القائمة الرئيسية

لماذا يمكن أن تساعدنا عصابة العينين على رؤية مهارات المرشحين بشكل أوضح؟

لماذا يمكن أن تساعدنا عصابة العينين على رؤية مهارات المرشحين بشكل أوضح؟
ملخص المقال

المقال يناقش كيف تؤثر التحيزات اللاواعية على قرارات التوظيف والاستثمار والتقييم في المؤسسات، ويستعرض استراتيجية الحجب كوسيلة للحد من هذه التحيزات عن طريق إخفاء المعلومات الشخصية غير ذات الصلة مثل الاسم والجنس والعرق أثناء عملية التقييم. يوضح أن هذه الطريقة تعزز العدالة والدقة كما أظهرت تجارب فرق الأوركسترا الأمريكية والتوظيف المجهول في الشركات، إلا أن تطبيقها محدود بسبب مقاومة المديرين والقيود الهيكلية. لذا يقترح الباحثون اعتماد الحجب الذاتي المدعوم بـ التفكير التداولي وإعادة ترتيب المعلومات، بحيث يُقيَّم المتقدمون بناءً على المؤهلات أولًا قبل الاطلاع على خصائصهم الشخصية، مع ضرورة التدريب على التعرف إلى التحيزات اللاواعية ومراعاة التنوع، مما يساعد على تحسين موضوعية وعدالة التقييمات بشكل عملي وواقعي.

ترجمة: أحلام الغامدي

شون فاث، وريتشارد ب. لاريك، وجاك ب. سول، وسوزان تشو ● 08 يونيو 2021م

هل تتخيل أن قراراتك حول من تجري معه مقابلة عمل تتأثر باسم المرشح؟ أو أن جنس رائد الأعمال وشكله الخارجي يؤدي دورًا في قرارك بتمويل مشروعه؟ قد يبدو هذا الأمر غريبًا، ولكن الأبحاث تؤكد أننا كبشر نميل لاتخاذ مثل هذه القرارات المتأثرة بالتحيزات دون أن ندرك ذلك. على سبيل المثال، دراسات عديدة أظهرت أن المرشحين ذوي الأسماء التي ترتبط بأقليات عرقية قد لا يحصلون على فرص متساوية في الحصول على مقابلة عمل1، حتى لو كانت مؤهلاتهم متطابقة. كما أن رائدات الأعمال غالبًا ما يواجهن صعوبات أكبر في الحصول على التمويل مقارنة بالرجال2، وذلك لأسباب تتعلق بالتحيزات الجندرية وحتى المظهر الخارجي.

بشكل عام، تظهر الأبحاث أن قراراتنا الاجتماعية، مثل التوظيف والاستثمار والترويج، تتأثر سلبيًّا بأحكامنا المسبقة تجاه صفات سطحية وغير مؤثرة، كالاسم والمظهر. هذا التحيز يؤثر في مدى عدالة هذه القرارات، فكيف يمكننا اتخاذ قرارات أكثر موضوعية؟ إن أحد الحلول هو تبني “الحجب”؛ أي إخفاء المعلومات الشخصية غير ذات صلة في أثناء عملية التقييم. فإذا لم يعرف المُقيِّم اسم المتقدم للوظيفة مثلًا، فسيكون من الصعب عليه التحيز بناءً على هذا الاسم. هذا المفهوم يشبه تصوير العدالة وهي ترتدي عصبة على عينيها، ما يرمز إلى أهمية الحيادية في اتخاذ القرارات.

على مدى السنوات العديدة الماضية، درسنا كلًّا من فوائد الحجب والحواجز التي تحول دونها في سياق التقييمات التنظيمية مثل قرارات التوظيف ومراجعات الأداء.

سعينا إلى تحديد العوامل التي تؤثر في قرار المقيّمين باستخدام استراتيجية الحجب في تقييماتهم، ونظرًا لصعوبة تطبيق سياسات الحجب الإلزامية في كثير من المنظمات، فإن فهم هذه التفضيلات الشخصية يصبح عاملًا حاسمًا في تحسين جودة التقييم.

