القائمة الرئيسية

كيف تتغلب على الخوف من المرتفعات؟

كيف تتغلب على الخوف من المرتفعات؟
ملخص المقال

يتناول المقال فوبيا المرتفعات بوصفها خوفًا شديدًا ومستمرًا من الأماكن المرتفعة قد يعيق الحياة اليومية، موضحًا أعراضها الجسدية (كالتعرق وتسارع القلب والدوار) والنفسية، وجذورها المحتملة التي قد تعود إلى تجارب صادمة أو نقص التعرض الآمن أو عوامل إدراكية وتوازنية، مع الإشارة إلى أن قدرًا من الحذر تجاه المرتفعات فطري ومفيد تطوريًا. يشرح المقال كيف يؤدي سوء تفسير أعراض القلق إلى تفاقم الخوف، ويعرض مبادئ العلاج السلوكي المعرفي، خاصة التعرض التدريجي، الذي يقوم على مواجهة المواقف المخيفة خطوة بخطوة حتى يتلاشى القلق، إلى جانب تحدي المعتقدات الكارثية حول السقوط أو الانهيار، والتخلي عن “سلوكيات الأمان” التي تُبقي الخوف قائمًا. كما يستعرض فعالية العلاج بالواقع الافتراضي بوصفه وسيلة آمنة وغامرة لممارسة التعرض، وقد أظهرت الدراسات أنه يحقق انخفاضًا ملحوظًا ومستدامًا في الخوف. ويخلص المقال إلى أن مواجهة الخوف، بدعم ذاتي أو مهني، تمكّن الأفراد من استعادة حريتهم وعدم تفويت فرص العمل أو الأنشطة الاجتماعية بسبب رهاب يمكن علاجه بفاعلية.

بقلم بوبي براون | ترجمة: بدر مصطفى

ما تحتاج إلى معرفته

قد يعتقد بعض الناس أن عواقب تجنب المرتفعات بسيطة هيّنة، لكن تخيل أنك مدعو لمقابلة عمل في الطابق السادس عشر من مبنى مكتبي في المدينة، أو أن أطفالك يتوسلون للقيام برحلة عائلية لتسلق الحبال العالية، أو أن أصدقاءك يقررون أن يكون من الممتع الصعود إلى نقطة مشاهدة جميلة. بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من فوبيا المرتفعات (خوف شديد ومستمر وغير منطقي من الأماكن المرتفعة) يمكن أن تصبح هذه السيناريوهات مشاكل حقيقية، فماذا تفعل في مثل هذا الموقف إذا كنت تخاف من المرتفعات؟ هل تفوت هذه الوظيفة؟ هل تختلق الأعذار لأطفالك؟ هل تخيب أمل أصدقائك؟

العديد من أعراض رهاب المرتفعات -لاستخدام المصطلح التقني- مشتركة مع اضطرابات القلق الأخرى، وتشمل هذه الأعراض الجسدية: الاهتزاز، والتعرق، وسرعة ضربات القلب، وصعوبة التنفس، والغثيان، وجفاف الفم. عادة ما يشعر الأفراد المصابون برهاب المرتفعات بالخوف الشديد والضيق حول الأماكن المرتفعة، ويميلون إلى تجنبها نتيجة لذلك، هناك أيضًا أعراض أكثر تميزًا برهاب المرتفعات، بما في ذلك الدوار والرغبة في الركوع أو التمسك بشيء ما.

بعض الحذر هو أمر شائع ومعقول عندما يتعلق الأمر بالمرتفعات، ويظهر العديد من الحيوانات والأطفال البشريين تجنبًا فطريًّا للسقوط الحاد، حتى قبل أن يكون لديهم أي تجربة حقيقية مع المرتفعات. تحاجج المقاربات والتفسيرات التطورية بأننا جميعًا ولدنا بهذا الخوف لأن تجنب المرتفعات يساعد في الحفاظ على سلامتنا، تنشأ المشكلة فقط عندما يبدأ هذا القلق حول المرتفعات الخطرة في التعميم على مواقف أخرى أقل خطورة، ويبدأ في التدخل في الحياة اليومية. قد يتطور الخوف الشديد من المرتفعات لعدة أسباب: أولًا، حدث صادم أو مخيف، مثل السقوط من شجرة أو سلم، قد يؤدي هذا إلى تحفيز فوبيا المرتفعات لأن التجربة المؤلمة تترافق مع المرتفعات في ذاكرة الشخص -خاصة لدى الأفراد المعرضين للشعور بالقلق- ثم يبدؤون في تجنب المرتفعات جميعها معتقدين أن هذه الأخيرة قد تؤدي إلى تجربة مخيفة مشابهة، وكلما تجنب هؤلاء الأشخاص المرتفعات، قلت الفرص التي لديهم لتعلم أن المرتفعات آمنة بشكل عام، وبالتالي يستمر الخوف ويتفاقم.

