كاترين بيلي وأماندا شانز
عندما ضُبِطت شركة فولكس فاجن الألمانية لصناعة السيارات وهي تغش في نظام اختبار انبعاثات الديزل قبل عدة سنوات، أدت الفضيحة اللاحقة إلى إطلاق العديد من الدعاوى القضائية، وتكبدت الشركة مليارات الدولارات كغرامات، وتضررت سمعتها بشكل كبير. لقد أسهمت تصرفات –وعدم تصرف– العشرات من الموظفين على جميع المستويات، وعبر الأقسام والدول، في هذه الكارثة، بما في ذلك مهندسو البرمجيات الذين صمموا جهاز الغش، والعمال الذين قاموا بتركيبه، والمديرون الذين وافقوا على تركيبه واختباره، وأعضاء فريق القيادة العليا الذين إما نظموا عملية الاحتيال، وإما تغاضوا عنها ببساطة.
بالتأكيد، فولكس فاجن ليست المثال الوحيد. فكر في الإخفاقات المكلفة في الحكم بشركة ويلز فارجو، وأيضًا في شركة سامسونج للإلكترونيات. لماذا تستمر مثل هذه الفضائح، رغم الدوافع الأخلاقية والمالية الواضحة للسلوك الأخلاقي؟ وربما الأهم من ذلك، ما الذي يمكن فعله لتغيير الأمور؟
على الرغم من أن البعض يجادل بأن الناس يميلون بالفطرة إلى التصرف بشكل غير أخلاقي بدافع المصلحة الذاتية، تكشف أبحاثنا أن الأخلاقيات المؤسسية مهمة بشكل كبير لمعظم الموظفين والمديرين، وأن الناس يرغبون في العمل لدى أرباب عمل تتوافق قيمهم ومبادئهم مع قيمهم الخاصة. وهذا يشير إلى أن أصحاب العمل الأخلاقيين من المرجح أن يجتذبوا ويحتفظوا بالموظفين الأخلاقيين. علاوة على ذلك، أظهرت الأبحاث وجود علاقة بين القيادة الأخلاقية والأداء الوظيفي، والمواطنة التنظيمية، وسلوكات العمل المنتجة الأخرى – لدى الشركات أسباب عديدة قوية لمعالجة الإخفاقات الأخلاقية في أقرب فرصة ممكنة. وتزداد أهمية ذلك في هذا العصر الرقمي، حيث يتعين على الشركات باستمرار، اتخاذ قرارات سريعة وذات مخاطر عالية حول كيفية التعامل مع بيانات العملاء والموظفين الحساسة.
لكشف أسباب استمرار السلوك غير الأخلاقي، طلبنا من موظفين في خمس مؤسسات بريطانية –دائرة حكومية وطنية، وتاجر تجزئة على مستوى البلاد، ومؤسسة غير ربحية في قطاع الخدمات الاجتماعية، وقوة شرطة على مستوى المقاطعة، وشركة إنشاءات– أن يخبرونا عن تجاربهم مع الممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية من قبل زملائهم ومديريهم التنفيذيين وكبار المسؤولين. وجدنا أن النغمة الأخلاقية للمؤسسة هي نتيجة تراكمية لكيفية تعامل أعضائها مع المعضلات الأخلاقية اليومية في أثناء تأدية أعمالهم. ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي سوء التعامل المستمر مع هذه القضايا الصغيرة، إلى تصاعدها وإلى فضيحة مؤسسية كبرى. هنا نناقش عدة مناطق غامضة يجب على الموظفين التنقل خلالها، وطرائق يمكن للمؤسسات أن تساعدهم بها على اتخاذ خيارات أخلاقية يومية.
حول البحث
لتوجيه تصميم دراستنا، أجرينا تحليلًا مفصلًا للأبحاث التي أُجريت خلال الـ25 سنة الماضية، حول القيادة الأخلاقية واتخاذ القرار. ثم أجرينا مسحًا لعينة ممثلة من 1,319 عاملًا في المملكة المتحدة، وأجرينا دراسات حالة معمقة في خمس مؤسسات بريطانية: دائرة حكومية مركزية تضم 18,000 موظف، وتاجر تجزئة على مستوى البلاد يضم 31,000 موظف، ومؤسسة غير ربحية في قطاع الخدمات الاجتماعية تضم 1,100 موظف دائم و300 موظف مؤقت، وقوة شرطة تضم 3,000 ضابط بالإضافة إلى الموظفين المدنيين، وشركة إنشاءات تضم 6,900 موظف.
