ترجمة: غيداء العبودي
- ما يبدو بلا “معنى”، لكن في الحقيقة له “معنى”:
يرى إريك فروم أن الأحلام جميعها لها معنى، قد تبدو بعض الأحلام دون معنى، لكن ما أن تتمعن فيها بعناية حتى تجد أنها تحمل معنى عميقًا. على سبيل المثال، شابة تهتم كثيرًا بمسألة تفسير الأحلام، وفي أحد الأيام قالت لزوجها في أثناء الإفطار: حلمتُ ليلة أمس بأني قدمت إليك فراولة عند الإفطار. ضحك زوجها قائلًا: “يبدو أنك نسيتِ أن أكثر ما أكره تناوله هو الفراولة”.
من الواضح أن هذا الحلم له معنى، فقد قدّمت لزوجها شيئًا لا يحب تناوله مع علمها بكرهه له. قد يُوضح هذا الحلم امتلاكها شخصيةً محبطة، تقدم للآخرين ما لا يحبونه دائمًا، وقد يُظهر أيضًا أن هناك صراعًا عميقًا مخفيًّا في زواجهما، سبب هذا الصراع هو شخصيتها، لكنها غير مدركة لذلك، وقد يكون السبب أيضًا هو أن زوجها قد أثار استياءها في اليوم السابق للحلم، مما جعلها ترد عليه بطريقة انتقامية في حلمها للتنفيس عن غضبها واستيائها. إذا لم نفهم هذه المرأة وحالتها الاجتماعية، فلن نتمكن من تحديد هذه التفسيرات بشكل صحيح، ولكن، هناك شيء واحد مؤكد، أنَّ هذا الحلم ليس بلا معنى.
- أحلام إشباع الرغبات المحرمة:
يُمكن تفسير بعض الأحلام من خلال استخدام نظريات سيغموند فرويد، على سبيل المثال، رجل عزب في الثلاثين من عمره، يشعر بالذنب والقلق لسنوات طويلة، حتى إنه غالبًا ما يعاني من خيالات انتحارية، يشعر بالذنب لأن لديه ما يُدعى بنيات سيئة ويتخيل تدمير كل شيء، كما أن لديه رغبة ملحة لقتل الأطفال. يرى في خيالاته بأن الانتحار طريقته الوحيدة ليُخلص العالم من شره ويُكفّر عن ذنبه، إلا أن هذا النوع من الخيالات يتضمن معنى آخر: سيُولد بعد وفاته كشخص مثالي حكيم يتمتع بسلطة عليا، رحيم بالجميع ويحظى باحترامهم.
سبق له أن حلم بالتالي: “تسلقتُ طريقًا جبليًّا جانباه ممتلئان بالجثث، وعند وصولي لقمة الجبل، رأيت والدتي جالسة هناك وفجأة تحولتُ إلى طفل وارتميت في أحضانها”. شعر بالخوف الشديد عندما أفاق من حلمه، لقد كان قلقًا كثيرًا في الحلم ولم يستطع استرجاع بقية مشاهده، حتى إنه عجز عن تذكر ما حدث في اليوم السابق للحلم، ولكن إن أخذنا بعين الاعتبار الأفكار والخيالات التي راودته قبل حلمه، يُصبح معنى الحلم واضحًا.
كان الابن البكر، وله أخ يصغره بسنة، وكان والده صارمًا ومتسلطًا لا يطيقه ولا يطيق أي أحد، لا يعرف إلا التوبيخ، واللوم، والتهديد، والسخرية. كان يخاف من والده كثيرًا، لدرجة أنه كان مصدقًا لحديث والدته: لو لم توقفه بنفسها لقتله والده، فقد شعرت بخيبة الأمل من حياتها الزوجية، ولم تكن مهتمة بأي شيء آخر عدا ابنها البكر، وكانت علاقتها معه وثيقة، دائمًا تقص عليه قصص الأشباح التي تخيفه، بعدها تدّعي بأنها ملاكه الحارس الذي يصلي لأجله، وتريه الطريق، وتمنحه القوة، مؤمنةً بأنه سيتفوق على ذلك الأب المخيف في يومٍ ما.