وجدنا أن حجب المعلومات التي قد تؤدي إلى التحيز قبل عملية التقييم، يمكن أن يسهم إسهامًا كبيرًا في تعزيز عدالة ودقة التقييمات التي يجريها المديرون والمقيمون في المؤسسات. سنناقش في هذا المقال الأدلة التي تدعم هذا الاستنتاج، وسنستكشف العوامل النفسية والمعرفية التي تؤثر في استعداد صناع القرار لتبني هذه الاستراتيجية، كما سنقدم بعض المقترحات العملية لتشجيع تطبيقها في بيئة العمل.

من خلال ضمان توفر المعلومات ذات الصلة فقط للمقيّم، يقلل الحجب من احتمالية تأثر حكم المقيّم أو تشويهه بسبب الصور النمطية وغيرها من أشكال التحيز اللاواعي3. في المثال المعروف، استخدمت فرق الأوركسترا السيمفونية الكبرى في الولايات المتحدة الحجب لمواجهة الصور النمطية السلبية السائدة حول النساء في عالم الموسيقا وزيادة التنوع بين الجنسين. حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، كان جميع أعضاء الأوركسترا تقريبًا من الرجال.

ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، تبنت أغلب فرق الأوركسترا السيمفونية إجراءات جديدة للاختبار: كان على الأشخاص الذين يتقدمون للاختبارات لشغل المناصب أن يفعلوا ذلك من وراء ستار، ما يحجب هويتهم وجنسهم. ونتيجة لهذا، لم يعد بإمكان الصور النمطية السلبية عن النساء التأثير في كيفية حكم المستمع (المتحيز) في جودة الموسيقا، وارتفعت نسبة النساء اللاتي عُيِّنَّ في المناصب الجديدة. وبحلول تسعينيات القرن العشرين، شكلت النساء ما يقرب من 25٪ من عضوية هذه الفرق الموسيقية (ارتفاعًا من نحو 5٪ في الخمسينيات) ومثلن نحو 50٪ من الموظفين الجدد.4

يمكن تطبيق مبدأ الحجب في مجالات تنظيمية أخرى لتحسين عدالة وموضوعية عمليات التقييم. على سبيل المثال، أظهرت بعض الدراسات أن إخفاء هويات المتقدمين للوظائف عن مديري التوظيف (التوظيف المجهول)، أدى إلى زيادة فرص المتقدمين من الأقليات العرقية والنساء في الوصول إلى مراحل متقدمة في عملية التوظيف، وحتى الحصول على الوظائف5. هذه النتائج شجعت على ظهور شركات متخصصة تساعد المنظمات على تبني ممارسات توظيف أكثر عدلًا وشفافية.6

“الحجب” كخيار

رغم ما تكشفه الأبحاث عن فوائد الحجب، فإن تطبيقه كسياسة داخل المنظمات لا يزال محدودًا7. وربما يعود السبب في ذلك إلى مقاومة القادة والمقيمين لأي قيود على عملية اتخاذ القرار، إضافة إلى عوائق هيكلية مثل لامركزية وظائف الموارد البشرية. لذا، قررنا في بحثنا أن نتناول الحجب من منظور فردي8، وطرحنا السؤال التالي: ما العوامل التي قد تدفع المديرين والمقيمين إلى اختيار حجب أحكامهم بشكل طوعي؟

قبل الخوض في تفاصيل هذا السؤال، حرصنا على فهم مدى شيوع سياسات الحجب. لذلك، أجرينا استطلاعًا لآراء 828 متخصصًا في الموارد البشرية من مختلف الشركات الأمريكية. أردنا من خلال هذا الاستطلاع معرفة مدى معرفتهم وخبرتهم بتطبيق سياسات الحجب في التوظيف وغيره من المجالات. بلغ متوسط خبرة المشاركين في الموارد البشرية 13.72 عامًا، وقد اتخذوا أكثر من 300 قرار توظيف خلال مسيرتهم المهنية. أكثر من 95% منهم لديهم خبرة مباشرة في اتخاذ قرارات التوظيف، وأكثر من 58% أكدوا أن التوظيف هو جزء أساسي من عملهم الحالي.

