القائمة الرئيسية

من المقاومة إلى القبول: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي شريكًا للمستخدمين؟

من المقاومة إلى القبول: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي شريكًا للمستخدمين؟
ملخص المقال

المقال يوضح أن نجاح تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل حاسم على قبول المستخدمين النهائيين لها، إذ يمكن لمقاومتهم أن تقوض الفوائد المحتملة للمنظمة. ويرتبط هذا الرفض بثلاثة عوامل رئيسية: عدم استفادة المستخدمين مباشرة من الأدوات، الجهد الإضافي المطلوب منهم في التصميم والتطوير، وفقدان استقلاليتهم المهنية بسبب التوجيهات التنبؤية للأداة. لذا يوصي المقال بضرورة تعزيز تبني الذكاء الاصطناعي من خلال زيادة الفوائد المباشرة للمستخدمين، تقليل الجهد المطلوب منهم، حماية استقلاليتهم، وإشراكهم منذ البداية في التطوير والتقييم. وتُظهر تجارب مستشفيات جامعة ديوك وشركات أخرى أن تصميم الأدوات بما يحترم مهام المستخدمين الأساسية، تعديل الحوافز، وتبسيط واجهات الاستخدام يمكن أن يحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة نظرية إلى حل عملي فعال، مما يضمن تحسين الأداء، الابتكار، واستدامة النتائج على أرض الواقع. ترجمة: أثير القحطانيمقاومة المستخدمين النهائيين قد تعرقل مسار الذكاء الاصطناعي، ما يستدعي من المطورين التركيز على معالجة مخاوف سير العمل بجانب الفوائد التجارية.

بقلم: كاثرين سي. كيلوج، مارك سينداك، وسوريش بالو

عند تمام العاشرة من صباح الاثنين، تابع “أمان” بشغف انطلاق ابتكاره الأول: أداة ذكاء اصطناعي تهدف إلى الحد من ازدحام وحدات العناية المركزة. كان هذا المشروع استجابة لطلب قادة العناية المركزة في مستشفى جامعة ديوك، بعد أن كشفت الدراسات عن إمكانية الاستغناء عن العناية المركزة لبعض مرضى النوبات القلبية. كان هدف “أمان” من هذه الأداة هو مساعدة أطباء الطوارئ في تمييز هؤلاء المرضى بفاعلية، وتحويلهم إلى رعاية أكثر ملاءمة، ما يعزز كفاءة الخدمات الصحية، ويحد من الإنفاق غير الضروري.

عمل أمان وفريقه المكوّن من أطباء قلب، وعلماء بيانات، ومهندسي برمجيات، ومديري مشاريع على تطوير أداة ذكاء اصطناعي، تساعد الأطباء بسهولة على تحديد المرضى الذين لا يحتاجون إلى العناية المركزة، كما تضمنت الأداة توضيحات تضاف تلقائيًّا إلى السجلات الطبية الإلكترونية للمرضى، لشرح سبب عدم حاجتهم للنقل إلى وحدة العناية المركزة. وبعد عام من الجهود، أصبحت الأداة جاهزة للاستخدام، لكن بعد ثلاثة أسابيع، فشل إطلاق الأداة، وجاء تعليق أحد أطباء الطوارئ قائلًا: “لسنا بحاجة إلى أداة لتخبرنا كيف نؤدي عملنا”، ليعكس موقف العديد من العاملين في الخطوط الأمامية اتجاه أدوات دعم القرار القائمة على الذكاء الاصطناعي. اعترض أطباء الطوارئ المشغولون في بيئة العمل السريعة على الجهد الإضافي المطلوب لإدخال البيانات في نظام خارج عن سير عملهم المعتاد، وشعروا بأن تدخل أطراف خارجية يفتقرون لفهم طبيعة عمل الطوارئ يمسّ خبراتهم المهنية. مثل هذه الإخفاقات في تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي تتكرر في قطاعات أخرى، رغم قدرتها على تحسين جودة المنتجات والخدمات، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات. إذ واجه المستخدمون النهائيون مقاومة تجاه تبني أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ القرارات، نظرًا لعدم رؤية فوائد ملموسة لهم، ولما قد تسببه هذه الأدوات من عبء إضافي وفقدان للاستقلالية. وعلى الرغم من أن التناقضات بين المستخدمين النهائيين والإدارة العليا في تبني التقنيات ليست جديدة، فإنّ هذه المشكلة أصبحت أكثر وضوحًا في عصر الذكاء الاصطناعي.

