القائمة الرئيسية

الشركاء المُهمَلون الذين يمكنهم بناء سير العمل

الشركاء المُهمَلون الذين يمكنهم بناء سير العمل
ملخص المقال

يرى المقال أن أزمة المهارات في الولايات المتحدة ليست ناتجة عن فشل التعليم أو ضعف العمال، بل عن تخلي الشركات عن مسؤوليتها في تطوير المهارات داخل العمل وتعاملها معها بوصفها مسؤولية فردية لا موردًا جماعيًا. ينتقد هذا التصور لأنه يعمّق التحيز، ويقصي العمال ذوي التعليم الأقل—وغالبًا من النساء وذوي البشرة الملوّنة—رغم دورهم الحيوي في تحسين الأداء والابتكار، ويقود إلى ما يُعرف بـ«مفارقة التدريب الكبرى». ويطرح المقال بديلًا عمليًا يتمثل في التعاون مع وسطاء القوى العاملة، وهم جهات تربط بين الشركات والعمال والمؤسسات التعليمية، وتساعد على إعادة تصميم التوظيف، وبناء أنظمة تعلّم قائمة على العمل، وإنشاء مسارات مهنية عادلة ومستدامة، ودعم أهداف التنوع والشمول عبر الصناعات وسلاسل التوريد. ويخلص المقال إلى أن حل فجوة المهارات يتطلب إعادة تعريف المهارة بوصفها موردًا مشتركًا ومتغيرًا، واستثمارًا طويل الأمد من أصحاب العمل، بما يعزز أداء الشركات ويُحسّن الفرص الاقتصادية للعمال على حد سواء.

ترجمة: سمية القحطاني

لدى الولايات المتحدة مشكلة في المهارات، وتلك المشكلة ليست نتيجة لأنظمة تعليمية غير كافية تحبط العمال الشباب، أو نقص في الكفاءة بين العاملين الأكبر سنًّا، كما يدعي البعض، إنما تكمن المشكلة في تخلي الشركات الأمريكية عن تحمل مسؤولية تطوير المهارات. إن العديد من أصحاب العمل غير مستعدين، أو غير قادرين على استثمار الموارد والوقت والطاقة الكافية في التعلم خلال العمل، وإنّ إنشاء مسارات مهنية تكافئ المهارات وتوسع الفرص الاقتصادية للعمال في أدنى درجات سلم سوق العمل.

تتبدّى أزمةُ المهارات الوطنية هذه على نحوٍ أوضح عندما تكون معدلاتُ البطالة منخفضة. فحتى فبراير 2020م، أظهرت معظمُ الصناعات في الولايات المتحدة مؤشراتٍ مستمرة على نقص المهارات. فعلى سبيل المثال، كان في قطاع التصنيع 522,000 وظيفة شاغرة في أواخر عام 2019م، كما وُجدت وظائف شاغرة طويلة الأمد في عددٍ من الصناعات الحيوية الأخرى، بما في ذلك الخدمات المالية والتجارية، والرعاية الصحية، والاتصالات، مع ملاحظاتٍ من التنفيذيين بشأن اتساع الفجوات المهارية في تحليل البيانات، وتقنية المعلومات، وتصميم المواقع الإلكترونية، إلى جانب مجالاتٍ أخرى.

كان نقص المهارات أقل تأثيرًا خلال جائحة COVID-19، حيث فقدت الشركات ملايين الوظائف، ولكن ذلك لا يزال مستمرًّا على الرغم من التخفيف المؤقت في سوق العمل. مع انتعاش التوظيف بالتزامن مع تحسن الاقتصاد، قد تسعى الشركات لإعداد استراتيجيات توظيف لا تعتمد فقط على متطلبات المهارات؛ بل أيضًا على التزامات متزايدة لتعزيز التنوع والشمول.

يجب العمل باستراتيجية مهارات أفضل وأكثر استدامة؛ بالاعتراف بأن أزمة المهارات الوطنية لدينا تعتمد على افتراض راسخ، ولكنه معيب؛ وهو أن المهارات تُحمل بشكل فردي.

يتجاهل هذا التصور الطبيعة الجماعية والمحددة بالسياق للمهارات؛ أي الطرق التي يتم تبادلها وتعزيزها وإعادة إنتاجها من خلال التفاعلات الجماعية في مكان العمل، كما أنه يخلق تبريرًا زائفًا للتحيز والاحتكار الذي غالبًا ما يصاحب نهج أصحاب العمل في إدارة المواهب. نتيجة لذلك، يستفيد العمال الأكثر تعليمًا من استثمارات الشركات في الاحتفاظ بهم، مما يترك العمال ذوي التعليم الأساسي الأقل دون خدمة أو تقدير، وهي ظاهرة يسميها علماء العمل “مفارقة التدريب الكبرى”.

