لقد تمرَّست معظم المؤسسات في مشاركة البيانات وفطنت لها، فوضعت بنية تحتية تقنية، وانتهجت إجراءات محددة ليسهل عليها نقل البيانات عند الضرورة، تماشيًا مع اللوائح أو تنفيذًا للعمليات المالية أو تقديمًا لخدمة ما، غير أن شركات محدودة شرعت في استكشاف الفرص الناتجة عن اتِّباع منهج استراتيجي لمشاركة البيانات.
يحتاج قادة الأعمال في الاقتصاد الرقمي إلى استراتيجية لمشاركة البيانات لتظفر بحلول رقمية جديدة وتلمس أعمال جديدة. تتيح المشاركة الاستراتيجية للبيانات للمؤسَّسة سرعةَ مشاركة البيانات والتحكم فيها واستخدامها لاغتنام فرص محددة مع شركاء محددين، وكذلك لتكرار مشاركتها مع التأكيد على الانتفاع بها. وبما أنّ أعمال المشاركة الاستراتيجية للبيانات تنضج وتكتمل بمرور الزمن، فإن مشاركة البيانات النافعة والسريعة والإبداعية ترسِّخ قواعد الابتكار في نماذج الأعمال وما ينتج عنها من أرباح.
ومصداق ذلك شركة (شنايدر إلكتريك)[1] لإدارة الطاقة والأتمتة الصناعية؛ فقد استخدمت منصتها لإنترنت الأشياء لمشاركة البيانات مع عملائها من قطاع الأعمال لحلِّ إشكاليات إدارة الطاقة وتقديمها للشركات[2]، ففي عام ٢٠١٦م، ارتأى قادة الشركة فرصةً ثمينة في استعمال إنترنت الأشياء لتطوير منتجات وخدمات جديدة تعتمد على مراقبة وتحليل البرمجيات المتصلة بعضها ببعض، كما ابتكروا جهازًا لجمع البيانات المنسَّقة وغير المنتظمة عن منتجات الشركة المعروضة في موقع أحد العملاء، باعتمادهم على بيانات أجهزة الاستشعار وسجلات الصيانة. ويستخدم الجهاز خوارزمية ديناميكية لرصد المخاطر، فيكشف عن أخطار التشغيل ومصادرها، ويسمح لمديري المباني الذين اشتروا الجهاز بالتحكم في أداء الممتلكات أو استخدام مركز الخدمة بشركة (شنايدر إلكتريك).
وبما أنّ معظم المقارّ التجريبية احتفظت بالبيانات وتحليلها داخل أنظمتها، فإن المستخدمين المتقدمين ممن لا مانع لديهم من مشاركة البيانات في الأنظمة السحابية ظفروا بمنافع أكثر باستخدام خصائص زادت في معارفهم؛ وذلك بتحليل البيانات من مقارّ تجريبية متنوِّعة أو من عملاء كُثر[3]، فمثلًا، صرّحت (شنايدر إلكتريك) بأن عميلتها شركة (هيلتون) للفنادق والمنتجعات تمكَّنت من تخفيض الاستهلاك بمقدار ٥.١٤٪، وهو ما لم توفِّره منذ عام ٢٠٠٩م، بحسب بيانات مراقبة الاستهلاك اللحظي وبيانات التسعير – وهذا إنجاز يُحتفَى به؛ لأن الطاقة ثاني أنفس تكلفة تشغيلية في شركة هيلتون بعد سعر العمالة[4]. وبحلول عام 2021م، ربحت شركة (شنايدر إلكتريك) من أعمالها المخصَّصة للحلول الرقمية ومن منصة (إيكو ستركتشر) لتكنولوجيا المعلومات[5] (بما فيها من برمجيات، وأجهزة تحكم، ومنتجات مرتبطة بعضها ببعض، وخدمات) ما يزيد على ٥٠٪ من إجمالي إيرادات الشركة في بداية عام ٢٠٢١م.
