القائمة الرئيسية

ثلاثة وجوه تسيء الشركاتُ بها فهم الأخلاقيات

ثلاثة وجوه تسيء الشركاتُ بها فهم الأخلاقيات
ملخص المقال

يشير المقال إلى أن تعقيد مؤشرات المسؤولية المجتمعية للشركات، مثل الحوكمة البيئية والاجتماعية، التنوع والعدالة، وأداء الشركات الاجتماعي، لا يضمن بالضرورة السلوك الأخلاقي، بل قد يزيد المخاطر إذا اعتمدت الشركات على مستشارين خارجيين أو قوائم فحص وآليات تقييم مجردة. ويؤكد المقال أن الأخلاقيات يجب أن تكون جزءًا جوهريًا من ثقافة الشركة، عبر صياغة عروض قيمة واضحة وشفافة تربط بين الربح والقيم الأخلاقية، كما يفعل مثال شركات مثل “باتاغونيا” و“ناتورا” و“تارقت”، التي تعتمد خطوات ملموسة ومدروسة بدلًا من وعود طموحة بلا أساس. ويخلص المقال إلى أن الطريق إلى الأخلاق بسيط من حيث المبدأ: الالتزام بالقيم، الشفافية في الأعمال اليومية، وعدم تفويض المسؤولية للآخرين أو الاعتماد على أساليب معقدة، مما يعزز ثقة الموظفين والعملاء ويحقق نتائج مستدامة.

ترجمة: وسن الجارالله

أيؤدي تزايد المقاييس والمواد المتعلقة بالمسؤولية المجتمعية للشركات إلى زيادة تعرّض شركتك للأخطاء الأخلاقية بدلًا من تقليلها؟

لطالما كان اتخاذ قرارات عمل سليمة أخلاقيًّا واستراتيجيًّا أمرًا بالغ الصعوبة، فيُطلب من القادة أن يتصرفوا بأساليب تتفق مع قيمهم الشخصية وتعزز التضامن والثقة بين أصحاب المصلحة المختلفين، وأيضًا تحسين سمعة شركتهم، ومنع الفضائح، مع مراعاة لتحقيق النتائج النهائية.

وازدادت تحديات القيادة في وقتنا الحالي تعقيدًا أكثر من أي وقتٍ مضى، ويقيّم المستثمرون الشركات بناءً على المؤشرات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات. (ESG: Environmental, Social and Governance) وللموظفين مطالبات بالتزامات واسعة النطاق متعلقة بالتنوع والعدالة والاندماج. (DEI: Diversity, Equity, and Inclusion) كما أن العملاء يرغبون بشراء العلامات التجارية المرتبطة بأداء الشركات الاجتماعي المهمة. (: Copreate Social PerformanceCSP)

مع أنه من غير المنطقي مع ازدياد التعقيدات الأخلاقية للحوكمة البيئية والاجتماعية والشركات، والتنوع والعدالة والاندماج، وأيضًا أداء الشركات الاجتماعي، إلّا أن مجموعة من الشركات وجدت بأن التوجّه في توظيف البساطة بالأخلاقيات أمرٌ أجود، فيستوفون المتطلبات المذكورة أعلاه حين يرفضون تعقيد الأخلاقيات. وترفض هذه الشركات التنازل عن مسؤولياتهم الأخلاقية، فتعمل على صياغة عروض قيمة لا تستند على المبادرات الاجتماعية، وذلك بغرض إخفاء أو تشتيت الانتباه عن كيفية تحقيقها للقيمة المالية، وتتسم بالشفافية في معاملاتها مع جميع أصحاب المصلحة.

أولًا: لا تضع الأخلاقيات بأيدي الآخرين

فلا عجب أن تُظهر المطالب الأخلاقية في يومنا هذا منتجات وخدمات معقدة بالقدر نفسه من شركات مثل “إيثيسفير” و”روبيكو إس إيه إم”، وبعض الشركات الاستشارية الكبرى مثل “ديلوت”. ومن السهل أيضًا معرفة أسباب استعانة القادة ذوي النوايا الحسنة بمستشارين حين يواجهون عددًا هائلًا من المتغيّرات خلف حساب المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، والتنوع والعدالة والاندماج، بالإضافة إلى أداء الشركات الاجتماعي، فالحلول الخارجية للأخلاقيات لا تعزز التضامن بين الموظفين ولا تكسب ولاء العملاء، كما أنها لا تمنع الفضائح أو تساعد القادة على الراحة والنوم الهنيء.

