القائمة الرئيسية

المتجر قد مات، فليحيَ المتجر

المتجر قد مات، فليحيَ المتجر
ملخص المقال

يحلّل المقال مفارقة تجارة التجزئة الحديثة المتمثلة في تراجع المتاجر التقليدية وازدهارها في الوقت نفسه، مبيّنًا أن المتاجر لم تختفِ بل أعادت تعريف دورها من مراكز لتخزين البضائع وتلبية الطلبات إلى مساحات تركّز على التجربة وتعزيز علاقة الزبون بالعلامة التجارية. ويعرض كيف نجحت العلامات التجارية الرقمية الأصلية، مثل Bonobos وWarby Parker، في استخدام صالات العرض الصغيرة الخالية من المخزون لخلق تفاعل إنساني أعمق، يزيد ولاء العملاء، ويرفع إنفاقهم على المدى الطويل، ويقلل معدلات الإرجاع، مع تحقيق كفاءة تشغيلية أعلى عبر مراكز توزيع مركزية. وفي المقابل، يوضح المقال كيف يمكن لتجار التجزئة التقليديين الاستفادة من هذا النموذج عبر تقليص حجم المتاجر والمخزون، وتبني استراتيجيات متعددة القنوات، وتوظيف التقنية لتحسين التجربة داخل المتجر. ويخلص إلى أن مستقبل التجزئة ليس في الصراع بين الإنترنت والمتاجر، بل في دمجهما، حيث تصبح المتاجر المادية أدوات استراتيجية لتعزيز القيمة، وجمع البيانات، وبناء تجربة غنية تدعم النمو والربحية.

ديفيد آر. بيل، وسانتياغو غالينو، وأنطونيو مورينو

موت المتاجر غير المتصلة بالإنترنت وولادتها من جديد هو المفارقة الكبرى في تجارة التجزئة الحديثة. تتوقع شركة كريدي سويس (Credit Suisse) السويسرية متعددة الجنسيات في مجال الخدمات المالية أنه بحلول نهاية عام 2017م، سيزيد عدد المتاجر التي أُغلقت في الولايات المتحدة عن 8,500 متجر، وتشير التقديرات المتفق عليها إلى أن 25% من جميع مراكز التسوق ستتقلص أو تُغلق في المستقبل القريب، وفي الوقت ذاته، نجد أن العلامات التجارية التي بدأت نشاطها عبر الإنترنت أوّلًا، من بائع حقائب السفر “أواي” (Away) إلى صانع النظارات “واربي باركر” (Warby Parker)، تفتتح بنجاح متاجر مؤقتة وصالات عرض ومتاجر كاملة، ولم ترغب شركة أمازون (Amazon.com)، الرائدة في عالم التجارة الإلكترونية، في أن تتخلف عن الركب، فقد افتتحت متاجر لبيع الكتب ويُشاع أنها تخطط لافتتاح 2,000 متجر بقالة تحت اسم “أمازون فريش” (AmazonFresh) خلال السنوات العشر القادمة.

النتيجة النهائية: المتاجر غير المتصلة بالإنترنت تموت وتزدهر في آن واحد.

لفهم السبب، تأمل مسيرة شركة بونوبوس (Bonobos)، التي تأسست في مدينة نيويورك عام 2007م باسم “Bonobos.com” وبيعت في عام 2017م، باسم “Bonobos”، إلى شركة وولمارت ستورز (Walmart Stores Inc.) مقابل 310 ملايين دولار. وأسس الرئيس التنفيذي آندي دان (Andy Dunn) الشركة مع بريان سبالي (Brian Spaly) حين كانا طالبين في برنامج الماجستير في إدارة الأعمال بجامعة ستانفورد. كانت رؤيتهما بسيطة: بيع الرجال سراويل ذات مقاس أفضل، دون “عبء” المتاجر التقليدية. وعندما يتذكر دان عام 2007م، يقر قائلًا: “كنت أعتقد حقًّا أن المتاجر ستختفي في ذلك الوقت”. ومن المفارقات أنه بعد نحو عشر سنوات، أثنت مجلة “الإيكونوميست” (The Economist) على بونوبوس لكونها رائدة في نوع جديد من تجارة التجزئة المادية، فـ”المتجر عديم المخزون” هو متجر صغير المساحة يحصل فيه الزبون على خدمة عالية وتجربة حسية، ويقوم بالشراء عبر الحاسوب اللوحي (Tablet)، ثم يُشحن المنتج إلى الموقع الذي يختاره.

