آيشه كاراييفلي وسيردن أوزجان
رغم حالة عدم اليقين الهائلة والاضطراب الناجمين عن استمرار جائحة كوفيد-19 (COVID-19)، تجاوز حجم صفقات الاندماج والاستحواذ (M&A) العالمية خمسة تريليونات دولار لأول مرة في عام 2021م، مع توقع عديد من الخبراء أن هذه الموجة الحالية ليست سوى بداية لحمّى اندماجات قد تستمر عدة سنوات. إن وفرة رأس المال وتزايد الضغوط نحو النمو السريع، والتوسع، والتحول الرقمي، تدفع الشركات إلى إبرام صفقات بأسعار تفوق كثيرًا القيمة الحقيقية.
إن الاستحواذات المبالغ في أسعارها ليست ظاهرة جديدة؛ ففي العقدين الماضيين، دفعت الشركات العامة الأمريكية، في المتوسط، علاوة سعرية بنسبة 36% فوق القيمة السوقية السائدة للشركة المستهدفة قبل الإعلان عن صفقة الاستحواذ. إلا أنه في ظل السوق الحامية الحالية لصفقات الاستحواذ، فقد ارتفعت مخاطر دفع مبالغ باهظة ارتفاعًا ملحوظًا، وبحسب أبحاثنا، فقد تتمكن المؤسسات من تقليص هذه المخاطر من خلال دراسة وتغيير ديناميكيات الصلاحيات في الإدارة العليا.
لقد حددت كثير من الدراسات التجريبية الانحيازات السلوكية وعدم التوافق بين مصالح الإدارة ومصالح المؤسسة كأسباب رئيسة لدفع الشركات مبالغ زائدة في صفقات الاستحواذ. وبشكل خاص، فإن الرؤساء التنفيذيين (Chief Executive Officers – CEOs)، الذين يكونون في العادة أصحاب القرار الأول في صفقات الاستحواذ، غالبًا ما يفرطون في الثقة بقدراتهم على إبرام الصفقات. فهم يميلون إلى المبالغة في تقدير القيمة الجوهرية للشركة المستهدفة والتآزر المتوقع تحقيقه، كما يقللون من تقدير مخاطر التنفيذ والاندماج. إضافة إلى ذلك، قد يكون لدى كبار المديرين مصلحة شخصية في اكتساب مزيد من السلطة والهيبة والتعويضات الإضافية من خلال عمليات الاستحواذ، بدلًا من الإنفاق الرأسمالي الكبير في مجالات أخرى. وفي كثير من الحالات، لا تخضع قراراتهم للرقابة الدقيقة بسبب نفوذهم الكبير على عملية الاستحواذ ومجالس إدارات شركاتهم.
لقد افترضنا أن الشخص الأكثر قدرة على الحد من مخاطر دفع مبالغ زائدة هو المدير المالي التنفيذي (CFO) للشركة؛ فبالإضافة إلى مسؤولياته الائتمانية الجوهرية ومهمته الأساسية في مراقبة القرارات المالية المهمة، فإنه من المرجح أيضًا أن يتاح له مستوى المعلومات نفسه المتوفر للرئيس التنفيذي (CEO)، بخلاف المديرين الخارجيين الذين قد لا يكونون مطلعين بالكامل. لكن هل الشركات التي يتمتع مديرها المالي التنفيذي بنفوذ أكبر أقل عرضة لدفع مبالغ زائدة مقابل أهداف الاستحواذ؟
للتحقق من هذا السؤال، حلّلنا 1,983 صفقة استحواذ نفذتها 926 شركة عامة أمريكية بين عامي 1992م و2019م. وقد دعمت نتائجنا أطروحتنا الرئيسة بأن الشركات التي يتمتع مديرها المالي التنفيذي بنفوذ أكبر تدفع علاوات سعرية أقل في صفقات الاستحواذ. وتكمل هذه النتائج ما توصلت إليه دراسة حديثة أُجريت في المملكة المتحدة. ومع ذلك، ونظرًا لأن الرؤساء التنفيذيين (CEOs) يتمتعون بسلطة رسمية ونطاق تصرف واسع في نظام حوكمة الشركات الأمريكي، رأينا أنه من المهم النظر إلى ما هو أبعد من مصادر السلطة الرسمية التقليدية (مثل منصب التنفيذي في تسلسل الإدارة العليا و/أو عضويته في مجلس إدارة الشركة) لفهم ما يجعل المديرين الماليين التنفيذيين مؤثرين في قرارات الاستحواذ.