في أربع من هذه المؤسسات، أجرينا مسحًا شمل 1,033 موظفًا و524 من مديريهم المباشرين. وعبر جميع المؤسسات الخمس، أجرينا 46 مقابلة وجهًا لوجه، وعقدنا 16 مجموعة تركيز بمجموع 79 مشاركًا، وحللنا وثائق الشركة مثل سياسات الموارد البشرية وبيانات المهمة والرؤية والقيم.
المعضلات اليومية التي تعرقل الأشخاص
عندما لا يكون لدى الموظفين فهم مشترك للأحداث التي تدور حولهم، وما يشكل استجابة أخلاقية، وعواقب التصرف بخلاف ذلك، فهذا غالبًا يعني أن المؤسسة قد خلقت لهم وضعًا ضعيفًا من الناحية الأخلاقية. في هذه الحالة، يصبح الأشخاص وكلاء أحرارًا يتصرفون بشكل فردي في غياب معايير واضحة وقوية. (أما الوضع القوي أخلاقيًّا، فهو الذي يتم فيه توصيل “الصواب” بوضوح للموظفين، ويكون لديهم الدافع والقدرة على التصرف بما يتماشى مع مدونة الأخلاقيات في المؤسسة). في حالة فولكس فاجن، سُمِح بتطور وضع ضعيف أخلاقيًّا على مدى سنوات عديدة، حيث أعطى كبار التنفيذيين الأولوية لحصة السوق على حساب الاهتمامات البيئية والقانونية في كل قرار يتخذونه.
فيما يلي المعضلات اليومية التي وجدنا أنها غالبًا ما تعكر صفو المياه الأخلاقية للأفراد في القرارات الكبيرة والصغيرة.
الانفصال الأخلاقي. في بعض الأحيان يلاحظ الموظفون وجود فجوة بين أخلاقياتهم الشخصية وأخلاقيات المؤسسة ككل، وهذا يجعلهم يشعرون بعدم الارتياح. تظهر العديد من الدراسات أن الناس يرغبون في الانسجام ببيئة العمل، لكن الأمر لا يتعلق فقط بالانسجام مع متطلبات الوظيفة، أو حتى مع ثقافة المؤسسة، بل هناك أهمية كبيرة أيضًا للانسجام الأخلاقي. بدأت أبحاث جديدة تُظهر أن لدى الناس رغبة قوية في الشعور بالتوافق الأخلاقي أيضًا.
وبسبب هذا الاحتياج العميق، يسعى الموظفون جاهدين لسد الفجوة بين أخلاقياتهم الشخصية وأخلاقيات المؤسسة التي يعملون بها. وعندما يصعب عليهم ذلك، غالبًا ما ينسحبون وقد يتركون وظائفهم تمامًا. أخبرنا أحد المديرين قائلًا: “عملت في شركات لم أبقَ فيها طويلًا بسبب الأخلاقيات والثقافة السائدة. لم أشعر بالارتياح”، ويشاطر الكثيرون هذا الشعور.
تضارب احتياجات أصحاب المصلحة. لكل مؤسسة مجموعة من أصحاب المصلحة المتأثرين بقراراتها، بما في ذلك الموظفون والموردون والعملاء والمديرون الكبار والمجتمع المحلي والمجتمع الأوسع، وحتى البيئة. قد تكون لدى المؤسسات منهجية واضحة لتحقيق التوازن بين هذه الاحتياجات المتنافسة، ولكن قد لا تكون هذه المنهجية نفسها هي التي يلاحظها الموظفون في الواقع اليومي.
عندما طلبنا من الموظفين وقادتهم ترتيب أولويات أصحاب المصلحة حسب أهميتهم في اتخاذ القرارات المصيرية، كان التوافق نادرًا. كما قالت إحدى الموظفات في قطاع التجزئة: “رغم أن لدينا رؤية وإطارًا للسياسة الأخلاقية، فإنني أشعر شخصيًّا بقوة أنه [عمليًّا] الأولوية للمساهمين، ثم الشركة، ثم الزملاء، بهذا الترتيب”.