نظرًا لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تقدم حلولًا تنبؤية ووصفية، لكنها تتطلب جهدًا كبيرًا في تطويرها عبر تواصل مستمر مع المستخدمين النهائيين، فإن تعزيز قبول هذه الأدوات يشكل تحديًا كبيرًا، ومن خلال تحليل تصميم وتطوير 15 أداة لدعم القرار في “Duke Health[1]” على مدار خمس سنوات، توصلنا إلى مجموعة من أفضل الممارسات التي تساعد في تحقيق التوازن بين المصالح المختلفة وتعزيز تبني هذه الأدوات.

توصلنا إلى أن تعزيز قبول واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يتطلب من القادة زيادة الفوائد المرتبطة بتلك الأدوات، وتقليص الجهد المبذول في تطويرها، وضمان استقلالية المستخدمين من خلال حماية أعمالهم الجوهرية. فمن خلال بحثنا، جمعنا بيانات حول التحديات التي واجهت تطبيق الأدوات في المستشفيات، مع التركيز على الحالات الناجحة. ورغم أن هذه الدراسة تركز على القطاع الصحي، وجدنا أن التحديات نفسها تتكرر في صناعات أخرى مثل التقنية، والتصنيع، والتأمين، والاتصالات.

أصول مقاومة المستخدمين النهائيين

تنشأ الفجوة بين ما تأمل فريق الذكاء الاصطناعي تنفيذه، وبين ما يتبناه المستخدمون النهائيون طوعًا، من ثلاثة تعارضات رئيسة في المصالح:

  1. أدوات الذكاء الاصطناعي التنبؤية غالبًا ما تقدم معظم فوائدها للمنظمة بدلًا من المستخدم النهائي.

تتيح التوقعات الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي التدخل المبكر في سلسلة القيمة داخل المنظمة، ما يعزز الجودة ويخفض التكاليف لكل من المنظمة وأصحاب المصلحة المرتبطين بها. ومع ذلك، فإن هذه الفوائد غالبًا ما تكون غير مباشرة للمستخدمين النهائيين، وقد ظهر ذلك جليًّا في الحالة السابقة، حيث طُلب من أطباء الطوارئ استخدام أداة أفادت أطباء العناية المركزة فقط.

في موقف مشابه، قام أحد المتاجر الإلكترونية بتطوير أداة ذكاء اصطناعي لتحديد مرشحي الوظائف الذين تتطابق سيرهم الذاتية مع ملف الموظفين الناجحين في المنظمة. ومع ذلك، تجاهل القائمون على التوظيف هؤلاء المرشحين الواردين، مفضلين البحث الخارجي عبر منصات مثل لينكد-إن، إذ كانوا يهدفون لجذب عدد أكبر من المرشحين الذين يمتلكون مهارات فنية نادرة. وعلى الرغم من ذلك، كانت فرص قبول هؤلاء المرشحين للوظائف أعلى مقارنة بالمرشحين الذين تم العثور عليهم عبر طرق أخرى، ما يعزز فائدة الأداة للمنظمة والمقابِلين من فرق الموارد البشرية.

  1. قد تتطلب أدوات الذكاء الاصطناعي جهدًا من المستخدمين النهائيين الذين لا يعدون المستفيدين الرئيسيين من هذه الأدوات.