تُظهر الاتجاهات التي جسدتها بونوبوس مستقبل تجارة التجزئة: ستكون ذات مساحة صغيرة وتجربة عالية الجودة، سواء أكان التاجر بدأ عبر الإنترنت وأضاف حضورًا ماديًّا، أم كان تقليديًّا وأضاف التجارة الإلكترونية.

في هذا المقال، نعرض موضوعين مترابطين: توسع تجار التجزئة الذين بدؤوا عبر الإنترنت إلى متاجر مادية تخدم غرض “تعزيز” قيمة الزبون، وتحول متاجر التجزئة التقليدية من مراكز تركز على تلبية الطلبات إلى مراكز تركز على التجربة، مع تقليص حجم المتجر والمخزون في الوقت نفسه وتحسين تجربة الزبون. ومن خلال ذلك، نشرح كيف يمكن لتجار التجزئة التقليديين الاستفادة من تقليد مفاهيم صالات العرض التي بدأها تجار الإنترنت، ولماذا يمكن لتجار الإنترنت الاستفادة من افتتاح متاجر تقليدية أكثر. (انظر “حول البحث”).

تعزيز زبائن العلامات التجارية الرقمية عبر صالات العرض المادية

صغنا مفهوم “التعزيز” (Supercharging) بعد أن سمعنا لأول مرة هذا المبدأ في محاضرة ألقاها لورانس لينيهان (Lawrence Lenihan)، الرئيس التنفيذي لشركة ريزونانس (Resonance Companies)، ثم قمنا بدراسته من خلال بيانات حصلنا عليها عبر عملنا الواسع مع العلامات التجارية الرقمية الرأسية الأصلية (Digitally Native Vertical Brands – DNVBs). يحدث التعزيز عندما يُعتنى بالزبائن في موقع صغير المساحة لا يحتوي عادةً على مخزون، وتتم تلبية طلباتهم في البداية (وفي المرات اللاحقة للشراء المتكرر) من مركز توزيع عالي الكفاءة.

الفكرة الأساسية للتعزيز هي التالية: الزبون الذي يتعرّف على العلامة التجارية في موقع مادي، بدلًا من الإنترنت، لا يكون أكثر ميلًا لتصفح وتجربة مجموعة أوسع من المنتجات فقط، بل يصبح أيضًا أكثر اندماجًا في تجربة العلامة التجارية. هذا الاندماج والانتماء يؤديان إلى زيادة معدل وحجم المشتريات اللاحقة، سواء عبر الإنترنت أو خارجه، من قِبل الزبون نفسه. كما أن هذه التجربة تحقق كفاءة تشغيلية من خلال تقليل معدلات الإرجاع، وهي ميزة أساسية؛ إذ تشكل الإرجاعات مشكلة كبيرة لبائعي الإنترنت، وغالبًا ما تقترب من 30%، وتصل إلى 40% في قطاع الملابس.

يشير لينيهان من شركة ريزونانس، الذي حدد وشرح مفهوم التعزيز، إلى أن هذا المفهوم يتكرر في عالم العلاقات الإنسانية، فعندما تكون العلاقة بين شخصين مقتصرة على البريد الإلكتروني، تفتقر عادة إلى العمق والحميمية التي تميز العلاقة التي تبدأ بلقاء وجهًا لوجه. وفي الحالة الأخيرة، تحظى التفاعلات المستقبلية عبر الإنترنت بدعم وسياق اللقاء الأول غير المتصل بالإنترنت. وبالمثل، فإن المتسوقين الذين جربوا العلامة التجارية في موقع مادي يطورون إحساسًا أكبر بالسياق والارتباط العاطفي بالعلامة التجارية، ويظهر هذا عند الشراء عبر الإنترنت في المستقبل.

