ترجمة: جود الدهيشي
بإمكان المؤسسات الكبرى مجاراة سرعة الشركات الناشئة عندما يمنح القادة موظفيهم حرية اتخاذ القرارات باستقلالية، ضمن إطار قيود واضحة ومحددة.
نُشر من قِبَل نيك فان دير مولين
كيف يمكن للمؤسسات الكبرى مواكبة سرعة استجابة الشركات الناشئة للتغيرات السوقية؟ يُمثّل هذا السؤال تحديًا جوهريًّا للقادة الذين يسعون للتحرك بمرونة لمواكبة احتياجات العملاء المتجددة والتغيرات التنافسية. الإجابة غالبًا ما تتلخص في كلمة واحدة: التمكين.
تتميز الشركات الناشئة بتمكين فرقها لاتخاذ قرارات سريعة، ومواجهة المخاطر، واستكشاف أفكار مبتكرة. تعمل هذه الفرق باستقلالية كبيرة، ما يتيح لها التقاط الفرص الناشئة من التغيرات في التكنولوجيا والمنافسة واحتياجات العملاء، وبهذا النهج، تُحقق تقدمًا تدريجيًّا نحو أهدافها الاستراتيجية. أما في المؤسسات الكبرى، فيصبح الأمر أكثر تعقيدًا؛ فمع الحجم الكبير والتعقيد التنظيمي تأتي طبقات من اتخاذ القرار، وميل أكبر لتجنب المخاطرة، وضرورة الحفاظ على الكفاءة التشغيلية والتنسيق الاستراتيجي بين مختلف وحدات الأعمال. لذلك، بينما يُعد التمكين أمرًا ضروريًّا لتعزيز مرونة المؤسسة، فإنه يجب أن يستند إلى تنسيق دقيق يضمن التحرك بسلاسة وفاعلية نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية. لذا، التحدي الذي أُناقشه في هذا المقال: كيف يمكن للمؤسسات الكبرى تعزيز التمكين مع الحفاظ على تماسك المنظمة ومواءمتها للاستراتيجية؟
درستُ هذا السؤال بعمق على مدار السنوات الخمس الماضية، ووجدت أن العنصر الأكثر أهمية هو وجود أربع ركائز تنظيمية تُحدد القيود المتعلقة برؤية المؤسسة، والبيانات، والسياسات، وتخصيص الموارد. تمامًا مثل الحواجز على الطريق السريع، تخلق هذه الحدود منطقة آمنة تمكّن الموظفين من العمل باستقلالية، ما يساعد المؤسسات على التحرك بسرعة أكبر، وتقليل المخاطر، وضمان أن الفرق تعمل في الاتجاه الصحيح. ففي النهاية، تشير أبحاثي إلى أن هذه الحواجز التنظيمية تمنح المؤسسات الكبرى الراسخة القدرة على أن تكون مرنة ورشيقة بقدر الشركات الناشئة، إن لم يكن أكثر منها؛ إذ كشف استبانة أجراها مركز أبحاث نظم المعلومات التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2022، أن المنظمات التي نجحت في خلق بيئة تُمنح فيها الفرق صلاحيات واسعة ضمن أطر وضوابط قوية تفوقت بشكل ملحوظ على نظيراتها الأقل مرونة؛ فقد حققت هذه المنظمات نموًّا في الإيرادات أعلى بنسبة 16.2 نقطة مئوية، وهوامش ربح صافية أعلى بمقدار 9 نقاط مئوية. كما ارتفعت إيرادات المنتجات والخدمات التي طُرِحت خلال السنوات الثلاث الماضية –وهو مؤشر رئيس على الابتكار– بنسبة 15.8 نقطة مئوية. لذا في هذه المقالة، سأستعرض الضوابط الأساسية لحقوق اتخاذ القرار، مدعومة بأمثلة واقعية من دراسات لحالات شركات كـ أولستايت[1] ومارس[2] وتويوتا[3]. رغم اختلاف تحديات كل شركة وسياقاتها، فقد نجحت جميعها في تحويل التوازن بين التمكين والتوافق من عقبة إدارية إلى ميزة تنافسية. تقدم رحلات هذه الشركات رؤى قيّمة حول كيفية تحويل هذا التوازن إلى محرّك أساسي للأداء المتميز والابتكار.
