ترجمة: شهد الراجحي
لا يتفق موظفو الشركات مع الانتقادات الموجَّهة إلى برامج التنوع والمساواة والشمول (DEI). في هذه المقالة، سنتناول كيفية تمكُّن القادة من موازنة الانتقادات مع المبادرات الفعّالة التي تخدم مصالح الموظفين.
تراجعت حاليًّا عدة شركات مشهورة في الولايات المتحدة الأمريكية عن التزاماتها تجاه برامج التنوع والمساواة والشمول. فمثلًا، ذكرت سلسلة المتاجر الريفية “تراكتر سبلاي” أنها ستُلغي الأدوار والأهداف المتعلقة ببرامج التنوع والمساواة والشمول، وأعلنت شركة المعدَّات الزراعية “جون دير” أنها ستتوقف عن دعم الفعاليات التي تروِّج للتوعية الاجتماعية أو الثقافية. إضافة إلى ذلك، أعلنت “جمعية إدارة الموارد البشرية” في يوليو أنها ستتخلى عن مصطلح “المساواة” في مبادراتها التي تعزِّز المساواة بين العاملين، وتركِّز على التنوع والشمول فقط.
أنا لست مختصًّا في مجال الموارد البشرية، ولا عضوًا في جمعية إدارة الموارد البشرية، لكنني تحدثت مع من هم في هذا المجال، لأتيقَّن من أن قرار جمعية إدارة الموارد البشرية كان مثيرًا للجدل. حاول الرئيس التنفيذي لجمعية إدارة الموارد البشرية، “جوني تايلور”، تفسير القرار في مقابلة مع موقع “أكسيوس”، مسوِّغًا ذلك بقوله: “تجد الجمعية صعوبة في خوض محادثة جدِّية مع الإدارة التنفيذية عندما يتعلق الأمر بموضوع “المساواة””.
لكن متخصصي الموارد البشرية الذين أعرفهم لا يخوضون في جدال موضوع “المساواة”. لأنهم يدركون أن المساواة ليست هي العدالة. يعرفون أن العدالة لا تعني المساواة في الفرص، وليست محاولة لحلّ جميع مشكلات المجتمع.
يا لها من فوضى، ثمة كثيرٌ من منتقدي قضايا العدالة في مكان العمل، لكنهم لا يفهمون أيَّ شيء. كل ما يفعلونه هو دفع الشركات إلى التراجع عن جهودها في هذا المجال، مدَّعين أنهم يعبِّرون عن صوت الجميع، في حين إنه في الحقيقة، الأغلبية العظمى من الأمريكيين يدعمون برامج التنوع والمساواة والشمولية، ويريدون حوارًا عقلانيًّا حول فوائدها. لكن، قد تستجيب الشركات لضغوط الانتقادات من وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تضرُّ أكثر مما تنفع، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصلحة الموظفين الذين هم أساس الشركة.
تُظهر الأبحاث الحديثة وتجربتي الشخصية في التعامل مع مشكلات الأداء الجماعي والتنوع، أن الشركات التي تتعرض لضغوط بسبب هذه المبادرات ينبغي أن تكون أكثر حذرًا في استجابتها. أولًا، يجب عليها فهم عواقب الرضوخ لأصوات النقد، وثانيًا، يجب عليها تعزيز المشاركة بدلًا من الانقسام داخل الشركة.
أخطار التراجع عن جهود برامج التنوع والمساواة والشمول
حتى لو كان التراجع عن هذه الجهود محدودًا أو بسيطًا، فإن ثمة تحدِّيين رئيسَين يمكن أن يترتبا عليه:
التحدي الأول هو أن جميع الموظفين، بمختلف أجناسهم، وأعراقهم، وأعمارهم، وانتمائهم السياسي، ينظرون إلى برامج التنوع والمساواة والشمول نظرة إيجابية؛ ما يعكس وعيهم وفهمهم لهذه البرامج وأهميتها في بيئة العمل. وقد زاد اعتقاد الشعب الأمريكي بأن الهدف الأساسي من برامج التنوع والمساواة والشمول هو “تحسين نتائج الأعمال” بدلًا من دفع أجندات سياسية. وقد شهدت هذه الفكرة زيادة أكبر مقارنةً بالعام الماضي على نحوٍ عام، وفقًا للبحث الذي نشرته شركة إيدلمان في شهر يوليو.