هناك فوائد أقل وضوحًا تظهر على الفور بالنسبة لتاجر التجزئة كذلك، فكما يتعلم العملاء المزيد عن تاجر التجزئة ومنتجاته عند انغماسهم في تجربة غير رقمية، يحظى تجار التجزئة بفرصة لملاحظة العملاء الذين يدخلون مواقعهم الفعلية ودراستهم والتعرف إليهم. على وجه التحديد، يستطيع التاجر أن يلاحظ السمات غير الرقمية للعملاء، بما في ذلك استجابتهم العاطفية والحسية تجاه المنتجات، وموظفو المبيعات، والمحفزات داخل المتجر، وأن يجمع ويسجّل تاريخًا للتفاعلات داخل المتجر، وتجربة المنتجات، ومسارات التسوق، وما إلى ذلك. وإن تطبيق التكنولوجيا الملائمة يعزز هذا التعلم المتبادل بشكل كبير، ومن الابتكارات الرئيسية التي أطلقتها شركات DNVBs مثل Bonobos وWarby Parker كان “صالة العرض في المكتب الرئيسي” (head office showroom)، التي تجسد بشكل جميل كلا النوعين من الفوائد. (انظر: “صالة العرض في المكتب الرئيسي”). إن تجارب صالات العرض تخلق عملاء أفضل؛ إذ يتعرض العملاء للعلامة التجارية بطريقة أكثر عمقًا وغنًى، ويصبحون أكثر قدرة على إزالة أي غموض بشأن السمات غير الرقمية لمنتجات التاجر. وبالمثل، تخلق صالات العرض تجار تجزئة أفضل؛ فعندما يكون العملاء حاضرين جسديًّا في بيئة البيع بالتجزئة، يمكن لملاحظة سلوكياتهم أن تقود إلى رؤًى ذات مغزًى، ويمكن لموظفي المبيعات أن يتوقعوا ويستجيبوا لاحتياجات العملاء، ويقدموا خدمة استثنائية، ويوصوا بمنتجات إضافية، ويبحثوا عن علامات عدم ارتياح العملاء، وما إلى ذلك.

الفوائد القابلة للقياس من تعزيز التجربة

في شركة Bonobos، وجدنا أن العملاء الذين “وُلدوا خارج الإنترنت” (born offline)، أي الذين أتموا أول عملية شراء لهم في موقع فعلي (أحد متاجر Bonobos Guide Shops)، يمثلون حصة من المبيعات أكبر من نسبتهم بين العملاء مقارنةً بأولئك الذين “وُلدوا عبر الإنترنت” (born online). فإذا افترضنا أن نسبة العملاء الذين وُلدوا خارج الإنترنت تبلغ 20% (لتسهيل العرض والحفاظ على السرية)، فإن هؤلاء العملاء يمثلون 24% من إجمالي المبيعات، أي بحجم يزيد بنحو 19% عما هو متوقع وفقًا للنسبة.

إن هذا التفوق الظاهر للعملاء القادمين من متاجر Guide Shops لا يأخذ في الحسبان ما قد يسميه الأكاديميون في مجال الأعمال “تأثير الانتقاء” (selection effect)؛ أي أن العملاء الأكثر “حماسًا” (وذوي القيمة الأعلى) قد يكون لديهم الدافع لزيارة متجر Guide Shop أو صالات العرض غير الرقمية في البداية. سنحلل هذه النقطة بمزيد من التفصيل أدناه، لكن الخلاصة هي أن العملاء الذين يزورون Guide Shop يحققون مبيعات تفوق التوقعات.

وتظهر بيانات عملاء Warby Parker نتائج مماثلة. فعندما تُفتتح صالات عرض في أماكن لم تكن موجودة فيها من قبل، يزداد عدد العملاء لأول مرة ضمن منطقة نشاط صالة العرض بأكثر من 7%، كما تجذب صالات العرض نسبة أعلى من المشترين لأول مرة: 83%، مقارنة بـ75% فقط للقناة الإلكترونية. والأكثر دلالة من حيث العزو أن افتتاح صالة عرض يؤدي إلى انخفاض نسبة المشترين الجدد الذين تم اكتسابهم عبر الإنترنت من 75% إلى 67%.

من الواضح أن صالات العرض مفيدة في جذب عملاء جدد. في الواقع، فإن العملاء الذين يخوضون تجربة صالة العرض يصبحون أكثر ارتباطًا بالعلامة التجارية بشكل ملحوظ مقارنةً بأولئك الذين لم يزوروا المتجر مطلقًا ويبقون عبر الإنترنت فقط، كما يصبح ارتباطهم أقوى مما كان عليه قبل تجربتهم غير الرقمية، وتوضح السجلات الشرائية ومسارات اثنين من عملاء Bonobos “المتطابقين” هذه النقطة بوضوح.