وتتطلب أدوات الذكاء الاصطناعي عملية شاقة ومتواصلة بين المطورين والمستخدمين النهائيين؛ إذ اعتمد مطورو التكنولوجيا على تصميم موجه للمستخدم منذ فترة طويلة، باستخدام تحليل المهام، والملاحظة، واختبار المستخدمين لتلبية احتياجاتهم، إلا أن أدوات الذكاء الاصطناعي تستدعي مستوى أعمق من التفاعل مع المستخدمين.

نظرًا لاحتياج بناء أداة ذكاء الاصطناعي إلى كميات ضخمة من البيانات عالية الجودة، فقد يعتمد المطورون على المستخدمين بدورهم في تسوية اختلافات البيانات بين المجموعات وتوحيد طرق التقارير، كما أن المستخدمين يُعدّون أساسًا في تعريف وتقييم المدخلات والمخرجات الخاصة بالآلة في كل خطوة، بالإضافة إلى مواجهة الافتراضات التي توجه قراراتهم.

وإذا لم يكن لدى المستخدمين النهائيين دافع للمشاركة في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن المديرين الكبار هم الذين يجنون الفائدة الحقيقية. على سبيل المثال، لم يُبدِ أطباء الطوارئ اهتمامًا بتطوير أداة لتشخيص النوبات القلبية منخفضة الخطورة رغم إمكاناتها. وأكدت دراسة في جامعة أكسفورد اتجاهًا مشابهًا، إذ لم يرَ مندوبو المبيعات في إحدى شركات الاتصالات جدوى من أداة ذكاء اصطناعي لتحديد الحسابات المهمة، مفضلين الاعتماد على خبراتهم وعلاقاتهم الشخصية بدلًا من خوض عملية تطوير معقدة.[1]

  1. غالبًا ما تقوّض أدوات الذكاء الاصطناعي التوجيهية استقلالية المستخدم النهائي.

تتميز أدوات الذكاء الاصطناعي الداعمة للقرارات بقدرتها على تقديم توصيات للمستخدمين، مثل نقل مريض إلى العناية المركزة، ما يمنح الجهات الداخلية، كالإداريين وأصحاب المصلحة، رؤية أعمق وتحكمًا جزئيًّا في عملية اتخاذ القرار. في السابق، كان المديرون يضعون بروتوكولات يفسرها المستخدمون وفقًا لتقديرهم، أما اليوم، فتتيح هذه الأدوات متابعة الاستجابة للتوصيات، ما قد يؤثر على استقلالية القرار.

على سبيل المثال، بعد تطبيق أداة جامعة ديوك لتحديد النوبات القلبية منخفضة الخطورة، أصبح بإمكان المديرين وكوادر العناية المركزة الاطلاع على توصيات الأداة ومدى اتباع أطباء الطوارئ لها عند اتخاذ قرار إدخال مريض العناية المركزة. وقد أعرب أطباء الطوارئ عن استيائهم من تدخل أطراف أخرى لا تتفاعل مباشرة مع المرضى في قراراتهم.

امتدادًا للملاحظات في قطاعات أخرى، أظهرت دراسة حديثة في قطاع التجزئة تفاعلات مماثلة مع أدوات الذكاء الاصطناعي؛ فقد حلّل باحثون من جامعة ستانفورد كيفية تأثير تطبيق أداة خوارزمية على مشتري الأزياء، الذين لطالما اعتمدوا على خبراتهم وحدسهم في اتخاذ قرارات دقيقة حول أنماط الجينز وألوان الدنيم. ومع ذلك، فإن تعوّدهم على الاستقلالية جعلهم غير مستعدين لتقييم قراراتهم الحدسية بشكل مباشر.

تشجيع تبني الذكاء الاصطناعي على المستوى الميداني[2] 


لضمان نجاح تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي رغم التحديات، يجب على قادة المشاريع معالجة عدم التوازن بين قيمة المستخدم النهائي وقيمة المنظمة. ويتم ذلك بزيادة الفوائد المقدمة للمستخدم النهائي، وتقليل الجهد المطلوب لتطوير الأدوات، وحماية استقلالية المستخدم من خلال صون جوهر عمله.

