آن أوجيرو وكريستوف دارمنجا
ترجمة: ربى القحطاني
شبحٌ يطارد النسوية: هو شبح النظام الأمومي البدائي. في نظر أولئك الذين يتطلعون اليوم إلى اختفاء الهيمنة الذكورية، تبدو فكرة انعدام وجود تلك الهيمنة في المجتمعات البشرية القديمة كموطئ قدم ثابت وضمان للنجاح في المستقبل. على عكس ذلك، فإن التأكيد على أن هذه الهيمنة الذكورية عُرِفت منذ القدم، بل وأنها تمثل حتى يومنا هذا سمة ثقافية على المستوى العالمي، يعد بلا أي شك مسوّغًا لها وموحيًا بحتميتها.
ومع ذلك، يجب التشديد على أنه على الرغم من شيوع تقبُّلها ومدى منطقيتها، فلا توجد في الحقيقة أي علاقة تربط بين المكانة المزعومة للنساء في عصور ما قبل التاريخ والنضال الراهن من أجل المساواة بين الجنسين. على وجه الخصوص، فظهور الهيمنة الذكورية في وقت متأخر على مدار تاريخ المجتمعات البشرية لا يعني سهولة القضاء عليها. في المقابل، كونها أقدم من البشرية عينها -بل وإنها متأصلة في الإرث البيولوجي لسلالتنا- لا يعني استحالة تجاوزها. في الواقع، تحت سِتار المنطق، لا يوجد في العمق سوى مجمل أفكار بسيطة -وتعسفية-.
وللاقتناع بذلك، يمكننا البدء بتأكيد أن فرضية السّيادة الأولية للنساء ليست أمرًا مستجدًّا، فقبل أن تصبح نظريةً علمية، كانت في الأصل أسطورةً مؤسِّسة للعديد من الشعوب، وبالتأكيد لم تكن تسرد الأصول من منظور نسوي…
أساطير النظام الأمومي البدائي
الكثير من المجتمعات التقليدية التي تميزت بهيمنة ذكورية بارزة، قالت عن نفسها إنها في الأصل نشأت من نظامٍ اجتماعي أمومي أطيح به فيما بعد.
في أعالي جبال غينيا الجديدة، يعد مجتمع بارويا الذي معظم سكانه من المزارعين ومربي الخنازير، إحدى الحالات الشهيرة التي قام بدراستها موريس جودلييه[1] .(Maurice Godelier) في هذا المجتمع الذي يخلو من جميع أشكال التسلسل الهرمي السياسي والتفاوت في الثروات، احتكر الرجال السلطة بطريقة ممنهجة وقللوا من شأن النساء، كما لو أن أولئك النسوة وكل ما يتعلق بهن، قذرٌ ومهينٌ وخطر. فكما الحال مع المجتمعات الأخرى في المنطقة ذاتها، كان الفتية يُنتزعون عُنوةً من أحضان أمهاتهم عند بلوغهم سنّ المراهقة، ليُرَبَّوا سنين عدة في بيت لا يقطنه سوى الرجال، ويخضع الصبية هناك إلى سلسلة من الطقوس التي تكشف لهم تدريجيًّا عن أسرار ديانةٍ تَحرم خباياها على النساء، وإن تجرأن عليها عوقبن بالموت.
بيد أن قبيلة بارويا أفادت بأن النساء كن يشغلن مكان الرجال، وبالأخص، كنّ هنّ من يمتلكن الأشياء المقدسة ويصدن الطرائد بالقوس، ولكن هذه المنظومة، وفقًا لهم، تسببت في الكثير من الفوضى، فانعكست الهرمية الجنسية في سبيل المصلحة العامة.
لم يقتصر الأمر على قبيلة بارويا، فقد كانت مثل هذه الديانات شائعة في المجتمعات التقليدية، بما في ذلك مجتمعات الصيد والالتقاط مثل شعب السالكنام (Selk’Nam) الذي كان يعيش في أرض النار (la Terre de Feu)، فكانوا هم أيضًا يعتقدون أن النساء قد قُدْن المجتمع. في تلك الأزمنة:
“كان الرجال يعيشون في خوف وعبودية مذلة، […] وكانت النساء وحدهن من يتخذن القرارات ويصدرن الأوامر، وكان على الرجال الطاعة […]”.