وجدنا أن المديرين الماليين التنفيذيين في الشركات التي تدفع علاوات أقل في صفقات الاستحواذ يمتلكون واحدة أو أكثر من الخصائص التالية: امتلاكهم لمهارات عامة، واستقلاليتهم عن الرئيس التنفيذي (CEO)، وتمتعهم بمكانة رفيعة في المؤسسة. ويبدو أن هذه الخصائص تمنحهم ثلاثة مصادر غير رسمية للسلطة، أسميناها السلطة القائمة على المهارة، والسلطة القائمة على العلاقات، والسلطة القائمة على المكانة. وقد كشفت تحليلاتنا ما يلي:
المهارات العامة
دفعت الشركات التي عينت مديرين ماليين تنفيذيين يمتلكون مهارات إدارية عامة علاوات سعرية أقل بنسبة 9% في صفقات الاستحواذ مقارنة بتلك التي عينت مديرين ماليين متخصصين. ولسوء الحظ، تفتقر كثير من الشركات المستحوذة في الولايات المتحدة إلى مدير مالي تنفيذي عام؛ إذ يمكن تصنيف نحو 40% من المديرين الماليين التنفيذيين في الشركات الكبرى المستحوذة كمتخصصين؛ أي إن لديهم خبرة عميقة في الوظائف المالية التقليدية مثل المحاسبة، والرقابة المالية، وإعداد الميزانيات، والتدقيق، والضرائب، والخزانة.
تشير تحليلاتنا إلى أنه استجابة لمتطلبات الحوكمة والامتثال التي فرضها قانون ساربينز-أوكسلي لعام 2002م (Sarbanes-Oxley Act of 2002)، ونتيجة لتركيز أكبر على إدارة المخاطر المالية بعد الأزمة المالية لعام 2008م، بدأت الشركات الأمريكية المستحوذة في تعيين مديرين ماليين متخصصين، وغالبًا من داخل المؤسسة، بمعدل أعلى من تعيين المديرين الماليين ذوي المهارات العامة.
بالإضافة إلى الفهم العميق للمالية الذي يُكتسب عادة من خلال التعليم العالي والخبرة العملية المبكرة، يتمتع المدير المالي التنفيذي العام بخبرة واسعة في أدوار أو سياقات غير مالية، مثل العمل في مؤسسات أو صناعات أو دول مختلفة. ويُعد كل من تشارلز هولي، المدير المالي التنفيذي المتقاعد لشركة وولمارت (Walmart)، وتريسي ترافيس، المدير المالي التنفيذي لشركة إستي لودر (Estée Lauder)، مثالين بارزين على المديرين الماليين التنفيذيين ذوي المهارات العامة.
بدأ هولي مسيرته المهنية كمحاسب، واكتسب خبرة تجارية كبيرة في شركة تاندي (Tandy)، وهي تكتل في مجال التجزئة والإلكترونيات الاستهلاكية. وهناك، شغل منصب مدير الشؤون المالية للعمليات الدولية، وتولى مسؤوليات في إدارة الشركات الناشئة الجديدة، والتفاوض على مشاريع مشتركة خارجية، وإدارة الأعمال في الخارج. أما منصبه التالي كمدير عام في أوروبا فقد منحه خبرة تشغيلية في إدارة الشركات. وبحسب هولي، فإن مهاراته في المالية والعمليات والأعمال الدولية وتجربته المتنوعة قد أعدته جيدًا لأدواره القيادية في الشؤون المالية لدى وولمارت.
اتخذت ترافيس نهجًا مشابهًا في مسيرتها المهنية، وأبرزت أهمية امتلاك مجموعة واسعة من الخبرات لتوسيع مهاراتها، ولا سيما في بدايات حياتها المهنية. كما أشارت إلى أن جميع المناصب التي شغلتها في خمس شركات مختلفة وفي صناعات متعددة، منحتها الفرصة للإسهام في وضع الاستراتيجيات.
وقد نسب كلا المديرين التنفيذيين صراحة فاعلية علاقاتهما مع مجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين في شركاتهما إلى فهمهما العميق لاستراتيجية الشركة وعملياتها، وهو الفهم الذي اكتسباه من خلال امتلاكهما مهارات عامة متعددة.
الاستقلالية
كانت العلاوات التي دفعتها الشركات في صفقات الاستحواذ أقل بنسبة 18% عندما كان المدير المالي (CFO) مستقلًّا؛ أي عندما لم يُعيّن المدير المالي من قبل الرئيس التنفيذي الحالي. ومع ذلك، فإن 61% من المديرين الماليين عُيِّنوا من قبل الرئيس التنفيذي القائم.