“توم” و”بوب” (تم تغيير الاسمين) هما عميلان حقيقيان لدى Bonobos يعيشان في مدينة نيويورك وقاما بأول عملية شراء لهما مع Bonobos في أوائل عام 2015م. في أول عملية شراء، اشترى كل من توم وبوب زوجًا من السراويل عبر الإنترنت. وفي وقت لاحق من ذلك العام، زار توم متجر Guide Shop في نيويورك وقدم طلبًا جديدًا بقيمة 106 دولارات، كما قدم بوب طلبًا ثانيًا بقيمة 182 دولارًا، لكنه لم يزُر متجر Guide Shop. في الواقع، بقي بوب عميلًا عبر الإنترنت فقط ولم يتم “تعزيز تجربته” (supercharged) حتى اليوم. وبحلول معاملته السادسة، كان بوب قد أنفق إجمالًا 762 دولارًا واشترى منتجات من أربع فئات. وفي الفترة نفسها، قام توم بزيارتين إضافيتين إلى متجر Guide Shop، وبحلول معاملته السادسة، أنفق توم ما مجموعه 2,082 دولارًا عبر سبع فئات من المنتجات. (لتحليل أكثر تفصيلًا للبيانات، انظر “فوائد الطلب الناتجة عن تعزيز التجربة” Demand Benefits From Supercharging). كما أن تعزيز التجربة له تأثير إيجابي على المرتجعات، فالمرتجعات تمثل مشكلة دائمة في تجارة الملابس بالتجزئة، وخاصة في التجارة الإلكترونية. ويشير تقرير صادر عن The Retail Equation بعنوان “مرتجعات المستهلكين في قطاع التجزئة لعام 2015م” (Consumer Returns in the Retail Industry 2015)، إلى أن متوسط المرتجعات في المتاجر غير الرقمية، عبر جميع فئات الملابس، يبلغ نحو 8% (و10% خلال موسم العطلات)، وهو أقل بكثير من النسبة التي تتراوح بين 30% إلى 40% التي غالبًا ما تُرى في المشتريات عبر الإنترنت.

كما في السابق، لا نذكر معدل الإرجاع الفعلي، بل نقوم بفهرسته عند 100 للعملاء الذين يتسوقون عبر الإنترنت فقط ولا يزورون صالة العرض مطلقًا. (انظر الشريط البرتقالي في “تأثير زيارات صالة العرض على الإرجاع”). أما العملاء الذين يزورون صالة العرض في نهاية المطاف، فيبلغ مؤشر الإرجاع لديهم 117 بالنسبة لمشترياتهم عبر الإنترنت قبل زيارة صالة العرض، مما يعني أنهم أكثر ميلًا لإرجاع المنتجات مقارنةً بالمتسوقين عبر الإنترنت فقط. ومرة أخرى، مقارنةً بالعملاء عبر الإنترنت فقط، فهم أكثر ترددًا ويظهرون قدرة أقل على تقييم مدى ملاءمة المنتج عبر القناة الإلكترونية وحدها. أما بعد زيارة صالة العرض، وعندما يحصلون على تجربة معززة، فإن هؤلاء العملاء يسجلون معدلات إرجاع أقل بكثير للمنتجات مقارنةً بأنفسهم قبل زيارة الصالة، حيث يبلغ المؤشر 95 % وأقل من معدلات العملاء عبر الإنترنت فقط كذلك. وتقدم بيانات Warby Parker دليلًا مكملًا حول كيفية استفادة بائع التجزئة من مقابلة العملاء وجهًا لوجه. فعندما يشتري العملاء خارج الإنترنت، يؤدي التفاعل بين العميل وبائع التجزئة إلى تقليل معدلات الإرجاع بحوالي 1% من الناحية المطلقة، وهو انخفاض ذو دلالة إحصائية واقتصادية. أما العملاء الذين لديهم احتياجات أكثر تعقيدًا في النظارات، مثل أولئك الذين يحتاجون إلى ارتداء النظارات طوال اليوم، فهم أكثر ميلًا لزيارة صالات العرض. ومن اللافت أن انخفاض معدلات الإرجاع لهؤلاء العملاء يبلغ نحو أربعة أضعاف، ليصل إلى 3.6%. فالعملاء ذوو الاحتياجات المعقدة يكونون أكثر قدرة على تقييم مدى ملاءمة المنتج خارج الإنترنت، كما أن Warby Parker يكون أكثر قدرة على خدمة هذه الفئة وفهمها خارج الإنترنت أيضًا.

تجار التجزئة خارج الإنترنت: من المخزون إلى التجربة

يمكن لتجار التجزئة الذين يعتمدون على القنوات التقليدية الاستفادة من ابتكارات العلامات التجارية الرقمية الأصلية (DNVBs). أولًا، يمكنهم تحويل المتاجر إلى مراكز تجربة تتيح للعملاء التفاعل بشكل هادف مع بائع التجزئة، فيصبح المتجر ليس مكانًا لتلبية الطلبات فقط (وأحيانًا لا يكون كذلك)، بل أيضًا وجهة بحد ذاته.