قد تظهر القيمة الاستراتيجية بمشاركة البيانات في منظومة الابتكار، فشركة التأمين الصحي (إليفانس هيلث)[6] –شركة (آنثيم) سابقًا[7]– تعطي بياناتها للأكاديميين والباحثين والشركاء الآخرين لتوجيه نماذج الذكاء الاصطناعي للتعامل مع مشكلات الرعاية الصحية المعقدة؛ ففي عام ٢٠١٩م، جمع فريق الابتكار في (آليفانس هيلث) ما يعادل ١٢ عامًا من البيانات، بما فيها فواتير علاجية مجهولة الهوية، وفواتير الوصفات الطبية، وبيانات المختبرات المرتبطة بـ ٤٥ مليون شخص، ثم أنشأت الشركة منصة لمشاركة البيانات لتسهيل اختبار وتقييم واستخدام مجموعات البيانات المنسَّقة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وفي أغسطس ٢٠٢١م، طوَّرت ما يقرب من ٥٠ مؤسسة شريكة –تشمل أكثر من ٦٠٠ مطور وباحث– أكثر من ٣٠ مشروعًا يناقش مشكلات الرعاية الصحية وقضاياها المتشعبة، بما في ذلك تحسين إدارة مرض السكري، والتنبؤ بمخاطر الإصابة بسرطان الثدي، وعلاج أمراض القلب، والحدّ من العودة إلى المستشفى التي يمكن تجنُّبها؛ ونتاج هذه المساعي ما يقارب خمسة مشاريع –معدل متوسط– كل سنة، من عام ٢٠١٩م إلى عام ٢٠٢١م، وأصبح مشروع (سي ١٩ إكسبلورر)[8] الذي أُعلن عنه في عام ٢٠٢٠م بعد شهرَين من تطوير برمجية (ساند بوكس)[9] أحد أكثر ما يُستخدَم من موارد شركة (إليفانس هيلث) في فترة كوفيد-١٩، ونُقِلت البرمجية إلى مقرِّ شركة (كاريلون)[10] التابعة لشركة (إليفانس) وأُعيدت تسميتها باسم (منصة كاريلون الرقمية)[11].
نفهم من تجارب شركتَي (شنايدر إلكتريك) و(إليفانس هيلث) الفوائد الجمّة من الاعتماد على استراتيجية مشاركة البيانات التي تساعد المؤسسات على التشارك مع العملاء، والانخراط في شراكات جديدة، واقتناص الفرص في نظم الأعمال. فمنذ عام 2018م، تفحَّصنا المبادرات الرقمية في ٣٠ مؤسسة اشتغلت في المشاركة الاستراتيجية لبياناتها، (انظر ملخص البحث التالي).
وقسَّمنا أعمال المؤسسات إلى أربعة مجالات رئيسة تركِّز عليها لتطوير هذه المشاركة:
١- تستثمر المؤسسات في أعمال البيانات وإدارتها لتزيد من وفرتها وكثرتها؛ وذلك بتحديد أصول البيانات الاستراتيجية، وتسهيل استخدامها، وإتاحتها للتصفح، ودمجها.
٢- سعت المؤسسات إلى التقليل مما يعوق تدفق البيانات وسهولة نقلها؛ فاستعلمت منصات خدمية ووسائل رقابية سهّلت تبادل أصول البيانات، وذلك باتباع ضوابط يسيرة والتحول من مناهج الحوكمة البيروقراطية والوسائل اليدوية إلى عمليات الرقابة الآلية التي يمكن تكرارها.
٣- ترتبط الشركات مع غيرها بشراكات مربحة للجانبين، وتتَّبع سياسات وسُبلًا لزيادة الثقة والتعاون بالرغم من اختلاف القوى والنفوذ.
٤- تستبق الشركات الأحداث فتؤمن بحتمية تحقيق المنفعة من مبادرات الابتكار، وتضع أهدافًا محددة للإيرادات، وتختصها بأنفع الموارد وأنسب المناهج الإدارية.
سنفصِّل فيما يأتي من أسطر في مسائل ومعاني هذه المجالات الأربعة.
زيادة وفرة البيانات وكثافتها
قد تسهُل عملية تكرار استخدام أصول البيانات وإعادة تجميعها[12]، فأصول البيانات غزيرة المنبع تتسم بالدقة والضبط والأمان، كما أنها صالحة للاستخدام. وتُنشئ المؤسسات أصول بيانات وفيرة بالاعتماد على إدارة البيانات واستخدامها؛ أي الممارسات الأولية، مثل إدارة البيانات الأساسية، وإدارة جودة البيانات؛ والممارسات المتوسطة مثل اتساق البيانات وتكامل البيانات؛ والممارسات المتقدمة مثل استخدام البيانات الاصطناعية والبيانات من مصادر خارجية. ويجب على المؤسسات تطبيق هذه الممارسات على أصول البيانات ذات القيمة الاستراتيجية؛ لأنها ممارسات تتطلب وقتًا ومالًا ومهارات.