تُعد العلاقة بين الرئيس التنفيذي والمدير المالي (CEO-CFO) معقدة بلا شك، وتتطلب تعاونًا وثيقًا بين الطرفين. ومن المفهوم أن الرؤساء التنفيذيين الجدد غالبًا ما يصرون على اختيار فريقهم التنفيذي بأنفسهم. وقد شهدنا ذلك مؤخرًا في شركات مثل بوينغ (Boeing)، وفورد (Ford)، وإنتل (Intel). أما الجانب السلبي لهذا النوع من العلاقة بين الرئيس التنفيذي والمدير المالي، فهو أن استقلالية المدير المالي غالبًا ما تتعرض للخطر.
فالمدير المالي الذي يُعيّن من قبل الرئيس التنفيذي القائم يكون أكثر ميلًا لمشاركة تفضيلات الرئيس التنفيذي، ويمتلك دوافع لمسايرته بدلًا من تحديه أو مراقبة قراراته الرئيسة. وقد تتعارض واجبات المدير المالي الائتمانية ومسؤولياته في مراقبة القرارات المالية مع ولائه للرئيس التنفيذي الذي عيّنه؛ لذا يُعدُّ تعيين المدير المالي من قبل الرئيس التنفيذي القائم مؤشرًا مهمًّا على نقص الاستقلالية الكافية.
في قرارات الاستحواذ، يكون المديرون الماليون الذين يستطيعون الحفاظ على درجة كافية من الاستقلالية عن الرئيس التنفيذي أكثر قدرة على اتخاذ القرار. ومن المرجح أن يكونوا مستعدين لإبداء آراء مختلفة تستند إلى بيانات واقعية، وأن يحثوا الرئيس التنفيذي ومجلس الإدارة على تقييم القيمة التكاملية وتكاليف تنفيذ الاندماج بعناية، من أجل اتخاذ قرارات أكثر موضوعية. لقد عمل هولي (Holley) مع رئيسين تنفيذيين مختلفين في وولمارت (Walmart)، تولى كل منهما القيادة بعد تعيين هولي نائبًا تنفيذيًّا للمالية ومديرًا ماليًّا. ووفقًا لهولي، كانت أهم أدواره في قرارات الاندماج والاستحواذ (M&A) كمدير مالي للشركة هي أن يكون “المشكك الصحي في الغرفة لتحقيق التوازن مع التفاؤل الذي قد يدفع بعض قادة الاندماج والاستحواذ إلى السعي وراء صفقات قد لا تتماشى مع الاستراتيجية العامة أو بناء مبررات عمل لا تستند بالضرورة إلى أرقام واقعية”.
تُظهر نتائجنا بوضوح أن المديرين الماليين يستطيعون ممارسة رقابة ومتابعة أكثر فاعليةً، ويمكنهم الحد بشكل كبير من حجم العلاوات المدفوعة في صفقات الاستحواذ، عندما لا يُعيَّنون من قبل الرئيس التنفيذي القائم. ومع ذلك، فإن أقل من 40% من المديرين الماليين في الشركات المستحوذة يمكن وصفهم بأنهم مستقلون.
المكانة الرفيعة
كانت العلاوات المدفوعة في صفقات الاستحواذ أقل بنسبة 7% عندما كان المدير المالي يتمتع بمكانة رفيعة (يحدد ذلك بفارق بسيط بين تعويضات الرئيس التنفيذي والمدير المالي). ومع ذلك، في معظم الشركات، هناك فجوة كبيرة بين تعويضات المدير المالي والرئيس التنفيذي.
تنبع السلطة الرسمية للمديرين التنفيذيين من مناصبهم ومسمياتهم الوظيفية، لكن مكانتهم الفعلية تتعلق بمكانتهم الاجتماعية ومدى تقديرهم داخل المؤسسة بناءً على خصائصهم الفردية. ونظرًا لأن مؤشرات المكانة هذه ليست دائمًا واضحة بشكل مباشر، فقد استخدم البحث السابق غالبًا تعويضات المديرين التنفيذيين كمؤشر موضوعي على مكانة الفرد، وقد اتبعنا النهج ذاته.
يكتسب أصحاب المكانة الرفيعة مستويات عالية من الاحترام والتأثير الاجتماعي؛ وبناءً عليه، يستطيع المديرون الماليون ذوو المكانة الرفيعة حشد الدعم لوجهات نظرهم من مجلس الإدارة وأصحاب المصلحة الآخرين. ووفقًا لهولي، فإن هذا النوع من التأثير الاجتماعي يُعد حيويًّا لدور المدير المالي في صفقات الاستحواذ؛ إذ قال: “عندما يتعلق الأمر بالاندماج والاستحواذ (M&A)، يحتاج المديرون الماليون أيضًا إلى ممارسة التأثير والإقناع إلى جانب السلطة”.
ومع ذلك، فإن تعويض المدير المالي، في المتوسط، أقل من 40% من تعويض الرئيس التنفيذي. وفي الواقع، خلال العقد الماضي، ازدادت الفجوة بين إجمالي تعويضات الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين لصالح الرؤساء التنفيذيين. وهذا يشير إلى أن مكانة المديرين الماليين تتناقص مقارنة بمكانة الرؤساء التنفيذيين.