المرونة التنظيمية: مفتاح التكيف والابتكار
تُعرَّف المرونة التنظيمية بأنها قدرة المؤسسة على التكيف السريع مع التغيرات البيئية بطرائق مبتكرة وفعالة من حيث التكلفة، ولكنها لا تقتصر على سرعة الاستجابة فقط، بل تشمل أيضًا الاستباقية، أي القدرة على استشراف الفرص الجديدة أو البحث عنها؛ والتكيف، أي القدرة على إعادة تشكيل العمليات والنماذج التشغيلية بسرعة عند الحاجة. تؤدي هذه القدرات دورًا محوريًّا في دعم الابتكار؛ إذ تُقاس المرونة التنظيمية بمدى سرعة الفرق في التنقل عبر دورة من أربع مراحل: تحديد الفرص، وتحليلها، واتخاذ القرارات بشأنها، ثم تجربة الحلول المقترحة. عندما تتمتع الفرق بالتمكين، تُمنح لها حقوق اتخاذ القرارات التشغيلية؛ أي السلطة والمساءلة عن كيفية تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي يحددها القادة أصحاب حقوق اتخاذ القرارات الاستراتيجية. يُعرف هذا النهج أيضًا باسم اتخاذ القرار اللامركزي، حيث تعمل الفرق المستقلة أو ذاتية الإدارة بحرية، ما يعزز المرونة من خلال التركيز على تحقيق النتائج بدلًا من فرض القادة للعمليات والإجراءات. وبهذا، تتطور الحلول بشكل متكرر لضمان جاذبيتها، وقابليتها للتطبيق، واستدامتها. على سبيل المثال، كان للفرق المُمكّنة في تويوتا موتور أمريكا الشمالية وشركتها الرقمية تويوتا كونيكتد؛ دور بارز في تطوير المنتجات وتحسين تجربة المستخدم. على سبيل المثال، عندما اكتشفت فرق تجربة المستخدم أن العملاء يفضلون تشغيل أنظمة الترفيه والمعلومات في سياراتهم عبر الأوامر الصوتية والشاشات اللمسية بدلًا من لوحات التتبع، قامت بسرعة بتطوير نموذج أولي لاختبار هذه الفكرة. وفي سياق آخر، لاحظت فرق تطوير المنتجات ارتفاع التكاليف المرتبطة بجمع وتخزين البيتابايت من بيانات المركبات المتصلة شهريًّا، ما دفعها إلى ابتكار تقنيات جديدة لاستخلاص البيانات الضرورية فقط. مع تكرار مثل هذه الحلول المبتكرة، تتعزز المرونة التشغيلية في تويوتا، ما يمهّد الطريق لتحقيق المرونة التنظيمية التي تحتاج إليها الشركة للتحول من شركة تصنيع سيارات إلى شركة تنقل متكاملة. ومع ذلك، التمكين لا يعني الفوضى أو غياب التوجيه، بل يحتاج إلى توازن دقيق؛ فعندما توسعت شركة تويوتا كونيكتد “تويوتا المتصلة”[4] من 40 موظفًا في عام 2016م، إلى أكثر من 200 موظف في عام 2019م، أدى ذلك إلى نشوء جزر منعزلة داخل المؤسسة، حيث بدأت الفرق في العمل بمعزل عن بعضها. ومع مرور الوقت، ظهرت طبقات إدارية جديدة، وأصبحت الفرق تركز على تحقيق أهدافها الخاصة دون اعتبار للرؤية العامة للشركة، بل لجأت حتى إلى إنشاء نسخ منفصلة من البيانات واستخدام تقنيات غير متوافقة مع الأنظمة الأخرى داخل المؤسسة. لذا، يُعد هذا النوع من سوء التوافق من أكبر المخاوف التي تمنع القادة من منح الفرق مزيدًا من حقوق اتخاذ القرار التشغيلي. مع ذلك، نجحت الفرق القيادية في كل من شركة تويوتا موتور أمريكا الشمالية وتويوتا كونيكتد، في وضع آليات حوكمة فعالة مكنت الفرق من العمل بمرونة دون زيادة التعقيد التنظيمي. يُظهر نموذج تويوتا أن تمكين الفرق لا يعني إزالة القيود تمامًا، بل وضعها بذكاء لتعزيز الأداء، وقد تحقق ذلك من خلال أربعة ضوابط رئيسة لحقوق اتخاذ القرار كتحويل الرؤية إلى واقع ملموس، وإتاحة البيانات للجميع وتعزيز الشفافية، ووضع سياسات تشغيلية مرنة قابلة للتطبيق، وتوفير الموارد المناسبة لدعم الفرق المُمكّنة.
