ترجمة: إبراهيم الكلثم
دونالد وينيكات البريطاني الذي كان طبيب أطفالٍ (١٨٩٦م-١٩٧١م) أصبح شخصية محورية في التحليل النفسي في منتصف القرن العشرين -بعيدًا عن المدارس السلوكية والمعرفية- ويزعم أن تأثيره الدائم على نظرية العلاج النفسي تأتي ثانيًا بعد نظرية سيغموند فرويد. على الرغم من أنه لم يعارض ظاهريًّا أفكار فرويد الأساسية، إلا أن نظريته التي يمكننا استنباطها من أعماله الغامضة مخالفة جذريًّا لما ورد في نموذج فرويد والنماذج المستخدمة من قبل الطب النفسي الحديث والعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، وهذا هو الجوهر لأفكاره المتفردة، والتي تمتد لأبعد من نظرية العلاج النفسي وممارستها. في الحقيقة، تجربتي في السنوات الأخيرة- العمل في الخطوط الأمامية لما يعتبره الكثير أزمة صحية نفسية- أقنعتني بأن منظور وينيكات في العقل وعناصره بلغت من الأهمية الآن ما لم تبلغه من قبل.
يُعرف إرث وينيكات فيما يخص الموقع المركزي الذي يستمتع به والذي عرف ب “المدرسة المتوسطة” لتحليل النفس البريطاني. يلائم هذا العنوان وينيكات، ليس فقط بسبب مكوثه بين أطراف فرويد الجديدة المتحاربة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة – بين “علم نفس الأنا” والمدارس “الكلاينية” على التوالي- بل بسبب رؤيته للمنطقة التي تقع بين الذات والآخر كمحرك ملائم للحياة العقلية ومكان لتطورها. تحايل وينكيوت بصورة كبيرة في صلب ازدواجية الذات والموضوع في نموذج العقل لفرويد (والذي شارك به علماء علم نفس الأنا والكلاينية) والذي بدوره تبناها، أو على الأقل لمح لها بانتظام على أنها مفهوم موحد أساسي للذات والآخر.
إنه لمن الأساس فهم الفلسفة الأساسية الذي يقوم نموذج فرويد الثنائي عليها لتساعد على فهم أهمية تحول وينيكات من المنظور التقليدي(الأرثوذكسية). أولًا وقبل كل شيء، كمشروع علم، رأى فرويد نفسه عالم نفس تجريبي، وعالم نفس تحليلي. بعد ذلك، كان نموذجه لعلم النفس متجذرًا في فلسفة التجربة الديكارتية، والتي استمرّت لتهيمن على النظرة العلمية العالمية. يتمحور الالتزام الأساسي في هذا النموذج حول كوننا كيانات فردية منفصلة مضادة للعالم الموضوعي وطبيعته المتواجدة بصورة مستقلة ومحايدة عنا. وفقًا لهذا النموذج، أتينا لنجرب ونتعرف على هذا العالم الخارجي عنا من خلال مجموعة من العمليات المحددة داخليًا واستيعاب العقل للبيانات من العالم الخارجي.
تعد العقول في حد ذاتها ضرورية لخوض التجربة، فالتجارب في الأساس هي نتيجة للإدراك، ولا يزال هذا المفهوم حاضرًا في وقتنا الحاضر. على سبيل المثال: في الفكرة القائلة بأننا نعرف عوالم الآخرين الداخلية من خلال نظريتنا لعقولهم، ويتابع هذا المفهوم أيضًا في الأساس المفاهيمي للعلاج السلوكي المعرفي (CBT)، والذي يفهم تجاربنا في العالم وعلاقاتنا التي تحدد بدرجة كبيرة عن طريق كيفية تلقينا بصورة مستقلة لهذه الأشياء واستيعابها.
جسد فرويد هذا النموذج الأساسي فيما يتعلق بعلم وظائف الأعضاء السائد في وقته، ولقد صور طبيعتنا الأساسية كذات تحتوي على طاقة كبيرة، ولدت في نوع من أنواع النرجسية الانطوائية (ID). وبناءً على نموذج فرويد، فإن تطور العقل(الذات) كان نتيجة لتصادم الواقع بين التعبيرات الخارجية لهذا الطاقة (الدوافع) وتجاوب العالم لها. كانت التطورات النفسية فعلًا ذاتيًا إبداعيًا تشكل من خلال العالم الخارجي فيما يختص بالتكيف اللازم. يرى فرويد دور الآخرين مقتصرًا على الحكم الخارجي ومنفذًا لقوانين ولوائح السلوك. بصرف النظر عن المبالغة في التبسيط، إلا أن الصورة الأساسية للعقل بعدّها نوعًا من أنواع النتائج الداخلية، مسؤولة عن الاجتياز الإدراكيّ للفجوة بين الذات والموضوع، كما لو أنها تتصرف كوسيط بين مجالين متميزين.
