القائمة الرئيسية

الحنشل في بداية القرن العشرين

الحنشل في بداية القرن العشرين
ملخص المقال

يعالج المقال ظاهرة الحنشل/اللصوصية في المشرق العربي وشمال أفريقيا من منظور تاريخي-اجتماعي نقدي، منطلقًا من أطروحة إريك هوبسباوم حول «اللصوصية الاجتماعية»، ومختبرًا صلاحيتها خارج السياق الأوروبي، ليخلص إلى أن اللصوصية لم تكن مجرد انحراف إجرامي ولا بطولة شعبية خالصة، بل ظاهرة مركّبة تشكّلت في سياق التحولات العميقة التي رافقت التحديث القسري، وبناء الدولة المركزية، واندماج الريف في الاقتصاد الرأسمالي، وما نتج عنها من نزع ملكية، وإفقار، وغياب قنوات تمثيل سياسي للفلاحين. ويبيّن المقال كيف استُخدمت اللصوصية والتهريب والغزو البدوي أحيانًا كاستراتيجيات بقاء واحتجاج غير رسمي، وأحيانًا أخرى كأدوات في يد النخب المحلية والدول، سواء عبر القمع أو الاستيعاب والتوظيف، مع إبراز دور الخطاب الرسمي في تجريم أشكال متعددة من المقاومة الريفية تحت مسمى «اللصوصية». كما يناقش إشكاليات المنهج والمصادر، مبرزًا التوتر بين الأرشيفات النخبوية والثقافة الشعبية، وأهمية الوعي الفلاحي، والجندر، وصراعات التسمية في فهم الظاهرة. ويؤكد في الختام أن اللصوصية تشكّل نافذة تحليلية أساسية لفهم تاريخ الدولة والمجتمع والمقاومة في المنطقة، خارج السرديات الرسمية والنخبوية، بوصفها نتاجًا بنيويًا لعلاقات القوة والتحول الاقتصادي أكثر من كونها جريمة صرفة أو أسطورة بطولية.

(1) مدخل عام

الحنشل هم من تتناول هذه الدراسة ظاهرتهم في بلدان العالم العربي شرق البحر المتوسط و شمال أفريقيا من منظور تاريخي - اجتماعي نقدي منطلقة من أطروحة إريك هو بسباوم حول «اللصوصية الاجتماعية»، ومختبرة مدى تأدب درس مفاهيمها وجذورها الثقافية والاجتماعية وقابليتها للتطبيق في سياقات غير أوروبية.

ويجادل مؤلف الكتاب الدكتور إريك هو بسباوم بأن اللصوصية لم تكن مجرد انحراف إجرامي أو ظاهرة هامشية، بل كانت في كثير من الأحيان استراتيجية بقاء، وشكلا من أشكال المقاومة غير الرسمية، ونتاجا مباشرًا لعمليات التحديث القسري وبناء الدولة والرأسمالية. تبين الدراسة أن النقاش الأكاديمي حول الحنشل انقسم تقليديا بين مقاربتين: 

الأولى رومانسية ترى في اللص بطلا شعبيا» أو ممثلا السخط الفلاحين والبادية وله قرائن في الأدب والذاكرة الشعبية مثل الصعاليك في الجاهلية و روبن هود في الأدب الأوربي.

والثانية اختزالية تعتبره أداة تكسب مقبولة إجتماعياً وعرفياً مرتبطا بالنخب المحلية.

غير أن الوثيقة تقترح تجاوز هذا الاستقطاب عبر قراءة الحنشل واللصوصية بوصفها ظاهرة متعددة الأشكال والدلالات، تتغير مع السياق السياسي والاقتصادي، ومع موقع من يعرفها الدولة، النخب، أو الفئات الدنيا، الفوارق الاجتماعية، بما في ذلك ظاهرة اتخاذ الحنشل واللصوصية مهنة للتكسب مع اضفاء صبغة تبريرية لا تُجرّم الفعل لكنها لا ترفعه إلى مصاف النخبوية والقبول الاجتماعي العام.