وبما أن الأبحاث أثبتت فاعلية سياسات الحجب، تساءلنا عن سبب عدم انتشارها. توقّعنا أن المشاركين في الاستطلاع، بخبرتهم الواسعة في مجال الموارد البشرية، سيكونون على دراية أكبر بهذه السياسات. لكن النتائج فاجأتنا؛ فقد تبين أن خبرتهم مع سياسات الحجب أقل بكثير مما توقعنا.

أظهرت نتائج الاستطلاع أن 59% من المشاركين على دراية بسياسات الحجب في التوظيف، إلا أن تطبيق هذه السياسات على أرض الواقع كان محدودًا. فبالرغم من هذا الوعي، يعمل 19% فقط حاليًّا في منظمات تطبقها، و18% فقط عملوا سابقًا في مثل بيئات العمل. علاوة على ذلك، أشار 20% فقط إلى تلقيهم تدريبًا في هذا المجال. وكشفت النتائج أيضًا عن فجوة في التطبيق بين القطاعات، حيث كانت الخبرة في سياسات الحجب أقل بين العاملين في الشركات والمنظمات غير الربحية مقارنة بالقطاع الحكومي.9

تُظهر هذه البيانات أن ممارسات الحجب ليست شائعة في المؤسسات الأمريكية، وهذا يؤكد أهمية معرفة تفضيلات الأفراد بشأن الحجب. لنأخذ توظيف الموظفين كمثال: الموظفون عمومًا يتمتعون ويُفضلون قدرًا كبيرًا من الحرية في استخدام المعلومات عند اتخاذ القرارات.10

أظهرت الدراسات أن قرارات التوظيف قد تتضمن تحيزات ناتجة عن معلومات شخصية يجمعها مديرو التوظيف من خارج الطلب الرسمي للوظيفة11. بناءً على ذلك، حلّلنا العوامل التي قد تؤثر في قرار المقيمين بالبحث عن هذه المعلومات التي قد تؤدي إلى تقييمات متحيزة.

تشير نتائج أبحاثنا إلى أن الفضول يؤدي دورًا محوريًّا لدى الأفراد الذين يفضلون عدم تلقائية عملية اتخاذ القرارات. غالبًا ما يشعر الأشخاص بأن الفضول هو الدافع الأساسي الذي يحركهم ويؤثر في سلوكهم في اللحظة الراهنة12. في إحدى الدراسات، طلبنا من المشاركين تقييم أداء شخص يقوم بمهمة معينة، وقد أُتيحت للمشاركين فرصة الاطلاع على معلومات شخصية عن هذا الشخص قبل التقييم، مثل اسمه وصورته. وبالرغم من أن هذه المعلومات غير ذات صلة بالمهمة، فإن نحو نصف المشاركين اختاروا الاطلاع عليها بدافع الفضول. وعلى النقيض من ذلك، عندما سألنا مجموعة أخرى من المشاركين إذا كان ينبغي لهم الاطلاع على هذه المعلومات للحصول على تقييم موضوعي، أجاب الغالبية العظمى بالنفي، مشيرين إلى أهمية الحيادية وعدم التحيز في عملية التقييم. وبالتالي، يدرك الأفراد أهمية تجنب بعض المعلومات، ولكنهم يحتاجون إلى تذكير أنفسهم بأهمية هذا الأمر.13

كما استكشفنا في دراسة أخرى، فالدور الذي يؤديه الفضول في تشويه التفضيلات المتعلقة بقرار توظيف وهمي. طلبنا من المشاركين تقييم مدى ملاءمة مرشح وهمي لوظيفة، مع إتاحة خيار الاطلاع على اسمه وصورته، بالإضافة إلى ملخص خبرته. وعكسًا لدراساتنا السابقة التي فرضت خيارًا واحدًا من اثنين (رؤية معلومات متحيزة أو عدم رؤيتها)، قدمنا في هذه الدراسة خيارًا ثالثًا لمجموعة فرعية: تقييم المرشح بناءً على المؤهلات أولًا، ثم رؤية اسمه وصورته لاحقًا. ووجدنا أن هذا الخيار الثالث شجع المشاركين على اتخاذ حكم أولي أعمى، أكثر من الإجبار على الاختيار بين الرؤية المباشرة للمعلومات المتحيزة أو عدم رؤيتها14.