1. زيادة الفوائد للمستخدم النهائي
لتحفيز تبني الأدوات، يجب أن يدرك المستخدم النهائي الفائدة المباشرة التي تعود عليه.

يمكن تحقيق ذلك من خلال:

  • التعرف إلى “العائق اليومي” للمستخدم.

يتعين على مطوري أدوات الذكاء الاصطناعي مراعاة الأهداف التنظيمية مع ضمان دعم المستخدم النهائي، سواء في التغلب على تحدياته اليومية أو التعامل مع أي أعباء إضافية تنشأ عن استخدام الأداة. فعلى سبيل المثال، عند تطوير أداة لاكتشاف مرضى الانصمام الرئوي منخفض الخطورة، تواصل الفريق مع أطباء الطوارئ، ليجدوا أن العائق الأساسي لم يكن التشخيص، بل تسريع تجهيز المرضى للخروج وضمان استمرارية الرعاية.

 لذلك، حدّد قادة مشاريع الذكاء الاصطناعي الذين طوّروا أداة فحص المرشحين أوجه القصور لدى موظفي الموارد البشرية، حيث تبيّن أن المستخدمين يواجهون صعوبة في جدولة المقابلات بسرعة بسبب محدودية وقت القائمين على المقابلات. ورغم أن المنطق يقتضي أن تركز هذه الأدوات على خدمة المستخدمين النهائيين، إلا أن ذلك لا يتحقق غالبًا، لأن تمويل تطويرها يأتي من المديرين التنفيذيين أو أصحاب المصلحة، وهم الفئة التي تستفيد منها بدرجة أكبر

ونتيجة لذلك، يركز القادة على هؤلاء العملاء الرئيسيين ويتجاهلون الحاجة لإشراك المستخدمين النهائيين.

2. تطوير حلول للحد من مشكلات المستخدمين النهائيين.

واجه أطباء الطوارئ في ديوك تحديًا بعد تطبيق أداة PE[2]، إذ كان من الصعب تأمين مواعيد متابعة للمرضى P منخفضي الخطورة. ومع إدراك الفريق لهذه المشكلة، أعاد تركيز جهوده نحو تحسين آلية جدولة المواعيد، لضمان استمرارية الرعاية الصحية لهم.

وبالمثل، لاحظ مطورو أداة فحص الموارد البشرية أن موظفي التوظيف يواجهون صعوبة في جدولة المقابلات للمرشحين الذين تم تمييزهم. لذا، قرر المطورون التفكير في كيفية زيادة قدرة المقابلين في الموارد البشرية، واقترحوا الاستعانة بمزود خدمات فحص قبل المقابلات لتخفيف عبء العمل على المقابلين الحاليين.

3. زيادة الحوافز للمستخدمين النهائيين لتحقيق النتائج التي صُممت الأداة لتحسينها.
غالبًا ما يُتوقع من المستخدمين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوجيه قراراتهم، ولكنهم لا يُقاسون أو يُكافؤون بناءً على النتائج التي تهدف الأداة لتحسينها. على سبيل المثال، كان الأطباء في قسم الطوارئ في ديوك يُقيَّمون بناءً على كيفية تشخيص وعلاج المشكلات الشائعة، بدلًا من تقييمهم بناءً على تحديد وعلاج الحالات النادرة، مثل الانصمام الرئوي منخفض الخطورة. عمل الفريق مع قادة المستشفى لتعديل نظام الحوافز، بحيث يُقاس الأطباء الآن أيضًا على كيفية تحديدهم وتوجيههم للمرضى منخفضي الخطورة.