وقد بدأ هذا التحول بالفعل؛ فقد افتتحت مجموعة سامسونج (Samsung Group)، الشركة الكورية الجنوبية متعددة الجنسيات، مؤخرًا متجرها الرئيسي “Samsung 837” في مدينة نيويورك، وبدلًا من البيع وتلبية الطلبات، يُعد “Samsung 837” مساحة تبلغ 55,000 قدم مربع حيث يمكن للعملاء تجربة منتجات سامسونج والاستمتاع بوقتهم. بالإضافة إلى أحدث منتجات سامسونج المتاحة للمستهلكين، يضم المتجر تجهيزات تتغير كل موسم، بما في ذلك جولات الواقع الافتراضي التفاعلية، ومنسقو الأغاني، ومسرح يتسع لـ75 مقعدًا، ومحطة لالتقاط الصور الذاتية (سيلفي) تشجع العملاء على مشاركة صورهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يتوازى مع الابتكارات التي قدمتها العلامات التجارية الرقمية الأصلية، مثل أكشاك التصوير في متاجر Warby Parker حيث يمكن للعملاء التقاط الصور بإطارات مختلفة ومشاركتها مع الأصدقاء. أما Bucketfeet، وهو بائع تجزئة للأحذية المصممة من قبل فنانين ومقره شيكاغو، فيضم استوديوهات يعرض فيها الفنانون أعمالهم ويمكن للعملاء تصميم أحذيتهم بأنفسهم.

كما يمكن لتجار التجزئة التقليديين إعادة تصميم عرض البضائع لتوفير تجربة متجر أكثر ثراءً وراحة. فعلى سبيل المثال، أدخلت شركة Target Corp.، وهي بائع تجزئة مخفض الأسعار مقرها مينيابوليس بولاية مينيسوتا، تصاميم جديدة تُسمى “المشاهد المصغرة” (vignettes) لفئة ديكور المنازل. ومن خلال عرض المنتجات في مناطق تشبه صالات العرض، يحصل العملاء على أفكار للديكور أثناء تخيلهم كيف ستبدو المنتجات في منازلهم. أما شركة Nordstrom Inc.، وهي سلسلة متاجر فاخرة مقرها سياتل في ولاية واشنطن، فقد بدأت بإطلاق متاجر صغيرة الحجم بلا بضائع، حيث يمكن للعملاء تجربة المنتجات (التي لا تتوافر في المتجر)، والتفاعل مع منسقي الأزياء الشخصيين، أو الحصول على جلسة تجميل للأظافر أو مشروب داخل المتجر.

ومرة أخرى، تقدم العلامات التجارية الرقمية الأصلية نماذج مثيرة يمكن لتجار التجزئة التقليديين التعلم منها. فعلى سبيل المثال، تتيح شركتا Bonobos وTrunk Club، وهي خدمة ملابس شخصية مقرها شيكاغو، للعملاء تحديد مواعيد فردية مع مندوبي المبيعات. وبالمثل، استكشفت العلامات التجارية الرقمية الأصلية كيفية دمج وتحسين تجربة العملاء من خلال الجمع بين البيانات من القنوات المختلفة. وتقدم Amazon Books مجموعة مختارة بعناية من الكتب من خلال عرض الكتب التي حصلت على تقييم أربع نجوم فأكثر فقط في متاجرها.

وقد طبقت متاجر أخرى تقنيات متقدمة تزيد من القيمة التي ينسبها العملاء للمتاجر. فعلى سبيل المثال، طورت شركة Oak Labs Inc.، وهي شركة برمجيات مقرها سان فرانسيسكو، غرف قياس ذكية داخل المتجر حيث يمكن للعملاء مشاهدة كيف ستبدو الملابس في ظروف مختلفة. وإن هذه التجارب المحسنة لا توفر جاذبية إضافية للعملاء لزيارة المتاجر فقط، بل تتيح أيضًا لبائع التجزئة فرصًا للتعرف على سلوك المتسوقين.

ويمكن لتجار التجزئة زيادة زيارات المتجر من خلال تنفيذ مبادرات القنوات المتعددة (omnichannel)، مثل تسلُّم الطلبات عبر الإنترنت من داخل المتجر. فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة Desigual الإسبانية خزائن شحن للمتجر غير مراقبة في متاجرها، حيث يمكن للعملاء تسلُّم طلباتهم عبر الإنترنت مجانًا. ومرة أخرى، يشجع ذلك العملاء على زيارة المتجر وتجديد علاقتهم مع بائع التجزئة، كما تقدم شركة Brickwork Software، وهي شركة ناشئة في نيويورك، خدمة قائمة على الموقع تتيح لعملاء متاجرها حجز مواعيد وتجربة المنتجات في المتاجر القريبة التي يختارونها.