بمعنى آخر، إرضاء الفضول في مرحلة لاحقة قلّل من الرغبة الفورية في الاستسلام له. ومن الجدير بالذكر أن فئة قليلة من المشاركين (أقل من 20%) عدلت أحكامها الأولية بعد الاطلاع على الاسم والصورة. وبالتالي، مع إشباع فضولهم، فضل معظم المشاركين عدم تعديل تقييماتهم بناءً على المعلومات المتحيزة المحتملة.

يؤدي الاعتقاد الخاطئ بجدوى المعلومات المتحيزة إلى اتخاذ قرارات غير موضوعية. فمثلًا، يصر المديرون على إجراء المقابلات غير المنظمة رغم وجود أدلة على فاعلية المقابلات المنظمة.15 ويعطي المديرون مصداقية كبيرة لقدرتهم “الغريزية” على تمييز القيمة المحتملة للمرشح للوظيفة، ويعطون القليل جدًّا لإمكانية التحيز في قرارات التوظيف.16

في إحدى دراساتنا، شارك المديرون في مهمة توظيف وهمية مماثلة لتلك الموصوفة أعلاه، وتضمن جزء من المهمة اختيار ما إذا كان ينبغي معرفة عرق المرشح للوظيفة وجنسه مسبقًا. أشار المديرون بشكل منفصل إلى ما إذا كانوا يعتقدون أن معرفة هذه المعلومات مفيدة عند اتخاذ قرارات التوظيف، وأشارت الغالبية العظمى من مديرينا المشاركين -نحو 85%- إلى أنهم لا يعتقدون أن عرق المرشح وجنسه يشكلان معلومات مفيدة عند اتخاذ قرار التوظيف.

مع ذلك، من بين الـ15% المتبقين الذين رأوا أنها مفيدة، اختار ما يقرب من ثلاثة أرباعهم تلقي هذه المعلومات بدلًا من تجاهلها. وعلى نحو مماثل، سألنا المشاركين في الدراسة من المديرين إذا كان التعرف إلى عرق وجنس المرشح للوظيفة قد يؤثر في قرارات التوظيف. كما يطلبون معلومات شخصية عن المرشحين، مدعين أنها مفيدة دون أن يدركوا تأثيرها في أحكامهم.17

يشير بعض المشاركين إلى أن تزويدهم بمعلومات عن العرق والجنس قبل تقييم المرشح للوظيفة من شأنه أن يساعدهم على تحقيق التنوع، لكنهم لا يرون أن هذه المعلومات ستؤثر في أحكامهم، وهذا الاعتقاد يتناقض مع نتائج كثير من الدراسات التي تظهر أن التحيزات اللاواعية المرتبطة بمثل هذه المعلومات تؤثر تأثيرًا كبيرًا في قرارات التوظيف. هذه النتائج تؤكد أهمية فهم هذه التحيزات وتطوير استراتيجيات للحد منها.18

بالرغم من أن الأفراد قد لا يدركون دائمًا التحيزات الكامنة في المعلومات، فإن طريقة تقديم هذه المعلومات يمكن أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا في مدى وعينا بها. وجدنا أن تقديم معلومات صريحة عن العرق والجنس، مقارنة بتقديم صورة للمرشح، حفزَ التفكير النقدي حول التحيزات المحتملة في عملية اتخاذ القرار.

رغم ذلك، أظهرت النتائج أن 45% من المديرين فضلوا الاطلاع على الصورة الشخصية للمرشح، في حين اختار 20% فقط معرفة معلومات عن عرقه وجنسه.19 تشير هذه النسبة إلى أن بعض المعلومات مثل الاسم أو الصورة أو سنة التخرج، قد لا تثير مخاوف تتعلق بالتحيز؛ لأنها لا توجه الانتباه مباشرة إلى العوامل الحساسة مثل العرق والجنس والعمر.