رأى فرويد والمدارس التي تتبعه أن أي استمرارية واضحة للذات وللآخرين- تجربة متعارف عليها على حد سواء بين الرضيع، “وأصحاب الذهان” و”المرضى المنتكسين”- وهمًا نرجسيًا يجب مجابهته. لكن وينيكات غير مفهوم هذه الصورة -وذلك باعتبار استمرارية الذات والآخرين- وفكر فيه كأمر أساسي.
وعلى الحد الأساسي لكياننا، يؤمن وينيكات بأن العقول المنفصلة تفسح المجال للوحدات التجريبية التي تخضع مع الذوات ذات العقول، تنبثق من نطاقنا في العلاقات الشخصية، والتي أفضل أن أطلق عليها “المصفوفة النفسية الاجتماعية”.
ولهذا، فبعيدًا عن كوننا كيانات منغلقة ومنفصلة تمكنت بطريقة أو بأخرى اكتشاف الآخر خارجيًا، وبناءً على وينيكات؛ فإننا مقبلون بالكامل على تواصلنا المباشر مع الآخر.
عبر وينيكات عن هذه الفكرة بصورة مبهمة عندما قال: “لا وجود لما نصفه بطفل، إذا بدأت بوصف طفل، ستجد نفسك تصف طفلًا وشخصًا آخر.” تعد وجهة نظره مرتبطة كثيرًا بفهم تجربة الطفل مع والديه، لكنها الجوهر في كل التجارب، على الرغم من عدم رؤيتنا لها على هذا النحو عادةً. تعد تجارب العالم والآخرين هي المعطى الأساسي، وأن العقول – بدلًا من تجاوزها الانفصال القائم- لحد ما، مسؤولة عن خلق تلك التجربة. وبصورة فعالة، هذا هو النموذج الثنائي المقابل لفرويد.
ونتيجةً لذلك، كان منظور وينيكات في علم نفس الأمراض مختلفًا لحد كبير عن منظور فرويد. فمفهوم فرويد في علم نفس الأمراض من حيث الصراعات بين الدوافع الداخلية والمتطلبات الخارجية للعالم يقوم على: أن ما يجري بصورة غير صحيحة هو شيء داخلي للفرد ناجمٌ عن العالم الخارجي. لا تزال هذه الفكرة الأساسية حية في التفكير النفسي الاختزالي وفي العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والتي تتبع النموذج الثنائي السائد، وتحدد أيضًا المشكلة بداخل العقل/الدماغ.
وعلى النقيض، فمفهوم وينيكات في الأمراض النفسية يقوم بصورة أساسية من حيث علاقة الصدمة أو القصور بالمجال العلائقي [والذي يعد دافع النفس الأساسي فيها قائمًا على تكوين علاقات مع الآخرين] والتي تتبع بدورها فهم وينيكات الشخصي في الحالة النفسية. والأهم من ذلك، ما يجري بصورة غير صحيحة لا يمكن تحديده في الفرد بذاته، لكن تحدده الوحدات التجريبية القائمة على ما كان عليه الفرد وما كان مشتركًا فيه (بما في ذلك البيئة الاجتماعية والثقافية التي أوجدوها بأنفسهم).
لدى وينيكات مفهوم مختلف بشكل لافت للنظر لعامل التغير النفسي، فنموذج علاجه النفسي كان تنمويًا؛ والذي يعتقد أن العلاقة العلاجية والعلاقة بين الآباء والأبناء متماثلة. لذلك، كما رأى وينيكوت أن تطور الطفل مربوط جذريًّا في العلاقة الغرائزية المباشرة مع الأم في الوحدة التجريبية، فالتغير العلاجي النفسي بالنسبة إلى وينيكات يتمحور حول العلاقة بين العميل والطبيب المعالج. وصور ذلك مؤخرًا على أن علم النفس تحول من “شخص واحد” إلى “شخصين”.
وحيثما كان فرويد مركزًا على الأنشطة العقلانية من الخارج، أفسح ذلك المجال لوينيكات في رحلة إبداعية مشتركة حدثت في المنتصف، والتي كانت تتمحور عن: من هو، وماذا فعل، أكثر من تمحورها حول ماذا قال أو فكر. في كتابه اللعب والواقع (١٩٧١م)، سمى وينيكات الموقع لهذه التجربة بـ “المساحة الانتقالية”، مشيرًا لديناميكيتها، وعدم وضوح جوهرها، ولطبيعتها كمكان يجد فيه الفرد نفسه، وقال: إنها مكان صنعناه جميعًا، وذلك انعكس علينا وصنعنا- وهي مناقضة تحتم علينا قبولها وعدم المحاولة في حلها- حيث تستبدل الاحتمالات غير المصاغة محل الهويات المثبتة، وتكون التجربة ضرورة بصورة مشتركة.