تركز الدراسة على القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وهي مرحلة شهدت تحولات جذرية في الريف العربي شرق المتوسط وشمال أفريقيا، أبرزها: إدماج الزراعة في الاقتصاد الاقليمي والعالمي، تجريم الحقوق العرفية للأرض والرعي فرض الضرائب والتجنيد، وشق الطرق وبناء أجهزة الدولة الحديثة.

وقد أدت هذه التحولات إلى نزع ملكية واسعة وإفقار ريفي، في ظل غياب قنوات سياسية مؤسسية تعبر عن مصالح الفلاحين ما جعل اللصوصية والتهريب والعنف الفردي أدوات بديلة و مشروعة للاحتجاج والبقاء.

وتبرز الوثيقة أن اللصوصية ارتبطت ارتباطا وثيقا بعمليات بناء الدولة، لا بوصفها نقيضا لها فقط، بل أحيانًا كجزء من آلياتها. فقد لجأت الدول العثمانية وما بعدها إلى القمع، والعقاب الجماعي، أو إلى الاستيعاب والتوظيف الرسمي لزعماء اللصوص، في محاولة لفرض السيطرة على أقاليم واسعة بموارد محدودة. كما استخدم خطاب «مكافحة اللصوصية» لتبرير مشاريع مركزية الدولة، سواء في مصر الخديوية، أو في تركيا الكمالية، أو في إيران البهلوية.

وتوسع الدراسة نطاق التحليل ليشمل البدو، والقرصنة البحرية، والتهريب، كما انها تشمل على وجه الخصوص الفئات الاجتماعية المهمشة مثل النور وأقرانهم من المجموعات الإثنية غير المستقرة

و توضح دراسة إريك هو بسباوم في سياقها الأنثربولوجي أن الحدود بين النشاط الاقتصادي المشروع واللصوصية كانت في كثير من الأحيان ضبابية. فالغزو القبلي، وحماية القوافل والقرصنة «الشرعية»، والتهريب عبر الحدود، كلها أنشطة انزلقت إلى اللاشرعية مع تغير القوانين والحدود، رغم استمرار قبولها اجتماعيا لدى المجتمعات المحلية، لاسيما في مجتمعات البدو الرحل و الفلاحين الذين يدافعون عن قراهم.

وتولي الوثيقة أهمية خاصة للثقافة الشعبية، معتبرة أن الأغاني والحكايات والأساطير لا تقل قيمة تحليلية عن الأرشيفات الرسمية، لأنها تكشف الوعي الدوني للفئات المهمشة ومواقفها من السلطة والعدالة.

وتظهر شخصيات «اللص الشريف» و «المنتقم» في الذاكرة الشعبية بوصفها تعبيرًا عن توق جماعي للإنصاف، حتى حين لا تنسجم أفعالها مع معايير الأخلاق النخبوية.

وتخلص الدراسة إلى أن اللصوصية في العالم العربي شرق المتوسط وشمال أفريقيا لا يمكن فهمها باعتبارها ظاهرة إجرامية صرفة أو بطولية خالصة، بل بوصفها نتاجا بنيويا لعلاقات القوة، والتحوّل الاقتصادي، وغياب التمثيل السياسي. وهي بذلك تشكل نافذة تحليلية مهمة لفهم تاريخ الدولة والمجتمع والمقاومة في المنطقة خارج الأطر الرسمية والسرديات النخبوية

كانت اللصوصية، برا وبحرًا، والأنشطة المرتبطة بها مثل التهريب، ظاهرة واسعة الانتشار ومتجذرة في مختلف أنحاء المشرق العربي وشمال أفريقيا. ويشهد على ذلك تنوع كبير من المصادر؛ بعضها عدائي ومنبثق من أوساط النخب مثل أرشيفات الدولة، وسجلات المحاكم، والمدونات التاريخية وروايات الرحالة الأوروبيين، وبعضها الآخر أكثر تعاطفا مثل الروايات التاريخية المحلية والأساطير المرتبطة بالحنشل و الأغاني الشعبية، والشعر، والفولكلور. ومع ذلك، فإن تجربة الهالم العربي في بداية القرن العشرين مع اللصوصية والحنشل لم تحظ حتى الآن باهتمام أكاديمي معمق ومستدام، كما أن صورة اللص وجدت تمثيلاً أوسع في الأدب، ولا سيما في روايات الكاتب التركي يشار كمال.