ثمة فجوة بين الأشخاص الذين ينتقدون برامج التنوع والمساواة والشمول، وبين الفوائد التي يراها الموظفون في هذه البرامج. ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته شركة إيدلمان، اتفق ٧٥٪ من ٣٢٠٠ مشارك على أن برامج التنوع والمساواة والشمول في مكان العمل وسيلة فعَّالة لردع العنصرية. تمثِّل هذه الظاهرة تزايدًا في الفهم الإيجابي لأهمية هذه البرامج. فمثلًا، أكَّد ٥٦٪ من الموظفين الذين يبلغ عمر كلٍّ منهم أكثر من ٥٥ عامًا على “أهمية وجود ثقافة عمل شاملة مع برنامج دعم جيد للتنوع” وهي زيادة عن العام الماضي. وأظهر بحث شركة إيدلمان أيضًا أن ٨٦٪ من الديمقراطيين، و٨٦٪ من الجمهوريين، قالوا إنهم قد يوصون بأماكن عملهم إذا كانت ثمة برامج التنوع والمساواة والشمول.
ثمة اختلافات في دعم برامج التنوع والمساواة والشمول بين الموظفين، وذلك بناءً على تجاربهم الشخصية مع قضايا مثل التمييز العنصري أو التحيز في الترقية المهنية. على سبيل المثال، يشير تقرير منظمة “لين إن” بعنوان (النساء في مكان العمل)، إلى أن ثمة تغييرات واضحة خلال السنوات الخمس الماضية في الآراء بين النساء والرجال الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عامًا. وارتفعت نسبة من يَعُدُّ التنوع الجندري مهمًّا من النساء بين عامَي ٢٠١٩م و٢٠٢٤م، وتراجعت هذه النسبة لدى الرجال. كما يشير التقرير إلى أن لدى النساء والرجال تجارب مختلفة في مكان العمل؛ فمثلًا، ٤٢٪ من النساء يعتقدن أن العمل مع نساء أخريات يُصعِّب عليهن العمل، ووافقهن ١١٪ من الرجال.
التحدي الثاني هو أن التراجع عن هذه الالتزامات لا يحلُّ المشكلة مع الموظفين أو العملاء، بل يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل سلبية. فمثلًا، أدَّى تراجُع شركة “تراكتر سبلاي” عن التزامها ببرامج التنوع والمساواة والشمول، إلى تلقِّي ردود فعل سلبية من الموظفين والعملاء.
الهاجس الأكبر الذي يجب أن يركِّز عليه القادة في الشركات عند التراجع عن التزامهم ببرامج التنوع والمساواة والشمول، حسب ما أوضحته أستاذة جامعة برينستون “بيتي ليفي بالوك“، في حديثها مع عالم النفس التنظيمي “آدم جرانت“، أنَّ ما يقوله القادة وما يدعمونه أو لا يدعمونه، يمكن أن يغيِّر معايير السلوك المقبولة في مكان العمل. بمعنى أن التراجع عن هذه البرامج لا يؤثر فقط في السياسات الرسمية في الشركة، بل يمكن أن يسهم في خلق بيئة عمل تقبل سلوكات تمييزية وغير مقبولة؛ ما يضرُّ بثقافة الشركة وقيمها.
يريد الموظفون من الشركات أن تظل صامدة في دعمها. وفقًا لبحث شركة إيدلمان، فإن ٧٦٪ من الموظفين يفضلون أن تلتزم الشركات ببرامج التنوع والمساواة والشمول، وعندما تتعرض هذه البرامج لانتقادات، سواء من داخل الشركة أو من خارجها، يعتقد الموظفون أنه يجب على الشركات أن تضع حدًّا لهذه الانتقادات.
كيف يمكن للشركات الدفاع عن برامجها، وفي الوقت نفسه أن تشجِّع على حوار بنَّاء ونقاش مفتوح بشأن هذه البرامج؟
كيف نخوض حوارًا مفيدًا عن موضوع التنوع والمساواة والشمول؟
في تجربتي التي امتدت لخمسة وعشرين عامًا في بناء وقيادة الفرق في شركات التقنية، التي تفتقر إلى التنوع في القيادة، شاهدت أن قضايا الشمول تخلق تحديات للفرق وتؤثر سلبًا في سير العمل، وفي المقابل، شاهدتُ وجوه تحسُّن أداء الشركة بفضل التنوع، لكن فوائده ستظل محدودة دون العمل المستمر.