ومع ذلك، لا يمكنك دائمًا تتبع خوفك إلى حدث صادم محدد، فالعديد من الأشخاص الذين يعانون من فوبيا المرتفعات لا يستطيعون ربط خوفهم بتجربة معينة، من الممكن أيضًا أن بعض الأشخاص لم يحصلوا على التعرض المتكرر الآمن للمرتفعات الذي يمكن معظمنا من إدارة هذا الخوف الفطري، وأخيرًا، يظهر الأفراد الذين يعانون من فوبيا المرتفعات اختلافات دقيقة في قدرتهم على الحفاظ على توازنهم مقارنةً بأولئك الذين لا يعانون من الفوبيا، حتى عندما لا يتعرضون للمرتفعات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنهم يواجهون صعوبة أكبر في دمج المعلومات الإدراكية من نظامهم البصري، يعتقد الآن أن مجموعة من العوامل تتحد لتسبب فوبيا المرتفعات.

تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى واحد من كل ثلاثة أشخاص يعاني من درجة معينة من “عدم تحمل الارتفاعات البصرية”، حيث يمكن أن يتسبب النظر إلى شيء مرتفع في الخوف من فقدان التوازن والسقوط. إذا بدأ خوفك من المرتفعات في التدخل في حياتك اليومية، مما يعوق الأشياء التي تريد القيام بها، فقد ترغب في محاولة تقليلها، وتعتبر الأساليب السلوكية المعرفية علاجًا فعالًا للعديد من الفوبيات، بما في ذلك فوبيا المرتفعات، وفيما يلي بعض المبادئ العامة التي يمكنك تجربتها بنفسك.

ماذا تفعل؟

تعرف على أعراض القلق وافهمها

الاستجابة للقلق البشري هي جزء طبيعي من الوظائف الصحية، عندما نكتشف تهديدًا ينشط جهازنا العصبي الودي ويبدأ في تجهيز جسمنا للعمل، يُعرف هذا باستجابة الكر أو الفر fight-or-flight response، ويعمل على حمايتنا. تنشأ العديد من أعراض القلق غير السارة لأن جسمنا يحاول ضخ المزيد من الدم نحو عضلاتنا، لإعدادنا للكر أو الفر، على سبيل المثال، ينبض قلبنا بشكل أسرع ونتنفس بسرعة أكبر للحصول على المزيد من الأكسجين لعضلاتنا، ويجف فمنا ونشعر بـ “الفراشات” في معدتنا حيث يتم تحويل الطاقة والدم بعيدًا عن هذه المناطق نحو عضلاتنا.

الوعي المفرط وسوء تفسير هذه الأحاسيس الجسدية مشكلة شائعة في العديد من اضطرابات القلق، بما في ذلك الرهاب. في حالة رهاب الأماكن المرتفعة، على سبيل المثال، قد يعتقد الشخص الذي يشعر بالغثيان والدوار عند الارتفاع أن هذه علامات على سقوط كارثي وشيك، يمكن أن يزيد ذلك من القلق؛ لأن الخوف من السقوط سيجعل الأعراض الجسدية أسوأ على الأرجح.

لتجنب سوء التفسير ولمساعدتك على تحمل القلق، حاول أن تتعرف على الأعراض الجسدية للقلق، سيساعدك ذلك على رؤية أعراضك على حقيقتها: لا شيء سوى استجابة جسمك الطبيعية للقتال أو الهروب، وعلى الرغم من أننا لا نستطيع ببساطة اتخاذ قرار بإيقاف هذا النظام، إلا أن استجابة القلق لا تدوم إلى الأبد، تذكر: القلق سيمر دائمًا.