وبصورة خاصة، فإن النقاشات التي أثارتها أطروحة إريك هو بسباوم حول «اللصوصية الاجتماعية» لم تلق سوى استجابات محدودة من باحثي المشرق العربي وشمال أفريقيا وغالبا ما كانت استجابات سلبية، ولم تنجح في إثارة ذلك النوع من الاهتمام المقارن والنظري الذي أثبت إنتاجيته في دراسات أمريكا اللاتينية، والصين، وجنوب أوروبا.

كان نشر كتاب إريك هو بسباوم «اللصوص» عام 1969 حدثًا تأسيسيا. ورغم تعرضه للنقد بوصفه ضعيفًا من الناحية المنهجية، ومشوها من الناحية النظرية، ومحدودًا من حيث المادة التجريبية، ولاحقًا - بعد أن اتسع تأثيره بين الباحثين في العالم غير الأوروبي - بوصفه عملاً متمركزا أوروبيا، فإن الكتاب

ومفهومه المركزي المتمثل في «اللصوصية الاجتماعية»، ما زالا، بعد مرور عدة عقود على صدوره الأول، يشكلان نقطة انطلاق مرجعية إلزامية لأي نقاش حول اللصوصية، أو الجريمة الريفية في المجتمعات ما قبل الحديثة، بل وحتى التاريخ الاجتماعي للجريمة عموما.

وحتى وإن أخفق الباحثون في كثير من الأحيان في العثور على اللص الاجتماعي» بالمعنى الدقيق، فإن عملية البحث ذاتها قدمت طرقا مثمرة للتفكير في التعريفات المتنازع عليها للجريمة، وطبيعة ونطاق مقاومة الفلاحين، وأثر العالم النفسي و التكوين الاجتماعي للفئات الدنيا حينذاك.

كان وضع هو بسباوم اللصوصية الاجتماعية ضمن إطار مقاومة الفلاحين واعتبرها جزءا من مسعى فكري أوسع يهدف إلى إعادة تعريف ظاهرة الجريمة، بحيث لم يعد المجرم ينظر إليه بوصفه فردا مرضيًا، بل أصبحت الأفعال الإجرامية تفهم بوصفها نشاطًا عقلانيا.

ثم جاءت خطوة إضافية حين بدأ يُنظر إلى الجريمة، في ظروف معينة، بوصفها شكلا من أشكال مقاومة الفئات الدنيا، الواعية أو غير الواعية، وبوصفها جنينا أوليًا للاحتجاج الاجتماعي. وكان ذلك واضحا خصوصا في سياق مجيء الحداثة، كما تجسد في إنجلترا القرن الثامن عشر، وما رافقها من تفكك البنى الاجتماعية والاقتصادية ما قبل الرأسمالية، وترسيخ علاقات «حديثة»

جديدة بوسائل قانونية وقضائية وعقابية قاسية وغير مألوفة.

في هذا السياق، أعيد تأهيل الخارجين على القانون بمختلف أنواعهم - مثيري الشغب الغذائي، والمهربين، والصيادين غير الشرعيين، إلى جانب اللصوص والقراصنة - ليظهروا بوصفهم متمردين كامنين أو أوليين.

وقد شكلت أطروحة في هو بسباوم حول اللصوصية الاجتماعية مساهمة في هذا التيار الأوسع من المراجعة التاريخية. فبالنسبة له، كانت هذه الصيغة الخاصة من الجريمة الريفية تؤدي وظيفة التعبير عن احتجاج الفلاحين، حيث يُطلق وصف اللص الاجتماعي» على أولئك الخارجين على القانون من الفلاحين الذين تعتبرهم السلطات مجرمين، لكنهم يظلون مندمجين في مجتمعاتهم الفلاحية، ويُنظر إليهم من قبل أهلهم بوصفهم أبطالاً، أو حماة، أو منتقمين، أو مقاتلين من أجل العدالة، وربما حتى قادة تحرّر، وفي كل الأحوال رجالًا جديرين بالإعجاب والمساعدة والدعم.