أظهر استياءه وغيرته عند ولادة أخيه، فقد أحب والده الابن الأصغر بشكل خاص مما جعل غيرته تزداد أكثر وأكثر، لم يكن يعرف السبب الذي جعل والده هكذا، رُبما لأن الابن الأصغر كان يشبه والده، وربُما لأن زوجته دللت الابن البكر بشدة، فقد اعتبرت الابن البكر ابنها، واعتبر الابن الأصغر ابنه. عندما بلغ الابن البكر حوالي أربع أو خمس سنوات، كانت علاقته بأخيه متوترة بشدة، وأصبحت تجسد صراع الوالدين في الأخوين، مصدر الاضطراب العصبي الذي أصاب الحالم فيما بعد. كان يكن مشاعر العداوة لأخيه الصغير وسعى بشدة لإثبات أفضليته عليه. خاف والده كثيرًا، إلا أن رغبته بالتفوق عليه ازدادت يومًا بعد يوم مما جعله يشعر بالذنب وزادت والدته شعوره بالقلق والذنب والعجز. كما ذكرنا سابقًا فقد غرست فيه معلومات مرعبة، حتى إنها عرضت عليه طرقًا مغرية لحل المشكلة: إذا ظل طفلها العزيز للأبد لها لوحدها ولا تهتم بأي شيء آخر، فستقويه ليتفوق على أنداده، كان هذا أساس حلم يقظته الكبير وأساس علاقته الوثيقة التي تربطه بأمه. وفقًا لنظرية فرويد، فإن هذا انتكاس وتراجع في تطور الشخصية؛ أي عدم السماح للذات بالنمو ورفض قبول حقيقة البلوغ للبقاء في حضن الأم الدافئ.
من السهل علينا فهم الحلم بناءً على هذه الخلفية، “تسلقه إلى قمة الجبل” يُعبّر عن رغبته بالتفوق على الجميع وعن الجهد الكبير الذي يبذله لتحقيقه. “جانباه ممتلئان بالجثث” يرمُز إلى رغبته في القضاء على منافسيه جميعهم، فلن يشعر بالأمان إلا إذا مات أولئك الأشخاص بسبب شعوره بعدم الكفاءة. “عند وصوله إلى قمة الجبل”، أي عند تحقيقه هدفه، “رأى والدته جالسة هناك وفجأة تحول إلى طفل وارتمى إلى أحضانها”. أي التمّ شمله بوالدته مجددًا وتحول إلى طفلها العزيز، ورضي بأن تكون ملجأه، ولم يعد لأعدائه وجود، ولم يبقَ سواهما معًا. إلا أنه شعر بالخوف الشديد عندما أفاق من حلمه لأن إشباع هذه الرغبة غير عقلاني، وتهديد للشخصية العقلانية الناضجة. إن ثمن إشباع هذا النوع من الرغبات الطفولية هو البقاء كطفل رضيع للأبد، والاتكال على الأم دون القدرة على التفكير بنفسك، ودون القدرة على حب الآخرين، وإشباع هذه الرغبة يُعدّ أمرًا مرعبًا.
- أحلام إشباع رغبة السلطة:
حكى محامٍ في الثامنة والعشرين من العمر في إحدى المرات عن حلمه: “حلمت بأنني أمتطي حصانَ حربٍ أبيض، وأتفقد جحافل الجنود الذين كانوا يهتفون لي بحماسة”. سأله المحلل (المعالج النفسي): “ماذا تعتقد بمعنى هذا؟” أجابه:” لا شيء! تعلم كم أكره الحرب والجنود ولا أرغب بأن أكون جنرالًا إطلاقا، وأكره أن أكون محور أنظار الجميع، ناهيك تحت أنظار وهتافات الآلاف من الجنود”. ردّ عليه المحلل: “هذا صحيح، إلا أنّ هذا لا ينفي حقيقة أنه حلمك. بغض النظر عن التناقضات كلها، بالتأكيد أن لهذا الحلم معنى. لنبدأ بربط تفاصيل هذا الحلم، ركز على مشاهد الحلم: أنت، الخيل الحربي الأبيض، وهتافات الجنود. هل لك أن تخبرني ما الذي كنت تفكر به عند رؤيتك لتلك المشاهد؟”.