ببساطة، تشير نتائجنا إلى أن المقيّمين القادرين على كبح جماح الفضول الطبيعي للحصول على معلومات قد تكون متحيزة، والذين يدركون أن مثل هذه المعلومات غالبًا ما تؤدي إلى أحكام خاطئة، هم أكثر ميلًا إلى اختيار الحجب الذاتي كآلية لتقييم أكثر دقة. هذا الحجب الذاتي يمكن أن يتجسد في عديد من السلوكات في الممارسة العملية.

واجه آرون وينبيرج، وهو مسؤول سابق في (TED)، تحديًا يتعلق بالتحيزات الضمنية في أثناء عملية التوظيف، فقد لاحظ أن الصور الشخصية للمرشحين على (LinkedIn) قد تؤثر في قراراته. ولحل هذه المشكلة، طبّق وينبيرج حلًّا مبتكرًا، وهو استخدام ملحق لمتصفح (Chrome) يستبدل بصور الأشخاص صور حيوانات، ما ساعده على التركيز على المؤهلات الفعلية للمرشحين.20

 لا يحتاج الجميع إلى مهارات تقنية متقدمة لتحقيق نتائج إيجابية، يمكن أن تحقق تغييرات بسيطة في عمليات التوظيف، فعلى سبيل المثال يمكن لشركات التوظيف أن تزيد من صحة قراراتها وإنصافها من خلال اتباع سياسات جديدة، مثل تجنب البحث عن المرشحين على الإنترنت أو إزالة أسمائهم من المستندات.

ساعد الآخرين على لبس عصبة العينين عند اتخاذ القرار

نحن لا نقتصر على تشجيع الأفراد على تعميق أحكامهم، بل ندعو القادة إلى تحفيز موظفيهم على اتباع هذا النهج. وفي ظل غياب سياسات الحجب، تظهر لنا فرصة عظيمة لجعل التقييمات أكثر عدلًا في جميع أنحاء المنظمة، ما يسهم في خلق بيئة عمل أكثر تنوعًا وتكافؤًا في فرص التعلم والتقدم.

ولكن كيف نفعل ذلك؟ لدينا اقتراحان لتطبيق نتائجنا للاستفادة من سياسات الحجب دون الحاجة إلى تبني سياسة رسمية:

أولًا: استخدام التفكير التداولي

لتعزيز التفكير التداولي[1]، يمكن للقادة أن يركزوا على تدريب الموظفين على التوقف والتفكير قبل اتخاذ القرارات. هذا التدريب سيساعدهم على مقاومة الفضول الذي قد يدفعهم لاتخاذ أحكام متسرعة ومتحيزة، ويُعَد هذا الفضول بمنزلة دافع عابر وليس دافعًا دائمًا 21، وبدلًا من ذلك، سيشجعهم على البحث عن معلومات موثوقة واتخاذ قرارات مدروسة.

في تجربتنا، وضعنا المديرين في سيناريو توظيف وهمي، فقسمناهم إلى مجموعتين: الأولى طلبنا منها مباشرة اختيار إذا كانت ترغب في رؤية اسم وصورة المرشح، والثانية طلبنا منها أولًا التفكير في أهمية هذه المعلومات لتقييم المرشح ثم اتخاذ القرار. النتائج أظهرت أن المجموعة الأولى كانت أكثر ميلًا لرؤية المعلومات الشخصية، في حين فضلت المجموعة الثانية حجبها22. يشير ذلك إلى أن مطالبة المديرين بالتفكير في الآثار المحتملة لقراراتهم شجعتهم على اتخاذ خيارات أكثر عقلانية وتقليل تأثير الرغبة في الحصول على معلومات إضافية.

إن كفاءة السؤال البسيط “ما الذي ينبغي لك أن تراه؟” في تحفيز الحجب الذاتي تعد مؤشرًا قويًّا على إمكانية تغيير الثقافة التنظيمية. بتشجيع التفكير التداولي، يمكن تدريب المديرين على التعامل مع التقييمات بطريقة أكثر موضوعية من خلال التساؤل عن “ما المعلومات التي يحتاجون إليها لضمان أن يكون التقييم منصفًا ودقيقًا؟” هذا التحول في التركيز من الشكوك إلى البحث عن الحقائق يشجع على الحجب الذاتي دون المساس باستقلالية المديرين.

