ترجمة: سمية القحطاني
أشارت نتائج استطلاع جديد إلى أن العديد من الشركات أعادت النظر في سياسات إجازة الوالدين لتعود إلى ما كانت عليه قبل الجائحة، ولكن هذا النهج الجديد سينعكس سلبًا على ما هو مهم.
لقد أحدث تقرير جديد صفعة موجعة لنا نحن الذين نسعى لزيادة فرص الإجازات العائلية المدفوعة في أمريكا، فأعلنت صحيفة “وول ستريت” أن: “الشركات بدأت بتقليص إجازة الأمومة والأبوة”، استنادًا إلى استطلاع أجرته جمعية إدارة الموارد البشرية. فلا يقتصر الأمر فقط على العائلات، بل سينعكس سلبًا أيضًا على الشركات.
أفادت نتائج استطلاع قامت به جمعية إدارة الموارد البشرية أن 35% فقط من أصحاب العمل يقدمون إجازة مدفوعة الأجر تتجاوز الحد القانوني، بعد أن كانت النسبة 53% في عام 2020م، مما يعيد هذه النسب إلى ما كانت عليه قبل الجائحة. وأيضًا يقدم 27% فقط من أصحاب العمل لموظفيهم إجازة أبوة، بعد أن كانت النسبة 44% في عام 2020م، لتكون أقل من النسبة المسجلة لما كانت عليه قبل الجائحة.
سيبدو هذا التراجع حادًّا للوهلة الأولى، ولكننا سنرى بعد إمعان النظر بهذه الأرقام أنها لحسن الحظ ليست بهذه السوداوية.
لقد عرضت فقط 24% من الشركات قبل الجائحة لموظفيها إجازة عائلية مدفوعة الأجر (تشمل الوالدين ومقدمي الرعاية)، إلا أن هذا العدد ارتفع في عام 2020م إلى 31% وظل ثابتًا حتى الآن. وتبلغ نسب إجازة الوالدين الآن 33%، مسجلة انخفاضًا مقارنة بعام 2020م، إلا أنها لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة. فقد ألغت بعضُ الشركات التي تعاملت معها إجازات الأمومة والأبوة المنفصلة، وأصبحت بدلًا من ذلك توفر نظامًا يشمل كلًّا من الوالدين ضمن الإجازة العائلية.
فإن بدتْ هذه الأرقام مربكة للوهلة الأولى، فهي لأنها بالفعل كذلك. وجدتُ بعد دراستي الدقيقة لسياسة الإجازات والتي استغرقت أكثر من عقد في تفحّصها، وأيضًا بعد كتابتي لكتاب يتعمق بهذا الموضوع، أن العديد من الموظفين، حتى المديرين التنفيذيين، لا يدركون تمامًا ما لهم في هذه السياسيات المكتوبة. وقد تحدثت أيضًا مع الجهات الحكومية والمجموعات القانونية لأحلل تفاصيل سياسات الإجازات، فهي شبكة معقدة ومتشابكة.
وفي المجمل هذا ما توصلنا إليه: لقد وسّعت الشركات فرص الإجازات المدفوعة لمقدمي الرعاية خلال المرحلة الأولى من الجائحة حينما واجه الناس تحديات غير مسبوقة، مثل فترات الحجر والإغلاق الشامل وغياب خدمات رعاية الأطفال. فقامت بعض الشركات منذ ذلك الوقت بتقليص هذه المزايا أو حتى إلغائها تمامًا، ولا نعرف العدد بالتحديد (فلا توضح جمعية إدارة الموارد البشرية عدد الشركات التي لا تُقدم أي إجازة مدفوعة للوالدين.)
إلّا أننا قد نشهد فرص إجازات أكبر للوالدين قريبًا. لقد كشف استطلاع حديث أجرته شركة “ميرسر” حول “النمو السريع في المزايا المقدمة لدعم للعائلات، بأن 70% من أصحاب العمل المشاركين يعتزمون تقديم إجازة مدفوعة للوالدين في عام 2023م”.
الإجازات العائلية تعزز الأرباح
إنني أعمل جاهدًا على توفير إجازة عائلية للموظفين، وهذا ما تسعى لتحقيقه العديد من الجهات؛ فهي ما ستتيح لأي موظف قضاء أوقاتهم في رعاية من يحبون، سواءً كان طفلًا جديدًا في العائلة، أو والدًا مسنًّا، أو حتى زوجًا مريضًا. فتشمل أيضًا الإجازات الطبية، مما يتيح للأفراد وقتًا للتعافي بعد المرض، فقد يحتاج كلٌّ منّا إلى إجازة عائلية مدفوعة الأجر في مرحلة ما من حياته.
لقد أثبتت سياسات الإجازات أنها استثمار ذكي يوفر من تكاليف الشركة بدلًا من استنزاف ميزانياتها، وأن الإجازات تُعدّ إحدى طرق تحقيق ذلك، إذ تُعدُّ عاملًا جذابًا لاستقطاب الكفاءات والمواهب. وفي استطلاع آخر قامت به جمعية إدارة الموارد البشرية في عام 2022م، فإن 82% من أصحاب العمل يعدون الإجازات أمرًا “بالغ الأهمية”، وصنفوها ضمن أهم المزايا التي ينبغي للمؤسسات تقديمها، فلا تقل أهمية عن الرعاية الصحية.