ـ “فكرتُ بأن ذلك مُثير للاهتمام، فقد رأيت رسمة أحببتها كثيرًا حين كنتُ في الرابعة أو الخامسة عشرة من عُمري، كانت لنابليون مُمتطيًا حصان حرب أبيض أيضًا يعدو أمام جيشه، تُشبه كثيرًا ما رأيته في حلمي”.
“إنها بالفعل ذكرى شائقة، عليك أن تخبرني المزيد عن حبك لتلك الرسمة واهتمامك بنابليون.”.
ـ “بإمكاني إخبارك الكثير عن ذلك، لكنني مُحرج. في الرابعة أو الخامسة عشرة من عمري كنتُ صبيًّا خجولًا، ولم تكن صحتي بأفضل حال، وخشيتُ أولئك الأطفال المشاكسين الأقوياء. أوه! تذكرت شيئًا: في تلك الفترة أعجبت بطفلٍ قوي وتمنيت أن أكون صديقه، كما تمنيت أن يحبني، على الرغم من أننا قليلًا ما تحدثنا. في أحد الأيام استجمعت شجاعتي واقتربت منه وسألته إن كان يرغب في زيارتي في المنزل لرؤية العديد من الأشياء المُثيرة للاهتمام من خلال مجهري. حدّق فيّ للحظة ثم انفجر فجأة ضاحكًا وقال: لماذا لا تدعو أبناء أختك أيها الأحمق؟”، غادرتُ وعيناي ممتلئتان بالدموع، مُنذ ذلك الوقت بدأت أقرأ كُتبًا عن نابليون بشغف وأجمع صوره، مُنغمسًا في أحلام اليقظة، أتخيل أنه بمقدوري أن أصبح مثل نابليون ليحترمني العالم أجمع. ألم يكن صغير الحجم؟ ألم يكن ذات يومٍ شابًّا خجولًا؟ ما الذي يمنعني بأن أصبح مثله؟ قضيتُ الكثير من الوقت منغمسًا في أحلام اليقظة، نادرًا ما أفكر في طرق معينة لتحقيق أهدافي، دائمًا أتخيل نفسي مشهورًا وناجحًا: “أنا نابليون الذي يحترمه ويحسُده الجميع، شهمٌ أسامح من افترى علي. تخطيتُ تبجيل الأبطال وأحلام اليقظة المتعلقة بنابليون بعد التحاقي بالجامعة. في الحقيقة مرّت العديد من السنوات مُنذ تفكيري بتلك الفترة، ولم أذكر ذلك لأحد من قبل قط؛ حتى وأنا أخبرك الآن، لا يزال الأمر يحرجني.”.
ـ “لقد نسيتَ ذلك، لكن النسخة الأخرى منك، التي تحدد العديد من أفعالك ومشاعرك، والنسخة التي تكون مخفيةً جيدًا خلال النهار، ما زالت تتمنى أن يحترمك الآخرون وترغب في الحصول على السلطة. تحدثت تلك النسخة في حلمك ليلة البارحة، ولنفهم لماذا حلمت بتلك الأمور، هل لك أن تخبرني عن أي أحداث مهمة حدثت لك ليلة البارحة؟”.
ـ “لم يحدث أي شيء، كان يومًا عاديًّا كأي أي يوم آخر، ذهبت إلى المكتب، جمعت بعض الوثائق القانونية المتعلقة بالدعوى القضائية، عدت إلى منزلي وتناولت العشاء بعدها ذهبت للسينما لمشاهدة فيلم، ثم عدتُ إلى المنزل ونمت”.
“لا يُفسر هذا لماذا كنتُ مُمتطيًا حصانًا أبيضَ في المساء، أخبرني بمزيد من التفاصيل من فضلك، على سبيل المثال ما حدث لك عندما كنتُ في المكتب.”.