وباختصار، تُظهر نتائجنا أنه عندما يرسخ المديرون الماليون سلطتهم غير الرسمية في الشركة بفضل مهاراتهم أو استقلاليتهم أو مكانتهم، يتخذ فريق القيادة الجماعية قرارات أفضل بشأن مسألة الاستحواذ بالغة الأهمية. فكيف إذن يمكن لمجالس الإدارة والرؤساء التنفيذيين أن يكونوا أكثر فاعليةً في تعيين أو تطوير المديرين الماليين ذوي الصفات المناسبة؟
أين تجد المدير المالي متعدد المهارات
تُعد البنوك الاستثمارية الكبرى، والمجموعات الصناعية المتنوعة مثل جنرال إلكتريك (GE)، وبيبسيكو (PepsiCo)، وبروكتر آند جامبل (P&G)، وشركات التقنية مثل ألفابت (Alphabet) وأمازون (Amazon)، من أفضل المصادر الخارجية للشركات الراغبة في تعيين مدير مالي متعدد المهارات. ففي هذه الشركات، عادة ما تكون وظيفة المالية ذات مسؤوليات أوسع، ويكتسب المتخصصون الماليون خبرة خارج نطاق الوظيفة المالية وفي صناعات ومناطق مختلفة. فعلى سبيل المثال، كانت روث بورات (Ruth Porat)، المدير المالي لشركة ألفابت (Alphabet)، تشغل سابقًا منصب المدير المالي في مورغان ستانلي (Morgan Stanley)، ورئيسة مجموعة المؤسسات المالية العالمية، ورئيسة مشاركة في قسم بنوك الاستثمار التقنية. وعلى الرغم من أن معظم حياتها المهنية كانت في قطاع المالية، فإنها تولت عديدًا من المهام الكبيرة والمتنوعة في قطاع التقنية، شملت صفقات اندماج واستحواذ (M&A)، وطرح الشركات للاكتتاب العام (IPO)، وإدارة الأزمات. كما شغلت مناصب استشارية في الحكومة والأوساط الأكاديمية.
وبالمثل، عُيِّن براين نيومان (Brian Newman) مديرًا ماليًّا تنفيذيًّا (CFO) لشركة UPS في وقت كانت فيه الشركة تخطط لزيادة إنفاقها الرأسمالي بهدف انتزاع حصة أكبر من سوق التجارة الإلكترونية (e-commerce) وتعزيز خدمات التوصيل في اليوم نفسه. بدأ نيومان مسيرته المهنية كمصرفي استثماري، ثم انضم إلى شركة بيبسيكو (PepsiCo)، حيث شغل مجموعة متنوعة من المناصب القيادية في مجالات المالية والعمليات والاستراتيجية في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية. وعندما استقطبته شركة UPS، كان يشغل منصب الرئيس التنفيذي للاستراتيجية في بيبسيكو، وقد أطلق مؤخرًا أعمال الشركة في التجارة الإلكترونية العالمية.
هناك فوائد استراتيجية وثقافية لجلب رؤى جديدة من خارج الشركة إلى المناصب العليا في القيادة المالية، وضمان أن المرشحين الداخليين للمناصب التنفيذية يواجهون منافسة خارجية. ومع ذلك، ينبغي للشركات الكبرى أن تواصل الاستثمار في تخطيط التعاقب الوظيفي بهدف واضح يتمثل في تطوير قاعدة عريضة من المواهب العامة داخل الشركة المؤهلة لتولي المناصب القيادية في مجال المالية.
من الواضح أن هناك كثيرًا من المسارات التي تساعد المهنيين الموهوبين في مجال المالية على التطور ليصبحوا مديرين ماليين تنفيذيين عامين. عمومًا، ينبغي أن يتعرض المتخصصون في المالية في وقت مبكر من حياتهم المهنية لمهام في وظائف أعمال مختلفة، أو لمهام مالية تمكنهم من توظيف معرفتهم العميقة بالمالية عبر خطوط منتجات ومناطق جغرافية متعددة. ثم يجب أن تُمنح لهم مهام وظيفية ذات مسؤوليات إدارية عامة توسع من آفاقهم ومهاراتهم وتمنحهم رؤية شاملة لأسواق الشركة واستراتيجيتها وعملياتها.