شاركت شركة (بيبسيكو)[13] أصول بياناتها الوفيرة عن مبيعات المنتجات واحتياجات المستهلكين المحددة مع عملائها من تجار التجزئة[14]، وأسَّست جهود مشاركة البيانات هذه على ما اعتمدت عليه الشركة في عام ٢٠١٢م من إدارة للبيانات واستعمالها في فلترة البيانات وتنسيقها ودمجها في مختلف شؤونها وبين موظفيها، فأنشأت الإدارة العالمية لتكنولوجيا المعلومات تصنيفًا بياناتيًّا يوائم بين أسماء المنتجات المختلفة والأشكال المتعددة التي تستخدمها إدارات التشغيل في مختلف البلدان حول العالم؛ ما مهَّد لجمع البيانات من الأعمال التشغيلية العالمية في تقرير واحد يُفصّل في مبيعات المنتجات في جميع أنحاء العالم، كما اعتمدت إدارة تكنولوجيا المعلومات أيضًا مسائل إدارية للبيانات الأساسية وأودعت بيانات مبيعات المنتجات في مخزن بيانات مؤسَّسي، ليطوَّر لاحقًا إلى مجمع بيانات سحابية. وأخيرًا، استعملت شركة (بيبسيكو) إجراءات وأدوات لتكامل البيانات ساعدتها على ربط مبيعات منتجاتها بأصول البيانات الأخرى، بما في ذلك أصول بيانات عملاء الشركة، بما في ذلك سلوك العملاء مجهولي الهوية من ١١٠ ملايين أسرة أمريكية، وقد أسهمت هذه الخدمة في معرفة تجارِ التجزئة حجمَ الطلب على عموم منتجات الشركة أو على منتجات معيَّنة، أو في متاجر معيَّنة، واقترحت تحسيناتٍ في المبيعات والتسويق، وحاليًّا تستخدم شركة (بيبسيكو) هذه الأصول البياناتية لدعم خدمة بياناتية لشركائها من تجار التجزئة.
تستطيع الشركات شديدة التنظيم إتاحة بياناتها وتسهيل الوصول إليها، فقد عمل فريق (إليفانس هيلث) لما يقرب من عام في تطوير إدارة البيانات لتساعد الشركة على زيادة وفرة البيانات مع تلبية المحافظة على خصوصية البيانات ومتطلبات الأمان للحفاظ على أصول بيانات المرضى[15]، فتوجب على الشركة مراعاة تقييد البيانات الصحية والحذر من استعمالها بنيَّة حسنة للإضرار بأصحابها وإظهار معلوماتهم السرية، فبدأ الفريق بحجب البيانات الشخصية والسرية والمملوكة للأشخاص وفق القانون؛ فمثلًا، بدَّلوا تواريخ الميلاد واستخدموا أول رقمين من الرموز البريدية لتحديد بيانات الأعضاء وشكاواهم، واستبدلوا البيانات الحساسة برموز –أي تركيبات عشوائية من البيانات لا معنًى لها– لا فائدة منها لو سُرقت، كما أنشأوا بيانات اصطناعية واستخدموها عند الحاجة.[16]
حرَص فريق (إليفانس) على ضمان أن يفهم شركاء الابتكار أصول البيانات وأن تتوافق وأهدافهم، وأنشأوا قاموس بيانات يصف الخصائص التقنية والدلالية لأصول البيانات[17]، كما اختبروا أصول البيانات وعدَّلوا فيها ليُستفاد منها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك بالاعتماد على ما يقرب من ٤٠٠٠ معيار مختلف للتنبؤ بشؤون عملائها الصحية بالنظر في بياناتهم الكاملة والمحفوظة في سجلات الشركة، ثم استخدموا تلك النتائج لقياس الدقة التي يمكن لمجموعات البيانات الجديدة أن تُظهر تنبؤات مماثلة، وحينما صادق المشاركون في التجربة على رصانة هذا الأسلوب التنبؤي لأصول بيانات برنامج (ساند بوكس) الرقمي، وثق الفريق بقدرته على تشارُك الأصول ومشاركة البيانات الاستراتيجية.