علاوة على ذلك، يؤدي التصنيف الخاطئ للعمال ذوي المستوى المبتدئ على أنهم “غير مهرة”، مما يجعل استبدالهم سهلًا، متجاهلين حقيقة أن هذه الفئة من القوى العاملة، وغالبًا ما تشمل النساء وذوي البشرات الملونة، لا ينفذ الاستراتيجيات فقط، ولكنه يقدم أيضًا رؤى عملية لتحسين العمليات والممارسات التنظيمية.

الافتراض الأساسي بأن المهارة هي مسؤولية فردية ينبع من نهج يركز على العرض؛ حيث يُلقى العبء الأكبر لتطوير المهارات على عاتق المؤسسات التعليمية والطلاب فيها. مع ذلك، فإن الاعتماد على هذا النهج وحده لا يوفر حلًّا كافيًا لمعالجة المشكلة. نقص المهارات هو مشكلة توظيف، وليس مشكلة تعليم. منذ عام 2008م، كنت أدرس مجموعة من المؤسسات التي تساعد أصحاب العمل في الولايات المتحدة على إعادة تفسير الافتراضات المضرة حول المهارات وإعطاء الأولوية لالتزامهم بتطويرها المستمر.

هذه الوسائط العمالية متنوعة في أصولها وانتماءاتها: بعضها نابع من منظمات غير ربحية مجتمعية، وبعضها الآخر امتداد لنقابات عمالية راسخة، وأخرى فروع لأنظمة تمويل الدولة مثل كليات المجتمع وأنظمة القوى العاملة. ينضم إلى صفوفها عدد متزايد من برامج دعم الأعمال، بما في ذلك الجمعيات الصناعية القائمة على العضوية وبرامج الامتداد الصناعي. مع استمرار توسع وتغير احتياجات المهارات عبر الصناعات، خصوصًا استجابة للتحديات والفرص الجديدة، كما يجب على قادة الشركات باختلاف عدد موظفيها التفكير في كيفية التعاون مع هذه الجهات والاستفادة من استراتيجياتها المعززة للمهارات.

كيف يساعد الوسطاء في تطوير قوًى عاملة ماهرة؟

لدى الوسطاء في القوى العاملة سجل طويل وناجح في دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في مجموعة متنوعة من الصناعات، ومساعدتها في التغلب على الحواجز التنظيمية وغيرها من القيود على الموارد التي تعوق توظيف العاملين وتدريبهم في الخطوط الأمامية. بشكل متزايد، تساعد الشركات من جميع الأحجام في إنشاء سلالم مهنية داخلية وأنظمة تعلم قائمة على العمل، غالبًا لخدمة أهداف التنوع والشمول، ويسهم بعضهم حتى في تطوير المهارات عبر نظم الأعمال وشبكات الموردين.

تعد المدن الصناعية، مثل ميلووكي وكليفلاند وشيكاغو وبيتسبيرغ، موطنًا لبعض أقدم الوسطاء في القوى العاملة بالولايات المتحدة، حيث تتميز شيكاغو بتركيز عالٍ بشكل خاص بوجود الوسطاء الذين لديهم علاقات طويلة الأمد مع الشركات من جميع الأحجام، وفي مختلف الصناعات. تشمل هذه المنظمات Jane Addams Resource Corp وInstituto del Progreso Latino و Opportunity Advancement Innovation و Skills for Chicagoland’s Future، وهي جميعها تركز على ربط الأشخاص من ذوي البشرة السمراء واللاتينيين بوظائف في قطاع التصنيع.

كما تحتضن شيكاغو منظمة Manufacturing Renaissance، التي أسست مبادرات مبتكرة في القوى العاملة على مدار عقود؛ بما في ذلك برامج موجهة نحو الشباب، والتي تمكن الشركات المصنعة في المناطق الحضرية من تطوير المواهب للأجيال القادمة. على سبيل المثال، أنشأ برنامج Manufacturing Connect خط إنتاج بين المدارس والعمل؛ من خلال تقديم مجموعة من المواد الاختيارية في التصنيع والهندسة التطبيقية وفرص التعلم المرتبط بالعمل لطلاب المدارس الثانوية. لا يقتصر دور Manufacturing Connect على إعداد الطلاب للوظائف فقط؛ بل يساعد الشركات أيضًا في الاستعداد لهؤلاء الموظفين الجدد عن طريق تشجيعهم على تقديم فترات تدريبية، والمساعدة في تحديث ممارسات التوظيف والتدريب، وتدريب المشرفين في الخطوط الأمامية.