هيو جونستون (Hugh Johnston)، المدير المالي التنفيذي لشركة بيبسيكو، يُعد مثالًا جيدًا لهذا النوع من القياديين الداخليين العامين. باستثناء ثلاث سنوات قضاها في الإدارة العامة بشركة ميرك (Merck)، فقد أمضى جونستون كامل مسيرته المهنية في بيبسيكو. وبعد دراسته للمالية وحصوله على درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA)، تولى عدة مناصب في المالية وعمليات الاندماج والاستحواذ (M&A)، والاستراتيجية في مقر الشركة، وفي أعمال الوجبات الخفيفة والمشروبات في أمريكا الشمالية. كما شغل منصب نائب الرئيس الأول للتحول ونائب الرئيس التنفيذي للعمليات العالمية. وقد تحدثت إندرا نويي (Indra Nooyi)، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة بيبسيكو التي أدركت إمكانات جونستون العالية في وقت مبكر من مسيرته، عن كيف أنها أخرجته “من منطقة راحته في المالية الميدانية” وأشركته في الاستراتيجية المؤسسية.
تعزيز استقلالية المدير المالي التنفيذي (CFO)
عملت كاثرين ليزجاك (Catherine Lesjak) في شركة HP لأكثر من ثلاثين عامًا، وشغلت منصب المدير المالي التنفيذي لمدة أربع سنوات عندما تولى ليو أبوتيكر (Leo Apotheker) القيادة. وكان لدى الاثنين آراء متباينة بشكل حاد حول ما إذا كان ينبغي لـ HP الاستحواذ على شركة البرمجيات البريطانية أوتونومي (Autonomy) مقابل 11 مليار دولار، وهو سعر يمثل علاوة بنسبة 60% ويعادل أحد عشر ضعفًا لإيرادات الشركة في وقت كانت فيه الشركات المماثلة تُقيَّم بنحو ثلاثة أضعاف إيراداتها فقط.
وبعد أن أعربت لأبوتيكر على انفراد عن معارضتها للصفقة بحجة أنها مكلفة للغاية، قدمت ليزجاك أمام مجلس الإدارة حجة قوية ضد الاستحواذ، وصرحت صراحةً: “لا يمكنني دعم ذلك… لا أظن أنه قرار جيد، لا أظن أننا مستعدون، أظن أنه مكلف جدًّا. أضع خطًّا فاصلًا. هذا ليس في مصلحة الشركة”. وعلى الرغم من أنها لم تفقد وظيفتها، فإن ليزجاك ذكرت لاحقًا أنه بعد اجتماع المجلس أخبرها أبوتيكر بأنها ستُفصل من عملها.
وعلى الرغم من أن قرار الرئيس التنفيذي بالمضي قدمًا في الاستحواذ كان حاسمًا في نهاية المطاف، فإن الصفقة كلفته وظيفته عندما اضطرت الشركة إلى شطب 8.8 مليارات دولار من قيمة أوتونومي. وقد أوكلت خليفته ميغ ويتمان (Meg Whitman) إلى ليزجاك مهمة الإشراف على عمليات الاستحواذ.
توضح قضية HP بشكل جلي مدى أهمية أن يكون المدير المالي التنفيذي قادرًا على التصرف باستقلالية، خاصة في المراحل المبكرة من عمليات الاندماج والاستحواذ (M&A)، وكيف أن واجباتهم الائتمانية ومسؤولياتهم في مراقبة القرارات المالية قد تضعهم في مواجهة مع الرئيس التنفيذي. نوصي بأن يتولى مجلس الإدارة دورًا قياديًّا في اختيار المدير المالي التنفيذي لتعزيز استقلاليته. فعندما يكون هناك حاجة إلى تعيين مدير مالي جديد، ينبغي أن يقود المجلس العملية، بما في ذلك تحديد المؤهلات المطلوبة بناءً على الاحتياجات الاستراتيجية للشركة، واختيار المرشحين من داخل الشركة وخارجها، وإجراء مقابلات مع المتأهلين النهائيين، واتخاذ قرار التعيين النهائي. وبالتأكيد، فإن رأي الرئيس التنفيذي مهم؛ نظرًا لأن كل شراكة عمل تتطلب درجة صحية من التوافق الشخصي، لكننا نوصي بألا يكون هو من يدير العملية. وبما أن المدير المالي التنفيذي مسؤول مباشرة أمام المجلس والمساهمين، فإن تعاقب القيادة الذي يقوده المجلس سيبعث أيضًا بالإشارات الصحيحة لجميع الأطراف بأن المجلس، وليس الرئيس التنفيذي، هو صاحب القرار الرئيس بشأن مدة ولاية المدير المالي وآفاق مسيرته في الشركة.