ومن خلال هذه المبادرات، يدفع تجار التجزئة الأذكياء العملاء إلى زيارة المواقع خارج الإنترنت أثناء تسوقهم أو بحثهم عبر الإنترنت، وتعد هذه الاستراتيجية مفيدة أيضًا للمعاملات التي ترتفع فيها احتمالية الإرجاع؛ إذ يمكن لتجار التجزئة تشجيع العملاء على إرجاع المنتجات في المتجر بدلًا من شحنها إلى مركز فرز.

انكماش المتجر ليصبح صالة عرض

شهد دور المتاجر لدى تجار التجزئة الذين يفضلون النمط التقليدي (offline-first) تحولًا ملحوظًا، يظهر ذلك في تطور عدة مؤشرات كمية لدى أبرز تجار الملابس. لنأخذ على سبيل المثال مسار متوسط حجم المتجر (المقيس بشكل معياري) لدى أحد تجار التجزئة العامة مثل Walmart، ولدى أحد تجار الملابس المتخصصين مثل JoS. A. Bank Clothiers Inc.، ومقره Hampstead في ولاية ماريلاند. (انظر “متوسط حجم المتجر التقليدي عبر الزمن”). ورغم أننا أوردنا مثالين فقط لتسهيل العرض، إلا أن النمط ذاته يتكرر لدى العديد من تجار التجزئة الممثلين، مثل Bed Bath & Beyond Inc. وNeiman Marcus Group LLC وغيرهم كثير. من الواضح أن متوسط حجم المتجر يتناقص مع مرور الوقت، بما يتماشى مع فكرة أن تجار التجزئة التقليديين يهيئون بيئة أكثر حميمية، ويبتعدون عن المتاجر التي يقتصر دورها أساسًا على تلبية الطلبات، كما يُظهر معدل الدولارات من المخزون لكل قدم مربع اتجاهًا نحو الانخفاض. وبفضل امتلاك العديد من تجار التجزئة التقليديين الآن لحضور قوي على الإنترنت وقدرات متعددة القنوات (omnichannel)، بات بإمكانهم تقليص نسبة وحدات حفظ المخزون (SKUs) التي يحملونها بشكل روتيني في متاجرهم بشكل كبير.

إذا استمر تجار التجزئة التقليديون في تحويل متاجرهم من دور تهيمن عليه تلبية الطلبات، وأضافوا المزيد من عناصر التجربة، فما هي المنافع والتكاليف التي قد يواجهونها إذا أوصلوا هذا التحول إلى أقصى مداه؛ أي المتجر عديم المخزون، كما ابتكرته Bonobos؟ أجرينا سلسلة من المحاكاة لاستكشاف منافع وتكاليف هذا التحول الجذري، ونستعرض فيما يلي أبرز النتائج.

تستند محاكاتنا إلى سلسلة متاجر أزياء تضم 200 متجر فعلي. وكما في الواقع، تختلف المساحة من متجر إلى آخر، كما يختلف متوسط الطلب المتوقع لكل منها. واعتمدنا هامش ربح تجزئة متوسطًا متحفظًا قدره 125%، ثم قارنا أداء نموذج المتاجر التقليدية بما يمكن تحقيقه عند اعتماد صالات عرض تعمل بالتوازي مع مركز مركزي لتلبية الطلبات. وقد أجرينا هذه المقارنة عبر التحكم في متغيرين أساسيين في تجارة التجزئة: احتمال عثور العميل على المنتج متاحًا للشراء -أي معدل التوفر في المخزون- وحجم المخزون الذي ينبغي على التاجر الاحتفاظ به للوصول إلى معدل التوفر المستهدف.

في عالمنا الافتراضي، تخيلنا سيناريوهين منفصلين؛ في الأول، يُطلب من المتجر وصالة العرض الحفاظ على الاحتمال نفسه لتوفر المنتجات فعليًّا في المخزون؛ أي معدل التوفر نفسه، لكن لاحظ أن كمية المخزون اللازمة لضمان ذلك قد تختلف بين المتجر وصالة العرض. وفي السيناريو الثاني، نعكس المشكلة ونفرض على المتجر وصالة العرض الاحتفاظ بكمية المخزون نفسها (وبالنسبة لصالة العرض، لا يُحتفظ بالمخزون في الموقع؛ بل يُخزن في مركز تلبية طلبات مركزي). وعندما تُثبت مواقع المخزون، قد يختلف احتمال العثور على المنتجات المتوفرة بين المتجر وصالة العرض.