قم بزيادة تحملك لهذه الأعراض تدريجيًّا حول الارتفاعات

يستخدم العلاج عبر التعرض التدريجي الطبيعة المؤقتة للقلق، مما يساعدك على تحمل واستيعاب استجابة جسمك للقلق. الفكرة هي تعريض نفسك تدريجيًّا للأشياء التي تخشاها، بدءًا من الأمور الصغيرة ثم الصعود تدريجيًّا إلى المواقف الأكثر صعوبة، تتدرب على كل خطوة حتى يتلاشى قلقك، وهذا يساعدك على تكوين ذكريات جديدة لتجربة الشيء أو الموقف المخيف دون الشعور بالقلق. مع الممارسة وزيادة الثقة، تعيد تشكيل ارتباطك بين المنبه والخوف في ذهنك، مع مرور الوقت يبدأ السيناريو الذي كان يخيفك في إثارة قلق أقل.

للبدء، قم بإعداد قائمة بالمواقف التي تثير رهابك ورتبها من الأقل إثارة للقلق إلى الأكثر، بالنسبة إلى الخطوات الأسهل، يمكنك البدء بالنظر إلى صور للارتفاعات، أو إنشاء صور ذهنية للارتفاعات، المهم هو البدء بأشياء تثير مستوى صغيرًا لكن يمكن تحمله من القلق، يمكنك بعد ذلك الانتقال إلى الوقوف بالقرب من الارتفاعات (مثل السلالم المتحركة في مركز التسوق)، ثم استخدام السلالم المتحركة فعليًّا، ثم زيارة مبنى طويل.

جرب أسهل موقف اخترته، وابقَ في هذا الموقف حتى يتلاشى قلقك وتشعر براحة أكبر، حاول التركيز على ميزات الموقف أو الصورة، والانخراط مع المحيط بدلًا من التركيز على قلقك، على سبيل المثال، إذا كنت تقف أمام مبنًى طويل، كم طابقًا يحتوي؟ ما هي الألوان التي تراها وما ملمسه؟ تذكر أن أي إحساسات جسدية هي مجرد استجابة طبيعية للجسم ولا تعني بالضرورة أنك في خطر. لكل خطوة، قد تجد من المفيد تقييم قلقك من 10 في الدقيقة الأولى، وملاحظة كيف ينخفض التقييم مع مرور الوقت، تدرب على هذا عدة مرات حتى يقل قلقك لتلك الحالة المعينة، ويمكنك بعد ذلك تجربة الخطوة التالية في قائمتك. ممارسة تمارين الاسترخاء قبل وأثناء وبعد التعرض يمكن أن تكون مفيدة، على سبيل المثال، حاول استخدام اليقظة أو عد أنفاسك، ويمكن العثور على المزيد من المعلومات حول هذه الأمور في قسم الموارد.

سيختلف كل فرد في السيناريوهات الدقيقة التي يجدها الأكثر تحديًا، ومدى سرعة تحركه بين الخطوات، حاول اتخاذ خطوات صغيرة تكون تحديًا لكنها قابلة للتحقيق، خذ وقتك: مغادرة الموقف قبل أن تهدئ قلقك قد تكون غير مفيدة لأنك ستستمر في ربط ذلك الموقف بالخوف.

بالنسبة إلى الكثير من الأشخاص الذين يعانون من الخوف من المرتفعات، يمكنك محاولة تطبيق هذه المبادئ بنفسك أو بمساعدة صديق، ومع ذلك، إذا كان هذا صعبًا جدًّا أو كان خوفك شديدًا بشكل خاص، يجب أن تحاول تطبيق هذه المبادئ فقط بدعم من معالج مدرب.

تفهّم ثم تحدَّ معتقداتك حول المرتفعات

بينما يركز علاج التعرض على تقليل مشاعر القلق، تركز تمارين العلاج المعرفي على معتقدات الشخص حول المرتفعات، يعتقد الكثير من الأشخاص الذين يعانون من فوبيا المرتفعات أن شيئًا سيئًا سيحدث عندما يكونون في مكان مرتفع. على سبيل المثال، قد تخشى أن تسقط، أو أن ينهار الهيكل، أو أنك قد تلقي بنفسك، في العلاج المعرفي، الهدف هو مساعدتك على التعلم أنك أكثر أمانًا مما تعتقد، وأن النتيجة التي تخشاها من المرتفعات لن تحدث بالفعل.