إليك ثلاث طرائق استخدمتها:
أولًا، أَفسِح مجالًا للناس للتعبير عن مخاوفهم بشأن برامج التنوع والمساواة والشمول، لا تُنهِ النقاش أو تحاول تغيير الموضوع.
ما يساعد الموظفين على فهم صدق جهود الشركات في مجال التنوع والمساواة والشمول، هو التواصل معهم، وربط البرامج بالقيم الأساسية للشركة.
عندما عملت في شركة جوجل وشركة سلاك، رأيتُ فائدة في التدريب الأساسي للشركات حول قضايا التنوع، لكنه ليس فعالًا بقدر حوار الفريق عن القضايا الأساسية مثل التحيز في التوظيف. تبيَّن أن بعضهم تحفّظوا من أننا قد نخفض المعايير للمرشحين المتنوعين، في حين رأى آخرون أن عملية التوظيف نفسها قد تتضمن تحيزات غير عادلة تؤثر في فرص المتقدمين المتنوعين.
تحدَّث فريقنا عن أهمية إيجاد بيئة عمل عادلة، حيث نقيِّم الجميع بناءً على الجدارة فقط دون تحيُّز. وإذا وازنَّا بين هذين الهدفين فسنحقِّقهما بسهولة. تعهَّد فريقنا بضمان التعددية في المرشحين عبر إدراج أشخاص من خلفيات متنوعة في عملية التوظيف، والتأكد من أن كل المرشحين يحظون بتقييم عادل في كل مراحل التوظيف، وسنضع معايير واضحة لاختيار الموظف المناسب. فالشفافية في المعايير والفهم المشترك بين أعضاء الفريق بشأن المهارات والقيم، أسهمت في بناء ثقافة تعاون.
ثانيًا، لا تستخدم كلمات مبهمة لما يعنيه برنامج التنوع والمساواة والشمول، بل اشرح معنى هذه الكلمات الثلاث، وصحِّح أيَّ مفاهيم خاطئة متعلقة بها، واربطها بسير العمل في الشركة.
توضيح معاني الكلمات (التنوع، والمساواة، والشمول) بطريقة تصبُّ في مصلحة الأعمال وفائدتها، يساعد على زيادة ثقة الموظفين بها ويقلِّل من مخاوفهم. عندما تحدثت سابقًا عن العدل في التوظيف، لا أقصد به المساواة، بل ضمان فرص عادلة لكل المرشحين. وهدفنا هو تقييم الجميع بعدل بناءً على مهاراتهم وكفاءاتهم.
أجرت صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع شركة إيبسوس استبيانًا عن أهمية التفسير الجيد. وأظهر الاستبيان أن ٦١٪ من ٢٢٧٤ أمريكيًّا، يدعم برامج التنوع والمساواة والشمول، ثم ارتفعت نسبة الدعم إلى ٦٩٪ عندما شُرح للمشاركين في الاستطلاع معنى البرامج بالتفصيل، وهو: “برامج لتوظيف المزيد من الموظفين من المجموعات التي تمثل أقلية في المجتمع؛ مثل الأقليات العرقية والأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى تعزيز العدل في مكان العمل”.
ما يعزِّز نتائج الأعمال في الشركة هو الاستشهاد المستمر بالدراسات التي توضح أن التنوع يقلل من خطر التفكير الجماعي الضيق، ويعزِّز الابتكار، ويُحسِّن الأداء العام للشركة. ولكن، من الأفضل توضيح أن غياب “الشمول” يحُدُّ من الفرص والتقدم داخل الفريق أو الشركة ككل.
توليت قيادة فريق في شركة جوجل كان يعاني من قضايا عميقة متعلقة بالتنوع. ورغم أن خبرة النساء في الفريق كانت أكبر، فإنه لطالما تجاهلهن الرجال ومنعوهن من التعبير عن أفكارهن، وهذه تُعدُّ من قضايا الشمول. كما أن النساء في الفريق لديهن اعتقاد بأنهن مهمَّشات في الترقية مقارنةً بالرجال، رغم أن أداءهن كان متساويًا معهم، وهذه تُعدُّ من قضايا المساواة.