قد لا تكون التدخلات التي تشجع التفكير التداولي كافية لتغيير القرارات المتخذة بناءً على اعتقاد خاطئ بأن المعلومات التي قد تؤدي إلى التحيز مفيدة. هذه المعتقدات، مثل الاعتقاد بأن معرفة اسم المرشح لا تؤثر في القرار، شائعة بين مديري التوظيف. التدريب المستهدف يمكن أن يساعد في تصحيح هذه المعتقدات ويعزز القدرة على اتخاذ قرارات أكثر موضوعية.

وقد لا يكونون على دراية كاملة بالتحيزات المتنوعة التي قد تؤثر في تقييمهم لصور المرشحين، والتي تتراوح بين التحيزات الواضحة والخفية؛ فالتدريب المناسب يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في زيادة وعيهم بهذه التحيزات، وتعزيز قدرتهم على تجنبها، وبالتالي اتخاذ قرارات أكثر موضوعية.

من المثير للاهتمام ملاحظة أن الأفراد قد يكونون غير دقيقين في تقييم مدى تأثرهم بالتحيزات، فهم غالبًا ما يعتقدون أن الآخرين أكثر عرضة للسقوط في فخ التحيز مقارنة بأنفسهم23. ونتيجة لذلك، قد يختار الأشخاص تلقي معلومات متحيزة، حتى لو كانوا مدركين لطبيعتها المتحيزة، معتقدين أن هذه المعلومات لن تؤثر في أحكامهم الشخصية على الرغم من تأثيرها المحتمل في الآخرين.

في إحدى دراساتنا، طلبنا من مجموعة من المديرين تخيل سيناريو: هل سيشاركون معلومات عن عرق وجنس مرشح للوظيفة مع شخص آخر يتخذ قرار التوظيف؟ كما سألنا مجموعة أخرى إذا كانوا يرغبون في الحصول على هذه المعلومات بأنفسهم. وكانت النتائج مثيرة للاهتمام: فبينما اختار 5% فقط مشاركة هذه المعلومات مع الآخرين، فضل 19% الحصول عليها بأنفسهم24. هذه النتائج توضح لنا أننا جميعًا، حتى المديرين، معرضون للتحيز اللاواعي، وأن برامج التدريب يجب أن تركز على هذا الجانب البشري في اتخاذ القرارات.

ثانيًا: تغيير ترتيب المعلومات

تُظهر الأبحاث أن الناس يشعرون برغبة قوية في حماية استقلالية اتخاذ القرار، فمثلًا، يقاوم المديرون مبادرات التنوع في المنظمات عندما يشعرون بأن هذه المبادرات مفروضة عليهم وتقيد قرارات التوظيف الخاصة بهم.25

يمكن للمؤسسات أن تستفيد من فوائد الحجب دون المساس بمرونة المديرين في اتخاذ القرارات، فبدلًا من حجب المعلومات تمامًا، يمكن تقديمها بطريقة منظمة. على سبيل المثال، يمكن للمديرين تقييم المعلومات المهمة أولًا (مثل الكفاءات الأساسية) ثم الاطلاع على المعلومات الإضافية (مثل الخبرات السابقة). بهذه الطريقة، يمكن للمديرين اتخاذ قرارات مدروسة دون أن يتأثروا بمعلومات قد لا تكون ذات صلة.26

في سلسلة من الدراسات، وجدنا أن الطريقة التي اعتمدنا عليها في التقييم، والتي تتميز بتجنب المعلومات المتحيزة مسبقًا، كانت فعالة في تقليل التحيزات الشخصية، وقد أظهرت النتائج أن أقل من 20% من المشاركين عدلوا من تقييمهم الأولي بعد عرض صورة عشوائية للمرشح.27

قد يجد المديرون والمقيّمون الذين يرون أن القرارات تتخذ بطريقة منظمة وعادلة استحسانًا أكبر مقارنة بمن يرون فيها تحيزًا سياسيًّا؛ فالشفافية التي توفرها هذه الطريقة، والتي تسمح لهم بالاطلاع على جميع المعلومات المتاحة، تمنحهم الثقة في عملية التقييم وتجعلها أكثر موضوعية. وقد يثبت هذا النهج فاعليته في مختلف المجالات التقييمية.