ومع أن شركة “ستاربكس” كانت عميلًا قديمًا لـ”إيثيسفير”، إلّا أن هذه الشراكة بينهما لم تحمِها من الفضائح الأخلاقية. ففي عام 2018م اضطرت فروع “ستاربكس” في جميع أنحاء العالم إلى الإغلاق ليوم واحد للتدريب على المراعاة، وهو حدث صُمم بالاستعانة بموظفين بعقود خارجية في مجال الأخلاقيات، وحدث ذلك بعد أن اتصل مدير فرع فيلاديلفيا بالشرطة لإبعاد رجلين أسمرين من أصول إفريقية كانا ينتظران زميلهما قبل طلب ما يريدان. إلا أن هذا التدريب التي دفعته “ستاربكس” أدى إلى نتائج غير متوقعة، فبعد عام طلب أحد العاملين في مدينة “أريزونا” من مجموعة من ضباط الشرطة مغادرة المكان بعد أن اشتكى أحد العملاء بشعوره بعدم الأمان. وتستمر هذه الفضائح والمشكلات إلى يومنا هذا، فاتضح أن الشركة على سبيل المثال تزعم بأن شوكولاتتها تُصدّر من “مصادر أخلاقية”، إلّا أن الأدلة تُشير إلى استخدامهم لعمالة من الأطفال لتوريد هذه الموارد.

يجب أن تكون الأخلاقيات جزءًا لا يتجزأ من جوهر الشركة، إذ تُعد شركة “باتاغونيا” مثالًا رائدًا في مجال الأخلاقيات وذلك بتعزيزهم لمسألة القيمة المميزة والأصيلة في جذورهم. وتجني الشركة أموالها ببيع ملابس متينة تدوم طويلًا، والتي حصلوا عليها وأنتجوها بعمليات واضحة وشفافة وإنسانية تستند إلى مبادئ جوهرية في مجال البيئة ورفاهية الحيوان. فقد حدد لنا تصريح شركة “باتاغونيا” الأخير فيما يخص “جعل الأرض المساهم الوحيد” مستوًى عاليًا يستحيل على الشركات تحقيقه، فكانت شركة “باتاغونيا” الكلاسيكية مثالًا مقبولًا للأخلاقيات التجارية الصحيحة.

يجب أن تكون الأخلاقيات جزءًا لا يتجزأ من جوهر الشركة.

إن الاستعانة بموظفين بعقود خارجية في مجال الأخلاقيات مبني على الاعتقاد بأن الاستشاري لديه كل الإجابات التي تُسهّل المساعي الأخلاقية للشركات، وإن لم يكن عالمًا بجميع الإجابات. وهذا ليس صحيحًا، فالخبراء لا يملكون معرفة عن الأخلاقيات تميزهم عن غيرهم، ومن غير المرجح أن يتوقعوا مصدر الفضائح للشركات التي تسعى لضمان سير عملها الصحيح. وينبغي على القادة مواجهة المفاهيم والمفردات الأخلاقية المتنوعة والتعامل معها أثناء تحديدهم موقف شركتهم الأخلاقي المناسب، فتعتمد هذه المهمة على المسار، ولن ينوب أحدٌ عنك في هذا العمل.

ثانيًا: تجاوز قوائم الفحص

إن الشركات التي تتبنى الأخلاقيات الصحيحة تتجنب الطرق الرخيصة والسهلة لتحقيق معايير الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، والتنوع والعدالة والاندماج، والأداء الاجتماعي للشركات، وذلك باستعمال أدوات مثل “قوائم فحص الأخلاقيات” وخوارزميات تحسب التصنيفات “الموضوعية”، وتقدم قوائم الفحص بديلًا رائعًا لفِرق الإدارة الذين لا يحبذون النقاشات الأخلاقية المعقدة.