وعندما تضغط مجموعات من أصحاب المصلحة للحصول على معاملة خاصة، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا. بالنسبة للمؤسسة غير الربحية التي درسناها، كان التحدي الأساسي هو كيفية التعامل مع التبرعات الكبيرة المرتبطة بطلبات رعاية تفضيلية لأقارب المتبرعين. قال أحد المديرين: “أحيانًا، الخيارات التي نضطر إلى اتخاذها ليست بالضرورة تنازلات واضحة؛ لكنها قد تجعل الأمور صعبة؛ هناك من يطلبون الوصول إلى خدمات ليسوا مؤهلين لها، أو من يحاولون تجاوز الدور”. يجب على المديرين الموازنة بين القيمة المالية للتبرع، وقيم المؤسسة غير الربحية؛ مثل النزاهة والعدالة والشفافية.
وقد حلت المؤسسة غير الربحية هذه المعضلة من خلال رفض تقديم معاملة تفضيلية مقابل التبرعات، لكن المواقف تختلف، وما هو صائب لمؤسسة ما، قد لا يكون مناسبًا لأخرى. حتى الأقسام المختلفة داخل المؤسسة نفسها قد تواجه أولويات متضاربة عند الاضطرار إلى الاختيار بين مجموعات أصحاب المصلحة. ومع ذلك، في كل مرة يتخذ فيها موظف أو قائد قرارًا يفضل فيه ضمنيًّا أو صراحة، مجموعة من أصحاب المصلحة على أخرى، فإنه يرسل رسالة لبقية الموظفين حول ما هو مهم حقًّا، ومصالح من هم مستعدون للتضحية بها.
عدم معرفة هل كان يجب التحدث (أو كيف يتم ذلك). عندما يشاهد الموظف سلوكًا غير أخلاقي من زميل أو مسؤول أعلى، فإنه يواجه قرارًا: هل أبلغ عن ذلك؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف؟ وما العواقب بالنسبة لي وللآخرين؟
غالبًا ما يعتمد تحدي السلوك غير الأخلاقي على طبيعة المخالفة، والبيئة التي حدثت فيها، ودرجة أقدمية ودور الأطراف المعنية، والمخاطر المحتملة من التصدي لهذا السلوك. بعض الانتهاكات الأخلاقية يصعب للغاية الاعتراض عليها؛ وفي كثير من الحالات، قد لا يكون الموظفون مستعدين للاعتراض على من هم أعلى منهم. ويبدو أن أحد المديرين الحكوميين أدرك ذلك، فقال:
“أنا شخص صريح جدًّا، ولم يسبق لأحد أن اعترض على سلوكي، رغم أنني أعلم في بعض الأحيان أنني ربما أتمادى قليلًا”.
تشمل الردود الممكنة البقاء صامتًا، أو مناقشة الأمر مع الشخص على انفراد، أو مواجهته أمام الآخرين، أو إبلاغ الإدارة العليا، أو الإبلاغ بشكل مجهول من خلال برامج الإبلاغ عن المخالفات، أو مكافحة التحرش.
وقد وصف بعض الموظفين الذين تحدثنا معهم، مواقف اختاروا فيها الصمت؛ فعند مناقشة حدث مُنِحت فيه مكافآت للجميع باستثناء العمال بالساعة في الخطوط الأمامية، قالت إحدى الموظفات في قطاع التجزئة:
“شعرت بعدم ارتياح شديد، لكن في النهاية إما أن تنتفض كمجموعة وتقول: ‘لا، هذا ليس عدلًا، لن يحصل أي منا على مكافآت’، وإما أن تصبح شخصًا منفردًا وتقول: ‘لا أريد مكافأتي، سأعطيها للجمعيات الخيرية’، وإما أن تلتزم الصمت. لم أقل شيئًا”.
وقال لنا ضابط شرطة مبتدئ:
“لو كنت أنا وأنت شرطيين، ورأيتك تتصرف بطريقة غير أخلاقية واعترضت عليك، فقد يسبب ذلك شعورًا سيئًا بيننا. لكن إذا خرجنا معًا وواجهنا شخصًا يحمل سكينًا ويهدد الآخرين، فسأحتاج إلى أن أكون واثقًا بأنك ستساندني. الأمر ليس كأنك تعمل في مكتب. قد تعتمد على هذا الشخص لإنقاذ حياتك”.
عندما يختار الموظفون الصمت —حتى لو كانت النيات حسنة— تُسكَت وجهات النظر البديلة، ومن المرجح أن تتراجع مستويات المشاركة والالتزام، ويلاحظ الآخرون أن عدم الاعتراض هو القاعدة السائدة. على العكس من ذلك، في شركة البناء، كان أحد الموظفين مرتاحًا لتحدي زميله علنًا بسبب استخدامه لغة تمييزية ضد النساء؛ وعندما اعتذر المخطئ فورًا، بعث هذا التفاعل برسالة إيجابية للآخرين حول كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف.