يجب على المدير المالي التنفيذي أن يرتدي قبعة الميسر المستقل والمراقب لعمليات اتخاذ القرار في الشركة بشأن الاندماج والاستحواذ واستراتيجية النمو وخلق القيمة. وفي الوقت ذاته، يجب عليه أن يتعاون من كثب مع الرئيس التنفيذي في المراحل اللاحقة لتنفيذ الصفقة ودمج الشركة المستهدفة. وقد يكون التنقل بين هذه الأدوار أمرًا معقدًّا. ومع ذلك، فإن المديرين الماليين الذين عُيِّنوا ووُجِّهوا وقُيِّموا ضمن إطار يقوده المجلس ينبغي أن يكونوا أكثر استعدادًا وقدرة على الانتقال بين هذه الأدوار.
لذا، نوصي بأن توفّر مجالس إدارة الشركات المنخرطة بكثافة في أنشطة الاندماج والاستحواذ (M&A) إرشادات واضحة للرئيس التنفيذي للشؤون المالية (CFO) حول التوقعات المتعلقة بالأداء في المراحل المختلفة لعمليات الاندماج والاستحواذ. ونحث بشدة مجالس الإدارة على الابتعاد عن الممارسات السائدة، التي لا تميز بشكل كافٍ بين مؤشرات أداء الرئيس التنفيذي للشؤون المالية وتلك الخاصة بالرئيس التنفيذي (CEO) في عمليات الاندماج والاستحواذ، وغالبًا ما تمنح السلطة المفرطة للرئيس التنفيذي في تقييم ومكافأة أداء الرئيس التنفيذي للشؤون المالية.
هل يحتاج الرئيس التنفيذي للشؤون المالية إلى ترقية في المكانة؟
وصفت نُوِي (Nooyi)، التي تقاعدت من منصب الرئيس التنفيذي لشركة بيبسيكو (PepsiCo) في عام 2019م، علاقتها بجونستون (Johnston)، الرئيس التنفيذي للشؤون المالية منذ عام 2010م، بأنها علاقة شبه متكافئة في مقابلة عام 2016م: “نحن نتجادل ونختلف في كثير من القضايا. نغلق الباب ونتحاور… وعندما نخرج إلى اللجنة التنفيذية، يجب أن نظهر مستوًى من الوحدة… من المهم جدًّا أن يرى الرئيس التنفيذي والرئيس التنفيذي للشؤون المالية الأمور من منظور واحد. ونحن نناقش الأمور مسبقًا… يمكن لي ولهيو (Hugh) أن نكمل جمل بعضنا بعضًا؛ ولهذا السبب نستطيع أن نخوض نقاشات بناءة تؤدي إلى نتائج أفضل”. وقد أوحت نوي بأن مكانتها الشهيرة كرئيسة تنفيذية في عالم الأعمال وسلطتها الكبيرة في الشركة، كانت معتدلة بوجود رئيس تنفيذي للشؤون المالية ذي مكانة عالية. فقد اكتسب جونستون نفوذًا اجتماعيًّا من خبرته الطويلة وسمعته في بيبسيكو، وكذلك من عضويته في مجالس إدارة عدة منظمات ورئاسته للجنة التدقيق في مايكروسوفت (Microsoft). كما يظهر كثيرًا على قنوات الإعلام الاقتصادي البارزة، وغالبًا ما يُصنَّف ضمن أفضل الرؤساء التنفيذيين للشؤون المالية. لقد ساعدت مكانة جونستون العالية بوضوح على خلق ديناميكيات سلطة أكثر مساواة بين الرئيس التنفيذي والرئيس التنفيذي للشؤون المالية؛ ما مكّن من التواصل المفتوح والنقاش الصحي بين القياديين في القضايا المهمة. كما يعزز ذلك احتمالية أن يُؤخذ رأي الرئيس التنفيذي للشؤون المالية الاستراتيجي على محمل الجد ويُقدَّر من قبل قادة الشركة ومديريها.
ومع ذلك، وبناءً على الأبحاث التجريبية الحديثة حول علاقات الرئيس التنفيذي والرئيس التنفيذي للشؤون المالية في الشركات الأمريكية ونتائج دراستنا، يبدو أن العلاقة بين الرئيس التنفيذي والرئيس التنفيذي للشؤون المالية في بيبسيكو هي الاستثناء لا القاعدة؛ لذا نوصي بأن تعمل مجالس الإدارة على رفع مكانة الرئيس التنفيذي للشؤون المالية والاستفادة منها لخلق ديناميكيات سلطة أكثر توازنًا بين القياديين الأعلين، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى عملية اتخاذ قرارات أكثر موضوعية في مجال الاندماج والاستحواذ.