في السيناريو الأول، لنفترض أن هدف التاجر هو توفير معدل توفر في المخزون قدره 95% للعملاء، سواء في المتاجر التقليدية أو في صالات العرض (متطلبات المخزون لتحقيق هذا المعدل تعتمد على مستوى عدم اليقين في الطلب). وأول استنتاج هو أن تجميع الطلبات الناتج عن تحويل المتاجر التقليدية إلى صالات عرض يؤدي إلى تقليص كبير في كمية المخزون المطلوبة، حتى عند مستوى متوسط من عدم اليقين (لنقل 20%) حول ما ستكون عليه المبيعات، ينخفض مقدار المخزون المطلوب للحفاظ على معدل توفر 95% في صالة العرض بنسبة 25%.

أما الاستنتاج الثاني، فهو أن ذلك يؤدي إلى ارتفاع هامش الربح الإجمالي بحوالي 40% (من جديد باستخدام قيمة عدم اليقين في الطلب 20%).

بعد ذلك، نعكس التحليل ونثبت إجمالي المخزون في النظامين، فإذا ثبتنا مستوى المخزون عند الحد المطلوب لتحقيق معدل توفر 95% عند استخدام صالات العرض، نجد أن كمية المخزون نفسها ستوفر معدل توفر قدره 59% فقط عند استخدام المتاجر التقليدية.

بطبيعة الحال، لمعدل التوفر في المخزون أثر كبير على الإيرادات وهامش الربح الإجمالي. ففي عالم تبلغ فيه نسبة عدم اليقين في الطلب 20%، وعندما تستخدم المتاجر وصالات العرض كمية المخزون نفسها، يحقق تاجر صالات العرض إيرادات أعلى بنسبة 7% وهوامش ربح إجمالية أعلى بنسبة 14%.

حتى الآن، اقتصر وصفنا على أثر تقليص التكلفة المباشرة الناتج عن تجميع المخزون في موقع مركزي، إلا أن منافع صالات العرض لا تتوقف عند هذا الحد، فمقارنة بالمتاجر، تتطلب صالات العرض مساحة أقل، مما يؤدي إلى انخفاض التكاليف الثابتة. علاوة على ذلك، لا تحتاج إلى إعادة التوريد عدة مرات في الأسبوع، مما يخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، ولا يحتاج موظفو صالات العرض إلى التعامل مع صناديق كبيرة قادمة من مركز التوزيع، ولا إلى ترتيب المنتجات على الرفوف، وأخيرًا، يمكن إعادة تصميم المتاجر المحولة إلى صالات عرض لخلق بيئة أكثر ترحيبًا وجاذبية.

ندرك كذلك أن هناك تكلفة محتملة ناتجة عن فقدان بعض المبيعات؛ إذ إن العملاء الذين يبحثون عن إشباع فوري -أو لديهم حاجة عاجلة- لا يمكنهم الحصول على المنتج مباشرة من صالات العرض، ويصعب تقدير هذا الأثر بشكل عام، لكنه قابل للتقييم بدرجة ما في كل حالة على حدة من قبل محترفي التجزئة. (قد تكون لدى العميل حاجة أكثر إلحاحًا لبدلة Bonobos، على سبيل المثال، مقارنة بحقيبة سفر Away)، ومع ذلك، يبقى هذا الأمر مصدرًا محتملًا لمخاطر كبيرة.

ومع ذلك، يمكن لمحاكاتنا أن تُبيّن مدى سوء الأمور التي يجب أن تصل إليها، من حيث المبيعات، حتى تصبح صالة العرض (showroom) خيارًا خاسرًا. فبالنسبة لتاجر تجزئة يرغب في تحقيق معدل توافر في المخزون بنسبة 95%، من الممكن أن يخسر ما يصل إلى 15% من المبيعات ومع ذلك يحقق هامش الربح الإجمالي نفسه الذي توفره المتاجر التقليدية. وباختصار، يبدو أن نموذج صالة العرض يمثل استراتيجية قابلة للتطبيق—حتى عندما تكون المبيعات الضائعة من الزبائن الراغبين في الإشباع الفوري ذات شأن كبير.

