمة هيوم (أو ما يعرف بمسألة الواقع وما ينبغي أن يكون).والسؤال الجدلي الذي طرحه إدوارد مور ( أي، لا توجد سمات أخلاقية مطابقة لسمة طبيعية).
على نحو مماثل، يتفاعل لورنس كروس في كتاب كون من لا شيء (2012) مع معضلات فلسفية تخص الإيمان بوجود الإله دون الإحاطة بها إحاطة تامة. وأبرزها هو أنه انتهى به الأمر إلى انتقاد نسخة كاريكاتورية لما يسمى بالحجة الكونية حول وجود الإله.
عادة، ما تُغرس الجمل النثرية بمصطلحات مبهمة ومتخصصة حتى تكتسب شكلاً أكاديميًا.
أما النوع الثاني هو الفلسفة الزائفة الضارة، والذي سأصب تركيزي عليه، هو مشروع أكاديمي ، يُسعى إليه في الأساس من خلال العلوم الاجتماعية والإنسانية. لا أقصد أن أشير إلى أن التخصصات المعنية هي بطبيعتها فلسفية زائفة، لكن لسبب ما، إنها تحمل قدرًا كبيرًا من الفلسفة الزائفة في طياتها (على الرغم من أن هذا سيختلف بشكل كبير بين الجامعات والأقسام المختلفة).
ليس بشكل عام، وإنما في هذا التوجه عادة ما تدور المعضلات الفلسفية حول العلم، الحقيقة، الموضوعية المنطق، المنهج العلمي، ومرة أخرى، دون حذر ودقة معرفية للاختلاف الفلسفية ذات الصلة والحجج. من السمات المميزة هي الموقف المختلف الذي يتخذه البعض تجاه المفكرين الأوروبيين البارزين، مثل هيجل، وكارل ماركس، وفرويد والذين (قد يكونوا أو لا يكونوا من مَن وقعوا في الفلسفة الزائفة).
عادة، ما تُغرس الجمل النثرية بمصطلحات مبهمة ومتخصصة حتى تكتسب شكلاً أكاديميًا. يمكننا أن نسمي هذه الظاهرة بالفلسفة الزائفة الغامضة في حين أن العلوم الزائفة معرضة بشكل خاص للمغالطات السببية والانتقائية، فإن المغالطة الأكثر شيوعًا في الفلسفة الزائفة الرمزية هي المراوغة. تستغل هذه المغالطة الالتباسات في بعض المصطلحات الجوهرية، حيث تضفي الادعاءات المعقولة والبديهية مصداقية على النقاط المثيرة للاهتمام الجدل.
عندما يُساءل الفرد الذي يتبع هذه المنهجية الرمزية ، عادة ما يلجأ إلى تفسيرات تافهة لادعاءاته، لغرض التشبث بالمساحة الجدلية بمجرد أن يغادر الناقد المشهد. دعوني أوضّح لكم كيف يعمل هذا، ملقيًا الظلال على ميشيل فوكو، أحد أهم مفكري ما بعد الحداثة الفرنسيين. من الأفكار المحورية في أعمال فوكو هو نقد الحقيقة الموضوعية. بالرغم من وجود جدالات حول التفسير، ولكن بالنسبة إلى فوكو تظل الحقيقة نتاج اجتماعي وخاضع للتأثير الأيديولوجي، وهكذا تكون الحقيقة غير موضوعية.
بالرغم من ذلك، الحجج التي يلجأ إليها لدعم هذا الزعم تعوّل كليًا على فكرة أن الأشياء التي نزعمها أو نؤمن بها هي متأثرة بما يشير إليها “بالسلطة”.إن الزعم بأن معتقداتنا متأثرة بالأيدولوجيات، وخاصة في المناطق المشحونة بالمشاعر مثل السياسة، وأيضا في المجالات المنطقية كالعلوم، يعدّ حجة مقبولة بالطبع. ولكن فوكو لا يفسر كيف لهذه الملاحظة البديهية أن تدعم الزعم الفلسفي المثير للجدل: ما هو الحق، أو أي من الحقائق علينا أن نؤمن بها (فيما يتعلق بشكل الكرة الأرضية، على سبيل المثال) هو عِرضة للتأثير الأيدلوجي عوضًا عن ذلك من خلال استخدام كلمة “الحقيقة”، الاختلاف ما بين المعتقد والحقيقة بات مضببًا، مما أتاح لفوكو أن يصرح بأمورٍ تبدو هامة مثل:
الحقيقة ليست بمعزل عن القوة، أو نقص في القوة:
على نقيض أسطورة تاريخها ووظائفها يكون
محفزًا للمزيد من الدراسات، الحقيقة ليست ثمرة
الأرواح الحرة، نتاج عزلة، ولا مزية
للذين نجحوا في تحرير ذاتهم. الحقيقة هي
جزء من العالم: إنها تنتج عن أشكال متنوعة
من القيود.
سأفسح المجال للقارئ حتى يسبر هذا التصريح ويرى ما الذي سوف يستنتجه. هذا النقد الباطل لمفهوم الحقيقة الموضوعية هو أحد مخاطر الفلسفة الرمزية بشكل عام، في كثير من الأحيان، يكون ذلك بسبب سوء فهم بسيط (مثل الخلط بين الحقيقة والاعتقاد أو المعرفة)، ولكن في بعض الأحيان يكون ذلك بسبب الغموض المتعمد (كما في حالة فوكو). غالبًا ما تُستخدم الفلسفة الرمزية الزائفة لإضفاء المصداقية على الأجندات السياسية العقائدية والعدائية، ولعل ذلك يعود إلى ما تضفيه من طابع أكاديمي وعمق، سواء على الحزب اليساري أو الحزب اليميني. علاوة على ذلك، فهو يشجع التفكير المرتبك والانغماس في الذات لدى طلاب الجامعة، ويستنفد موارد عظيمة يمكن أن توّظف في أمور أنفع.
في حين أنه من الممكن مواجهة العلوم الزائفة من خلال تعليم العلوم، فإن علاج الفلسفة الزائفة ليس تعليم العلوم ، بل التعليم الفلسفي. ولا سيما تطوير مهارات التفكير النقدي الأساسية التي تدرّس للطلاب الجامعيين في الفلسفة.
وهذا لا يتطلب وسيلة خيالية. يجب تعليم الطلاب أشياء مثل تعلم التمييز بطريقة منضبطة بين المفاهيم الفلسفية المركزية مثل الاعتقاد، والحقيقة والعقلانية والمعرفة. ويجب أن يكونوا على دراية بالطريقة التي يمكن بها استغلال الرمزية من خلال مراوغة الحجج، وأن يصبحوا حاذقين في كيفية اكتشاف المغالطات الأخرى مثل الآراء غير موضوعية والشخصنة. مع وجود هذه الأدوات الأساسية في متناول اليد، سنحدّ من الفلسفة الزائفة المتداولة.