إن الفجوة الكبيرة في التعويضات بين الرئيس التنفيذي وغيره من كبار التنفيذيين تُعد على الأرجح العلامة الأكثر وضوحًا على الفوارق في المكانة والنفوذ التنظيمي؛ وهي نقطة يجدر بمجالس إدارة الشركات المستحوذة إيلاؤها عناية خاصة فيما يتعلق بالرئيس التنفيذي للشؤون المالية. نستنتج من أبحاثنا والأدلة القصصية أن الرؤساء التنفيذيين للشؤون المالية ذوي القيمة العالية لا يبرعون فقط في المعرفة العميقة والقيادة القوية في مجال المالية، بل يمتلكون كذلك خبرة إدارية واسعة وسجل نجاح يتجاوز الوظيفة المالية، وعلاقة قوية مع مجلس إدارة الشركة، وشبكات خارجية واسعة، وظهورًا خارجيًّا ملحوظًا. إن تعيين رئيس تنفيذي للشؤون المالية يجمع بعض هذه السمات يمكن أن يساعد في ضمان حصوله على النفوذ الاجتماعي الذي يحتاج إليه لموازنة سلطة الرئيس التنفيذي في الإدارة العليا، ما قد يؤدي بدوره إلى تحسين جودة قرارات الشركة في مجال الاندماج والاستحواذ.
يجب على المديرين الخارجيين أن يعززوا علاقتهم بالرئيس التنفيذي للشؤون المالية من أجل استثمار مكانته وتعزيزها. وفي الواقع، قد يكون تحقيق ذلك صعبًا بالنسبة لكثير من الشركات؛ إذ إن الرئيس التنفيذي يتحكم رسميًّا في علاقة الرئيس التنفيذي للشؤون المالية مع المجلس، ويحدد إلى حد كبير جدول أعمال وتوقيت التفاعلات بين المجلس والرئيس التنفيذي للشؤون المالية؛ لذا نوصي بأن يتولى المديرون الخارجيون إدارة علاقتهم مع الرئيس التنفيذي للشؤون المالية بأنفسهم. يمكنهم، على سبيل المثال، دعوة الرئيس التنفيذي للشؤون المالية إلى حضور اجتماعات المجلس عند مناقشة قضايا استراتيجية مهمة مثل استراتيجيات النمو والاندماج والاستحواذ. كما يمكنهم إشراكه بشكل أكثر فاعلية في أنشطة المجلس، مثل الاجتماعات الخارجية أو وجبات الغداء للمديرين قبل اجتماعات المساهمين السنوية. علاوة على ذلك، ونظرًا لأن العضوية في مجالس إدارة خارجية عادةً ما تعزز مكانة الرئيس التنفيذي للشؤون المالية، يمكن للمديرين الخارجيين دعم الرؤساء التنفيذيين للشؤون المالية في بناء شبكاتهم الخارجية، وربما مساعدتهم في الحصول على مقعد في مجلس إدارة شركة أو منظمة أخرى ذات صلة بهم.
الرؤساء التنفيذيون للشؤون المالية الذين يتمتعون بنفوذ اجتماعي أكبر يُرجَّح أن تكون لهم سيطرة أكبر على عملية الاندماج والاستحواذ منذ بدايتها، وأن يكون من الأسهل عليهم التعبير عن مخاوفهم وتحدي الافتراضات المتعلقة بخلق القيمة وسعر الصفقة. وكما لاحظ هولي (Holley): “من خلال استثمار نفوذهم مع قادة الأعمال وخبرة فريقهم المالي، يمكن للرؤساء التنفيذيين للشؤون المالية أن يساعدوا في إبقاء عمليات الاندماج والاستحواذ ضمن الاستراتيجية وتجنب مطاردة ‘الفرص البراقة’ التي قد تبدو جذابة على الورق أو في العناوين، لكنها تفشل في تحقيق النتائج المرجوة”. لقد كان دفع مبالغ زائدة مقابل الاستحواذات مشكلة طويلة الأمد لدى الشركات الساعية للتوسع عبر الاندماج والاستحواذ، وتُظهر أبحاثنا أن ديناميكيات السلطة في الإدارة العليا عامل مهم في ذلك. عندما تعزز الشركات السلطة غير الرسمية للرئيس التنفيذي للشؤون المالية، يمكنها الحد من مخاطر دفع مبالغ زائدة مقابل الشركة المستهدفة؛ فالرؤساء التنفيذيون للشؤون المالية ذوو المهارات العامة، والاستقلالية الكافية عن الرئيس التنفيذي، والمكانة العالية، سيكونون أكثر قدرةً على معالجة نقاط الضعف التي تجعل الشركات عرضة لدفع مبالغ زائدة في الاستحواذات، مثل مشكلات الوكالة الإدارية والانحيازات السلوكية في اتخاذ قرارات الاندماج والاستحواذ.