الحدُّ من العوائق التي تبطِّئ مشاركة البيانات
لا بُدَّ أن تحدَّ المؤسسات من العوائق التي تمنع إصدار الأذونات وخدمات توفير البيانات اللوجستية إذا ما أرادت مشاركة البيانات ذات القيمة الاستراتيجية في الوقت المناسب؛ ففي معظم المؤسسات، تتضمن مشاركة البيانات تعبئة النماذج، وانتظار موافقة شخص ما على الطلبات، والتعاون مع قسم تكنولوجيا المعلومات لإضافة مستخدم إلى النظام وتزويده ببرامج جديدة وتدريبه. قد تضبط العوائق مسألة الاستخدام غير المقبول للبيانات، ولكن عند مشاركة البيانات الاستراتيجية، فإنها تعيق تحصيل المنفعة والاشتغال بها، وتستغلُّ المؤسسات –بما لها من مبادرات ناجحة لمشاركة البيانات الاستراتيجية– سهولة الضوابط وحُسن التقنية وتطوّرها للتحول من أساليب الحوكمة البيروقراطية واليدوية إلى أعمال تديرها الآلة ويمكن تكرارها ومراقبتها.
تصوّر قادة فريق الابتكار في شركة الخدمات المالية الأسترالية [18]مكانًا آمنًا وخاضعًا لرقابة شديدة؛ يمكن لشركائهم الموثوقين العمل فيه، وتحليل أصول البيانات المصرفية غير المصنّفة، وأراد الفريق تجنُّب العوائق بانتهاجهم لإطار عمل منظَّم يتشاركون فيه البيانات مع شركائهم ويحسنون التعاون معهم، وحدَّدت الشركة الأسترالية –وبمساعدة مزود خدمة من خارج الشركة– المعايير التعاقدية التي يمكن تعديلها لإدارة الالتزامات المستقلة فيما يتعلق بمعايير التطوير وحقوق الملكية الفكرية واستخدام البيانات، ثم استخدمت فيما بعد المنصة التقنية الآمنة لمزود الخدمة للتحكم في استخدام الشركاء للبيانات بعد إعداد العقود، ومن ثم وضعت منهجية تراعي مراحل التطوير المتدرجة بانتظام (مثل استخدام البيانات المحدود بزمن، وإعدادات الأجهزة التي يمكن تحديد خصائصها، وخطط تنظيم البيانات، والموافقات على الخطط) للسماح بالتعديلات وضمان أسلوب الإشراف الصحيح، مع توسُّع المشروع وظهور احتياجات إلى بيانات جديدة. وقد نتج عن كلٍّ من الجمع بين التعاقدات المحددة المعالم، وتخصيص منصة آمنة لتبادل البيانات، ومراحل تطويرية منتظمة، سيرُ الشركةِ الأسترالية نحو تأهيل الموظفين، وتكرار هذا الأسلوب مع وجود الاختلافات في أغراض مشاركة البيانات وفئات الشركاء.
المهارات الضرورية لمشاركة البيانات الاستراتيجية
١- ينتج عن إدارة البيانات إنشاء أصول البيانات لها الصفات التالية:
- يمكن استخدامها (فهي مضبوطة، ومتداولة، ومكتملة(.
- يسهل استخدامها والعمل عليها (وهي آمنة، ويمكن تشاركها مع الآخرين).
- يمكن دمجها (فهي منتظمة، ومتسقة في شكلها وتركيبها).
٢- تحدُّ منصة البيانات ومسألة الإشراف عليها من الأمور التي تعيق تبادل أصول البيانات، وذلك باتباع التالي:
- الأذونات (بالأتمتة).
- التزويد بالمعدَّات والوسائل (كالخدمة الذاتية).