انضم إلى الوسطاء في قطاع التصنيع وسطاء في قطاعات أخرى؛ مثل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة النظيفة، في مدن مثل بوسطن وفيلادلفيا ولوس أنجلوس. كما وسع بعض الوسطاء نطاق صناعاتهم على مر السنين، حيث واكبوا نمو التوظيف من خلال خدمة شركات في قطاعات متعددة. على سبيل المثال، يوفر برنامج Project Quest في سان أنطونيو، التدريب ودعم المسارات المهنية للعديد من أرباب العمل الإقليميين في مجالات الرعاية الصحية وتقنية المعلومات، وكذلك في قطاعي التصنيع والبناء. لا يقتصر دور Quest على ربط المتقدمين للوظائف بتدريب عالي الجودة ومعترف به في القطاع، بل يعمل أيضًا مع أرباب العمل على إعادة هيكلة الوظائف لجذب العمالة، ودعم تطوير قوة عاملة محلية أكثر تنوعًا.

في حين تمتلك الشركاتُ الكبرى خياراتٍ عديدة فيما يتصل بتوظيف الموظفين والاحتفاظ بهم، فإن وسطاء القوى العاملة يقدّمون ميزةً إضافية تتمثّل في خدمتهم لاحتياجات أصحاب العمل، وتعزيز فرص التوظيف للأفراد ذوي الدخل المنخفض، ولا سيما في المجتمعات المهمَّشة من ذوي البشرة السمراء والملوّنين. ويمكن لهذا الجانب من رسالتهم أن يساعد الشركات على الوفاء بالتزاماتها المتعلّقة بالتنوّع والشمول في مجالات التوظيف وتحديد الأجور والتقدّم الوظيفي.

تُظهر تجارب شركات تصنيع الأدوية الحيوية في ولاية كارولينا الشمالية، كيف يمكن للوسطاء أن يساعدوا في توسيع جهود تطوير المواهب لدى الشركات وتنويعها. تقوم شركات مثل Biogen وMerck وPfizer بتوظيف أعداد كبيرة من الموظفين الجدد؛ من خلال برامج تطوير المهارات الأساسية والتقنية التي تقدمها كليات المجتمع في ولاية كارولينا الشمالية. لم تستبدل هذه البرامج أنظمة التدريب الداخلية للشركات؛ بل عززتها من خلال تطوير قاعدة من المرشحين للوظائف الذين يمتلكون أساسًا متينًا من المعرفة يمكن للشركات أن تبني عليها. تم إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الجهد في تسعينيات القرن الماضي، عندما واجهت صناعة تصنيع الأدوية الحيوية في ولاية كارولينا الشمالية معدلات تبديل عمالة مرتفعة جدًّا، وهو تحدٍّ كان يهدد نمو الصناعة ويدفع أرباب العمل إلى الاستيلاء على عمال بعضهم بعضًا. قال أحد مديري مصانع تصنيع الأدوية الحيوية: “لم نرغب في مجرد تبادل الأشخاص، أردنا تنمية القوى العاملة في المنطقة”.

جاءت كليات المجتمع لإنقاذ الموقف، حيث طورت حلًّا دائمًا بالشراكة مع خبراء من مؤسسة North Carolina Biotechnology Center الممولة من الدولة. قامت بإنشاء برنامج شهادة في التصنيع الحيوي مدته فصل دراسي واحد للطلاب المهتمين، والجنود العائدين، والشباب من ذوي البشرة السمراء، والعاملين الذين تم استبعادهم من الصناعات القديمة التي كانت في تراجع؛ مثل المنسوجات والتبغ والأثاث. أتاحت هذه الشهادة للكليات إعداد قوًى عاملة مستمرة من المتقدمين للصناعة، لكنها طلبت شيئًا بالمقابل؛ وهو رغبة شركات الأدوية الحيوية في الحصول على مهارات وشهادات جاهزة للعمل، مما يؤدي إلى نتائج توظيف إيجابية للعاطلين عن العمل والمهمشين في الولاية.