اسأل نفسك بعض الأسئلة: ماذا تعتقد أنه قد يحدث عندما تعرض نفسك لخوفك؟ ما مدى احتمالية حدوث ذلك (على مقياس من 1-10)؟ ما ستكون نتيجة حدوثه؟ على سبيل المثال، قد تعتقد أنه إذا صعدت مبنًى طويلًا فإن الهيكل سينهار: تشعر بأن هذا سيحدث بالتأكيد، وأنك ستتعرض لإصابة خطيرة عندما يحدث ذلك. بمجرد أن تجيب عن الأسئلة أعلاه حول احتمال تحقق مخاوفك، يمكنك تجربة بعض “التجارب السلوكية”؛ هذا نوع من أنشطة التعرض حيث تختبر معتقداتك. في المثال أعلاه، يمكنك اختبار تجربة سلوكية حيث تصعد إلى مكان مرتفع وترى ما يحدث: هل يبدو الهيكل غير مستقر بالفعل، أم أنك تسقط بالفعل؟ مرة أخرى، يمكنك أن تبدأ بتجارب صغيرة مستخدمًا تمارين الاسترخاء لمساعدتك، الفكرة هي أنه بمجرد اختبار مخاوفك، سترى أن الأسوأ لا يحدث بالفعل، أو إذا حدث شيء صعب فإنه ليس سيئًا كما كنت تخشى.

حاول اكتشاف “سلوكيات الأمان” التي تستخدمها

خلال هذه التجارب، قد ترغب أيضًا في تحديد أي سلوكيات أمان تلجأ إليها، هذه هي السلوكيات التي نستخدمها لأننا نعتقد أنها تساعد في إبقائنا آمنين، السلوك الأكثر شيوعًا هو التجنب: ببساطة عدم الذهاب إلى أي مكان يتطلب أن تكون في مكان مرتفع، أمثلة أكثر دقة تشمل إغلاق عينيك، عدم النظر للأسفل أو عبر الحواف، التمسك بشيء بإحكام، أو تركيز انتباهك على تكرار عبارة معينة، في حين أن هذه السلوكيات قد تكون مفيدة على المدى القصير -على سبيل المثال، التمسك بإحكام بالسور يجعلنا نشعر بالاستقرار- فإن مثل هذه السلوكيات تعمل في الواقع كحواجز تمنعنا من التفاعل الحقيقي مع الارتفاع، ونتيجة لذلك، لن نتمكن من التعلم أننا في الواقع آمنون وقادرون على التكيف دونها. التمسك بالسور -على سبيل المثال- يعني أننا لا نتعلم أننا نستطيع الوقوف بمفردنا دون السقوط، وبالتالي يستمر قلقنا. حاول تحديد الدفاعات التي تستخدمها، ثم كرر التجارب السلوكية دون استخدامها، من المهم أن نلاحظ أن سلوكيات السلامة تختلف كثيرًا عن آليات التأقلم المفيدة، فالأولى تعيقنا عن التعلم أننا آمنون دونها، بينما آليات التأقلم التكيفية (مثل تمارين الاسترخاء) تساعدنا ببساطة على مواجهة الوضع الصعب وتحمل قلقنا.

بعد كل تجربة سلوكية فكر فيما تعلمته، قد تكون الأسئلة التالية مفيدة: ماذا حدث؟ هل حدث أي من مخاوفك المتوقعة التي كتبتها مسبقًا؟ ماذا حدث بدلًا من ذلك؟ ما الذي دار في ذهنك؟ وهل كان ذلك دقيقًا؟ ماذا حدث عندما استخدمت أو لم تستخدم دفاعاتك؟ ماذا يمكنك أن تتعلم من هذه التجربة؟ ماذا يعني ذلك للمستقبل؟

كما هو الحال مع تمرين التعرض التدريجي، يمكن محاولة تنفيذ هذه التمارين بمفردك أو بدعم من صديق، ومع ذلك إذا كان خوفك شديدًا أو كنت تواجه صعوبة في تحديد معتقداتك حول المرتفعات أو الدفاعات التي تستخدمها، فإن الحصول على دعم معالج مدرب يُوصى به.