الحرص على تساوي الفرص
تشتغل المؤسسات بسياسات وأعمال للتعاون مع الشركاء ليتحدوا ويبتكروا حلولًا رقمية جديدة مع الاختلاف في النفوذ والقوى فيما بينهم، فيتقفَّون المنفعةَ المشتركة، ويتفنَّنون في طرائق التعاون بينهم ليعينوا الناس على سرعة حلِّ مشكلاتهم، ويزدادون فهمًا شاملًا لاحتياجات أصحاب المصلحة، ويعاملون الشركاء مثل العملاء، ويحرصون على وضوح الأهداف المشتركة حال صياغتها؛ فكلُّ هذه الأمور أعانت المؤسسات التي تفحَّصناها للثقة بالشركاء، وللتفاؤل والابتهاج بالفرص المستقبلية.
استمالت شركة (بيبسكو) تجار التجزئة فسمحت لهم باستخدام أصول البيانات الاستراتيجية؛ ما أطلعهم على سلوكات المتسوقين وزاد من شعبيتهم[19]، فقد قيَّمت الشركة كلَّ شريكٍ ممكنٍ من تجار التجزئة لتقدير مدى استعدادهم وقدرتهم على تحقيق أهداف مشتركة، وتعديل التنظيمات التي قد تكون ضرورية لتنفيذ الخطط، واستخدمت الفرق المنتخبة من (بيبسيكو) ومن تجار التجزئة البيانات لتحديد أمثلِ الطرائق لتحفيز النمو الاقتصادي وما يفيد الطرفين، واعتمدت فرق (بيبسيكو) جمع الأدلة وتحديد الجدوى من المشروع واختبار الحلول المقترحة والتحقق من منفعتها؛ ما أعانهم على تقرير آثار التغييرات وتقديم مصلحة وأهداف تجار التجزئة –مثل الحرص على الربحية عند صياغة الحلول– حتى لو كان ذلك يعني المشورة بتقليل المنتجات المعروضة للشركة في أسواق التجار.
وقد تغيَّرت مقاييس النجاح عند (بيبسيكو)؛ فبدلًا عن حرصها على تعزيز الإنتاج وتطوير الشركة، سعت إلى الظفر الثلاثي؛ جني الأرباح لها ولتاجر التجزئة وللمتسوِّق؛ ما يفسِّر تحوُّل أهداف الشركة وتركيزها على شركائها، وكان لهذه الممارسات المشتركة تأثير حسن في سمعة (بيبسيكو) وشراكتها مع التجار؛ ففي السنوات الست الماضية، نالت الشركة المركز الأول بين الشركات المصنِّعة في تصنيف (كانتار) للشركات وتجار التجزئة[20]، استنادًا إلى استطلاعات سنوية لشركاء أعمال التجزئة[21].
إعلان المنتجات وتسيير أمورها وتحصيل المنافع
لا يمكن للحلول الرقمية أن تؤتي ثمارها ما لم تُستخدم، فنجاح المؤسسات في مشاركة البيانات الاستراتيجية ينبع من نشاطها في الاهتمام بالمبادرات، ابتداءً بالفكرة وانتهاءً بالمنتج، مع النظر والتأمل في النتائج، فتعتمد المؤسسات على إدارة الابتكار لتمحِّص الأهداف وتُعاقِب على الأخطاء، وتُعِدَّ العدَّة للتغيير، وتحرص على تطبيق الحلول وتنفيذها في أماكن وظروف مختلفة.
انتخب فريق الابتكار في (إليفانس هيلث) عددًا من الشركاء؛ فوضع الفريق بعض المشكلات الملحَّة، وبحث عمن يعينه في حلِّها من الشركاء)، ومن ثم أنشأ مجلسًا ذا مهام بحثية تدقيقية لفحص ما يرد من طلبات الشراكة، وكذلك وضع الفريق معايير تقنية للحلول ليسهل دمجها في منصة الشركة الرقمية؛ ففي بداية كلِّ مشروع، انتهج خطة تنفيذية تشرح استراتيجية الدمج في المشروع، واختار موظفين من الشركة لينفِّذوا الحلول. وفي عام ٢٠٢١م، انتخبت الشركة فريقًا لتنفيذ المشاريع ليتعاون مع الشركاء ويحرص على دمج الحلول ضمن أعمال الشركة وتحقيق الأثر المرجوّ منها.