وأشارت أيضًا مجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن وجود سياسيات وأنظمة للإجازة العائلية المدفوعة “قد يعزز من الاحتفاظ بالموظفين في المؤسسة، إذ سيُقلل من التكاليف المبنية على الاستقالات، وأيضًا يُساعد في تنويع القيادات داخل المؤسسة”. وأفادت أكثر من 80% من الشركات التي تقدم خيارات إجازة شاملة أنها “شهدت تأثيرًا إيجابيًّا انعكس على معنويات الموظفين، بينما أكدت أكثر من 70% من الشركات أنهم شهدوا ارتفاعًا ملحوظًا في الإنتاجية”. وجدت شركة “إرنست آند يونغ” أن أكثر من 90% من أصحاب العمل الذين يقدمون إجازات عائلية مدفوعة الأجر “أكدوا بأن التأثير كان إيجابيًّا ومحايدًا، ولا يقتصر ذلك على الجوانب المتصلة بالموظفين، مثل رفع معنوياتهم وتقليل نسب استقالاتهم، بل أثّرت أيضًا على الأداء التشغيلي، مثل زيادة الأرباح وتعزيز الإنتاجية”.
لمَ الحاجة للسياسات العامة؟
من الجيّد أن الكثير من الشركات بدأت تُدرك الفوائد التي تجنيها من توفير الإجازات العائلية مدفوعة الأجر، سواءً على مستوى الموظفين أو على أداء الشركة؛ إذ لا يمكن تحقيق الاستدامة بترك مسألة تأمين مزايا الموظفين لتقلبات سياسات الشركات، بل في توفير نظام وطني شامل يؤمّن الإجازات العائلية.
هناك برامج مماثلة طُبّقت بالفعل في عدد من الولايات، وعلى خلاف الاعتقاد الرائج، فليس هناك قوانين تُلزم الشركات بدفع الرواتب في أثناء غياب الموظف، بل على العكس؛ إذ يُقتطع مبلغٌ رمزي من رواتب الموظفين لإيداعها في الصندوق المالي، وعادة ما يُقتطع مبلغ أيضًا من الشركات، وهكذا يتكّفل هذا الصندوق بتوفير رواتب الموظفين حين يحتاجون إلى إجازات عائلية مدفوعة الأجر. إن مدينة كاليفورنيا تُعد أول مدينة تُطبّق هذا النظام، وسرعان ما وجدوا نتائج استثنائية؛ إذ ذكرت غالبية الشركات العظمى هناك أن الإجازات العائلية المدفوعة كان لها أثرٌ إيجابي على مُعدلات الإنتاجية والأداء المالي وتعزيز معنويات الموظفين، وفي بعض الأحيان لم يكن لها أي تأثير على الإطلاق.
وتُعدّ أيضًا الإجازات مدفوعة الأجر أداة حاسمة لضمان بقاء مقدمي الرعاية في سوق العمل، خاصة مع استمرار تعافي الولايات المتحدة من موجة انسحاب الآباء الموظفين الذين أُجبروا على ترك وظائفهم في أثناء الجائحة، ومن ضمنهم الأمهات على وجه الخصوص. وبناء على تقارير شركة “بلومبرج” للأخبار، فإن: الإجازة العائلية مدفوعة الأجر تتصدر -جنبًا إلى جنب مع خدمات رعاية الأطفال- رأس أولويات النساء العاملات و”قائمة أمنياتهن”، فتُقدّر الشراكة الوطنية للنساء والعائلات بأن توفير برنامج وطني للإجازات المدفوعة قد يُسهم في إبقاء أكثر من 6 ملايين من مقدمي الرعاية ضمن سوق العمل بحلول عام 2030م.
إن الإجازة مدفوعة الأجر ليست مطلبًا للنساء فقط، إنما حقٌّ مشترك للرجال أيضًا. لقد عملتُ على شراكة مع “دوف مين + كير”، وهي علامة تجارية تعاونت معها للدعوة إلى إحداث تغيرات قانونية وثقافية تتعلق بإجازة الوالدين، وذلك من خلال مبادرة “التعهّد بإجازة الأبوة”. فأظهرت نتائج استطلاع بحثي قامت به منظمة “بروموندو” بالتعاون مع “دوف مين + كير” والذي شمل عينة من الآباء العاملين، بأن 85% من الآباء في سبع دول، من بينهم 79% في الولايات المتحدة، على استعداد لعمل أي شيء ليكونوا حاضرين في حياة أطفالهم بعد ولادتهم أو في أثناء تبنيهم لهم.
تُعدّ المخاوف المالية أبرز ما يُعيق الرجل، وهو ما تُعالجه الإجازات المدفوعة بشكل مباشر. ومن جانب آخر فقد يعتقد البعض بوجود وصمة عار مرتبطة بالإجازات العائلية المدفوعة؛ فهي قد تعرّض الرجال للطرد من وظائفهم، أو التخفيض من رتبتهم، أو حتى فقدان فرص العمل الخارجية لمجرد تمتعهم بإجازة لرعاية أسرهم. ولكن تُشير أبحاثي إلى أن توفير إجازات عائلية مدفوعة يُساعد في ترسيخ مفهوم إجازة الأبوة في المجتمع وتطبيعها، وأيضًا تُشجّعهم على الاستثمار بحقهم هذا استثمارًا كاملًا.
لا عجب من شعبية الإجازات العائلية مدفوعة الأجر في مختلف الأطياف السياسية؛ فأثبتت لنا نتائج الاستبانة الأخيرة أننا بحاجة إلى توفير نظام وطني شامل لهذا الغرض. فتقول فيكي شابو، وهي باحثة بارزة في سياسات وإستراتيجيات الإجازات المدفوعة في منظمة “أمريكا الجديدة”، أن: “تذبذب البيانات وعدم وضوحها من سنة لأخرى يؤكدان الحاجة الماسة لوجود سياسة وطنية موحدة والاستثمار العام فيها”، فأكملت قولها: “وإنّ طلب الموظفين للإجازات لرعاية من يحبون أمرٌ قاطعٌ لا يحتمل الشك أو التردد”.