وتُعد شركة “إنرون” نموذجًا للأعمال الأخلاقية قبل انهيارها التاريخي. في الواقع فإن الكتاب الاستراتيجي الذي استعملته آنذاك قد تطرق للقواعد السلوكية التي اتبعتها شركة “إنرون” وضرب فيها نموذجًا تحتذي به الشركات، ولكن كيف كانت تكسب الشركة الأموال؟ لم يستطع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة “إنرون” تفسير ذلك (أو لم يرغبوا بذلك)، وعند مواجهتهم كانوا يتنمرون على السائلين ويُشككون في قدراتهم العقلية.

وتُذكرنا أطر ومقاييس الجهات الخارجية التي ظهرت في الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، والتنوع والعدالة والاندماج، وأداء الشركات الاجتماعي بأنظمة شركة “إنرون”، وقد تفقد الشركات تركيزها على الصورة الأكبر والأهم حين تنشغل بهذه التفاصيل الصغيرة. وإن الشركات الأخلاقية تعمل على صياغة عرض قيمة واضحة وموجزة تغرس هذه الأخلاقيات بجوهر الشركة لتلتزم بها وليصبح اتباع الأمور الصحيحة أمرًا تلقائيًّا.

فانظر إلى قيمة شراء شركة “ناتورا” المذكورة في تقريرها السنوي لعام 2021م، فكانت تقوم على: “تعزيز الجمال والعلاقات لأجل حياة أفضل ولممارسات الأعمال ممارسة دقيقة، فسنتحدى الابتكار لتعزيز الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الإيجابي وسنصبح أفضل شركة تجميل رائدة في العالم”. دفعت هذه النظرة العالمية أندريا ألفاريس وهي رئيسة العلامة التجارية والابتكار والشؤون الدولية في شركة “ناتورا” إلى تقديم النصيحة التالية: “كن صادقًا، فلا يجب أن يتعلق الأمر بالخطابات، أو التواصل، أو الحيل أو الحملات، فهذا نابعٌ من صلب وجوهر روح العمل، ولا تتحدث عن الأمر إن لم تحوّل ذلك وإن لم تعمل بالمستوى الذي تريده”.

تعمل الشركات الأخلاقية على صياغة عرض قيمة شراء واضحة وموجزة ومتعددة الأبعاد بغرض الالتزام.

فمن الناحية المثلى، تستطيع الشركات الأخلاقية شرح كيفية تحقيقها للأرباح شرحًا واضحًا ليفهمها أصحاب المصلحة الأقل خبرة. وإن الشركة لَتبقى أخلاقية طالما يملك من يشاركها في التبادل الاقتصادي فكرة واضحة وكاملة عن كيفية تحقيقها للأرباح، بل ويسعدهم تقديم ذلك. فكلٌّ من البساطة والذاتية الموجودة في هذا المعيار للأخلاق هما أمران مقصودان، مع أنهما مثيران للجدل.

ولسلسلة مطاعم “تشيك فيل أي” أكثر قيمة عرض مثيرة للجدل وهي: “ولنُعظيم الإله بإيماننا وإخلاصنا بكل ما وُكّل إلينا، ولنترك أثرًا إيجابيًّا على كل من تعامل مع “تشيك فيل أي””. وقد أدى هذا أيضًا إلى اتخاذ قرارات تتعارض مع قيم بعض الأشخاص، بمن فيهم أنا شخصيًّا، وبما أنني لم أعمل معهم، إلّا أنني أرى أن شركة “شيك فيل أي” هي شركة تمارس الأخلاقيات الصحيحة، وقد صاغت موقفًا أخلاقيًّا أصيلًا وتمسكت به. لذا تذكّر، إن الهدف الأساسي للأخلاق لا أن ترضي الجميع، بل أن تكون مثالًا للالتزام بمجموعة من القيم.

ثالثًا: تجاوز الرؤية الجريئة

إن الطريقة الثالثة التي تُخطئ بها الشركات في مجال الأخلاقيات هي حين يعلنون عن رؤى طموحة لإحداث تغييرات اجتماعية دون وجود شفافية بشأن ما تفعله اليوم. فالتوجّه نحو تعقيد الأخلاقيات تعقيدًا مفرطًا، والاعتماد على استراتيجية أخلاقية خارجية تتيح للشركات التهرب من الحقيقة، مثل نموذج “ديلوت” لقياس الأثر الاجتماعي (SIMM: Social Impact Measuring Model). فيتنبأ هذا النموذج بالأثر التدريجي للاستثمارات المؤسسية على 75 مقياسًا، ولموضوع متجذر على عقلية “إما أن تكون كبيرًا أو عد إلى المنزل”، وهي لا تخدم بشكل أفضل تطوير مستقبل الأخلاقيات المتزايد.