لذا، أدرك المديرون ذوو المناصب العليا الذين كانوا يخططون لتنفيذ أداة ذكاء اصطناعي لفحص المرشحين، أنهم بحاجة إلى تغيير الحوافز للمستخدمين النهائيين لتحقيق النتائج التي تهدف الأداة لتحسينها. وعندما استخدم موظفو الموارد البشرية الأداة، كانوا سيُعدّون أقل إنتاجية إذا تم تقييمهم فقط بناءً على مقاييس الأداء التقليدية مثل عدد المرشحين الذين تم العثور عليهم للوظائف التقنية الصعبة. لذا، أدرك المديرون أنه يجب عليهم تعديل ممارسات التقييم والمكافأة بحيث يحصل الموظفون على حوافز ليس فقط لتحديد عدد كبير من المرشحين ذوي المهارات النادرة، ولكن أيضًا لتحديد مرشحين يقبلون عروض العمل في النهاية.

بالتأكيد، لا يمكن لقادة مشاريع الذكاء الاصطناعي زيادة الحوافز بسهولة للمستخدمين النهائيين لتحقيق النتائج التي تهدف الأداة لتحسينها، لأن أصحاب المصلحة الذين سيستفيدون أكثر من الأداة غالبًا ليسوا الأشخاص أنفسهم الذين يديرون التقييمات والمكافآت للمستخدمين المستهدفين، لذلك، يحتاج قادة المشاريع إلى دعم المديرين ذوي المناصب العليا لتغيير هذه الحوافز.

4. تخفيف العبء على المستخدمين النهائيين في تصميم وتطوير ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي.
يمكن لفرق تطوير الذكاء الاصطناعي تقليل اعتمادها على المستخدمين النهائيين من خلال اتباع استراتيجيات فاعلة لتخفيف مشاركتهم المباشرة في العمليات المعقدة.

في مرحلة التصميم:
ينبغي تقليل الجهد المطلوب من المستخدمين النهائيين في جمع وإعداد مجموعات البيانات، ونظرًا لأهمية أن تكون بيانات التدريب شاملة وتمثل الفئة المستهدفة، فإن جمعها وتسوية الاختلافات بين المصادر يستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، لذلك، يمكن لقادة المشاريع إشراك أطراف خارجية في هذه العمليات.

 في سياق تطوير أداة لكشف مرض الكلى المزمن، اصطدم الفريق بمشكلة تباين البيانات بين السجلات الصحية الإلكترونية وبيانات المطالبات، وبدلًا من تكليف أطباء الرعاية الأولية بمهمة تنظيف البيانات، وقع الاختيار على أطباء الكلى، كونهم الأكثر استفادة من الأداة، لتولي مهمة التحقق والتوحيد.

كما يمكن لقادة مشاريع الذكاء الاصطناعي البدء بأداة “جيدة بما يكفي” تعتمد على مجموعات بيانات متوفرة حاليًّا، حتى لو كانت صغيرة. على سبيل المثال، أراد قائد مشروع تطوير أداة لمساعدة مندوبي المبيعات في شركة تصنيع على تحديد الحسابات المحتملة ذات القيمة العالية، مع تقليل الجهد المطلوب من المستخدمين في إعداد البيانات ذات الصلة. وبدلًا من مطالبة المندوبين بتسجيل بيانات مفصلة حول مراحل عملية البيع (مثل العملاء المحتملين والمؤهلين والعروض التوضيحية)، قام فريق الذكاء الاصطناعي ببناء نظام يعتمد على نماذج أولية تحتاج إلى كمية أقل من البيانات التدريبية، ما قلل من عبء إعداد البيانات على المندوبين.

تقليل الجهد المطلوب من المستخدم النهائي في الاختبار والتحقق أثناء تطوير الأدوات. تبدأ فرق التطوير، بعد إنشاء أداة الذكاء الاصطناعي الأولية، رحلة تحسين طويلة بالتعاون مع المستخدمين النهائيين، وهي عملية قد تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين. ولتخفيف هذا العبء، يمكن الاستعانة بأطراف ثالثة في التقييم. على سبيل المثال، في مشروع تطوير أداة لتحديد أفضل العملاء المحتملين لشركة تصنيع، لم يُعتمد على موظفي المبيعات في التقييم، بل تم اللجوء إلى رئيس تحسين العمليات، الذي استخدم معدل التحويل كمقياس نجاح رئيسي، وأجرى اختبار (A/B)[3] لمقارنة أداء الأداة بالأساليب التقليدية.