الأخلاق مقابل المصلحة العملية. تحدٍّ آخر يتمثل في اتخاذ القرار بشأن ما يجب فعله عندما لا يكون الحل الأخلاقي لمشكلة ما هو الحل العملي، وغالبًا ما يكون ذلك بسبب عدم توفر الوقت أو المال أو الأشخاص الكافين لتنفيذ الحل الأخلاقي. كما عبر أحد مديري التجزئة قائلًا:
أعتقد أن أخلاقياتنا كشركة جيدة جدًّا. مصدر الإحباط لدينا هو عندما نرغب في القيام بالشيء الصحيح تجاه موظفينا، لكن في الواقع، مستويات الموارد التي يُطلب منا العمل بها تجعل ذلك مستحيلًا أحيانًا.
وفي سياق الشرطة، يعني هذا النوع من المشكلات أن الضباط كان عليهم اتخاذ قرارات بشأن الجرائم التي يجب التحقيق فيها، ما تسبب في “ضغط وإجهاد هائلين على الضباط، لأنهم لا يستطيعون القيام بالعمل الذي تدربوا عليه، والذي يُدفع لهم مقابله، والذي يرغبون في القيام به، وهو السبب الذي انضموا من أجله في المقام الأول”، بحسب أحد كبار الضباط في القوة.
عنصران أساسيان في القيادة الأخلاقية
ارتفع عدد الرؤساء التنفيذيين الذين أُقيلوا بسبب سوء السلوك الأخلاقي بنسبة 36% في السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك أمثلة بارزة مثل الرئيس التنفيذي لشركة ياهو سكوت تومسون، والرئيس التنفيذي لشركة يونايتد إيرلاينز جيف سميزيك، ومؤسس ليندنغ كلوب رينو لابلانش. لكن مشكلة السلوك غير الأخلاقي لا يمكن “حلها” ببساطة من خلال إقالة القادة الكبار الذين يتصرفون بشكل سيئ.
لتحقيق تغيير دائم، يجب على المؤسسات الاستثمار في القيادة الأخلاقية “الموزعة”؛ أي يجب عليهم توظيف وتطوير قادة على جميع المستويات يروجون للسلوك الأخلاقي. هناك عنصران أساسيان: رؤية قوية والتزام عميق تجاه أصحاب المصلحة.
تُظهر أبحاثنا أن الموظفين الذين يرون مديريهم كقادة أخلاقيين يكونون أكثر رضا عن عملهم، وأكثر استعدادًا لبذل جهد إضافي، ويجدون أن العمل الذي يقومون به ذو أهمية في السياق الأوسع، ويكونون أقل عرضة لترك العمل. ولسوء الحظ، ليست معظم المؤسسات مهيأة لجني هذه المكافآت.

دعوة إلى العمل
لا توجد مؤسسة خالية من هذه المعضلات، لكنها قابلة للإدارة. تشير أبحاثنا وتحليلاتنا إلى أن الخطوات الست التالية يمكن أن تساعد القادة في وضع نبرة قوية أخلاقيًّا؛ بحيث يكون الموظفون أكثر قدرة على اتخاذ الخيارات الصحيحة يوميًا.
1. الاعتراف بالغموض الأخلاقي. لا تعترف العديد من المؤسسات أو تناقش المواقف الأخلاقية المعقدة التي يواجهها مديروها وموظفوها. وهذا يدفع الأفراد إلى اتخاذ قراراتهم داخليًّا؛ ما قد يؤدي إلى منزلق خطير.
في قوة الشرطة التي درسناها، على الرغم من أن القادة كانوا على دراية تامة بأن تخفيض الميزانية يعني زيادة أعباء العمل وساعات العمل الطويلة للموظفين، فإنهم لم يعترفوا علنًا بهذه الضغوط أمام موظفيهم، وكيف يمكن أن تؤثر في اتخاذ القرارات اليومية؛ ما منع إجراء حوار حقيقي حول المشكلات أو الحلول الممكنة. قال أحد كبار الضباط: “نحن نعاني حقًّا، ولا نعترف بذلك للناس على الأرض”. كان الضباط والموظفون يشعرون بالضغط، لكن في ظل غياب النقاش المفتوح، افترضوا أن القادة الكبار لا يهتمون.