مع تعرّض الشركات لبيئات تزداد تعقيدًا وتقلبًا نتيجة التحوّلات الرقمية (digitalization) وجائحة كوفيد-19 (COVID-19)، إلى جانب المطالب الملحّة من دائرة أوسع من أصحاب المصلحة لتحقيق قيمة مستدامة، أصبحت مسؤوليات المديرين الماليين (CFOs) أكثر استراتيجيةً وديناميكيةً واتساعًا في نطاقها. ويمكن للدروس التي استخلصناها من بحثنا أن تقدّم للشركات إرشادات تساعدها على بناء أنظمة حوكمة مؤسسية أكثر كفاءة، تتيح للمديرين الماليين أداء أدوارهم المزدوجة، سواء من خلال الشراكة مع الرؤساء التنفيذيين (CEOs) أو عبر تقديم المشورة المتخصصة والمستقلة لمجالس الإدارة عند اتخاذ القرارات الاستراتيجية المهمة.
المراجع
1. N. Nishant, “Global M&A Volumes Hit Record High in 2021, Breach $5 Trillion for First Time,” Reuters, Dec. 31, 2021, www.reuters.com.
2. A. Afsharipour, “Reevaluating Shareholder Voting Rights in M&A Transactions,” Oklahoma Law Review 70, no. 1 (2017): 127-158.
3. S. Pavićević and T. Keil, “The Role of Procedural Rationality in Debiasing Acquisition Decisions of Overconfident CEOs,” Strategic Management Journal 42, no. 9 (September 2021): 1696-1715.
4. S.P. Ferris and S. Sainani, “Do CFOs Matter? Evidence From the M&A Process,” Journal of Corporate Finance 67 (April 2021): 1-66. The study found that more influential CFOs positively affect M&A quality. The researchers’ principal component analysis suggests that the “formal” sources of power for CFOs contributed most to the CFOs’ influence in the U.K.
5. For academic literature on the individual consequences of the breadth of executive experiences, see A. Karaevli and D.T. Hall, “How Career Variety Promotes the Adaptability of Managers: A Theoretical Model,” Journal of Vocational Behavior 69, no. 3 (August 2006): 359-373.
6. C. Holley, “The Journey to CFO: Charles Holley, CFO-in-Residence,” Deloitte, July 23, 2018, https://deloitte.wsj.com.
7. S. Estrada, “Estée Lauder’s CFO Talks Growth,” Fortune, Sept. 23, 2021, https://fortune.com.
8. W. Shi, Y. Zhang, and R.E. Hoskisson, “Examination of CEO-CFO Social Interaction Through Language Style Matching: Outcomes for the CFO and the Organization,” Academy of Management Journal 62, no. 2 (April 2019): 383-414.
9. S.S. Dikolli, J.C. Heater, W.J. Mayew, et al., “Chief Financial Officer Co-Option and Chief Executive Officer Compensation,” Management Science 67, no. 3 (March 2021): 1939-1955.
10. C. Holley, “Steering M&A From the CFO’s Seat,” Deloitte, Jan. 29, 2018, https://deloitte.wsj.com.
11. J.M. Peiro and J.L. Lekia, “Formal and Informal Interpersonal Power in Organisations: Testing a Bifactorial Model of Power in Role-Sets,” Applied Psychology: An International Review 52, no. 1 (January 2003): 14-35.
12. J. Seo, D.L. Gamache, C.E. Devers, et al., “The Role of CEO Relative Standing in Acquisition Behavior and CEO Pay,” Strategic Management Journal 36, no. 12 (December 2015): 1877-1894.
13. Holley, “Steering M&A.”
14. C. Clifford, “The CEO and CFO of Pepsi Open Up About When and How They Fight,” CNBC, Oct. 28, 2016, www.cnbc.com.
15. M. Rosoff, “HP Finance Chief Tried to Stop $11.7 Billion Acquisition, but Lost,” Business Insider, May 8, 2012, www.businessinsider.com.
16. J. Browning, “Ex-HP CFO Expected to Be Fired for Objecting to Autonomy Deal,” Bloomberg, June 10, 2019, www.bloomberg.com.
17. Clifford, “The CEO and CFO of Pepsi.”
18. Shi, Zhang, and Hoskisson, “Examination of CEO-CFO Social Interaction.”
19. Seo et al., “The Role of CEO Relative Standing.”
20. Holley, “Steering M&A.”
i. S. Finkelstein, “Power in Top Management Teams: Dimensions, Measurement, and Validation,” Academy of Management Journal 35, no. 3 (August 1992): 505-538.
ii. S. Datta and M. Iskandar-Datta, “Upper-Echelon Executive Human Capital and Compensation: Generalist vs. Specialist Skills,” Strategic Management Journal 35, no. 12 (December 2014): 1853-1866; Dikolli et al., “Chief Financial Officer Co-Option”; and Seo et al., “The Role of CEO Relative Standing.”