لكن في أحد الأيام، سمع رجل محادثة بين النساء كشفت له الخداع الذي تخفيه الطقوس الدينية لمراسم هين (Hain)، فالأرواح الأنثوية التي كانت تظهر في الطقوس لتخويف الرجال لم تكن في الواقع سوى نساء متنكرات، إثر ذلك، رتّب الرجال انتفاضةً مسلحة:
“انتصر الرجال في المعركة الكبرى، ما تسبب في مقتل أو نفي جميع النساء، الكبيرات منهن والصغيرات [….]. طال نقاشهم حول من منهم سيتوجب عليه التنكر لتمثيل الأرواح المختلفة لمراسم هين. كانت الأرواح ذاتها التي خدعت وأرهبت بها النساء الرجال عندما كن يتحكمن بمراسم هين، وهكذا تأسست مراسم هين للرجال، بالشكل الذي نعرفه اليوم، وكان من الضروري […] أن يُحفظ كل هذا بعناية في ذاكرة الرجال للأجيال القادمة، وكان يجب ألا تعرف عنه النساء أبدًا”[2].
تفسير تلك الأمثلة، التي لا حصر لها، على أنها دليل لوجود نظام أمومي بدائي يدعم المنظور النسوي، يوقع فاعله في خطأين: أولهما هو التصديق المطلق بتلك الأمثلة دون تمحيص، وثانيهما هو تأويلها بما يخالف فحواها.
نظرية علمية نسوية
في عام 1860م ولأول مرةٍ، طُرِحت فكرة السيادة الأولية للنساء في المجتمعات البشرية في إطار منطقٍ علمي. في تلك السنة، نشر المحامي ياكوب باخوفن (Jakob Bachofen) عملًا هائلًا بعنوانٍ رئيسي حق الأمومة، وبعنوانٍ فرعي بحث في سيادة المرأة [الأمومية] في العصور القديمة في طبيعتها الدينيّة والقانونيّة. كانت البرهنة تعتمد أساسًا على تحليل الأساطير اليونانية، بافتراض أنها تنطوي على شيء من الحقيقة التاريخية.
خلافًا للروايات التي ذُكرت سابقًا، لم تكن هذه النظرية ترمي إلى شرعنة الهيمنة الذكورية. على العكس تمامًا، كان الكتاب يشيد بالفضائل الأنثوية المفترضة، وكذلك بالمجتمعات التي يُعتقد أنها ألهمتها.
ومع ذلك، بعيدًا عن مدى هشاشة منهجيته وبالتالي، نِتاج منطِقِه، ورغم اتخاذه في بعض الجوانب موقفًا معارضًا للسرد الذكوري التقليدي، كان النص -في كثير من النواحي- يسير على نهج الأحكام نفسه السابقة لعصره.
وهكذا، كما كان يمتدح “السمو، والعظمة البطولية، بل وحتى الجمال الذي ترتقي إليه المرأة من خلال إلهامها للبسالة والمروءة لدى الرجال”[3]، فقد أثنى باخوفن أيضًا على “أن طبيعة الأنثى الجوهرية، هو ذلك الشعور العميق بالحضور الإلهي الذي عندما يمتزج بشعور الحب يمنح المرأة، ولا سيما الأم، تفانيًا دينيًّا شديدًا في عصورٍ طغت عليها الهمجية”[4].
بالإضافة إلى أنه، إن كان فجر التاريخ قد عرف شكلًا من أشكال الهيمنة الأنثوية التي أطيح بها تزامنًا مع نشأة الحضارة، فهذا قد يعني أن الصفات الأنثوية، مهما كانت جديرة بالتقدير، فهي بقدر ارتباطها بالطبيعة، كانت تتعارض مع التطور الثقافي والاجتماعي. هذا ما كان باخوفن يقترحه حين كتب أن “انتصار النظام الأبويّ أتاح للروح أن تتحرر من القيود المرتبطة بالطبيعة، وارتقى بالوجود البشري فوق قوانين عالم الحياة المادية”[5]. تلك الآراء التي أدلى بها باخوفن بتحفّظ، عبّر عنها أحد تلامذته بعد بضعة عقود بطريقةٍ أكثر تحررًا. فروبرت بريفو (Robert Briffault)، مؤلف الكتاب الضخم (The Mothers)
الأمهات عام 1927م، كان يؤكد على ذلك بصريح العبارة:
” تُنقِص بنية المرأة من قدراتها المسؤولة عن الصفات التي تميز العقل الذكوري. […] إن قدرات الإبداع والتحليل والتجريد لدى النساء أقل تطورًا منها لدى الرجال. […] ويتميّز نموهنّ بتوقف في التطور الجسدي والعقلي، وذلك مرتبط بنضوجهنّ المبكر نسبيًّا. […] إن الهيكل الفكري لأرقى أشكال الثقافة والنّظم التي تشكّل الحضارة هو نتاج ذكوري ويتميز بصفات وخصائص العقل الذكوري”[6].