في المؤسسات التي تتمتع بثقافة الشفافية، يكون الناس أكثر ميلًا لفهم المنطق الكامن وراء القرارات، وهذا له أثر إيجابي في اتخاذ القرار الأخلاقي لأن القيم تصبح واضحة عندما تُناقَش علنًا بدلًا من استنتاجها من الاجتماعات العامة أو وثائق الشركة. في المؤسسة غير الربحية التي درسناها، لاحظ أحد التنفيذيين: “تعلم، لقد عملت في أماكن تُتخذ فيها القرارات خلف الأبواب المغلقة، ولا تفهم الأسباب حقًّا. أعتقد أن هنا، أي مبادرة تُدار، تُدار بشكل علني جدًّا. لا نتخذ قرارات في الخفاء؛ بل نتخذها بطريقة تشاورية للغاية”. لذا عندما يتساءل الموظفون، على سبيل المثال، عن كيفية الاستجابة لمتبرع يطلب خدمة معينة، يكون من الأسهل عليهم اتخاذ القرار، لأن لديهم فهمًا واضحًا للقيم الأخلاقية للمؤسسة، ويثقون بأن بإمكانهم الرجوع إلى مديريهم للتوضيح أو الدعم دون خوف من الحكم السلبي عليهم.
2. توضيح التنازلات الأخلاقية. خطوة مهمة أخرى هي توضيح كيفية موازنة الموظفين بين احتياجات مجموعات أصحاب المصلحة المختلفة.
ستؤثر معظم القرارات في أكثر من مجموعة واحدة من أصحاب المصلحة. وعلى الرغم من أنه يمكن في بعض الأحيان تلبية احتياجات جميع المجموعات، فإن التنازلات غالبًا ما تكون ضرورية. وعندما لا يكون الموظفون متأكدين من كيفية إدارة هذا التوتر، يمكن أن تتطور أساليب غير أخلاقية.
في شركة التجزئة، كان القادة يتظاهرون بالاهتمام باحتياجات العملاء فوق كل شيء، لكن سلوكهم لم يكن دائمًا متسقًا مع تلك الرسالة، ما خلق حالة من الارتباك. أبلغ الموظفون بأن اتخاذ القرارات كان غالبًا تحكمه اعتبارات الربح الفوري ومؤشرات الأداء الرئيسة. شعر بعضهم بدرجة من التشاؤم تجاه خطاب الشركة حول “العميل أولًا”، معتقدين أن التنفيذيين في الواقع يهتمون أكثر بتحقيق أهداف الأداء والمبيعات، من خلال إقناع العملاء بشراء منتجات وخدمات إضافية، أكثر من اهتمامهم برعاية العملاء أو تقديم خدمة عملاء ممتازة. قال أحد الموظفين: “دائمًا ما يكون هناك الشعار في النهاية، ‘العميل يأتي أولًا’، لكن في نهاية اليوم هي شركة، والأشخاص في القمة يعلمون أننا بحاجة إلى تحقيق رقم “مؤشر الأداء الرئيسي“ KPI.
يمكن أن يتضاعف الالتباس حول تحديد أولويات الاحتياجات عندما تمر المؤسسة بسلسلة من عمليات الاندماج أو الاستحواذ التي تجمع بين مناخات أخلاقية مختلفة. في هذه الحالات، يكون للقادة دور بالغ الأهمية في وضع إطار أخلاقي متسق وإرشادات لتحقيق التوازن بين مصالح أصحاب المصلحة.
إن تزويد الموظفين ببيان واضح للرؤية، يمكن أن يساعدهم على الموازنة بين الاهتمامات المتنافسة واتخاذ التنازلات المناسبة. فعلى سبيل المثال، في قوة الشرطة، ساعدت “الخطة على صفحة واحدة” المنتشرة بين الجميع الضباط، على فهم أولويات العمل الشرطي (مثل إساءة معاملة الأطفال واستغلالهم، والعبودية الحديثة، والعنف)، ووفرت إرشادات حول تلبية احتياجات المجتمع (من خلال إعطاء الأولوية للضحية والتواصل الفعال مع الجمهور)، مع تحقيق أقصى قدر من الكفاءة في استخدام الموارد.