النقاط الرئيسية – كيفية التغلب على الخوف من المرتفعات

  1. التعرف على أعراض القلق وفهمها: سيساعدك فهم استجابة الجسم للقتال أو الهروب على التعرف على -وتحمُّل- الأحاسيس الجسدية غير المريحة التي قد تواجهها عندما تكون في مكان مرتفع، ويمنعك من تفسيرها بشكل خاطئ كشيء خطير.
  2. قم ببناء تحمّلك تدريجيًّا لهذه الأعراض حول المرتفعات: سيسمح لك التعرض التدريجي لمخاوفك بتعلم أنك أكثر أمانًا مما تدرك، قم بإعداد قائمة بالمواقف التي تثير رهاب المرتفعات لديك ورتبها من الأقل إلى الأكثر إثارة للقلق، مثل الوقوف بالقرب من السلم المتحرك إلى زيارة مبنى مرتفع، جربها واحدة تلو الأخرى، مستخدمًا تمارين الاسترخاء قبل التعرض وأثناءه وبعده لمساعدتك على البقاء في الوضع حتى يزول قلقك.
  3. تفهم ثم تحدَّ معتقداتك حول المرتفعات: يمكن أن تكون بعض المعتقدات تغذي خوفك، مثل أن المبنى من المحتمل أن ينهار أو أنك من المحتمل أن تسقط، اقضِ وقتًا في تحديد هذه المعتقدات ثم تحداها تدريجيًّا من خلال التجارب السلوكية، مثل الذهاب إلى أماكن مرتفعة ومراقبة ما يحدث.
  4. حاول تحديد “سلوكيات الأمان” التي تستخدمها: هذه هي السلوكيات التي تعتقد أنها ستحافظ على سلامتك -مثل التمسك بالسكك أو إغلاق عينيك عندما تكون بالقرب من المرتفعات- ولكنها تحافظ على قلقك على المدى الطويل، حاول تعريض نفسك تدريجيًّا للأماكن المرتفعة دون استخدام هذه الدفاعات.

تعلم المزيد

ذات مرة شاهدت فتاة تقف أمام لوح خشبي ضيق معلق فوق هاوية كبيرة، وقبل أن تبدأ في التقدم نحوه، رأيت يديها ترتجفان وجسدها يمسكه الرعب، وهي تصارع رغبتها في التغلب على خوفها عن طريق التقدم خطوة للأمام، ولكن أيضًا الهروب، وكل هذا حدث داخل حدود غرفة صغيرة مغطاة بالسجاد في جامعة أكسفورد، حيث كان اللوح والهاوية مجرد محاكاة تُرى من خلال سماعة رأس للواقع الافتراضي (VR).

الواقع الافتراضي هو بيئة تفاعلية وغامرة تُنتج بوساطة الكمبيوتر، إنه يخلق إحساسًا بأنك بالفعل في مواقف حقيقية، وهو أداة مثالية لعلاج الفوبيا. يسمح الواقع الافتراضي للأفراد بالتدرب مرارًا على كيفية الشعور بالثقة في المواقف التي يجدونها صعبة، ويمكن تخصيص المواقف المحاكاة وتصنيفها حسب الصعوبة. أثناء اختبارها، يمكن للأفراد تلقي التوجيه والتشجيع من مدرب افتراضي آلي موجود في بيئة الواقع الافتراضي معهم.

يُسهِّل الواقع الافتراضي على الناس الانخراط في العلاج، خاصة العلاج السلوكي المعرفي، لأنَّه سيكون من الأسهل تجربة الأشياء التي نجدها صعبة عندما نعلم أنَّها مجرد محاكاة، ولكن الأهم من ذلك، إنَّ الأفراد يستجيبون في الواقع الافتراضي بالطريقة نفسها -نفسيًّا وعاطفيًّا وفسيولوجيًّا- كما يفعلون في بيئات العالم الحقيقي المقابلة، هذا الجمع بين معرفة أنَّنا في أمان، والشعور بأنَّ المحاكاة حقيقية، يجعل الواقع الافتراضي أداة قوية، وأي تعلم يحدث في الواقع الافتراضي يبدو أنه ينتقل إلى العالم الحقيقي، وقد تبيَّن أن علاجات الواقع الافتراضي لاضطرابات القلق (بما في ذلك الفوبيا) فعَّالة على الأقل مثل علاجات التعرض في الحياة الواقعية.