ـ “أوه، تذكرتُ أمرًا، لكن من المستحيل أن يكون لذلك أي علاقة بالحلم، عندما كنت في العمل ذهبتُ لمقابلة رئيسي والذي يُعد مسهمًا كبيرًا في شركة المحاماة. جمعتُ وثائق قانونية له واكتشفتُ خطأً، حدق بي وقال بنبرة قاسية: “أنا متفاجئ كثيرًا، اعتقدت أنك تستطيع أداء عمل أفضل من هذا”. صُدمت حينها بينما خطرت في بالي فكرة: سيطردني! لا أُريد أن أُطرد، أخبرتُ نفسي بأنها أفكار سخيفة لا أكثر، الجميع يرتكب أخطاء، إنه غاضب فحسب ولن تؤثر هذه الحادثة في مستقبلي، كنتُ قد نسيت الأمر بعد ظهر ذلك اليوم”.
“كيف كان شعورك بعد ذلك؟ هل شعرت بقليل من الضيق أو الإحباط؟”.
ـ “لا، على الإطلاق، شعرت بالتعب والنعاس وأن العمل مرهق للغاية، لكن ما إن حان وقت الذهاب إلى المنزل، شعرت بالسعادة.”.
“إذن، آخر حدث مهم في ذلك اليوم هو ذهابك إلى السينما، هل لك أن تُخبرني ما الفيلم؟”.
ـ “بالتأكيد، اسم الفلم خواريز (Juarez) وقد استمعت بمشاهدته كثيرًا، ولأكون صريحًا لقد بكيت.”.
“لماذا بكيت؟”.
ـ “بدأت البكاء بسبب ألم وفقر خواريز، ثم تأثرًا بانتصاره، لم يسبق لي أن شاهدت فيلمًا أثر بي لهذه الدرجة من قبل.”.
“ثم ذهبت إلى فراشك ونمت، وحلمتَ بأنك تمتطي حصانَ حربٍ أبيض، بينما يهتف الجنود لك. بإمكاننا الآن أن نعرف بوضوح سبب حلمك بهذا الحلم، فقد كنت طفلا خجولًا ومتحفظًا ليس له شعبية، بناءً على تجاربنا السريرية فهذا يرجع بنسبة كبيرة لتأثير والدك، فقد كان فخورًا بنجاحاته، لكنه يفتقر للقرب منك وتشجيعك، جُرح احترامك لذاتك منذ زمن بعيد، وأما ما ذكرته عن رفض ذلك الطفل القوي لك، والذي يُعد جزءًا زاد من جرح احترامك لذاتك سوءًا، وزاد اقتناعك بأنك لن تستطيع أن تصل إلى ما وصل إليه والدك من إنجازات أبدًا، وستُرفض دائمًا من الأشخاص الذين تعجب بهم ولن تعني شيئًا، فما الذي يمكنك فعله؟ لا حل لديك إلا الهروب لعالم الخيال وتخيُّل أنك قادر على تحقيق الإنجازات، التي لا يمُكن تحقيقها في الحياة الواقعية. لا يُمكن لأحد دخول عالم الخيال ذاك، ولا يُمكن لأحد أن يُنكر بأنك البطل العظيم نابليون الذي يحترمه ويحظى بإعجابه الملايين من الناس. الأهم من ذلك هو أن تحظى بإعجاب واحترام نفسك أيضًا. ما دمتَ تحتفظ بهذه الخيالات فستتمكن من تجنب الألم الناتج عن الشعور بالنقص عندما تتصادم مع الواقع. عندما التحقت بالجامعة لاحقًا وبدأت بالاعتماد على والدك بشكل أقل، أصبحت راضيًا عن دراستك، وشعرت بأنه يمكنك البدء من جديد، بالإضافة إلى أنك شعرت بالحرج من أحلامك في مرحلة المراهقة، لذلك لم تعد تحلم، مُعتقدًا بأنك في طريقك لتصبح رجلًا شهمًا. مع ذلك، هذه الثقة الجديدة تتضمن خداع الذات، فترتعب قبل كل امتحان، تشعر بأنه طالما أن هناك رجالًا آخرين في العالم، فلن تُعجب بك أي فتاة بصدق، ودائمًا تخاف من انتقاد رئيسك. حدث ما كنت تبذل جهدك لتجنبه مرة أخرى في اليوم الذي حلمت