رسمت شركة “أوبر” هدفًا وهو وضع “تحقيق” أكبر قدر من “الإنصاف” إحدى أولوياتها، مشيرة إلى أن “زيادة التنوع والإنصاف والشمول هو جوهرٌ استراتيجي للشركة”، ولكن كشف تسريب الوثائق الداخلية في يوليو عام 2022م أن الشركة قد انتهكت القوانين عن عمد وأعربت داخليًّا أن العنف مع سائقيها يضمن نجاحهم.

أعلن الرئيس التنفيذي لشركة “بيبسي” في عام 2021م عن “التحوّل الاستراتيجي الشامل لأعمالنا” والذي “سيمركز الاستدامة ورأس المال البشري في كيفية خلق النمو والقيمة”. ولعله من الغريب أن بيع المشروبات السكرية والوجبات الخفيفة المالحة والغنية بالكربوهيدرات يُسهم في تحقيق هدفٍ أخلاقيٍّ عالٍ. وإن كان عرض القيمة الحالي للشركة يمثّل مشكلة، فمن الصعب تصديق وعودها.

في الواقع، لا يثق العديد من الشباب بوعود الشركات المستقبلية، خاصة التي تحقق الأرباح من سلوكاتها السيئة الحالية. ووفقًا لاستطلاع ديلويت لعام 2022م حول جيل زد والألفية، يعتقد 44% من جيل الألفية أن الشركات تُحدثُ تأثيرًا اجتماعيًّا كبيرًا، فستغطي هذه العينة ثلاثة أرباع القوة العاملة بحلول نهاية العقد، ويعد هذا انخفاضًا قدره 3 نقاط مقارنة بالعام السابق.

وإن الشفافية بشأن المصادر الربحية الحالية هي الجزء الأكثر أهمية في لغز الأخلاقيات، فيجب أن يأتي هذا الموضوع في المقدمة قبل الوعود الجريئة إن أراد القادة والشركات تجنب وصمة النفاق أو عدم الإخلاص.

لعل شركة “تارقت” استوعبت هذا الدرس، فقد وضع قادتها أهدافًا تدريجية وقصيرة الأمد بهدف تحسين الوضع الأخلاقي للشركة، وحُققت هذه الأهداف باستمرار، وكان رفع الحد الأدنى للأجور بانتظام أحد الأهداف الذي بدؤوا العمل عليه في عام 2020م، وكذلك إطلاق مبادرة في عام 2022م لتقليل النفايات من التعبئة والتغليف إلى الصفر.

ولشركة “تارقت” أيضًا التزامات كبيرة في مجال الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، فقدمت جدولًا زمنيًّا للتنفيذ يمتد لعشرين عامًا، ولكن هذه الرهانات مدروسة ومدعومة بالإنجازات التدريجية الحالية. فالرسالة الطموحة التي يُشاركها الرئيس التنفيذي لشركة “تارقت” متجذرة إلى يومنا هذا، فيقول: “نبني في حياتنا اليومية علاقات مع الأشخاص والمجتمعات التي نُقدم لها الخدمات، فيُعزز كل قرار جيّد من هذه الروابط ويُساعدنا في خلق علامة تجارية نفخر بها كل يوم”.

لا تفوّض الشركات الأخلاقية فكرها للآخرين، ولا تعتمد على قوائم الفحص، ولا تقدم وعودًا كبيرة للمستقبل دون دعمها بأعمال اليوم، فدائمًا ما يشرحون كيفية كسب الأموال كسبًا واضحًا يتيح لأصحاب المصلحة الشعور بالراحة في التعامل معهم. في الحقيقة إن الطريق إلى الأخلاقيات طريقٌ بسيط، فهو يعتمد على الصياغة والعمل وفقًا لقيمة واضحة، ولكنه بالتأكيد لا يُعد الطريق الأسهل في عصر الخوارزميات والصناعات التي تبيع قوائم فحص تفتقر للشمولية والتنويع والاستدامة.

مقالات ذات صلة