- تحويل الرؤية إلى واقع ملموس: من الناحية المثالية، يعكس اتخاذ القرار داخل المؤسسة تطلعاتها المستقبلية، ومقترح القيمة الخاص بها، وقيمها الأساسية، التي يُعبَّر عنها في بيانات الرؤية أو الرسالة. إن ترسيخ هذا الهدف في عمليات التخطيط واتخاذ القرار من خلال التأكد باستمرار من أن الخيارات تتماشى معه، يجعله بمنزلة نداء تحفيزي وبوصلة توجيهية في آن واحد؛ فهو يمنح الفرق إحساسًا أعمق بالمعنى في عملهم، كما يوجه جهودهم نحو طموح مشترك. خُذ على سبيل المثال شركة أولستايت، التي تطمح إلى “تمكين العملاء من الحماية التي تساعدهم في تحقيق آمالهم وأحلامهم” من خلال مقترحها القيمي: “توفير حلول حماية ميسورة التكلفة، وبسيطة، ومتصلة رقميًّا”. بالإضافة إلى ذلك، حددت أولستايت 11 قيمة أساسية، من بينها: “يُحقَّق النجاح الجماعي من خلال التعاطف وتقديم مصلحة المؤسسة على المصالح الفردية”. مجتمعة، توفر هذه التطلعات، ومقترح القيمة، والقيم الأساسية، فهمًا شاملًا لهدف المؤسسة بين جميع أصحاب المصلحة. لكن التحدي الذي واجهته أولستايت كان كيفية استخدام هذا الهدف المشترك لتمكين الفرق متعددة التخصصات. وكحال كثير من شركات التأمين، كان قسم المطالبات في أولستايت يعتمد نهجًا تقليديًّا قائمًا على الحلول في استراتيجيته. كان التخطيط الاستراتيجي السنوي يتطلب شهورًا من العمل الدقيق، ما ينتج عنه وثائق مطولة لا تحدد فقط الأهداف الاستراتيجية، بل تفصل أيضًا كيفية تحقيق الفرق لهذه الأهداف من خلال مشاريع محددة. غالبًا ما كانت التغيرات في بيئة الأعمال واحتياجات العملاء تعطل خطط أولستايت حتى قبل تنفيذها، ما جعل النهج التقليدي للتخطيط الاستراتيجي غير فعال. في أوائل عام 2021م، أدرك قادة قسم المطالبات أن عليهم تبني نهج تخطيط ديناميكي قائم على الهدف، يتيح للفرق التكيف بسرعة والاستفادة من الفرص المتاحة. اليوم، يضع قادة المطالبات خطة استراتيجية سنوية تركّز على كيفية تحقيق أهدافهم الاستراتيجية بما يخدم رسالة أولستايت، وتستغرق عملية التخطيط ستة أسابيع، تبدأ بمراجعة بيان رسالة الشركة، ثم تُواءَم الأهداف الاستراتيجية مع هذه الرسالة. بعد ذلك، يوضح القادة كيف أثرت التغيرات في توقعات العملاء والموظفين، والاتجاهات الاقتصادية، والتطورات الرقمية في تحديد هذه الأهداف. ولجعل الخطة أكثر ارتباطًا بالواقع، لا تُقدَّم كمجموعة من البيانات الجافة، بل كقصة تفاعلية تعكس تجارب شخصيات عملاء افتراضية، ما يعزز فهم الفرق ويجعلها أكثر قدرة على التنفيذ. بعد تحديد الأهداف، تصبح الفرق متعددة التخصصات مسؤولة عن وضع الآليات المناسبة لتحقيقها. بإشراف مدير منتج ومهندس أعمال، تمر الفرق بعملية الاكتشاف والتأطير، التي تهدف إلى تحديد المبادرات القابلة للتنفيذ، وربطها بالأهداف الاستراتيجية، ووضع معايير واضحة للنجاح، وتصميم تجارب لاختبارها. وخلال هذه المرحلة، يكون اتخاذ القرار عملية جماعية، حيث يتحمل كل عضو، بغض النظر عن دوره الوظيفي، مسؤولية تحقيق نتائج المبادرات التي اختيرَت. وعليه لضمان التنفيذ الفعّال، تركّز الفرق فقط على المبادرات