فيه؛ وبّخك رئيسك، مما أعاد إليك شعورك بالدونية مرة أخرى، لكنك تجاهلت ذلك، لم تشعر بالضيق أو الإحباط، بل شعرت بالإنهاك والنعاس، ثم ذهبت إلى السينما لمشاهدة فيلم لامس أحلام مراهقتك، كان بطل الشاشة شابًّا احتقره الناس ثم أصبح في النهاية بطلًا قوميًّا يُشيدون به. تعتبر نفسك البطل الذي يحظى بإعجاب الآخرين وهتافاتهم، كأحلام اليقظة التي حلمت بها في مراهقتك. يدل ذلك على أنك لم تتخلَّ عن اللجوء إلى أوهام المجد بحثًا عن المواساة، وأنك لم تحرق الجسر الذي يعيدك إلى عالم الخيال، بل على العكس من ذلك، فإنك تعود إلى عالم الخيال كلما شعرت بخيبة الأمل والخوف في الواقع.”.
يرى فروم بأن هذا الحلم بسيط جدًّا؛ فهو يجسد إشباع رغبة الحالم غير المنطقية في اكتساب الشهرة والسمعة، وتتشكل هذه الرغبة كرد فعل على الضربة القاسية التي تعرضت لها ثقة الحالم بنفسه. لا يهتم بالشؤون العسكرية، ولمَّا يبذل أي جهد ليصبح جنرالًا البتَّة. تلك المشاهد في الحلم ما هي إلا رموز، مجرد امتدادات لأحلام يقظته. الرموز الموجودة في هذا الحلم هي رموز شائعة؛ امتطاؤه حصانًا أبيض وهتافات الجنود له، والتي ترمز عمومًا إلى المجد والسلطة والإعجاب. يمكننا أن نفهم بشكل أفضل معنى هذه الرموز ووظيفتها النفسية من خلال ارتباطها بتقديسه لنابليون، لو لم تكن هذه الدلالات موجودة، فلن يسعنا إلا أن نقول إن لديه رغبة في الشهرة والسلطة، لكن لارتباطها بهوسه بنابليون وتعرضه للإهانة في السابق، نفهم أن هذا الجزء من الحلم هو إعادة ظهور أوهامه السابقة لتعويض عن شعوره بالفشل والعجز.
من خلال التفسير السابق، يمكننا أن نكتشف كيف تنسج الأحلام العديد من الخيوط المختلفة لخلق مشهد واحد بنجاح. جمع هذا الحلم الماضي والحاضر، الشخصية والحياة المهنية معًا في صورة واحدة، تخبرنا بالكثير عن حياة الحالم الداخلية، بما في ذلك دوافعه والمخاطر التي يجب عليه أن يكون على دراية بها والأهداف التي يسعى لتحقيقها.
- الكوابيس
وفقًا لفرويد، تُعد الكوابيس والأحلام المُقلقة أيضًا إشباعًا للرغبات غير العقلانية. قد لا يكون هذا منطقيًّا؛ فلو حلمت بأني ذهبت إلى جهنم وشعرت بالخوف، ثم استيقظت مفزوعًا، فكيف يُمكن لهذا الكابوس أن يكون إشباعًا لرغبة ما؟ من المنطقي أن يؤدي إشباع الرغبات إلى السعادة.
الحقيقة هي أن بعض رغبات البشرية مشوهة، ولا يقتصر إشباعها على السعادة فحسب، بل على القلق كذلك، وغالبًا ما تكون هذه الرغبات ناتجة عن القلق ويؤدي إشباعها إلى القلق كذلك. على سبيل المثال، الرغبة أحيانًا في الحصول على شيء ما، مع العلم بأن الحصول عليه سيُعرضك للكراهية والعقاب وتأنيب الضمير من المجتمع، لكنك لا تزال ترغب في إشباع تلك الرغبة، ونتيجة ذلك هي القلق. للكوابيس التأثير نفسه؛ فقد نُعاقب على خطايانا (في الأحلام)، لذا بإمكاننا الاطمئنان قليلًا فحسب، لكن لا ينبغي علينا أن نترك قلقنا.
