جين دبليو. روس، وإينا إم. سيباستيان، وسينثيا إم. بياث
بينما تتبنى شركات التكنولوجيا الرائدة تقنيات القياسات الحيوية، والذكاء الاصطناعي (AI)، والطائرات من دون طيار، وغيرها من التقنيات الرقمية المثيرة، يشعر كبار التنفيذيين في كثيرٍ من الشركات الأخرى بالضغط لفعل الشيء نفسه. ولكن لتحقيق أقصى قيمة من الاستثمار في التقنيات الجديدة، يجب على قادة الأعمال أولًا التأكد من أن شركاتهم تمتلك استراتيجية رقمية رائعة.
لقد درسنا الاستراتيجيات الرقمية كجزء من مشروع بحثي عن تصميم المؤسسات الرقمية، الذي أجراه مركز أبحاث نظم المعلومات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية؛ في هذا المشروع، أجرينا مقابلات مع أكثر من 70 من كبار التنفيذيين في 27 شركة. وقد أكدت نتائجنا على أهمية تطوير استراتيجية أعمال ناجحة تستفيد من التقنيات الرقمية. توفّر الاستراتيجية الرقمية الرائعة التوجّه اللازم؛ ما يمكّن التنفيذيين من قيادة المبادرات الرقمية، وقياس تقدمهم، ثم إعادة توجيه تلك الجهود حسب الحاجة. الخطوة الأولى في وضع هذا التوجّه هي تحديد نوع الاستراتيجية الرقمية التي يجب اتباعها: استراتيجية تفاعل العملاء أو استراتيجية الحلول الرقمية.
تستهدف استراتيجية تفاعل العملاء تجارب مميزة وشخصية تعزِّز ولاء العملاء. أما استراتيجية الحلول الرقمية فتركز على المنتجات والخدمات المدعومة بالمعلومات التي تقدم قيمة جديدة للعملاء. تعتمد أفضل استراتيجية للشركة على قدراتها الحالية والطريقة التي ترغب في المنافسة بها. ومع ذلك، فإن المتطلب الأهم لاستراتيجية رقمية رائعة هو اختيار نوع واحد فقط من الاستراتيجيات، وليس كليهما. قد تبدو الاستراتيجية الرقمية التي تستهدف التميز التشغيلي خيارًا ثالثًا، ولكن على نحوٍ متزايد، أصبح التميز التشغيلي الحدّ الأدنى المطلوب لممارسة الأعمال رقميًّا، وليس أساسًا لميزة تنافسية مستدامة.
استراتيجيات تفاعل العملاء
يتركز اهتمام استراتيجية تفاعل العملاء على تطوير ولاء العملاء وثقتهم — وفي أفضل الحالات، شغفهم. تقدم الشركات التي تختار هذا النهج تجارب عملاء سلسة ومتعددة القنوات، واستجابات سريعة لمتطلبات العملاء الجديدة، وعلاقات شخصية مبنية على رؤًى عميقة عن العملاء. ومع إدراكها للارتفاع المستمر في سقف توقعات العملاء، تسعى الشركات ذات استراتيجية تفاعل العملاء القوية باستمرار إلى تحديد فرص جديدة للتواصل مع عملائها.
تتبع شركة كايزر برماننتي، وهي مزود متكامل للرعاية الصحية وخطط التأمين الصحي غير الربحية ومقرها أوكلاند، كاليفورنيا، استراتيجية تفاعل العملاء. مدفوعة بما تسمّيه “استراتيجيتها الرقمية للمستهلك”، تتعامل كايزر برماننتي مع الرعاية الصحية كشراكة بين مقدمي الرعاية والأعضاء. وتستخدم التقنيات الرقمية لتوفير وصول سلس ومنخفض التكلفة إلى فرق مقدمي الرعاية، ولتسهيل تقديم الرعاية العلاجية والوقائية للمرضى.
تستفيد كايزر برماننتي من التقنيات الرقمية من خلال:
- توفير قنوات رقمية تعزِّز تفاعل المرضى مع فرق تقديم الرعاية. توفر قنوات كايزر برماننتي إمكانية الوصول إلى السجلات الصحية الشخصية، والرسائل الآمنة بين المرضى ومقدمي الرعاية، والرعاية عن بُعد.
- تطبيق تحليلات البيانات لتحديد الحاجة إلى التواصل الطبي الشخصي —وأفضل نهج له— أيضًا. تستخدم كايزر برماننتي التحليلات لتتبُّع التزام المرضى بالأدوية وبرامج العلاج وتحسينه، ولتحديد أكثر أشكال التواصل فاعلية لتعزيز السلوكات الصحية.
- الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لتطوير مجتمعات من المرضى ذوي الاهتمامات والاحتياجات المشتركة، وإنشاء “دوائر رعاية” حيث يمكن للمرضى وعائلاتهم التفاعل مع مقدمي الرعاية. تستخدم كايزر برماننتي نظام أذونات مصممًا بعناية للسماح لأفراد الأسرة المعتمدين ومقدمي الرعاية الآخرين بالمساعدة على دعم المرضى، والتواصل مع أطبائهم، ومتابعة علاجهم.
ونتيجة لهذه الجهود، يشارك 70% من أعضاء كايزر برماننتي بنشاط في إدارة صحتهم عبر الإنترنت؛ وهو سلوك تشير أبحاث المنظمة إلى أنه يرتبط إيجابيًّا بصحة الأعضاء، والالتزام بالعلاج، والرضا، والاحتفاظ بالعملاء.
استراتيجيات الحلول الرقمية
تعمل استراتيجية الحلول الرقمية على تحويل ما تبيعه الشركة. فهي تسعى إلى دمج المنتجات والخدمات المتنوعة في حلول متكاملة، وتعزيز المنتجات والخدمات بالمعلومات والخبرة التي تساعد على حلِّ مشكلات العملاء، وإضافة قيمة طوال دورة حياة المنتجات والخدمات. وبمرور الوقت، يمكن للحلول الرقمية أن تحوِّل نموذج أعمال الشركة من الاعتماد على المبيعات التقليدية إلى عروض متقدمة وغنية بالقيمة تحقق إيرادات متكررة. مجموعة شيندلر، المزود العالمي للمصاعد والسلالم الكهربائية والخدمات ذات الصلة ومقرها في إبيكون، سويسرا، تتبع استراتيجية للحلول الرقمية، وتستفيد الشركة من إنترنت الأشياء؛ إذ تجمع البيانات الفورية من قاعدة المصاعد والسلالم الكهربائية المثبتة لديها وتستخدم تلك البيانات لتحسين جودة منتجاتها وخدماتها. في البداية، ركزت شيندلر على التميز التشغيلي في استراتيجيتها الرقمية، مستخدمة التحليلات لتقليل التكاليف التي تتكبدها في صيانة منتجاتها. لكن جميع المنافسين العالميين الأربعة في هذا القطاع يعملون على تحسين عملياتهم بهذه الطريقة. لذا، حولت شيندلر تركيزها إلى الحلول الرقمية وبدأت في استخدام بيانات إنترنت الأشياء للمساعدة على منع تعطل المعدات، وتحسين مسارات المصاعد، وتحديد الابتكارات ذات القيمة المحتملة.
طوَّرت شيندلر استراتيجية جديدة لحلول التنقل الحضري تستفيد من قدرتها على إدارة حركة آلاف الأشخاص بكفاءة داخل المباني. فعلى سبيل المثال، طوَّرت الشركة حلًّا رقميًّا يسمح للزوار بتجاوز نقاط الأمن في البهو من خلال تمرير هواتفهم المحمولة عند نقطة الدخول.
اختر استراتيجية واحدة فقط
على الرغم من أن استراتيجيات التفاعل مع العملاء والحلول الرقمية هما استراتيجيتان رقميتان مختلفتان جدًّا، فإن مساراتهما ستتقاطع حتمًا مع مرور الوقت. فعلى سبيل المثال، أدَّى سعي شركة كايزر برماننتي إلى تعزيز التفاعل مع العملاء إلى تطوير خدمات المراقبة عن بُعد، وهي حلّ رقمي. وبالمثل، تُطلق شيندلر تطبيقًا للهاتف المحمول ينقل حالة المصاعد والسلالم الكهربائية في الوقت الفعلي إلى مديري المنشآت؛ ما يعزز التفاعل مع العملاء. ومع ذلك، فإن هذا التقارب لا يلغي الحاجة إلى الاختيار بين نوعي الاستراتيجيات الرقمية.
تحتاج الشركات إلى استراتيجية رقمية واضحة لتطوير مجموعة متكاملة من العروض المقدمة للعملاء. كما يحتاج الموظفون إلى استراتيجية واضحة لتوجيه مبادراتهم الابتكارية وحسم النقاشات حول الأولويات. وهكذا، تحدد الاستراتيجية الفائز في حالات الجمود بين فرق المنتجات والعملاء داخل الشركة، وتثبط الأقسام الوظيفية عن السعي إلى تحقيق أهداف مستقلة.