علاوة على التوظيف، يتدخل مزيد من الوسطاء لمساعدة الشركات في تحديد وحل مشكلات هيكلية أعمق تهدد مبادرات التنوع وتعرض صلتها وأداءها للخطر. في مدينة شيكاغو، توجد مبادرة بارزة لدعم التنوع العرقي؛ تتمثل في شراكة شركة التأمين العملاقة Aon مع وسيط One Million Degrees. بدأت هذه الشراكة في عام 2017م، عندما أطلقت Aon برنامج تدريب مهنيّ جديد لتوظيف الطلاب من ذوي البشرة السمراء من كليات المجتمع المحلية. يوفر One Million Degrees التدريب الأسبوعي ودعم إدارة القضايا للمشاركين، كما يدمج موظفين من المنظمة داخل شركة Aon لإطلاعهم على تقنيات التوجيه والإدارة الجديدة التي تغذي الإبداع لدى الشباب من خلفيات أكثر تنوعًا.

هناك طريقة أخرى أقل شهرة يدعم بها الوسطاء أداء الصناعة؛ تتمثل في تنسيق معايير وممارسات تطوير المهارات عبر شبكات الأعمال والموردين. على الرغم من أن هذا نهج جديد وطموح، فإنه من المحتمل أن يشهد طلبًا متزايدًا مع اتخاذ الشركات خطوات لتقليل اعتمادها على سلاسل التوريد العالمية، استجابة للاضطرابات التي واجهتها خلال جائحة COVID-19. قد لا تكون القيود المتعلقة بالقوى العاملة لدى الموردين الأصغر من المستويين الثاني والثالث عاملًا رئيسًا في استراتيجيات إدارة سلسلة التوريد التقليدية، ولكن التحديات التي يواجهها الموردون الأصغر في تدريب عمالهم تؤثر على السلسلة بشكل عام، مما يؤدي إلى تأخيرات في التسليم، وانخفاض جودة المنتجات، وتقويض الإبداع والابتكار.

تُظهر منظمة (Wisconsin Regional Training Partnership (WRTP، وهي منظمة رائدة مقرها مدينة ميلووكي، كيفية تنفيذ ذلك. تعد WRTP منظمة مرتبطة بالنقابات العمالية، وقد طورت خدمات تدريب مخصصة لمئات الشركات المحلية في قطاع التصنيع. عام 2013م، أطلقت المنظمة مبادرة تدريب مهني مسجلة لفنيي التصنيع لتمديد فرص التعلم خلال العمل للنساء والعمال من ذوي البشرة السمراء. تم تكرار البرنامج في أربع ولايات أخرى على الأقل، مع تجاوز عدد الملتحقين 1000 متدرب. جمعت WRTP مجموعة من كبار المصنعين، بما في ذلك شركة Harley-Davidson، بالإضافة إلى مورديهم المحليين، لضمان أن يدعم البرنامج الشركات عبر سلسلة التوريد بأكملها.

يساعد الوسطاء، مثل WRTP، الشركاتِ الكبرى على تحديد الضغوط المتصلة بالقوى العاملة داخل شبكات مورّديها، بما في ذلك الضغوط التي قد تخلقها – من غير قصد – عبر طلب خفض الأسعار أو تسريع وتيرة الإنتاج. ويُعدّ ذلك مهمًّا؛ لأن المورّدين الأصغر، المهمَّشين في سلسلة الإنتاج والصناعة، يواجهون خطرَ الالتزام بتطوير القوى العاملة، بما قد يعرقل تدفّق الأعمال. ومن خلال تسليط الضوء على هذه الإشكالية، يستطيع الوسطاء ضمانَ أن تتمكّن جميع الشركات على امتداد السلسلة من الاستثمار استثمارًا كاملًا في قواها العاملة. ويمكن للشركات الكبرى أن تضطلع بدورٍ داعم عبر ربط مورّديها بوسطاء القوى العاملة، وتوجيه تطوير المهارات بوصفه التزامًا مشتركًا لتعزيز الفرص الاقتصادية الإقليمية ونجاح الصناعة.