تجليات النظام الأمومي الحديثة
منذ نشأتها الأولى، وعلى الرغم من معارضة الغالبية العظمى من العلماء لها، لم تنفك نظرية النظام الأمومي البدائي عن الانبعاث من رمادها بحلةٍ جديدة في كل مرة، لا سيما بين عامة الناس.
في سبعينيات القرن الماضي، كانت عالمة الآثار ماريا جيمبوتاس (Marija Gimbutas) تمثل رمزًا بارزًا لهذا التيار، إذ كانت ترى أن مجتمعات “أوروبا القديمة” التي وُصفت بأنها “مجتمعات أمومية”، كانت تتسم بسيادة المبادئ الأنثوية وتمجيد الآلهة العظمى.
تسلط أحدث النسخ من هذا السرد الضوء على إنجازات النساء في مجال الأعمال الإنتاجية، عوضًا عن التركيز على المكانة التي يفترض أن الأمومة أو الآلهة الأنثوية قد منحتها للنساء. يُعتقد أن المشاركة الفاعلة للنساء في عصور ما قبل التاريخ في الأنشطة المرموقة أو الخطرة، مثل الشامانية وصيد الطرائد الكبيرة، قد مكنتهن من فرض شيءٍ من المساواة بين الجنسين… ومنح الأجيال التي أعقبتهن من النساء شعورًا بالفخر والاعتزاز.
في فرنسا، يُعد الكتاب-الوثائقي “Lady Sapiens” أحدث إنتاج لهذه السلسلة، إذ يصر على “القوة” الاجتماعية للنساء في العصر الحجري القديم، التي تستند بشكل خاص إلى غياب (أو ضعف) تقسيم العمل وفقًا للجنس في تلك الحقبة، مما مكّن النساء آنذاك -اللواتي وُصِفن بأنهن “كريمات، وماهرات، وجريئات، ومصممات”[7]– من الحصول على “مكانة مميزة”[8]، في حين يؤكد الوثائقي أنهن كن “محترمات، ومكرّمات، ومبجلات”. حقق الكتاب نجاحًا كبيرًا وتُرجم إلى عشر لغات، من بينها نسخة إيطالية تحمل عنوانًا فرعيًّا نص على: “كيف اخترعت النساء العالم”.
إن نهجًا كهذا لا يعد جديدًا في مضمونه، فمن دون الحاجة للرجوع بعيدًا في الزمن، كانت الصحفية إيفلين ريد (Evelyn Reed) تنتهجه في عام 1975م، إذ أصدرت كتابًا يزعم إثبات أن الغالبية العظمى من الابتكارات التقنية والاجتماعية في عصور ما قبل التاريخ، إن لم تكن جميعها، يعود فضلها إلى النساء، لذلك لم تحاول ريد الإبقاء على الاستنتاجات السياسية التي رأت أنه يتحتم استخلاصها من ذلك:
“اليقين التام بأن الدونية التي تعامل بها النساء حاليًّا لم تحددها عوامل بيولوجيّة، وأن الأمر لم يكن كما هو عليه الآن على مدار التاريخ، وأن الحياة الاجتماعية سبق وأن قادتها النساء من جنسنا، كل تلك الأمور حريّ بها أن تعيد الثقة لجميع النساء اللواتي يطمحن اليوم إلى الحرية”[9].
بيد أنه يجب التذكير بأن فكرة وجود رابط بين المكانة الاجتماعية التي كانت تحتلها النساء خلال فترة معتبرة في الماضي وإمكانية تحررهن في الوقت الحالي، لا أساس لها من الصحة وتعدّ مضلّلة. لا يعتمد إنهاء نمط اجتماعي (أو حتى إنشاء نمطٍ اجتماعي جديد) على مدى قِدَمه، بل على أُسس هذا النمط، هل تُمَارس وتُعزَّز، أم على عكس ذلك، يقوضها الحراك العام للمجتمع؟
حتى في مجالاتٍ أخرى، ليس من الصعب إيجاد أمثلة توضِّح هذه الحقيقة. كانت إحدى أقدم السمات وأكثرها شيوعًا في المجتمعات البشرية على مستوى العالم، هي شعور الفرد أو الجماعة بالأحقية -أو حتى الواجب- بالانتقام من أي أحد يضرّ بهم، حتى لو استدعى الأمر قتله، إلا أنه مع نشوء الدول، قُضِي تدريجيًّا على هذا التقليد الموروث الذي كان يبدو لمن يمارسه كسلوكٍ تنصّ عليه الفطرة.