فعلى سبيل المثال، حققت شركة الخدمات المالية يو إس إيه إيه، ومقرها سان أنطونيو، تكساس، درجات مميزة في مؤشر صافي المروّجين من خلال تقييد تطوير (واكتساب) المنتجات المالية بتلك التي يمكن دمجها في تجربة عملاء سلسة. تقود استراتيجية التفاعل مع العملاء جدول الابتكار في الشركة، ويجب أن تتوافق الحلول الرقمية مع تلك الاستراتيجية. أما في شركة آبل، على النقيض من ذلك، فإن استراتيجية الحلول الرقمية هي التي تقود الابتكار. تتوقع الشركة من الموظفين المتعاملين مع العملاء تقديم تجربة رائعة لهم، لكن المنتج يأتي أولًا، حتى لو كان ذلك يعني أن على الموظفين إقناع العملاء المترددين بأنهم لا يحتاجون إلى منفذ سماعة الرأس. في كلٍّ من يو إس إيه إيه وآبل، يوفر اختيار الاستراتيجية الرقمية فهمًا مشتركًا لأهداف العمل بين الموظفين، ويوجه التجريب والابتكار.
بناء العمود الفقري التشغيلي
للاستفادة من الفرص الكثيرة لتقديم أيّ نوع من الاستراتيجيات الرقمية، تحتاج الشركة أيضًا إلى منصة متكاملة من القدرات المميزة –نسميها العمود الفقري التشغيلي– الذي يضمن المعاملات والتفاعلات مع العملاء بكفاءة وموثوقية. وتختلف هذه القدرات من شركة إلى أخرى، لكنها عادةً ما تشمل أمورًا مثل الوصول إلى مصدر موثوق واحد للمعلومات المتعلقة بالبيانات الأساسية حول الشؤون المالية والعملاء والمنتجات؛ وعمليات سلسلة الإمداد العالمية الموثوقة من البداية إلى النهاية؛ أو خدمات الدعم المشتركة في المكاتب الخلفية.
تحاول الشركات –وتكافح– لبناء مثل هذا العمود الفقري التشغيلي منذ التسعينيات، عندما بدأت في تنفيذ برامج تخطيط موارد المؤسسات (ERP) وأنظمة إدارة علاقات العملاء (CRM). في كثير من الحالات، عززت السياسات التنظيمية والثقافات والعمليات الفواصل القائمة بين وحدات الأعمال؛ ما أعاق تنفيذ هذه الأنظمة والقدرات المؤسسية المصاحبة لها. لكن الشركة التي تفتقر إلى القدرات المؤسسية لن تكون قادرةً على تقديم عمليات موثوقة وبالتالي لن تكون قادرة على المنافسة رقميًّا.
يبدأ العمود الفقري التشغيلي لشركة كايزر برماننتي بنظام السجلات الصحية الإلكترونية. وقد التزمت كايزر برماننتي مبكرًا بالسجلات الصحية الإلكترونية كأساس لحفظ السجلات والتعاون السريري. والآن، يسهل نظام السجلات الصحية التابع لها تفاعلات المرضى على نحوٍ متزايد، ويمكّن المبادرات الرقمية الجديدة التي تتطلب بيانات دقيقة ومتاحة للمرضى.
يتكون العمود الفقري التشغيلي لشركة شيندلر من معايير تكنولوجيا الأعمال والعمليات العالمية التي نفَّذتها مع نظام تخطيط موارد المؤسسات الخاص بها منذ عام 2005م. والآن، مع قيام الشركة بتعزيز عمودها الفقري التشغيلي ببيانات أجهزة الاستشعار، فإنها تسهِّل التجارب المستمرة لحلول التنقل في الشركة. عند تقييم قدرة شركتهم على تنفيذ إحدى الاستراتيجيتين الرقميتين، يجب على المديرين التنفيذيين في الأعمال أن يكونوا على دراية بالفجوات في قدراتهم، ثم، بأسرع ما يمكن، دمج هذه القدرات في العمود الفقري التشغيلي للمؤسسة. ولكي تنجح الشركات في الاقتصاد الرقمي، يجب أن تقدم عرض قيمة فريدًا يصعب على كلٍّ من المنافسين الراسخين والشركات الناشئة تقليده. ينبع مثل هذا العرض من استراتيجية رقمية تركز إما على مجموعة من العروض الرقمية المتكاملة أو على علاقة تُشرك العملاء بطرائق لا يستطيع المنافسون مضاهاتها. من دون ذلك، قد تبتكر كثيرًا من الابتكارات، لكنك لن تقدم تطبيقات ذات قيمة مضافة للذكاء الاصطناعي أو القياسات الحيوية أو الطائرات من دون طيار، أو التقنية الرقمية المهمة التالية.
عن المؤلفين
جين دبليو. روس: هي باحثة رئيسية في مركز أبحاث نظم المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ماساتشوستس. إينا إم. سيباستيان: هي باحثة مشارِكة في مركز أبحاث نظم المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. سينثيا إم. بياث: هي أستاذة فخرية في نظم المعلومات بكلية ماكومبس للأعمال في جامعة تكساس في أوستن.