لقد افتتحنا هذا المقال بمفارقة تبدو جلية: يُقال إن البيع دون اتصال بالإنترنت قد شارف على النهاية، ومع ذلك ما زال حاضرًا بقوة بل ويزداد ازدهارًا. فالمتاجر، في جوهر الأمر، لم تمت؛ لكنها تغيّرت. لقد انتقل مركز الثقل فيها انتقالًا دقيقًا وعميقًا من مجرد تلبية الطلبات إلى بناء بيئات تُصمَّم للتجربة. ولهذا باتت المساحات الأصغر، المدعومة بالتقنية، والقائمة على تفاعل إنساني حي، والأكثر ابتكارًا هي الصورة الغالبة اليوم؛ وهي تُثبت جدواها لتجّار التجزئة الذين تشكّلت أعمالهم منذ البداية على أساس المتاجر التقليدية من جهة، والبيانات الرقمية من جهة أخرى.

المراجع

1. J. Wattles, “Stores Are Closing at an Epic Pace,” April 22, 2017, http://money.cnn.com.

2. J. Smith IV, “Long Live Retail: Fashion Startups Finally Learned Why Physical Stores Still Matter,” Observer, Jan. 8, 2015.

3. See, for example, M. Addady, “Amazon Wants to Open 2,000 Grocery Stores Across the U.S.,” Fortune, Oct. 27, 2016.

4. M. de la Merced, “Walmart to Buy Bonobos, Men’s Wear Company, for $310 Million,” The New York Times, June 16, 2017.

5. Spaly went on to found Trunk Club, which sold to Nordstrom for $350 million. This “curated commerce in a box” has found favor with Stitch Fix, an online subscription and personal shopping service, as well.

6. L. Zumbach, “Bonobos CEO Says ‘Guideshop’ Model Is Working,” Chicago Tribune, April 25, 2016.

7. “Shops to Showrooms: Why Some Firms Are Opening Stores With No Stock,” The Economist, March 10, 2016.

8. C. Reagan, “A $260 Billion ‘Ticking Time Bomb’: The Costly Business of Retail Returns,” Dec. 16, 2016, www.cnbc.com.

9. Lenihan delivered this insight while giving a guest lecture to MBA and undergraduate students at the Wharton School.

10. L. Dishman, “Inside LA’s New, Futuristic Store — Magic Mirrors Included,” Oct. 8, 2015, http://fortune.com.

11. This concept has a long and important history in retailing. In his best-selling book, “Why We Buy: The Science of Shopping,” Paco Underhill introduced and validated the idea of an anthropological view of shoppers. His researchers literally followed shoppers through the store environment in order to glean nuggets of insight into their behavior.

12. As of January 2018, Bonobos had 48 Guide Shops throughout the United States. https://bonobos.com/guideshop.

13. D.R. Bell, S. Gallino, and A. Moreno, “Offline Showrooms in Omnichannel Retail: Demand and Operational Benefits,” Management Science, published online March 23, 2017.

14. The Retail Equation, “2015 Consumer Returns in the Retail Industry,” (December 2015), PDF.

15. Once frames are fitted with customer-specific prescription lenses, the salvage value is close to marginal cost.

16. M. Matousek, “Samsung’s Vision for the Future of Retail Is a Store That Doesn’t Try to Sell You Anything — Take a Look Inside,” Jan. 1, 2018, www.businessinsider.com.

17. S. Kapner, “Nordstrom Tries on a New Look: Stores Without Merchandise,” The Wall Street Journal, Sept. 10, 2017.

18. N. Walters, “7 Cool Things You Can Buy at the New Amazon Books Store in New York,” Aug. 29, 2017, www.thestreet.com.

19. K. Opam, “Oak Labs’ Interactive Fitting Room Feels Like the Future,” Nov. 18, 2015, www.theverge.com.

20. S. Miles, “5 Buy Online, Pick Up In-Store Platforms for Retailers,” Aug. 9, 2016, http://streetfightmag.com.

21. A customer walking in New York City enters “Nike stores” in the search bar on his or her mobile phone. Brickwork surfaces store locations and appointment options.

22. Additional examples are available from the authors, upon request. All the reported differences are statistically significant with p<.01.

23. K. Stock, “Staples Is Shrinking; Radio Shack Is Sinking,” March 6, 2014, www.bloomberg.com.

24. For the technically inclined, the simulated demand for each store comes from a log-normal distribution (to ensure that the sales number generated for each store and from each draw from the simulation is positive).

25. “95% in-stock rate” means that there is a 95% chance that a customer will find his or her preferred item in stock.

i. See D.R. Bell, J. Choi, and L. Lodish, “What Matters Most in Internet Retailing,” MIT Sloan Management Review 54, no. 1 (fall 2012): 27-33.

مقالات ذات صلة