التي تلتزم بها، مع الاسترشاد بخطة الشركة ورسالتها في جميع قراراتها، كما تعتمد على التواصل المفتوح والمستمر لضمان دعم أصحاب المصلحة والحفاظ على التوافق التنظيمي. تُحدَّث خرائط الطريق أسبوعيًّا، كما تُعقد اجتماعات يومية وأسبوعية لحل المشكلات واستعراض التقدم، حيث يُشجَّع جميع المشاركين على تقديم ملاحظات صريحة وقابلة للتنفيذ، بغض النظر عن مناصبهم الوظيفية. يتيح هذا النهج المرن للفرق التكيف بسرعة مع المتغيرات، والتعلم المستمر، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية بفاعلية أكبر، ما يُبقي أولستايت على المسار الصحيح نحو تحقيق رؤيتها، مع ضمان مرونة أكبر في مواجهة تحديات السوق المتغيرة.
- إتاحة البيانات للجميع وتعزيز الشفافية: في كثير من الشركات الكبيرة، غالبًا ما يشكل ضعف إمكانية الوصول إلى البيانات عائقًا أمام الفرق متعددة التخصصات لاتخاذ قرارات تشغيلية فعالة. تقليديًّا، كانت ملكية البيانات محصورة داخل الأقسام المختلفة، ما أدى إلى تمركز اتخاذ القرار في المستويات الإدارية العليا، حيث يتمتع القادة بإمكانية وصول أوسع إلى المعلومات، ما يتيح لهم اتخاذ قرارات أكثر استنادًا إلى الأدلة. لتمكين الفرق من اتخاذ قرارات أكثر كفاءة وسرعة، تحتاج المؤسسات إلى إتاحة الوصول المنظم إلى بيانات أكثر دقة وفي التوقيت المناسب، مع مراعاة مستوى الاستخدام المقصود لكل فريق. يحقق هذا النهج توازنًا دقيقًا؛ فهو يعزز قدرة الفرق على تحليل الحلول وتجربتها بسرعة، وفي الوقت ذاته، يمنع المخاطر المرتبطة بسلامة البيانات، والامتثال التنظيمي، والعمل بمعزل عن الفرق الأخرى على مشكلات متشابهة. تبنّت شركة مارس المتحدة، استراتيجية دمقرطة البيانات عبر منح فرقها وصولًا أوسع إلى المعلومات المنظمة، بهدف تعزيز استخدام تحليلات البيانات لفهم العملاء فهمًا أعمق. لتحقيق ذلك، أطلقت الشركة مجموعة علوم البيانات، الطلب الرقمي والتحليلات، التي أدت دورًا رئيسًا في تمكين الفرق من استخلاص رؤى قابلة للتنفيذ. استثمرت مارس المتحدّة في هذه المبادرة من خلال توظيف أكثر من 100 عالم بيانات، إلى جانب إشراك مئات الموظفين ذوي الخبرة في كلٍّ من الشركة وعلوم البيانات لمساعدة الفرق على حل مشكلات العملاء. ومع ذلك، فإن تسريع عملية حل المشكلات يتطلب أن يكون كل عضو في الفريق قادرًا على استخلاص الأفكار والرؤى مباشرةً من البيانات المتاحة، دون الحاجة إلى وسيط متخصص. لتحقيق ذلك، طورت وحدة التقنيات الرقمية في مارس منصات بيانات متقدمة، تتيح للموظفين تحويل البيانات ونشرها بأمان وفاعلية من خلال أدوات متطورة لتصور البيانات والتحليل الذاتي. لكن ربما كان العنصر الأكثر تأثيرًا هو مورد التدريب الداخلي “جامعة مارس”، الذي قدّم برنامجًا متعدد المستويات في علوم البيانات، حيث دُرِّب أكثر من 30 ألف موظف على أساسيات تحليل البيانات، ما عزّز قدراتهم في التعامل مع البيانات واتخاذ قرارات قائمة على الأدلة. تعتمد مرونة الشركات اليوم على مدى إمكانية الوصول إلى البيانات، وفهمها، وتوظيفها بفاعلية عبر جميع الفرق. يوضح نهج شركة مارس أن تمكين الموظفين من البيانات لا يقتصر على توفير الوصول إليها فقط، بل يتطلب خلق بيئة عمل تشجع على فهم البيانات كقيمة مشتركة، مع ضمان إدارتها واستخدامها بشكل مسؤول، ومن خلال التركيز على المستخدم وتعزيز التعاون في تحليل البيانات، يمكن تحويل البيانات إلى أصل استراتيجي يعزز الكفاءة والابتكار داخل المؤسسة.