لذا، يتعين على قادة مشاريع الذكاء الاصطناعي تسهيل تقييم النماذج للمستخدمين النهائيين بفاعلية أكبر. على سبيل المثال، وجد فريق مشروع جامعة ديوك، الذي يعمل على تطوير أداة للكشف عن مرض الكلى المزمن (CKD[4])، أن المستخدمين النهائيين واجهوا صعوبة في تحديد عتبة درجة الخطورة التي تُعد عالية. إذ استخدم أعضاء الفريق رسومًا بيانية تفاعلية لعرض النسبة المئوية للمرضى ذوي الدرجة المحددة الذين أصيبوا لاحقًا بمرض الكلى المزمن، لذا قام المستخدمون النهائيون بدورهم بتحديد عتبات واضحة لتصنيف المرضى بين الفئة عالية الخطورة والفئة متوسطة الخطورة.

وفي أثناء دمج الأداة، يجب تقليل الجهد المطلوب من المستخدم النهائي في استخدامها، إذ يمكن أن يسهم تبسيط واجهة الاستخدام وأتمتة العمليات المرتبطة بها في تخفيف شعور المستخدم بأن الأداة تفرض عليه عبئًا إضافيًّا. ومن المبادئ الأساسية ألا يُطلب من المستخدم إدخال بيانات يمكن للنظام استرجاعها تلقائيًّا، بل يُفضل توقع احتياجات المستخدم مسبقًا وتجهيز الواجهة بما يلبيها.

في مثال آخر يتعلق بأداة ذكاء اصطناعي لتصفية المرشحين، وجد باحثون في مركز كين للابتكار الرقمي في جامعة فريجي في أمستردام، أن المطورين سهّلوا على مسؤولي التوظيف في شركة للسلع الاستهلاكية استخدام الأداة عن طريق تلوين نتائج توافق المرشحين مع الموظفين الناجحين في الشركة سابقًا. وأظهرت السجلات التي حققت توافقًا بنسبة 72% أو أكثر باللون الأخضر، بينما تم تمييز السجلات التي تقل عن ذلك باللون البرتقالي. فيما بعد، قام المطورون بأتمتة العملية بشكل أكبر، ما سمح لمسؤولي التوظيف بالنقر على زر واحد لاستبعاد المرشحين ذوي احتمالية النجاح المنخفضة بشكل تلقائي.

ومن الاستراتيجيات الفاعلة إعادة توزيع بعض الأعمال الإضافية المرتبطة باستخدام الأداة. على سبيل المثال، أنشأ القائمون على المشروع وظيفة طبية جديدة لتقليل عبء التنبيهات، إثر معاناتهم من كثرة التنبيهات التلقائية الأخرى لدعم القرارات السريرية في ديوك، لذا عيّنوا شخصًا مسؤولًا عن مراجعة التنبيهات عن بُعد وتقييم الخطر المتعلق بمرضى الكلى المزمن، والذين يبلغ عددهم 50,000، ثم يقوم بإبلاغ الطبيب المعالج ليتخذ الإجراء المناسب، وفي حال اتفق الطبيب المعالج مع التقييم، يقوم بإحالة المريض إلى أخصائي الكلى لإجراء زيارة مباشرة.