ما يمكن توقعه عند التعاون مع الوسطاء في القوى العاملة
تستفيد الشركات والعمال ومجتمعاتهم جميعًا عندما يتم التعريف بالمهارات كمورد دوري ومشترك يتم تطويره وتعزيزه بشكل جماعي من خلال دعم واستثمار مستمر من قبل أصحاب العمل. عندما يفكر قادة الشركات في كيفية التعاون مع الوسطاء، يجب عليهم التركيز على الطرق التالية التي يمكنهم من خلالها تحقيق قيمة من هذه العلاقات:

1. إعادة التفكير فيمن يجب توظيفه

يساعد الوسطاءُ في القوى العاملة الشركاتِ على تغيير الطريقة التي تتخذ بها قرارات التوظيف، مما يدفعها إلى توسيع نطاقها عند البحث عن موظفين جدد. يتضمن ذلك إعادة التفكير في السؤال الأساسي حول من هو “المؤهل”، وتحويل التركيز بعيدًا عن قرارات التوظيف التقليدية التي تستبعد العمال الأقل تعليمًا بشكل رسمي.

عندما يتفاعل الوسطاء مع أصحاب العمل بشأن التوظيف، فإنهم غالبًا ما ينصحون الشركات بتخفيف متطلبات التوظيف الصارمة؛ حيث يقترحون تجاوز الدرجات الأكاديمية وغيرها من الشهادات، والبحث بشكل أوسع عن صفات وخبرات تُظهر بشكل أفضل قدرة المتقدم للبقاء لفترة أطول في الشركة. على سبيل المثال، تشجع كلية City Colleges of Chicago -وهي شبكة من الكليات المجتمعية الرائدة- الشركاتِ على أن تكون أكثر مرونة عند التوظيف لمناصب في تقنية المعلومات، مثل تصميم الواجهات وتطوير البرمجيات؛ إذ تنصح الشركاتِ بعدم الانتظار لتوظيف موظفين جدد حتى التخرج، بل بدلًا من ذلك تجنيدهم في وقت مبكر، بدءًا من السنة الأولى؛ من خلال تقديم فرص “التعلم مقابل الأجر” التي تعزز التعلم داخل الفصول الدراسية، تمهيدا لبدء حياتهم المهنية، وتبني علاقة مع المواهب الجديدة.

يساعد الوسطاءُ أيضًا الشركاتِ على تبنّي نهج أكثر شمولية في استقطاب المتقدمين. يقومون بذلك عن طريق جمع معلومات حول الوظائف والمهارات المطلوبة فعليًّا لتنفيذ تلك المهام؛ مثل الاستفادة من الموظفين الحاليين الذين لديهم خبرة مباشرة مع ممارسات الإنتاج الحالية والروتين التنظيمي. من خلال معاملة المشرفين في الخطوط الأمامية والعمال ذوي الخبرة كخبراء في مجالاتهم، يساعد الوسطاءُ الشركاتِ على جمع رؤى تقنية حول مجموعة متنوعة من المهام والتخصصات المهنية.

يستخدم الوسطاء هذه المعلومات لتطوير ملفات مهارات أكثر شمولًا؛ إذ إن الهدف ليس إنشاء متطلبات توظيف صارمة يجب على كل متقدم الوفاء بها، ولا مساعدة الشركة على الإعلان بشكل أفضل عن وظيفة متاحة من خلال تقديم وصف أكثر تفصيلًا للعمل المطلوب؛ بل إن الهدف هو إفساح المجال لمجموعات مختلفة من المهارات وإنشاء توقعات أكثر واقعية من خلال إنشاء قائمة مهارات “حسب الطلب” تشمل مجموعة من المعايير الدنيا، ومجموعة من المعايير المفضلة التي تضمن النظر في المتقدم، ومجموعة من المعايير المثالية التي تضمن التوظيف.

مع مثل هذه القائمة الشاملة من معايير التوظيف، يصبح من غير المرجح أن يفي أي مرشح بجميع المتطلبات بالكامل؛ لذلك، يجب تقديم التنازلات. أوضح أحد قادة الوسطاء قائلًا: “ألاحظ بوادر الأمل تتجلى، وأرى الدهشة في أعين أصحاب العمل الذين يدركون أن هذا يوفر آفاقًا أوسع وإمكانات أكبر في عمليات التوظيف”. قد يبدو ذلك غير بدهي، ولكن ملفات المهارات الأكثر تفصيلًا لا تقوض الشمولية؛ بل تسهلها من خلال الدفاع القوي عن الباحثين عن العمل الذين يمتلكون بعض المهارات المفضلة وليس كلها.

هذا العمل الأساسي حول التوظيف ينبه أصحاب العمل إلى أنهم سيحتاجون إلى الاستعداد للفجوات المهارية والعمل على سدها؛ سواء مع الموظفين الجدد أو الحاليين، مع تغير احتياجات الشركة بمرور الوقت.