- وضع سياسات تشغيلية مرنة قابلة للتطبيق: لتمكين الفرق المفوضة من تحقيق أقصى استفادة من قراراتها التشغيلية، يجب على المنظمات تبسيط القواعد الحالية وصياغتها في شكل سياسات ومعايير واضحة وقابلة للتنفيذ. إن وضع حدٍّ أدنى من السياسات الضرورية يضمن استمرارية الأعمال دون فرض قيود غير ضرورية، ما يتيح للفرق حرية اتخاذ القرارات مع الحفاظ على الانسجام المؤسسي، كما تساعد هذه السياسات في إدارة الاستثناءات، ما يجعل العمليات أكثر كفاءة ومرونة. إحدى الاستراتيجيات الفعالة لتحقيق ذلك هي اتباع نهج “الامتثال أو التفسير”، حيث لا تُفرَض حلول جامدة تنطبق على الجميع، بل تُزوَّد الفرق بتوصيات قوية مع إتاحة المجال للمرونة عند الحاجة. يعتمد هذا النهج على مبادئ توجيهية أساسية تسهّل عملية اتخاذ القرار، خصوصًا عند مواجهة المفاضلات. على سبيل المثال، يمكن أن تشمل هذه المبادئ “البيانات هي أصل يجب مشاركته” أو “الشراء بدلًا من التطوير”. وفي حال قررت الفرق عدم الالتزام بأحد هذه المبادئ، يكون من المتوقع أن تقدم مبررات واضحة لقرارها. ومع ذلك، فإن تحديد السياسات والإجراءات التي يجب أن تكون إلزامية على مستوى المؤسسة، وتحديد أيها يمكن تبنيه كأفضل ممارسة، وأيها يجب تبسيطه أو إلغاؤه، يمثل تحديًا يتطلب توازنًا دقيقًا. في هذا السياق، أتاح فريق القيادة الرقمية لشركة تويوتا موتور أمريكا الشمالية وتويوتا كونيكتد لمجموعات الخدمات المشتركة حرية تحديد مدى الحاجة إلى التخصيص مقابل التوحيد القياسي على مستوى الشركة. من خلال هياكل تنظيمية قائمة على المصفوفة، حيث يعمل أعضاء من مجموعات الخدمات المشتركة (أفقيًّا) ضمن فرق المنتجات (رأسيًّا)، نجحت المنظمة في تحقيق الانضباط والكفاءة مع الحفاظ على المرونة اللازمة للفرق. على سبيل المثال، أنشأ فريق تصميم تجربة المستخدم نظام تصميم متكاملًا، يجمع بين عمليات ومعايير التصميم والهندسة، مع تضمين أجزاء منه في كود قابل لإعادة الاستخدام. كان من المتوقع أن تتبنى جميع فرق المنتجات هذا النظام، حيث وفرت العمليات آليات للتحقق من صحة الأفكار وبناء حلول اختبارية مع العملاء، وقدّمت المعايير أنماط استخدام موصى بها لعناصر التصميم المعيارية، في حين سمح الكود القابل لإعادة الاستخدام للمهندسين بإنشاء نماذج لهذه العناصر بسرعة داخل تطبيقاتهم. نتيجة لهذا النهج، تمكنت الفرق من تسريع عملية تطوير البرمجيات مع الحفاظ على تصميم متسق عبر مختلف واجهات المستخدم، بما في ذلك أنظمة المركبات، والتطبيقات المحمولة، والمواقع الإلكترونية. هذا التوازن بين التوحيد القياسي والمرونة التشغيلية جعل عملية الابتكار أكثر انسيابية وكفاءة، ما ساعد الشركة على تعزيز قدرتها التنافسية في السوق.