كذلك عزمت شركة (شنايدر إلكتريك) على ضمان جودة منتجات منصة (إيكو ستركتشر) وتحصيل منافعها، فصاغت الشركة منهجية متزنة لأعمالها الرقمية لتحديد نوع المنفعة من المنتجات ومقدارها، ولهذه المنهجية أربعة مكونات رئيسة، وهي الأجزاء الرئيسية في نظام (إيكو ستركتشر): المنتجات المترابطة، ونظام التحكم والمراقبة، والبرمجيات والأعمال والرقمية، والخدمات الميدانية[22]، ومن ثم ترصد الشركة الأداء المالي لكلِّ مكوّن.
البراعة والإبداع في عالَم مشاركة البيانات الاستراتيجية
يطول الوقت في انتهاج أعمال تهدف إلى مشاركة البيانات -ولن تبرع فيها في يوم وليلة- وقد بيَّنا آنفًا أن المشاركة الاستراتيجية للبيانات تحتاج إلى جهد استباقيّ، والتأسيس لإدارة البيانات؛ فالبحوث تذكر أن المؤسسات تتبع طريقتين للبدء في المشاركة الاستراتيجية لبياناتها والتوسع في ذلك.
والطريقة الأولى: اغتنام فرصة سانحة لمشاركة استراتيجية والاشتغال بها وفق أهداف واضحة ومحدودة؛ فمثلًا، قد تبدأ بمشروع تجريبي مع عميل ثقة، وتستلهم من هذه التجربة ما يُعينك فيما سيأتي من مشاريع؛ ما ينمِّي قدرة مؤسستك مع طول الزمن على زيادة البيانات وتكثيرها، والحدّ مما يعوق من مشاركة البيانات، وصياغة مقترحات مالية مربحة للأطراف المعنية، وتسخير ما يعزِّز من تنفيذ الحلول حينما تنخرط في أعمال جديدة لمشاركة البيانات وتتعلَّم من تجاربك فيها. وقد عملت شركة (بيبسيكو) مع كبار تجار التجزئة لتطوير الحلول، واعتقد الفريق المشترك أنه يمكن توسيع نطاق أحد الحلول المخصصة واستثمارها ماليًّا لحلِّ مشكلات تجار التجزئة الآخرين، فحوَّلوا الحلَّ إلى برنامج إلكتروني جاهز، مع واجهة مستخدم جديدة.
أما الطريقة الثانية فتتمثل في التركيز على الإبداع في مشاركة البيانات داخل المؤسسة؛ وذلك بتطوير أعمال البيانات وبرامجها والاستعداد لاقتناص فرص مشاركة البيانات الاستراتيجية في المستقبل عندما يحين الوقت المناسب؛ فمثلًا، يمكنك تغيير مشاركة البيانات داخليًّا لتحفيز كفاءات الموظفين الذين يسهبون في استخدام البيانات، وهذا ما طبّقته شركة (فِيديليتي)[23] للاستثمار في عام ٢٠١٩م، فصمَّمت برنامجًا مدته أربع سنوات لإعادة استخدام البيانات وترشيد الاستهلاك في أكثر من ١٠٠ مستودع بيانات ومخازن تحليلات بياناتي ودمجهما في منصة تحليلات مشتركة، مستفيدةً من ممارسات مشابهة تتيح المشاركة الاستراتيجية للبيانات؛ مثل إعداد أصول البيانات التي يمكن استخدامها وحمايتها من الاستخدام غير المقبول. وبحلول عام ٢٠٢١م، كان علماء البيانات في (فيديليتي) يمكثون أوقاتًا طويلة في حلِّ مشكلات الأعمال والنماذج عوضًا عن جمع البيانات وفلترتها، كما خفَّضت الشركة الجهد المطلوب لجمع البيانات لتأهيل ودمج نماذج تحليل الاستخدام الجديدة بنسبة ٦٠% إلى ٨٠%، وحسَّنت قدرتها على الاستفادة من البيانات من خارج الشركة[24]، كما ركّزت أولًا على مشاركة البيانات مع موظفيها، باعتماد نظام داخلي يُسهم فيه مالكو البيانات داخل الشركة ويضيفون إلى أصول البيانات الاستراتيجية بمطابقة البيانات الجديدة مع تصنيف المؤسسة، ويمكن لهؤلاء المستهلكين الحصول على البيانات من منتجين داخل الشركة، ودمج البيانات وتصميم حلول داخلية، طالما أنهم يتَّبعون قواعد المنصة الأساسية.[25]
وخلاصة القول: اختَر طريقًا لتطوير قدراتك في مشاركة البيانات الاستراتيجية، واعقلها وتوكَّل؛ فهذا هو الطريق لتكثير الربح بعيد الأجل من استثماراتك الرقمية؛ ما يعينك في تطوير نماذج أعمال جديدة، ويضع أمامك فرصًا متعددة لنفع عملائك وإعانتهم، وستصقل مهاراتك وفهمك للنظم الرقمية، سواء أشاركتَ فيها أم نظَّمتها وعملت عليها.