3. ضمان القدوة من الإدارة العليا إلى أسفل. يلاحظ الموظفون كيف يتعامل القادة فعليًّا مع المعضلات الأخلاقية، وليس فقط ما يقولونه عن الأخلاقيات، وسيستنتجون أولويات المؤسسة الحقيقية بناءً على ذلك. شركة فولكس فاجن مثال على ذلك: فعلى الرغم من أن كبار التنفيذيين ادعوا اهتمامهم بـ”الديزل النظيف”، فقد وافقوا على الغش المتعمد في اختبارات الانبعاثات، وشجعوا الموظفين على إخفاء الأدلة أو تدميرها.
عندما ترسل الإدارة العليا إشارات أخلاقية متضاربة، قد يختار المديرون المتوسطون ما يناسبهم من هذه الإشارات. وتنتقل هذه الإشارات المختلطة عبر كل مستوى من مستويات المؤسسة. كما قال أحد الموظفين في قطاع البناء: “إذا كان مديرك المباشر لا يقدم لك القدوة، فإن ذلك ينتقص من الرسالة التي تقدمها الشركة”.
لقد وجدنا أن السلوك الأخلاقي للمديرين المتوسطين يمكن أن يعوض الرسائل المختلطة من الإدارة العليا، ويبطئ أو حتى يعكس تطور وضع أخلاقي ضعيف. ففي قطاع التجزئة، على سبيل المثال، تحدث الموظفون بإيجابية عن “أجواء العائلة” والقيم المشتركة داخل المتاجر والمناطق الفردية، والتي عوضت الرسائل المهيمنة حول “ضبط التكاليف” من المكتب الرئيس. ومع ذلك، فإن النهج الأكثر موثوقية هو وضع القدوة المرجوة من الأعلى؛ فقد عززت المؤسسة غير الربحية موقفًا أخلاقيًّا قويًّا من خلال توضيح كيفية حل المعضلات الأخلاقية الأساسية: فعندما طلبت شركة تتقدم للعمل معها من أحد أمناء المؤسسة أن يوصي بها، استبعد قادة المؤسسة الشركة فورًا كشريك بسبب عدم توافق القيم الأخلاقية.
4. تضمين الأخلاقيات في السياسات والبرامج المؤسسية. تُطوَّر المواقف الأخلاقية القوية في بيئات لديها مدونات سلوك قوية، وسياسات لتطبيق تلك المدونات. يجب أن تتضمن هذه السياسات قواعد واضحة بشأن التنمر، والتحرش، والإبلاغ عن المخالفات. ويجب نقلها وتعزيزها من خلال برامج التعريف بالموظفين الجدد، وتطوير القيادة، وغيرها من برامج التدريب.
من دون سياسات رسمية حول الأخلاقيات، من المرجح أن تفشل الجهود الرامية إلى خلق موقف أخلاقي قوي. كما قال أحد ضباط الشرطة، فهي “تساعد الناس على فهم سبب الحاجة إلى التصرف والتصرف بطريقة معينة، وما العواقب في حال عدم القيام بذلك”.
على الرغم من أن السياسات والبرامج المؤسسية وحدها لن تقضي على الممارسات غير الأخلاقية، فإن وجودها ضروري. فعلى سبيل المثال، في المؤسسة غير الربحية التي درسناها، كان الموظفون يواجهون كثيرًا معضلات أخلاقية عند العمل مع العملاء؛ مثل كيفية تقييم القدرات العقلية أو كيفية التعامل مع قضايا نهاية الحياة وتحديد مستويات العلاج والدعم المناسبة. تساعد المؤسسة موظفيها في اتخاذ قرارات أخلاقية من خلال تطوير سياسات واضحة بشأن أساليب الرعاية، وتوفير تدريبات تركز تحديدًا على مثل هذه التحديات.
وبالمثل، في شركة البناء، يتضمن جزء من عملية التوظيف مطابقة القيم الأخلاقية للمتقدمين مع قيم الشركة. كما اعتمدت الشركة مدونة سلوك وإطارًا رسميًّا يسمى “ما يبدو عليه العمل الجيد” لإرشاد سلوك الموظفين. التدريب على مواضيع مثل كيفية التعامل مع مخاطر المنافسة غير المشروعة وقضايا الصحة والسلامة إلزامي للمديرين المباشرين، وهناك نظام إلكتروني يسمح بتسجيل أي مشكلات تتعلق بالصحة والسلامة فور حدوثها. وعلى الرغم من أن الموظفين يشعرون أحيانًا بأن هذه العمليات تبطئ اتخاذ القرار، فإنها توفر وضوحًا و”اتساقًا، ويعرف الناس ما هو متوقع منهم”، بحسب أحد المديرين في الخط الأمامي.
