القائمة الرئيسية

بالنسبة للموظفين الطموحين، يمكن للمسار الوظيفي القابل للتطبيق أن يعوض عن مدير جيد

بالنسبة للموظفين الطموحين، يمكن للمسار الوظيفي القابل للتطبيق أن يعوض عن مدير جيد
ملخص المقال

المقال يوضح أن البقاء الوظيفي للموظفين لم يعد يعتمد فقط على جودة المدير المباشر، بل أصبح نمو المسار المهني وفرص التطور داخل الشركة من أهم العوامل، خصوصًا في سوق عمل يتميز بتوسع العمل الحر وزيادة الخيارات الخارجية. البيانات الحديثة تشير إلى أن الموظفين يقيّمون القادة الأعلى مستوى بناءً على قدرتهم على خلق فرص للنمو المهني، وضمان هيكلية المنظمة ودعم استقرارها الاقتصادي، ما يعزز التزامهم وولاءهم للشركة. بينما يظل المدير المباشر مهمًا لدعم الأداء اليومي وتوفير الإرشاد، فإن القادة هم العامل الحاسم في توجيه مسار النمو وإظهار قيمة الموظفين في نجاح المنظمة. لذلك، للحفاظ على المواهب، يجب على الشركات مواءمة فرص التطور الوظيفي مع رؤية الشركة وخطط نموها، ما يحقق فائدة مزدوجة للموظفين والمنظمة على حد سواء.

ترجمة: جود الدهيشي

ليندا جراتون

في سوق عمل تشهد تنافسًا شديدًا على المواهب، يُعد الاحتفاظ بالأشخاص المَاهرين أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على مهارات المنظمة وقدراتها، وكذلك لتجنب تكاليف وتحديات التوظيف. لذا؛ فإن فهم أسباب بقاء الموظفين أو مغادرتهم يُعدُّ أمرًا ضروريًّا.

خلال ذروة الجائحة، لجأ كثير من العاملين إلى التمسك بوظائفهم، حيث فضّلوا البقاء في أماكن عملهم، وسط حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن توقيت توفر اللقاحات، أو فرض الإغلاقات الحكومية التالية؛ ما قَلّص الرؤية طويلة المدى لتحل محلها أولويات الأنشطة اليومية. ومع انتقال العمل إلى النمط الافتراضي بالنسبة لكثيرين، وأصبح الحاسوب الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الزملاء، تصاعدت أهمية دور المديرين في حياة الموظفين؛ إذ إن المديرين الذين أظهروا التعاطف مع فرقهم وكانوا منفتحين ومستعدين لمناقشة قضاياهم، نجحوا في تعزيز التزام فرقهم وتحقيق أداءٍ عالٍ. ففي ذلك الوقت، وُصِف هؤلاء المديرون بأنهم “الخيط الذي يربط الناس بعملهم”. ولكن مع انحسار الثقل الهائل الذي فرضته الجائحة، لم يَعُدِ الناس يتساءلون: “ماذا سيحدث لي هذا الأسبوع؟”، بل أصبح السؤال: “ما الذي ينتظرني خلال السنوات القادمة؟”. وكأنهم خرجوا من سبات طويل، وبدؤوا يخططون للتحليق بأجنحتهم؛ إذ باتوا ينظرون إلى ما هو أبعد من أدوارهم الحالية، متجهين بأنظارهم نحو المستقبل، مع تركيز اهتمامهم على كيفية تطور مساراتهم المهنية.