في تويوتا، كان التنفيذيون يجتمعون يوميًّا لرصد العقبات التي تواجهها الفرق ومعالجتها بسرعة.
لضمان أن فرقهم قادرة على تقديم حلول تلبي احتياجات العملاء دون عوائق، اعتمد قادة تويوتا كونيكتد على نهج استباقي لمعالجة المشكلات؛ فقد كان فريق من المديرين التنفيذيين يجتمعون يوميًّا عند الساعة 5 مساءً لمراجعة التحديات التي تعيق تقدم الفرق. كان يُخصص 24 ساعة لحلّ كل عقبة، وإن تعذّر حلها، تُصعَّد تلقائيًّا إلى مستوى إداري أعلى لضمان عدم إبطاء عجلة التقدم. يعكس هذا النهج التزام الشركة بالمرونة والابتكار من خلال إزالة التعقيد غير الضروري. إلى جانب تقليل أو تبسيط السياسات، يعتمد مفهوم السياسة التشغيلية القابلة للتطبيق على إعادة الاستخدام، حيث يحدد القادة توقعات للفرق بضرورة تجزئة حلولهم إلى مكونات، والاعتماد على منصات أو مستودعات مركزية لتخزين تلك المكونات القابلة لإعادة الاستخدام، سواء كانت بيانات أو عمليات أو أصولًا رقمية. أما بالنسبة لشركة تويوتا، فكان ذلك يعني الابتعاد عن المنصات المغلقة والضخمة التي أصبح من الصعب توسيعها وصيانتها بتكلفة مرتفعة، والتحول بدلًا من ذلك إلى مستودعات الأكواد مفتوحة المصدر وإنشاء خدمات مصغرة يمكن توزيعها عالميًّا عبر منصات مثل منصة الخدمات المتنقلة العالمية الخاصة بها. سمح هذا التحول لفرق تويوتا بتجنب تكرار العمل، وتحقيق قيمة للعملاء بشكل تدريجي، وإعادة تجميع الخدمات في حلول مخصصة محليًّا (مثل خدمات مشاركة السيارات في هاواي واليابان وأوروبا) لتصل إلى السوق بشكل أسرع. على غرار تويوتا، شجعت مجموعة التقنيات الرقمية في مارس أيضًا استخدام المكونات القابلة لإعادة الاستخدام، وقد سمح ذلك للفرق بإعادة تكوين تجارب المستخدم بسرعة أسبوعيًا، ما منحها القدرة على اتخاذ المبادرات وإصدار الأحكام لاتخاذ قرارات تحقق أكبر قيمة للشركة. ومع ذلك، كان على الفرق الامتثال لبعض السياسات العليا، مثل ضرورة عرض كل مبادرة فريق على مجموعة التصميم المعماري المركزية، ومجموعة الأمن السيبراني، وأحيانًا فريق المشتريات. أسهمت مشاركة هذه المجموعات في التعرف بسرعة إلى الحلول الواعدة داخل القطاعات المختلفة أو عبرها، ما ساعد على تعزيز الحلول المناسبة مع ضمان الأمان والامتثال للمكونات المستخدمة. يظهر هذا النهج كيف أن السياسات الدنيا القابلة للتطبيق يجب أن تأخذ في الحسبان الترابط بين الفرق، وأحيانًا قد تحتاج مرونة الفرق الفردية إلى التضحية بها من أجل تحقيق مرونة أكبر على مستوى المؤسسة.