لندمج بين نظريات الشخصية لفروم، نعرف بأن المازوخي يستمتع بالمعاناة والألم؛ الشخص ذو الميول التدميرية والنيكروفيليا يندفع نحو تدمير نفسه بنفسه، كما يبدو أن لديه رغبة قوية في الانتقام والتدمير، والهدف من هذا الانتقام والتدمير هو تدمير الذات. الرغبات المرضية المذكورة أعلاه غالبًا ما تُقلق وتُرعب جُزءًا آخر من الشخصية، إلا أن تلك الرغبات لا تختفي، لذلك ليس من المستبعد أن يُودي إشباعها إلى الخوف والقلق.
على سبيل المثال: “سرتُ في البستان وقطفتُ تفاحة من الشجرة وفجأة ركض كلب كبيرٌ باتجاهي وانقض علي، خفتُ بشدة وصرختُ طالبًا النجدة، ثم استيقظت”. في المساء الذي سبق الحلم، التقى الحالم بامرأة شابة وفُتن بها، وبدا بأن تلك الشابة تشجعه وتغازله، فتخيل أنه يعيش لحظات دفء ومودة معها ونام تدريجيًا. لا يوجد داعٍ للتحقيق في القلق الذي شعر به في حلمه، سواء أكان بسبب تأنيب ضميره أو خشيته من الإدانة العلنية، فالحقيقة أن هذا القلق نتيجة لإشباع الرغبات بتناول التفاحة المسروقة.
وهنا كابوس آخر: “أنا في منزل أخضر، وفجأة لمحتُ ثعبانًا يحاول أن يعضني بينما وقفت والدتي بجانبي تبتسم لي بخبث، ثم ابتعدت ولم ترغب في مساعدتي إطلاقًا، ركضت متجهة نحو الباب لاكتشف بأن الثعبان سبقني إلى هناك وسد طريقي، ثم استيقظت مفزوعة”. الحالمة هي امرأة في الخامسة والأربعين من العمر، تُعاني من قلقٍ شديد. كان بينها وبين والدتها علاقة كره مُتبادلة لفترة طويلة، فقد تزوجت أمها من شخص لا تحبه (والد الحالمة)؛ فكرهت ابنتها البكر بشدة (الحالمة)، وتعتقد أن ولادتها هي ما أجبرها على الاستمرار في هذا الزواج. عندما بلغت الحالمة سن الثالثة، اشتكت إلى والدها مما جعله يشك بأن زوجته تخونه، مما أدى إلى زيادة كره والدتها لها. كلما كبرت هذه الفتاة زادت رغبتها في إغضاب والدتها، وكلما عاقبتها والدتها أكثر رغبت حتى في تدميرها. كانت حياتها مليئة بالتمرد والهجوم المستمر، إلا أن والدها كان جبانًا جدًّا يخاف زوجته ولا يجرؤ على مساعدة ابنته ودعمها، مما أدى إلى تراجع هذه الابنة الموهوبة ذات الكبرياء، وشعورها بالهزيمة أمام “انتصار والدتها”، تتمنى أن تحول هذه الهزيمة إلى نصر في يوم من الأيام. كانت تعيش في حالة دائمة من الكراهية والقلق، كما أنها تعاني من هذا العذاب في نومها ويقظتها.