لا يتطلب الأمر أن تكون متخصصًا في عصور ما قبل التاريخ لتدرك أن التيار الحالي الذي يسعى لإثبات أن “المرأة” في العصر الحجري القديم كانت فاعلة في مجتمعها ومتحررة، وأنه لم تكن هناك عادات تمييزية ضدها، وكانت تفرِض احترامها على الرجال، يكشف لنا في الواقع الكثير عن ماهيّة مشاغل عصرنا الحالي أكثر مما يكشف عن الحقيقة في الماضي. ومن خلال صياغة هذا المنظور على أنه يعيد الكرامة المسلوبة من نساء ما قبل التاريخ، لاقى استحسانًا كبيرًا من عامة الناس، ومع ذلك لا تزال وجاهة هذا المنظور وقدرته على تسليط الضوء على كل من أسباب تحقيرهن في الماضي ووسائِل تحررهن في المستقبل موضع شك.
النضال النسوي ليس بحاجة إلى أوهام
يجب أن تكون الدراسة العلمية للعلاقات بين الجنسين في الماضي، أي الرغبة في إعادة تقفِّيها بأكبر قدر من الدقة والأمانة، قادرة على أن تتم دون آراء مسبقة قد تؤدي إلى تسخير اكتشافاتها لخدمة موقف معين في قضية المطالبات النسوية، سواء أكان هذا الموقف مواتيًا أم كان مناهضًا.
وأسوأ معروف يمكن أن يسديه مناصرو تمكين النساء لهذه القضية هو تجاهل الإنجازات العلمية، أو ما هو أسوأ من ذلك، أن يقبلوها شريطة أن تتماشى مع تصوراتهم المسبقة. إذا كان النضال النسوي مضطرًّا إلى تحريف الماضي لإثبات شرعيته، بلا شك، سيكون هذا اعترافًا مشينًا بضعف موقفهم.
في الواقع، المسألة ليست كذلك بتاتًا، ولتلخيص حجةٍ مفصلة طرحها أحدهم بشكلٍ مبسط 10، فإن الهدف المتمثل في المساواة بين الجنسين، أي اختفاء الهيمنة الذكورية ومجمل أشكال التمييز بين الجنسين، يعد فكرةً جديدة تمامًا في المجتمعات البشرية. ولم يكن هذا الأمر واردًا في جميع التشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية، فهو أحد التّبِعات غير المباشرة، ولكن الحتمية، لانتشار العلاقات التجارية.
إن لم تكن للمال رائحة، فالأحرى به ألا يكون له جنس. من خلال محورة جميع الأعمال والعاملين من النساء والرجال حول المال، أصّلت الرأسمالية، في الوقائع والأذهان، أن طبيعة الجميع واحدة. وهكذا، أرست الرأسمالية أسس نظامٍ اجتماعي غير مسبوق، لا تُحدَّد الأدوار فيه وفقًا للجهاز التناسلي. بالتأكيد، لا تزال هناك العديد من الفوارق بين الرجال والنساء، وقد يتساءل المرء عما إذا كان من الممكن تحقيق هذا التصور المثالي بزوال الفروق بين الجنسين ضمن هذا المجتمع الرأسمالي، ومهما كانت الإجابة عن هذا السؤال، فإن هذه التطورات المرسخة في جينات النظام الاقتصادي العالمي المعاصر تمنح النضال النسوي موطئ قدمٍ أكثر ثباتًا من ماضٍ خيالي.
[1] Maurice Godelier, La production des grands hommes : pouvoir et domination masculine chez les Baruya de
Nouvelle-Guinée, Paris, Fayard, 1978, rééd. 2006.
[2] Anne Chapman, Drama and power in a hunting society: the Selk’nam of Tierra del Fuego, New York:
Cambridge University Press, 1982, p. 66-71.
[3] Johann J. Bachofen, Myth, religion, and mother right: selected writings, Princeton, Princeton University
Press, 1967, p. 83.
[4] Ibid., p. 85.
[5] Ibid., p. 109.
[6] Robert Briffault, The Mothers – A Study of the Origins of Sentiments and Institutions, volume 3, New
York, MacMillan, 1927, p. 507–508.
[7] Thomas Cirotteau, Jennifer Kerner, et Éric Pincas, Lady Sapiens. Enquête sur la femme au temps de la
Préhistoire, Paris, Les arènes, 2021, p. 241.
[8] Ibid., p. 203.
[9] Evelyn Reed, Woman’s Evolution: From Matriarchal Clan to Patriarchal Family, New York: Pathfinder
Press, 1975 (9th print, 1993).