- توفير الموارد المناسبة: أحد العوامل الأساسية التي تؤثر في قدرة الفرق على العمل بمرونة هو مدى توافر الموارد التنظيمية، سواء كانت مادية أو مالية أو متعلقة بالمواهب. الفرق التي لا تحصل على الموارد التي تحتاج إليها لا تكون ممكّنة، بل متروكة لمصيرها. ومع ذلك، فإن الأساليب التقليدية لتخصيص الموارد غالبًا ما تفشل في دعم الفرق المتمكّنة، نظرًا لعدم كفاءتها وعدم قدرتها على مواكبة التغييرات السريعة. وبما أن هذه العمليات عادةً ما تكون مبنية على مشاريع محددة المدة (غالبًا سنة، بناءً على دورة الميزانية السنوية)، فإنها تقيّد قدرة الفرق على التكيف مع نتائج تجاربها أو تعديل خططها عند الحاجة. لمواجهة هذا التحدي، تعتمد بعض المؤسسات على أساليب تمويل شبيهة برأس المال الاستثماري أو تتيح آليات واضحة للفرق للوصول إلى الميزانيات الطارئة عند الضرورة. في تويوتا كونيكتد، تمحور هذا النهج حول ثلاث مراحل من النضج: إثبات المفهوم، والتطوير، والتشغيل. عندما كان لدى المهندسين أفكار جديدة لمبادرات يؤمنون بها، كانوا يطلبون موافقة كبار مديري المنتجات لإنشاء نموذج أولي، وإذا أظهر هذا النموذج إمكانات واضحة لحل مشكلة فريدة في السوق، كان الفريق يقدّمه إلى الإدارة التنفيذية عبر مجلس مراجعة المنتجات ومجلس الاستثمار للحصول على تمويل إضافي لمواصلة تطويره. بمجرد أن يصل المشروع إلى مرحلة المنتج القابل للتطبيق بنجاح، يُعرَض على كيانات أخرى داخل تويوتا لتبنيه، ما يتيح الحصول على تمويل إضافي لمواصلة تطويره وتشغيله. كان استمرار الفرق في تلقي التمويل يعتمد على مدى التقدم الذي تحققه في الانتقال إلى المرحلة التالية من النضج. اعتماد تويوتا كونيكتد على نهج شبيه برأس المال الاستثماري دفع الفرق إلى التفكير بمنطق تجاري؛ إذ لم يكن التركيز منصبًّا فقط على تطوير المنتجات، بل أيضًا على الجوانب المالية مثل نقاط التسعير، وحصة السوق المحتملة، والأهم من ذلك، التكلفة. حتى عند إضافة ميزات جديدة إلى المنتجات الحالية، كان التأثير المالي لكل منها يُقيَّم بدقة: هل ستؤدي هذه الميزة إلى زيادة متطلبات الأجهزة في المركبات؟ هل سترفع تكاليف الاتصال عن بُعد؟ على سبيل المثال، أتاح تطبيق تويوتا ولكزس[5] للمستخدمين إمكانية التحقق من مستوى الوقود في مركباتهم، ما عزّز من قيمة التطبيق. ولكن في المقابل، أضاف هذا ميزة جديدة تتطلب جمع البيانات ونقلها ومعالجتها وتخزينها بشكل مستمر، ما يفرض تكاليف تشغيلية إضافية يجب مراعاتها. وبالمثل، كان على الفرق[6] في قسم المطالبات بشركة ألوستايت أن تركز على النتائج، ولكن نظرًا لأن هذه النتائج كانت متوافقة تمامًا مع الأهداف الاستراتيجية المشتركة للشركة، لم يكن تمويل الفرق يتم بشكل تدريجي، وبدلًا من ذلك، كانت الشركة تموّل المجالات الوظيفية الكبرى وتحرص على عقد اجتماعات دورية للتأكد من امتلاك الفرق الموارد