2. تحديد العقبات الداخلية لتطوير المهارات

ما إن يُعين الوسطاءُ أصحابَ العمل على تلبية احتياجات التوظيف المباشرة، حتى ينتقل أصحابُ العمل إلى المهمة الأصعب، المتمثّلة في معالجة ثبات الروتين والممارسات التنظيمية التي تُنشئ حواجز أمام بناء المهارات، ودعم الموظفين، والاحتفاظ بهم.

وأحيانًا تنشأ هذه الحواجز بسبب نقص التمويل المخصّص للتدريب، أو بسبب عدم تخصيص وقتٍ كافٍ لتطوير الموظفين. وفي أحيانٍ أخرى، تظهر في صورة مديرين لا يدركون أدوارهم في تطوير القوى العاملة. وهنا تتجلّى أهميةُ المحادثات المستمرة مع طيفٍ واسع من العاملين الحاليين في الخطوط الأمامية.

تمنح هذه المحادثات الوسطاء رؤى عميقة حول عدم رضا الموظفين وما التوترات الكامنة، والتي غالبًا ما تتصل بمستوى قسم محدد أو مشرف معين، وهو ما قد يغيب عن إدراك القادة عادةً. يقوم الوسطاء بتحديد جذور المشكلة، ونقل التفاصيل بدقة إلى قادة الشركة، مع توضيح أسباب نشوء هذه الديناميكيات، واقتراح السبل المناسبة لمعالجتها.

3. تغيير الروتين لتعزيز التنمية

إن مهمة تحديد نمط العمل واكتشاف الإشكالية أسهل من حلها؛ وهي مهمة تتطلب عادةً الوقت والالتزام والموارد من قبل أصحاب العمل.

يشجع الوسطاءُ الشركاتِ غالبًا على تخصيص مزيد من الوقت والموارد لتطوير المهارات والتعلم أثناء العمل، وعند تحديد مشرف أو مدير كسبب رئيس للتوترات في بيئة العمل، يتم توجيه الجهود التدريبية للتركيز عليه كخطوة أولى لمعالجة المشكلة.

يؤكد الوسطاء أهمية تدريب القيادة حول مهارات الاتصال. على سبيل المثال، قام مدير مصنع بتنفيذ برنامج تدريب على القراءة والكتابة بعد تلقيه ملاحظة مكتوبة بخط اليد من مجموعة من العمال، تفيد بأنهم “لا يستطيعون القراءة”، ليكتشف لاحقًا أن المشكلة كانت تتعلق بتغيير نوع القلم المستخدم في مواصفات الإنتاج.

لكن التركيز الرئيس للوسطاء يكون على دعم العمال ذوي المستوى المبتدئ وعمال الخطوط الأمامية؛ من خلال إنشاء وتوسيع الأنظمة التي تساعدهم على التقدم إلى مستويات مهنية أعلى وزيادة الدخل.

 رؤى جديدة للمهارات الوظيفية

لحل مشكلة فجوة المهارات المستمرة في الولايات المتحدة، يحتاج قادة الشركات إلى إعادة صياغة التصورات القائمة منذ زمن طويل حول المهارات. يجب عليهم التوقف عن معاملة اكتساب المهارات كشرط مسبق للحصول على وظيفة، والبدء في رؤيتها كمكون أساسي، ولكنه دائم التغيير للعمل. يجب عليهم التوقف عن التفكير في المهارات كسلع قابلة للاستهلاك، والبدء بالتفكير فيها كمصادر مشتركة للقيمة بين الشركات والعمال.

تحتاج الشركات إلى التوقف عن الخوف من الغموض الكامن حول ماهية المهارة، ومن يمتلكها، وكيفية تطويرها، والبدء في تبني هذا الغموض لدفع حلول تحسين المهارات التي تعزز نتائج الأعمال وتحسّن حياة العمال.

يقدم الوسطاء في القوى العاملة مجموعة واسعة من خدمات الدعم للقادة؛ سواء (لتغيير نظرتهم) لإعادة صياغة عقولهم تجاه المهارات، أو لتحقيق مكاسب متبادلة للشركات والعمال؛ من خلال تحسين أداء الأعمال وزيادة تنقلهم.

يمكن لهذه المؤسسات أن تساعد الشركات؛ ليس فقط في سد النقص الحالي في المهارات، بل وأيضًا -وربما الأهم– مساعدتهم في إنشاء الأساس اللازم لتطوير المهارات التي ستحتاجها للازدهار في المستقبل.

مقالات ذات صلة