5. تمكين الأفراد من التعامل مع الانتهاكات الأخلاقية. ستحدث الانتهاكات الأخلاقية حتمًا، سواء كانت نتيجة خطأ أو إهمال أو فعل متعمد. لكن المؤسسات القوية أخلاقيًّا تحدد صراحة كيف يجب على الناس التعامل معها عند حدوثها، بالإضافة إلى محاولة منعها في المقام الأول. يشعر الموظفون على جميع المستويات عندئذٍ بمزيد من التمكين —والالتزام— بالإبلاغ عن السلوك السيئ، حتى عندما يكون ذلك صعبًا. فعلى سبيل المثال، يُطلب من موظفي شركة البناء، الاعتراض على القرارات والإجراءات التي قد تعرض صحة وسلامة الموظفين والعملاء للخطر. وقال أحد المديرين إن الثقافة حول هذا الأمر قوية جدًّا لدرجة أنه “في ظروف قصوى، فقد بعض الأشخاص وظائفهم لأنهم لم يؤدوا واجبهم في الاعتراض في حينه، أو الإبلاغ لاحقًا لضمان اتخاذ إجراءات تصحيحية”.
في المؤسسات التي تفتقر إلى القوة الأخلاقية، لا يُعد تحدي سلوكات الآخرين أمرًا معتادًا. أحيانًا يخشى الموظفون من الانتقام، لأنهم لا يرون من حولهم يطرحون الأسئلة. أو قد يشعرون بأنه لن يُتَّخذ أي إجراء إذا تحدثوا. وللأسف، هذا الافتراض ليس بالضرورة بلا أساس. فبينما قام بعض موظفي شركة فولكس فاجن على ما يبدو بتحدي استخدام “أجهزة الهزيمة” المصممة للتحايل على اختبارات الانبعاثات، تُجوهِلت مخاوفهم. حتى الآن، تشير الأدلة إلى أن أكثر من 40 موظفًا في فولكس فاجن في أدوار ومستويات إدارية مختلفة، اتُّهموا في فضيحة انبعاثات الديزل. لو كان الأفراد يشعرون بالتمكين لتحدي الانتهاكات الأخلاقية، ربما كان من الممكن احتواء الفضيحة قبل أن تتفاقم بهذا الحجم الهائل.
6. تبنَّ هدفًا أسمى. أخيرًا، تتميز البيئات القوية أخلاقيًّا بوجود قضية سامية توحد المؤسسة خلف رؤية ومجموعة من القيم تتجاوز المصلحة الذاتية. وصف أحد الموظفين هذا بأنه “الرؤية التي تجعلك تعود غدًا”.
تتمثل القضية السامية للمؤسسة غير الربحية في تقديم الرعاية والدعم للمجتمع؛ أما بالنسبة للشرطة، فهي الحفاظ على سلامة المجتمع من الأذى. وتترجم رؤية شركة البناء الأخلاقية للاستدامة إلى حماية البيئة، بالإضافة إلى حماية موظفيها وعملائها. كما قال لنا أحد مديريها: “كثير من الممارسات في صناعتنا تُسبب ضررًا للكوكب، لذلك نحن نحاول تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لدينا”.
عندما تكون مهمة الشركة أو رؤيتها غير واضحة أو منفصلة عن الأخلاق، أو كما قال أحد القادة الكبار في مؤسسة التجزئة، عندما “يكون سبب العمل مفقودًا” تمامًا، تضيع فرصة تقديم التوجيه وتنشأ بيئة ضعيفة أخلاقيًّا. لكن الإحساس الشامل بالغاية يخلق سياقًا يمكن من خلاله حل المعضلات الأخلاقية على المستوى الجزئي.
الخلاصة
ليست تهيئة الأجواء للسلوك الأخلاقي مجردَ ممارسة من الأعلى إلى الأسفل، رغم أن التوجيه الواضح والنمذجة الإيجابية من قبل كبار التنفيذيين تساعد بالفعل. كذلك، يجب على المؤسسات أن تأخذ في الحسبان المعضلات الأخلاقية اليومية التي يواجهها المديرون والموظفون، وتزويدهم بالأدوات اللازمة لاتخاذ قرارات جيدة. ويتضمن ذلك مراجعة منتظمة لضمان وضوح وتطبيق مدونات السلوك، وفرض العواقب عند عدم الالتزام بها.