الكافية لتحقيق أهدافها. في معظم المشاريع، كان الأمر يتطلب مشاركة محللين أو مطورين أو مهندسين من قسم التكنولوجيا؛ لذا كانت جميع المبادرات الجديدة تخضع لتقييم أسبوعي من قبل لجنة التقييم والأولويات، وهي لجنة تديرها وحدة الابتكار في قسم المطالبات، وتضم قادة من أقسام المطالبات وعلوم البيانات والتكنولوجيا. كان هذا النهج يتيح للجنة إعادة ترتيب الأولويات ديناميكيًّا وفقًا لقيمة كل مبادرة، أو مدى قدرتها على تقليل المخاطر أو معالجة أكبر التحديات غير المعروفة. ومن خلال هذه العملية الأسبوعية، أصبح تخصيص المواهب يتم بسرعة وكفاءة، على أيدي أشخاص لديهم فهم عميق لاحتياجات العملاء والأعمال. لذا، يُظهر نموذج ألوستايت أن تزويد الفرق بالموارد لا يتعلق فقط بتوفير التمويل، بل ببناء إطار عمل ديناميكي وقابل للتكيف، يدعم الفرق المتمكّنة ويواكب احتياجاتها المتغيرة. نتيجة لذلك، لا يعمل هذا النهج على تبسيط إدارة الموارد فحسب، بل يجعله أكثر انسجامًا مع رؤية المؤسسة، وأهدافها الاستراتيجية، والتطور المستمر لاحتياجات السوق.
رسم طريق النجاح نحو المُستقبل
عند تقييم ممارساتك التنظيمية الحالية بعين ناقدة من خلال هذه الحواجز، حدد المجالات التي يمكن تعزيز التمكين فيها مع الحفاظ على التوافق مع الأهداف الاستراتيجية. لتحقيق ذلك، عليك أن تضع في حسبانك هذه الأسئلة الأربعة:
- هل تأخذ أنت وفرقك الغرض من كل قرار لتضمن توافقه مع الأهداف الاستراتيجية المشتركة؟
- هل تتيح الوصول السريع إلى البيانات المدارة بكفاءة، والتي تحتاج إليها فرقك لاتخاذ قرارات مستنيرة وفي الوقت المناسب؟
- هل تقوم بتبسيط السياسات وإعادة استخدام المكونات القياسية لتسريع عملية اتخاذ القرارات والتطوير؟
- هل تقوم بتعديل تخصيص الموارد بانتظام استنادًا إلى احتياجات الفرق المتغيرة؟
إن تحويل منظمة كبيرة وثقافتها نحو أسلوب العمل المرن ليس أمرًا يحدث بين عشية وضحاها؛ بل هو عملية مستمرة تتطلب التقييم المستمر والتكيف الدائم مع الحواجز الأربعة التي تمكّن التفكير والعمل الرشيق. والنتيجة؟ مزيد من الابتكار والاستجابة السريعة للمنظمات التي تدرك أن الفرق المتمكنة هي سر مرونتها ونجاحها، ما يحقق لها ميزة تنافسية مستدامة في عالم يتغير بسرعة.
نُبذة عن المؤلِّف
نيك فان دير ميولين هو عالم أبحاث في مركز أبحاث نظم المعلومات التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
[1] وهي ثاني أكبر شركة تأمين شخصية في الولايات المتحدة الأمريكية وأكبر شركة عامة.
[2] هي شركة أمريكية عالمية لصناعة الشوكولاتة، والسكاكر، وأغذية الحيوانات الأليفة ومنتجات غذائية أخرى.
[3] تعد تويوتا أكبر مصنع للسيارات.
[4] هي الذراع الرقميّة لشركة تويوتا للسيارات، وهي متخصصة في تطوير الحلول الذكية والاتصال الرقمي لتحسين تجربة القيادة والتنقل.
[5] هي شركة سيارات فاخرة تابعة لشركة توي