النتيجة المركزية الأخيرة التي توصلت إليها شركة “كلتشر آي إم بي”[1]، المتخصصة في إشراك الموظفين وتطويرهم وإجراء الاستبانات، استنادًا إلى بيانات تخص نحو 3 ملايين عامل؛ أشارت إلى تغيرٍ ملحوظ في العوامل التي تدفع الموظفين للبقاء في وظائفهم؛ فبالتأكيد، يبقى تعاطف المدير الجيد وقدرته على توفير الراحة عاملًا مهمًّا في الاحتفاظ بالموظفين، لكنه لم يعد الأهم. ففي عام 2021م، كانت “فرص التطور المهني” تحتل المرتبة السابعة بين الأسباب الدافعة لالتزام الموظفين بالبقاء. أما في عام 2023م، فقد ارتفعت إلى المرتبة الثانية كونها أحد أقوى المحفزات. والأهم من ذلك، أن تركيز الموظفين بات مُنْصبًّا على نوعية الفرص التي تتيحها الشركات للتقدم المهني والنمو الوظيفي.

القادة العظماء يتفوقّون على المديرين المباشرين العظماء.

أحد العوامل التي تعزز تركيز الناس في أثناء تفكيرهم في تقدمهم المهني داخل شركاتهم، هو أن هناك الآن مزيدًا من الخيارات خارجها. لذا؛ فإن سوق المستقلين المَاهرين في نموٍّ سريع، ما يقلل من تكاليف الانتقال إلى العمل الحر، ويجعل من السهل البحث عن الفرص والمنظمات الأخرى المتاحة. ولقد أسهمت التطورات السريعة في منصات التوظيف مثل “أبوورك”[2] و”فايفر”[3] في توسيع سوق التعاقدات. ففي استطلاع أُجريَ عام 2023م، أفاد نحو 38% من العاملين في الولايات المتحدة أنهم عملوا كمستقلين بأي شكل من الأشكال في ذلك العام؛ أي ما يعادل 64 مليون شخصٍ، مقارنة بـ 60 مليونًا في العام السابق، فالمنظمات التي تعتمد جزئيًّا على المستقلين المَاهرين ضمن بيئات العمل الخاصة بها، أصبحت تبرزُ كمعيار بدلًا من استثناء. بينما ينظر الناس إلى الفرص الخارجية في العمل الحر، ويبحثون عن فرص للتطوير داخل منظماتهم الحالية، يتساءلون: “مَن هنا قادر على توفير هذه الفرص؟”. بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بتعزيز الالتزام، يمكن للمديرين أن يؤدوا دورًا محوريًّا؛ فأفضل المديرين هم أولئك الذين يعملون مدربين لفريقهم، يدفعونهم ليصبحوا أكثر مهارة، ويوجهونهم حول كيفية سير العمل في الشركة، ويعطونهم فكرة عن الخيارات المتاحة أمامهم. كما يضمن المديرون الجيدون، من خلال كفاءتهم في الاختيار، أن يكون لدى أعضاء الفريق زملاء عمل ذوو أداء عالٍ، يمكنهم التعلم منهم والتعاون معهم. ولكن -خصوصًا بعد الجائحة وفي ظل حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي والوظيفي- يدرك الموظفون أن الفرص لا تتحدد فقط بناءً على جودة المدير، بل تتأثر بعوامل أوسع. تشمل هذه العوامل هيكل المنظمة، ومعدل نموها العام، والأهم من ذلك، قدرتها الاقتصادية، وإذا فشلت الشركة في النمو، فإن الموظفين يدركون أن فرص ترقِّيهم ستظل محدودة.