مواضيع مشابهة:
البيانات والذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، الابتكار، استراتيجيات الابتكار، تطوير المنتجات الجديدة، ذكاء الأعمال والتحليل، البيانات وثقافاتها.
عن المؤلفين:
- باربرا ويكسوم: باحثة في مجال العلوم بمركز أبحاث أنظمة المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتقنية.
- إينا سيباستيان: باحثة في مجال العلوم بمركز أبحاث أنظمة المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتقنية.
- روبرت غريغوري: أستاذ مشارك، ومتخصص في تقنية الأعمال بكلية ميامي هيربيرت للأعمال.
- غابريل بيكولي: بروفسور وأستاذ كرسي إدوارد شلايدير في تخصص علوم المعلومات بكلية أورسو للأعمال بجامعة ولاية لويزيانا، وأستاذ مشارك في تخصص أنظمة المعلومات بجامعة بافيا.
[1] Schneider Electric.
[2] J. W. Ross, C. M. Beath, and K. Moloney, “Schneider Electric: Connectivity Inspires a Digital Transformation,” working paper 417, MIT Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, May 2017.
[3] R. W. Gregory, O. Henfridsson, E. Kaganer, et al., “The Role of Artificial Intelligence and Data Network Effects for Creating User Value,” Academy of Management Review 46, no.3(July 2021):534-551; and R. W. Gregory, O. Henfridsson, E. Kaganer, et al., “Data Network Effects: Key Conditions, Shared Data, and the Data Value Duality, ”Academy of Management Review 47,no.1(January 2022):189-192.
[4] “Sustainable Hospitality,” Schneider Electric, accessed Dec. 19, 2022, www.se.com.
[5] EcoStruxure.
[6] Elevance Health.
[7] Anthem.
[8] C19Explorer.
[9] Sandbox.
[10] Carelon.
[11] Carelon Digital Platforms.
[12] J. Rodriguez, G. Piccoli, and B.H. Wixom, “Increase Data Liquidity by Building Digital Data Assets,” research briefing XXI-11, MIT Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, November 2021.
[13] PepsiCo.
[14] B.H. Wixom, “PepsiCo Unlocks Granular Growth Using a Data-Driven Understanding of Shoppers,” working paper 439, MIT Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, December 2019.
[15] B.H. Wixom, G. Piccoli, I.M. Sebastian, et al., “Anthem’s Digital Data Sandbox,” working paper 451, MIT Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, October 2021.
[16] F. Lucini, “The Real Deal About Synthetic Data,” MIT Sloan Management Review 63, no. 2 (winter 2022): 11-13.
[17] “Anthem Digital Data Sandbox Public Dictionary: Version 2.0,” PDF file (Chicago: Matter, n.d.), https://matter.health.
[18] ANZ.
[19] Wixom, “PepsiCo Unlocks Granular Growth.”
[20] Kantar’s PoweRankings.
[21] “PepsiCo and Walmart Claim Top Spots in Kantar PoweRanking,” Kantar, accessed Dec. 7, 2022, https://cdne.kantar.com.
[22] For more information, see P. Weill and S.L. Woerner, “Dashboarding Pays Off,” research briefing XXII-1, MIT Sloan Center for Information Systems Research, Cambridge, Massachusetts, January 2022.
[23] Fidelity Investments.
[24] B.H. Wixom, G. Piccoli, and J. Rodriguez, “Fast-Track Data Monetization With Strategic Data Assets,” MIT Sloan Management Review, July 29, 2021, https://sloanreview.mit.edu.
[25] Wixom et al., “Fast-Track Data Monetization.”