وقد شدد هو بسباوم على الارتباط الجوهري بين الفلاحين واللصوصية الاجتماعية، ورفض إدراج الأشكال الحديثة من الإرهاب الحضري أو نشاط العصابات ضمن مفهوم اللصوصية وميز بوضوح بين اللصوصية الاجتماعية من جهة، وكل من عالم الإجرام الاحترافي للصوص العاديين، ومن المجتمعات التي كان السلب والغزو فيها نشاطًا اقتصاديًا طبيعيا، مثل بعض الجماعات البدوية، من جهة أخرى.

وإلى جانب «اللص النبيل»، حدد هو بسباوم نمط «المنتقم» الذي يشترك في كثير من خصائص اللص النبيل، ويُعد أيضًا تعبيرا عن سخط الفلاحين، غير أن كونه مخيفا وعديم الرحمة» لا يقل أهمية لديه عن كونه صديقا للفقراء. أما النمط الثالث، وهو «الهايدوك»، فقد كان ظاهرة أكثر خصوصية ارتبطت أساسا بمنطقة البلقان. فالهايدوك، إلى جانب عيشه على السلب، كان وطنيًا، بل قوميًا، ومقاتلا ضد الاضطهاد الأجنبي، وغالبا العثماني.

يجدر التنبيه، أولا ، إلى أن اللص الاجتماعي لدى هو بسباوم كان شخصية محافظة نسبيًا؛ فأفعاله كانت تمثل احتجاجا على ظروف لا تحتمل، من دون أن تحمل رؤية لتحوّل اجتماعي جذري، وغالبا ما كانت تهدف إلى العودة إلى ماض مثالي متخيل.

ونادرًا ما كان في مقدور مثل هؤلاء اللصوص، وفي ظل ظروف تاريخية محدودة جدًا، تجاوز القيود الضيقة للأيديولوجيا والسياسة الفلاحية، والاضطلاع بدور ثوري فعلي. وثانيا، فإن هو بسباوم - وقد كانت صياغته المفهومية أدق مما سمح به منتقدوه - قدم اللصوصية الاجتماعية بوصفها أحد أشكال اللصوصية، ولم يدع أن جميع اللصوص، أو اللصوصية عموما، تندرج ضمن هذا التصنيف.

غير أن هذا التبسيط المخل لأطروحته الأصلية أصبح شائعًا لاحقا بين منتقديه. وقد ميّز بوضوح بين اللص الاجتماعي من جهة، ونوعين مختلفين تمامًا من قطاع الطرق الريفيين من جهة أخرى (1) اللصوص العاديين أو المجرمين اليائسين في الريف، و (2) نخبة اللصوص أو «بارونات السلب»، الذين يمكن وصفهم، بلغة الشرق المعاصرة، بزعماء الحرب

ظهر خطان رئيسيان من الاعتراض على مفهوم « الحنشلي او اللص الاجتماعي عند هو بسباوم منذ وقت مبكر.

كان الاعتراض الأول، وربما الأوضح، يتعلق بما اعتبر نزعة رومانسية في تصوير الظاهرة، قائمة على استخدام غير نقدي للأدب والأسطورة المرتبطين باللصوصية في سياقها الاجتماعي ابمفعم بالنبل والفروسية على غرار روبين هود الأوربي.

وقد أقر هو بسباوم نفسه لاحقًا بأن القليل جدا عن الواقع التاريخي الفعلي للصوصية الاجتماعية، ناهيك عن المسارات الحياتية للصوص الأفراد، يمكن استخلاصه مباشرة من الأغاني والقصص المتداولة. أما الاعتراض الثاني فتمثل في قبوله غير النقدي نسبيًا للتأريخ القومي البلقاني في صياغته الشخصية «الهايدوك».