يعوق من تقدمنا عندما يتحدث الرجال بتعالٍ مع النساء في مجال العمل. قد يؤدي إهمال بعض الآراء إلى ضياع فرص لتحسين أداء العمل. وبدلًا من توجيه اللوم علنًا إلى الرجال، فضلتُ الحديث مع القادة لتوجيههم، بحيث يصبح ثمة احترام متبادل وتقدير لجميع الأعضاء بصرف النظر عن الجنس.
ثالثًا، الأهم أن تركِّز الشركات على التفاعل الفعلي مع الموظفين، بدلًا من الاعتماد على الوثائق المكتوبة، فالتواصل هو ما يبني الثقة بين القادة والموظفين.
غالبًا ما يكون تواصل التنفيذيين معدًّا مسبقًا ورسميًّا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا التنوع، وهذا النوع من التواصل الرسمي ليس مفاجئًا، لأن قضايا التنوع قد تُعَدُّ حساسة وخطرة أو غير مألوفة بالنسبة إلى معظم التنفيذيين. لذا من الضروري أن يساعد التنفيذيون على فهم طريقة طرح الأسئلة، والتفاعل مع الموظفين، وسماع اقتراحاتهم بشأن قضايا التنوع.
كنتُ الداعم التنفيذي لمجموعة موارد الموظفين في شركة سلاك، التي كانت مخصصة للموظفين ذوي البشرة السوداء، وتعلمتُ أهمية توفير مساحة للمحادثات الخاصة بين أعضاء المجموعة، إضافة إلى المحادثات المفتوحة مع الحلفاء والتنفيذيين، واكتشفتُ أن دعم قدرة المجموعات على التحدث عن قضاياها معًا، إضافة إلى الاستماع من القادة الكبار في الشركة، كان طريقة قيمة لكسب ثقة الأشخاص.
دعمتُ في شركة جوجل الفريقَ الذي كان يعمل على إنشاء مجموعة عمل لمناقشة مجموعة من القضايا المتعددة، وتقديم اقتراحات لتحسين الوضع. تضمّن جزء من العمل تجديد ضوابط الاجتماعات داخل الفريق. كان فريقنا موزعًا على مدن مختلفة، ولدى النساء في الأعمال التشغيلية إمكانية العمل عن بعد أكثر من الرجال؛ ما زاد من تجاهل آرائهن والتعالي عليهن؛ إذ كانت القيادات الذكورية في المكاتب المركزية هي المسيطرة. وضعنا قواعد بسيطة: مثل إعطاء الأولوية للمكاتب عن بُعد في الحديث، وتعيين مُنسق للمساعدة على تضمين الجميع في المحادثة؛ وهو ما أدَّى إلى تحسين التواصل والشمولية داخل الفريق.
ساعدت مثل هذه الإجراءات الصغيرة والبسيطة على تقليل المخاوف أكثر من التوجيهات التي قد يطرحها القادة التنفيذيون في خطاب رسمي.
إذا كنت تنفيذيًّا في شركة، وتفهم أهمية وجود مجموعة متنوعة من الأشخاص، وأهمية بناء بيئة شاملة، حيث يتمكن كل فرد من تقديم أفضل ما لديه، فإن من واجبك أن تعمل على بناء تلك البيئة التي تستفيد من تنوع الأشخاص بفاعلية، ومن واجبك التحدث عندما تُنشَر معلومات مغلوطة أو أفكار خاطئة داخل الشركة.
يتوقع منك الموظفون أن تكون قائدًا في مواجهة الضغوطات المناهضة للمبادئ المتعلقة بالتنوع والمساواة والشمول. من المهم تبنِّي سياسات التنوع والشمولية والمساواة في الشركات؛ إذ إن الموظفين، خاصة الجيل الجديد، يتوقعون بيئة عمل تعكس هذه القيم. وإذا لم تكن قد بدأت في الاستثمار في بناء فرق عمل متنوعة وشاملة، بحيث توفر فرصًا متساوية للجميع، فإنك لا تكتفي بالتأخر عن المنافسة فقط، بل تخذل موظفيك أيضًا.