حماية استقلالية المستخدم النهائي: يعد الإنسان الاستقلالية جزءًا أساسيًّا من قيمته الذاتية، ويكتسب شعورًا بالتقدير من إتقانه لعمله والمعرفة التي يكتسبها مع مرور الوقت، ومع ذلك، قد يشعر المستخدمون بعدم الراحة إذا سمحت أدوات الذكاء الاصطناعي لأطراف خارجية بالتدخل في قراراتهم المهنية؛ لذلك، يتطلب نجاح الذكاء الاصطناعي مراعاة تأثيره على علاقة المستخدمين بمهامهم وتطوير حلول تعزز هذه العلاقة.

حماية المهام الأساسية للمستخدمين النهائيين: عندما طوّر فريق جامعة ديوك أداة ذكاء اصطناعي للكشف المبكر عن تعفن الدم وإدارته، وهو مرض يسبب التهابات شاملة قد تؤدي إلى فشل الأعضاء، واجه الفريق اعتراضًا من أطباء الطوارئ الذين كانوا مستهدفين كأدوات رئيسة. فقد أصرّوا على ضرورة الاحتفاظ بمهام حاسمة، مثل اتخاذ القرار النهائي بشأن التشخيص وطلب الفحوصات والعلاجات اللازمة. بناءً على ذلك، صُمّمت الأداة بعناية لتقدم دعمًا في المهام الثانوية دون التأثير على القرارات الجوهرية التي تشكل جوهر عمل الأطباء، ما يضمن تفاعلًا متناغمًا بين الذكاء الاصطناعي واستقلالية الخبرة الطبية.

في حالة مشتري الأزياء، اكتشف مطورو الأداة أن المشترين يرغبون في الاحتفاظ بالمهام التي يعدّونها إبداعية أو استراتيجية، مثل تحديد النسبة المئوية للأنماط المختلفة من الجينز التي يجب أن تكون ضمن مشترياتهم، مثل الجينز المقطوع أو الجينز الأحمر. واستجابة لذلك، قام الفريق بتصميم الأداة بحيث يمكن للمشتري تحديد هذه الأنماط كمدخل، لتتم تلبية طلب الجينز الأحمر أولًا وفقًا لرؤيته.

قد يبدو من البدهي أن يتجنب المطورون إنشاء أدوات ذكاء اصطناعي تتداخل مع المهام الأساسية للمستخدمين النهائيين، لكن قادة المشاريع قد يقعون في هذا الفخ، إذ إن التدخل في هذه المهام غالبًا ما يعد بتحقيق مكاسب أكبر. على سبيل المثال، في إحدى الشركات التجارية، قام المطورون بتطوير أداة لمساعدة مشتري الأزياء في اتخاذ قراراتهم، لكن القرارات غير المثلى أدت إلى فقدان فرص الإيرادات، بسبب نقص المنتجات المناسبة وفقدان الهامش الإجمالي نتيجة شراء منتجات خاطئة وتخفيض أسعارها. وبالاستجابة لرفض المشترين، قام المطورون بتعديل استراتيجيتهم لتطوير أداة جديدة تساعد التجار في المتاجر على تحديد الوقت والكمية المناسبة لتخفيض أسعار الملابس غير المباعة.

اقتصرت هذه الأداة على المرحلة الأخيرة من عملية بيع الأزياء، ما قلل من قيمتها. ومع ذلك، أدرك قادة الذكاء الاصطناعي أن التركيز على أدوات محددة تُطبّق فعليًّا أفضل من أدوات نظرية غير مستخدمة.

إشراك المستخدمين النهائيين في تقييم الأداة

غالبًا ما يتطلب تقديم أداة ذكاء اصطناعي جديدة استبدال أداة سابقة يفضلها المستخدمون النهائيون، ما قد يثير مخاوف بشأن استقلاليتهم. على سبيل المثال، أداة الذكاء الاصطناعي للكشف عن الإنتان أثّرت على استقلالية أطباء الطوارئ مقارنة بالأداة التقليدية. ولحل هذه المشكلة، أشرك فريق المشروع المطورين الأساسيين للأداة الحالية في تصميم تجربة لاختبار الأداة الجديدة.