لذلك، بينما يمكن للمدير أن يؤدي دورًا في دعم قصة نمو الشركة أو مساعدة الموظفين على تخطيط خطواتهم التالية، إلا أن الجزء الأكبر من الواقع حول كيفية خلق التقدم المهني يعتمد على القادة في الشركة؛ فالقادة هم الذين يقررون كيفية هيكلة الأعمال وكيفية تدفق العمل، وهم في النهاية المسؤولون عن نمو الشركة، والموظفون يدركون هذا تمامًا. من الواضح أنه إذا كان السؤال: “ماذا تفضل: مديرًا مباشرًا عظيمًا، أم قائدَ شركةٍ عظيمًا؟”، فالجواب سيكون: “كليهما”. ومن غير المفاجئ أن الاستطلاعات التي قامت بها شركة “كيلتشر آي إم بي” أظهرت أنه من بين الموظفين الذين يجمعون بين المدير العظيم والقائد العظيم، أفاد 89% منهم بأنهم ملتزمون بالبقاء في شركتهم. وعلى النقيض، انخفض الرقم إلى 22% بالنسبة لأولئك الذين لديهم مدير وقائد ضعيفان. لكن هنا تكمن المفاجأة: بينما قال 38% من الموظفين الذين لديهم مدير عظيم وقائد ضعيف إنهم ملتزمون بالبقاء، أفاد 60% من الموظفين الذين لديهم مدير ضعيف وقائد عظيم بأنهم ملتزمون بالبقاء أيضًا.

إنه فرقٌ مذهل! فهذا يُظهر أن المديرين بالفعل مهمون (وأن المديرين الجيدين يشكلون سببًا رئيسًا في قلة تنقل الموظفين بين الوظائف). ولكن في النهاية، يبقى القادة هم العامل الأهم في تحديد نية الموظف للبقاء.

الخطوات المقترحة

يواجه القادة تحديات كبيرة إذا أرادوا العمل بناءً على هذه الرؤية. يظهر فحص دقيق لبيانات استطلاعية لشركة “كيلتشر آي إم بي” أنهُ من 2020م إلى 2024م، حدث تراجع عالمي في إيمان الموظفين بوجود فرص جيدة للتقدم المهني في شركاتهم، فما السبب وراء ذلك؟ بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالمديرين، ظل مستوى الثقة ثابتًا: يُقدّر الموظفون مديريهم المباشرين عندما يهتمون فعلًا برفاهيتهم، ويقدّمون لهم تعليقات مفيدة على أدائهم، ويعملون قدوةً يُحتذى بها. لكن منذ عام 2022م، تراجعت الثقة في القادة على المستويات العليا عالميًّا في ثلاث مهارات حيوية تدعم تقدم الموظفين المهني: أولًا، إظهار مدى أهمية الأفراد لنجاح الشركة، وثانيًا، إبقاء الموظفين على اطّلاع بشكلٍ مستمر، وأخيرًا، التواصل برؤية تحفيزية تُمكنهم من المضي قدمًا.

لطالما كان من المهم أن يدرك القادة ويعوا أن سلوكهم وروايتهم يؤديان دورًا كبيرًا في جذب الموظفين. ولكن في ظل التقلبات الاقتصادية الحالية، أصبح هذا الدور أكثر أهمية؛ إذ القادة المتميزون يدركون هذه الحقيقة، ويعملون على جذب موظفيهم من خلال مواءمة السؤال الأكثر أهمية لدى الموظفين: (“هل سأتمكن من النمو في هذه الشركة؟”)، برؤية الشركة وخططها للنمو. فمن خلال القيام بذلك، ينسقون مصالح الموظفين مع مصالح الشركة. بالنسبة للشركات التي تسعى للنمو والاحتفاظ بأفضل مواهبها، فإن هذه الاستراتيجية تمثل فوزًا للجميع.

نُبذة عن المؤلفة

ليندا جراتون: هي أستاذة ممارسة الإدارة في كلية لندن للأعمال ومؤسسة HSM Advisory. كتابها الأخير هو إعادة تصميم العمل: كيفية تحويل منظمتك وجعل العمل الهجين مناسبًا للجميع (منشورات MIT، 2022).


[1]“Culture AMP”: هي شركة تسمح للشركات بإجراء استطلاعات مجهولة للموظفين.

[2]Upwork: هي منصة للعمل الحر على الإنترنت، يتواصل فيها أصحاب العمل مع العمال المستقلين للتعاون عن بعد.

[3]Fiverr: هو أيضًا موقع عالمي للتجارة الإلكترونية، يقدم مهام وخدمات مقابل مبالغ معينة. 

مقالات ذات صلة