قد يبدو ذلك الأمر خفيًا، لكن الأمر متعلق أكثر بقيود في اللغة الحديثة مما كان يصفه وينيكات. في الحقيقة، من المحتمل أن لديك خلفية عن الجودة “الانتقالية” في المزج بين الخيال والواقع في لعب الأطفال وعوالمهم المليئة بالخيال. وبالفعل، كان التحليل النفسي الوينيكوتي يتمحور بهذا المفهوم حول “اللعب”؛ وليس بمعنى المزاح، لكن بمعنى الشعور بالتفاعل الذي يعلق الادعاءات في الهويات الثابتة، والأدوار، وأيضًا التجارب الخاصة المفترضة. وبعدّه هدفًا أساسيًّا في الجلسة العلاجية بالنسبة إلى الطبيب المعالج الذي يتبع نظرية وينيكات، حلت الأفعال العفوية والحقيقية محل التأويلات المنفصلة، وحلت تجربة “الاستمرار بالوجود” التكيف العقلاني للعالم الموضوعي.
ربما يتضح اختلاف وينيكات عن ثنائية الذات والموضوع بشكل جلي عن طريق قناعته الراسخة باستحالة استخراج أنفسنا من هذا النطاق الانتقالي واختلاط الذات والموضوع فيه، ناهيك عن عدم رغبتنا بذلك. يوجد افتراض أساسي لدى فرويد، وأطباء النفس الاختزالي، وأيضًا أطباء العلاج السلوكي المعرفي (CBT) على حد سواء، ومفاده أن الحالات الموضوعية في العالم المستقل هي الحقيقة الأساسية للتجربة. وبالفعل، فإن النموذج تتغير حالته، فيرتفع تارة وينخفض تارةً أخرى بناء على دقة الصورة.
مع ذلك، لدى وينيكات رؤية مختلفة تمامًا، فقد كتب عن الثقافة- آثارها وفاعليتها- كامتداد لظاهرة الانتقال للطفولة المتأصلة التي حدثت أولًا في دمج الأطفال مع والديهم. اعتقد وينيكات أن العوالم التي نعيش ونأخذها مأخذ التسليم هي دائما جزء من صنعنا. والأمر بالنسبة إلى وينيكاتيرجع لتزامن العالم الذي نعيش فيه مع ذواتنا التي تشعر أنها حية، ومغرية، وقابلة للتجربة النفسية أولًا، عوضًا عن كونها هياكل باردة ودقيقة، كالذي تقنعنا به المادية العلمية. على هذا النحو، فإن المفارقة النفسية لدى وينيكات لمفهوم الذات والموضوع هي مفارقة فلسفية في المادية والمثالية.
تكمن وجهات النظر الأساسية هذه في قلب ما يعرف في اللغة الحديثة العلاج النفسي العلائقي العميق والبين ذاتي، مع ذلك؛ لدى انقلاب وينيكات في نموذج الديكارتي التجريبي أبعاد أكبر لكيفية فهمنا ونهجنا مع الصحة النفسية عمومًا.
تعد الثنائية في المادية العلمية وعلوم النفس التي تركز على الفرد مجالًا يمكننا القول إنه متواطئ في الأضرار النفسية والاجتماعية التي نواجهها الآن. على سبيل المثال: يرجع قدر كبير من الإنكار التاريخيّ لدور الصدمات النفسية والاجتماعية، لتعقبها لنموذج فرويد، والذي يركز بصورة كاملة على العالم الداخلي؛ ونتيجة لذلك، همش نسبيًا التأثير الحقيقي للآخرين والمجتمع.
وجزء من اللوم يقع على الطب النفسي الحديث، والذي يقبل النموذج الفلسفي نفسه بمستوى شرح مختلف. والأمر مشابه للعلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يتبع الفلسفة الخطأ نفسها، والتي تركز على أنماط التفكير المضطربة، والحلول التي تديرها الأفكار العقلانية من الخارج.
باعتبارنا معالجين نفسيين، وجمتمعًا متراحمًا عامة، من الأفضل لنا العودة لنموذج وينيكات، وبطريقة رؤيته للنفس على أنها عنصر شخصي واجتماعي بطبيعتها، وصولًا لتركيزه على الصدمة بين الأفراد، والنقص في معاناتنا المتجذرة، إلى رؤيته العميقة للمنطقة التي تقع بيننا، والتي يجري التركيز عليها. اللجوء لوينكوت من شأنه مساعدتنا على الاستقرار على نموذج يُفسَّر بصورة أفضل للجميع، ويساعد على معالجة جميع المحددات الشخصية والاجتماعية والثقافية الواضحة لمحننا التي نواجهها.