لا توجد شركة محصنة من اتخاذ قرارات مشكوك فيها أخلاقيًّا، ولكن من خلال الاعتراف الصريح وإدارة المواقف الغامضة التي تتكرر مرارًا وتكرارًا بعناية، تصبح المؤسسات أقلَّ عرضة بكثير للانحرافات الجسيمة في الحكم، وأقل احتمالًا لتحمل التكاليف المرتبطة بذلك؛ سواء على مستوى السمعة أو المال.
عن المؤلفين
كاثرين بيلي أستاذة في العمل والتوظيف في كلية كينغز للأعمال بجامعة كينغز كوليدج لندن. أماندا شانز أستاذة مشاركة في الموارد البشرية والسلوك التنظيمي في كلية ترينيتي للأعمال بجامعة ترينيتي كوليدج دبلن.
المراجع
1. R. Parloff, “How VW Paid $25 Billion for ‘Dieselgate’ — and Got Off Easy,” Fortune, Feb. 6, 2018.
2. “The Wells Fargo Fake Account Scandal Just Got a Lot Worse,” Fortune, Aug. 31, 2017.
3. “Samsung Heir Lee Jae-Yong Jailed for Corruption,” Aug. 25, 2017, www.bbc.com.
4. T. Haugh, “The Trouble With Corporate Compliance Programs,” MIT Sloan Management Review 59, no. 1 (fall 2017): 55-62.
5. D.R. May, Y.K. Chang, and R. Shao, “Does Ethical Membership Matter? Moral Identification and Its Organizational Implications,” Journal of Applied Psychology 100, no. 3 (2015): 681-694; and O. Demirtas and A.A. Akdogan, “The Effect of Ethical Leadership Behaviour on Ethical Climate, Turnover Intention, and Affective Commitment,” Journal of Business Ethics 130 (2015): 59-67.
6. T.W. Ng and D.C. Feldman, “Ethical Leadership: Meta-Analytic Evidence of Criterion-Related and Incremental Validity,” Journal of Applied Psychology 100, no. 3 (2015): 948-965.
7. C. Bailey, A. Shantz, P. Brione, R. Yarlagadda, and K. Zheltoukhova, “Purposeful Leadership: What Is It, What Causes It, and Does It Matter?” technical report, Chartered Institute of Personnel and Development, June 2017, www.cipd.co.uk.
8. We draw here on the ideas of W. Mischel, “Personality and Assessment” (New York: Wiley, 1968).
9. A.L. Kristof-Brown, R.D. Zimmerman, and E.C. Johnson, “Consequences of Individuals’ Fit at Work: A Meta-Analysis of Person-Job, Person-Organization, Person-Group, and Person-Supervisor Fit,” Personnel Psychology 58, no. 2 (June 2005): 281-342.
10. M. Motyl, R. Iyer, S. Oishi, S. Trawalter, and B.A. Nosek, “How Ideological Migration Geographically Segregates Groups,” Journal of Experimental Social Psychology 51 (2014): 1-14.
11. C. Frisch and M. Huppenbauer, “New Insights Into Ethical Leadership: A Qualitative Investigation of the Experiences of Executive Ethical Leaders,” Journal of Business Ethics 123, no. 1 (2014): 23-43.
12. J. Pucic, “Do as I Say (and Do): Ethical Leadership Through the Eyes of Lower Ranks,” Journal of Business Ethics 129, no. 3 (2014): 655-671.
13. Parloff, “How VW Paid $25 Billion for ‘Dieselgate.’”
14. S.A. Eisenbeiss, D. van Knippenberg, and C.M. Fahrbach, “Doing Well by Doing Good? Analyzing the Relationship Between CEO Ethical Leadership and Firm Performance,” Journal of Business Ethics 128 (2014): 635-651.
15. Haugh, “The Trouble With Corporate Compliance Programs.”
16. J.R. Detert and E.R. Burris, “Can Your Employees Really Speak Freely?” Harvard Business Review 94, no. 1 (January-February 2016): 80-87.
17. Parloff, “How VW Paid $25 Billion for ‘Dieselgate.’”
18. Ibid.
i. J. McGregor, “More CEOs Are Getting Forced Out for Ethics Violations,” The Washington Post, May 15, 2017.
شكر وتقدير
يود المؤلفون أن يشكروا معهد تشارترد للأفراد والتنمية على التمويل الذي دعم هذا البحث، وجمعية المشاركة والانخراط على مساعدتها في جمع البيانات.