كنت أحد الباحثين الذين اختبروا مؤخرًا فعالية العلاج بالواقع الافتراضي لفوبيا المرتفعات، في الدراسة، تم تخصيص 100 مشارك تم تشخيصهم بالخوف من المرتفعات عشوائيًّا لتلقي العلاج بالواقع الافتراضي (تم تسليمه في ست جلسات لمدة 30 دقيقة على مدار فترة أسبوعين) أو لعدم تلقي أي علاج. في العلاج بالواقع الافتراضي، قامت شخصية افتراضية مؤتمتة تدعى نيك بتوجيه الأفراد لتجربة مهام مختلفة، مثل النظر من فوق شرفة أو مساعدة قطة على النزول من شجرة، خلال المهام شجع نيك المشاركين على اختبار معتقداتهم حول المرتفعات ومحاولة التخلي عن سلوكيات الدفاع الخاصة بهم.

أولئك الذين تلقوا العلاج بالواقع الافتراضي شهدوا انخفاضات كبيرة في خوفهم من المرتفعات، مقارنة بأولئك الذين لم يتلقوا أي تدخل، تم الحفاظ على هذه الفوائد عندما تم اختبار المشاركين مرة أخرى بعد أربعة أسابيع من نهاية العلاج. في المملكة المتحدة حيث أعمل، يتوفر العلاج بالواقع الافتراضي لفوبيا المرتفعات الآن في بعض خدمات NHS، وقد يصبح متاحًا في دول أخرى في المستقبل القريب.

في نهاية الدراسة، سألنا المشاركين عن رأيهم في العلاج، وهنا بعض ما قالوه:

“بالتأكيد دفعني إلى حدود ما كنت أعتقد أنني قادر على تحقيقه، ثم جعلني أتجاوز تلك الحدود”.

“الفرق في قدرتي العقلية على التعامل مع المرتفعات كان مذهلًا”.

“لقد خضعت لثلاث جلسات من الواقع الافتراضي وقد تجاوزت بالفعل كل ما تخيلت أنني أستطيع تحقيقه”.

قد تبدو فكرة محاولة العلاج شاقة، خاصة أن هذا يتطلب مواجهة مخاوفك، ومع ذلك فقد أظهرت العلاجات النفسية للرهاب بشكل متواصل أنها فعالة للغاية وطويلة الأمد، فبمساعدة صديق أو معالج، ومن خلال البدء بخطوات صغيرة، يمكنك أن تفاجئ نفسك بما يمكنك تحقيقه، مواجهة خوفك من المرتفعات يمكن أن يضمن أنك لن تفوت فرصة عمل، ولن تضطر لتقديم أعذار لأطفالك، ولن تُترك خارج أي نشاط ممتع.

روابط وكتب

تطبيق ZeroPhobia هو علاج واقع افتراضي للرهاب من المرتفعات وهو متاح بمقابل مادي، يتطلب هاتفًا ذكيًّا ومشاهد واقع افتراضي.

موقع Psychology Tools هو مصدر موثوق للمساعدة النفسية الذاتية لعامة الناس وكذلك للمعالجين، يوفر الموقع معلومات عن القلق، ونوبات الذعر، والتجارب السلوكية، من بين موضوعات أخرى، الكثير منها متاح مجانًا، على سبيل المثال، يمكنك تنزيل أوراق العمل الخاصة بهم حول مراقبة القلق (حيث يمكنك تسجيل أفكارك حول المرتفعات) وتسلسلات التجنب (حيث يمكنك كتابة قائمة بأنشطة التعرض)، أو اتباع دليلهم خطوة بخطوة للتجارب السلوكية.

يوفر موقع NHS Inform قائمة مجانية بتقنيات التنفس والتصور لتقليل القلق والتوتر، وتطبيق Headspace يقدم للمشتركين تمارين موجهة في اليقظة والتأمل تهدف إلى المساعدة في القلق والتوتر والنوم.

يناقش الفصل الخامس من كتاب “مقدمة قصيرة جدًّا للقلق” (2012م) لدانيال فريمان وجيسون فريمان الفوبيات بشكل خاص، وقد يكون بقية هذا الكتاب الصغير مفيدًا بشكل عام أيضًا.

المصدر

مقالات ذات صلة