لنبدأ بعلاقتها بـ”المنزل الأخضر” الذي كان مِلكًا لوالديها، كانت غالبًا ما تذهب إلى هناك بمفردها، ولم يسبق لها أن ذهبت برفقة والدتها قط. لم يكن الخطر في الحلم والدتها، بل كان الثعبان، ما معنى هذا؟ من الواضح بأنها تتمنى من أعماق قلبها أمًّا تحميها من الأذى، وتتخيل في بعض الأحيان أن والدتها تغيرت وتسرها مساعدتها، لذلك كانت والدتها بجانبها عندما واجهت خطرًا في حلمها، مما يدل على أنها تتمنى أن تساعدها والدتها، إلا أن والدتها ابتسمت بخبث وابتعدت مما أظهر وجهها الحقيقي. لقد حاولت الابنة في البداية التمييز بين الأم السيئة (الثعبان) والأم الجيدة (التي ستساعد الابنة) وعندما نظرت إليها الأم بخبث ورفضت تقديم المساعدة تحطمت خيالاتها، فقد كانا كيانًا واحدًا (والدتها والثعبان)؛ قوة تجلب الدمار. لذا أرادت أن تهرب من البيت على أمل أن تنجو، لكنها تأخرت على ذلك كثيرًا فقد أصبح طريقها مسدودًا ولم يكن لها إلا أن تشعر بالخوف واليأس.
تعاني الحالمة في حلمها القلق نفسه الذي تعانيه في النهار، والذي كان واضحًا بأنه مرتبط بوالدتها، فهل يُشبع هذا الحلم رغبة ما؟ بمعنى ما نعم. فهي ترغب في أم جيدة تحميها، وفي الوقت نفسه ترغب في شيء أهم من ذلك؛ الانتقام، فهي تريد أن يستوعب والدها بأن زوجته شريرة، وتأمل بأن تفرقهما، ليس لأنها تحب والدها كثيرًا أو لأنها تعاني من عقدة إلكترا في طفولتها، بل بسبب الإهانة العميقة التي أحست بها عندما هُزمت في طفولتها، شعرت بأن الطريقة الوحيدة لاستعادة كبريائها وثقتها هي تدمير والدتها.
الأحلام المتكررة هي أكثر الأحلام التي تحمل معنى، ويُقال إن بعض الأشخاص يحلمون الحلم نفسه منذ سنوات عديدة، بل حتى يحلمون به منذ أن بدؤوا بتذكر ما حلموا به، وغالبًا ما تعكس هذه الأحلام الموضوع الرئيسي لحياة الشخص وهي المفتاح الرئيسي لفهم شخصياتهم وأعصابهم.
فتاة في الخامسة عشر من عمرها نشأت في بيئة قاسية وغير إنسانية، والدها يعاملها بقسوة، ووالدتها تتصرف بعدم مسؤولية تجاه الآخرين ، لا طعام ولا لباس في منزلهم القذر المتسخ. حاولت الانتحار في العاشرة من عمرها، ثم قامت بخمس محاولات أخرى باءت بالفشل، قالت إنها تحلم بهذا الحلم منذ أن بدأت بتذكر أحلامها: “أنا عالقة في قاع حفرة، أحاول جاهدة التسلق إلى الأعلى، وبعد محاولات عدة وصلتُ بصعوبة إلى حافة الحفرة ووضعت يَدَي كلتيهما على الحافة، لكنَّ شخصًا ما داس على يدي، ولم يكنُ لي إلا أن أفلت يدي وسقطت مرة أخرى في قاع الحفرة”.
لا يحتاج هذا الحلم إلى أي تفسير، فهو يُمثّل مآسي وتجارب ومشاعر الفتاة الصغيرة. لو أنها حلمت هذا الحلم مرة واحدة فحسب، فنستنتج بأنه يُعبّر عن خوفها بسبب حدثٍ مُعين، إلا أن تكراره يدُل على أنه يُجسد موضوع حياة الفتاة الصغيرة وشعورها العميق المستمر والذي يجعلنا نفهم سبب محاولاتها المتكررة للانتحار.
-(选自郭永玉著《孤立无援的现代人》,湖北教育出版社1999年版,第281-290页。)
– 参考文献链接:http://www.personpsy.org/Info/Index/145?pageIndex=1
– مختارات من كتاب غو يونغ يو (الرجل المعاصر المنعزل).
– طبعة 1999م دار نشر هوبي التعليمية، الصفحات (281-290).
– الرابط: http://www.personpsy.org/Info/Index/145?pageIndex=1