توصل باحثون في كلية هارفارد للأعمال إلى ديناميكيات مشابهة في دراسة لمنظمة بيع بالتجزئة، حيث طوّرت بدورها أداة ذكاء اصطناعي للمساعدة في تحديد كميات الأحذية التي تُرسل لكل متجر، وتمنح المديرين أيضًا رؤية واسعة، ما قد يهدد استقلالية المخططين. لذا، ساعد فريق المشروع المخططين، لحماية استقلاليتهم، في تصميم اختبار (A/B) لمقارنة الأداة التقليدية بالأداة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وإن إعطاء المستخدمين النهائيين دورًا في عملية التقييم أمر منطقي تمامًا، فكيف لا يفعله جميع قادة فرق مشاريع الذكاء الاصطناعي؟ السبب هو أنه كلما تم إشراك المستخدمين في تحديد جوانب عملهم التي ستخضع للاختبار، فإنهم سيختارون أصعب المهام. ومع ذلك، بما أنهم سيحتاجون إلى تنفيذ التوصيات، فلا يمكن تجاوز هذه الخطوة.

إشراك المستخدمين منذ اليوم الأول أمر ضروري: غالبًا ما يفضل قادة مشاريع الذكاء الاصطناعي إبقاء الأداة سرية في البداية لتجنب مقاومة المستخدمين، إلا أن القادة الذين لا يشركونهم مبكرًا يكونون أقل نجاحًا. فعندما يُترك المستخدمون بعيدًا عن عملية التطوير، سيشعرون بالاستياء، ما يؤثر بشكل سلبي على قبولهم للأداة، حتى وإن كانت الأداة قادرة على أتمتة العملية، فإن قبول المستخدمين لها يبقى أمرًا أساسيًّا لنجاحها. لذا، فقد تعلم قادة المشاريع الناجحة أن إشراك المستخدمين منذ البداية يزيد بشكل كبير من فرص نجاح الأداة.

تحقيق النجاح في مشاريع الذكاء الاصطناعي

يعِدُ الذكاء الاصطناعي بوعود لامعة، لكن الحقيقة القاسية تكمن في أن أفضل الأدوات لا قيمة لها إذا لم يتم قبولها من قبل المستخدمين النهائيين. لذا، يجب على القادة أولًا فهم الصراعات الرئيسة التي قد تنشأ من قلة الفوائد المباشرة للمستخدمين، والمهام الإضافية التي قد تُطلب منهم، وفقدان الاستقلالية التي يواجهونها. فقط بعد معالجة هذا التفاوت بين القيمة التي يجنيها المستخدمون، والقيمة التي تكتسبها المنظمة، يمكن تحقيق النجاح. فلا يأتي النجاح من البيانات الضخمة أو الوعود الجريئة، بل من القرارات اليومية التي يتخذها الموظفون على أرض الواقع. ولتحقيق وعد الذكاء الاصطناعي، يجب على القادة أن يضعوا في حسبانهم احتياجات العاملين في الميدان لضمان نجاح التطبيق الفعلي.


[1] (Duke Health) يشير إلى نظام الرعاية الصحية التابع لجامعة ديوك وهو منظمة طبية أكاديمية تشمل المستشفيات والعيادات وبرامج البحث الطبي المرتبطة بجامعة ديوك في الولايات المتحدة.

[2] (PE ) وهو اختصار لـ( Pulmonary Embolismمرض الانصمام الرئوي) يشير إلى حالة طبية خطيرة تحدث عند انسداد شريان في الرئتين بسبب جلطة دموية.

[3] (A,B) اختبار يستخدم لمقارنة أداة جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي بالأداة التقليدية، وذلك لحماية استقلالية المستخدمين النهائيين مثل الأطباء أو المخططين.

[4] CKD)) يشير لـchronic kidney disease (مرض الكلى المزمن) وهو حالة طبية تشير إلى تدهور مستمر في وظائف الكلى على مدى فترة طويلة. 

مقالات ذات صلة