لتقليل تأثير التحيزات الشخصية في عملية تقييم الأفكار الريادية، يمكن اعتماد منهجية تقسيم العرض إلى جزأين: وصف مكتوب للفكرة (من دون أي معلومات عن رائد الأعمال) وعرض مرئي شخصي. يبدأ المستثمرون بتقييم الوصف المكتوب، ثم يشاهدون العرض المرئي ويعدلون تقييمهم. هذه الطريقة تساعد على فصل تقييم الفكرة عن الانطباعات الأولية التي قد يكوّنها المستثمر عن رائد الأعمال.

يمكن أن تسهم استراتيجية الترتيب العادل في التوفيق بين سياسات الحجب وأهداف التنوع الوظيفي. في المراحل المتقدمة من التوظيف يمكن أن يجمع المقيمون الذين يرغبون في زيادة تمثيل المجموعات غير الممثلة بين تقييمات عمياء للمؤهلات الأولية، وبين تقييمات واضحة للخصائص الديموغرافية في المراحل اللاحقة. هذا النهج يسمح بتقليل التحيزات غير الواعية في المراحل المبكرة، وفي الوقت نفسه يضمن مراعاة أهداف التنوع في المراحل النهائية.

التقييمات العمياء وإن كانت خطوة مهمة، إلا أنها ليست حلًّا شاملًا، فبينما تسهم في التركيز على المؤهلات، إلا إنها قد تغفل عن جوانب أخرى مهمة للمرشح. إضافة إلى ذلك، قد تعزز بشكل غير مباشر من امتيازات الفئات المهيمنة، إذ يرجح أن يكون لديهم مؤهلات أكاديمية أو توصيات أقوى نتيجة للاختلافات الهيكلية في فرص الوصول إلى الموارد والتعليم.

على الرغم من أن حجب المعلومات الشخصية قد يبدو حلًّا مثاليًّا لمواجهة التمييز في التوظيف، فإنه قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة؛ فمن خلال إخفاء الخبرات السابقة والتحديات التي واجهها المتقدمون، قد يُحجَب الدور الذي أدَّاه التمييز في تشكيل مؤهلاتهم، خاصة في المجالات التي تتطلب مؤهلات علمية متقدمة.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي تطبيق سياسات الحجب في التوظيف وحده، بل يجب أن يترافق ذلك مع جهود كبيرة لتوسيع قاعدة المتقدمين من الأقليات المؤهلة، أو توسيع نطاق المؤهلات المقبولة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توسيع نطاق المؤسسات التعليمية المستهدفة أو أنواع الخبرات المقبولة.

رغم أن إخفاء بعض المعلومات الشخصية للموظفين يمكن أن يعزز إنصاف ودقة أي تقييم يُجرَى عليهم، مثل تقييم الأداء أو تقييم المشاريع، فإن عملية التوظيف هي بداية منطقية لاستخدام هذه الاستراتيجية. وقد بدأت بعض شركات التقنية بتجربة التوظيف الأعمى لتقليل التحيز في عملية الاختيار28، ومن المتوقع أن يتوسع هذا النهج في المستقبل.

رغم ندرة استراتيجيات الحجب على مستوى الشركات وحفاظ صناع القرار على استقلاليتهم، يبقى تشجيع الحجب الذاتي النهج الأكثر واقعية حاليًّا، من خلال تحفيز التفكير التداولي وتعديل طريقة عرض المعلومات، كما يمكن للمؤسسات مساعدة المديرين وغيرهم من المقيّمين على كبح فضولهم الأولي تجاه بيانات غير ذات صلة، وتحديد تحيزاتهم الشخصية، وبالتالي تقييم الأفراد تقييمًا أكثر دقة وفاعلية.

مقالات ذات صلة