وقد جرى تطوير الاعتراض الأول بصورة مفصلة ومؤثرة في مقال شهير للباحث أنطون بلوك، استند فيه إلى دراسته للمافيا الصقلية. جادل بلوك بأن أي تحليل للصوصية يجب أن ينطلق من سلوك اللصوص الفعلي وممارساتهم الواقعية، لا من تصوراتهم في المخيال الشعبي. وأكد أن اللصوص، بدلا من أن يكونوا ممثلين لتظلمات مجتمعاتهم الفلاحية أو تجسيدًا لبدايات تمردها، كثيرًا ما أقاموا علاقات وثيقة مع النخب المحلية، من ملاك الأراضي وغيرهم، التمسوا منهم الحماية السياسية، وعملوا فعليًا كأدوات قمع ضد الفلاحين أنفسهم. واستشهد بلوك بأفعال سالفاتوري جوليانو في صقلية، ولا سيما هجماته على الشيوعيين والنقابيين بعد الحرب العالمية الثانية وبحكم الرعب الذي فرضه معاصره لوتشيانو ليجيو على الفلاحين الذين كانوا يتحركون للمطالبة بالإصلاح الزراعي.

إضافة إلى ذلك، رأى بلوك أن اللصوصية وفرت للص إمكانية للترقي الاجتماعي والخروج من حياة الفلاحين، وأنها، من خلال استقطاب الرجال الشباب غير المتزوجين - وهم أكثر عناصر المجتمع القروي نزوعًا إلى المواجهة - أسهمت في استنزاف القاعدة البشرية المحتملة لأي تمرد وخلص إلى أن اللصوصية، بدلا من أن تقوض هياكل السلطة المحلية، ساهمت ماديًا وأيديولوجيا في إضعاف قدرة الفلاحين على المقاومة.

وقد شكلت الثنائية التي قدمها كل من هو بسباوم وبلوك نقطة انطلاق لنقاشات موسعة خاضها باحثون من تخصصات ومناطق جغرافية متعددة، وأسفرت عن تراكم متزايد في الأدبيات حول اللصوصية. وسرعان ما جرى تجاوز المقاربة التصنيفية البسيطة - التي كانت تختزل النقاش في سؤال وجود اللص الاجتماعي» من عدمه - لصالح تساؤلات أعمق تتعلق بالمنهج والدلالة. وأصبح التمييز بين واقع اللصوصية» و«أسطورتها » مقبولا على نطاق واسع، بما في ذلك لدى هو بسباوم نفسه. غير أن هذا لم يعن التسليم بأن اللص الاجتماعي مجرد اختلاق خيالي. فعلى العكس، فإن الانتشار شبه الكوني لأساطير روبن هود في ثقافات مختلفة أشار إلى أهميتها التاريخية والسياسية والاجتماعية العميقة.

وبناء على ذلك، بدأكل من المتعاطفين مع أطروحة اللص الاجتماعي والمشككين فيها - وأحيانًا أيضًا في الخلفيات السياسية الكامنة وراءها - بإعادة النظر في الفولكلور ذاته من خلال تحليل شروط إنتاجه وانتقاله وتحولاته، والأهم من ذلك كيفية تلقيه.

وقد عمدت دراسات حالة عديدة إلى تفكيك أساطير اللصوص متتبعة كيفية توظيفها داخل الخطابات الاستراتيجية لنخب ساعية إلى السلطة، ولا سيما النخب القومية الحضرية.

ومن أبرز هذه التفكيكات تلك التي تناولت رومنسة القومية البلقانية لشخصيات الكليفت» و «الهايدوك». فعلى الرغم من ممارستهم القاسية ضد الفلاحين، ودوافعهم التي كانت في الغالب - إن لم تكن حصريا - مادية، فقد جرى تحويلهم في التأريخ القومي البلقاني إلى تجسيد للمقاومة البطولية ضد الحكم العثماني، في عملية أسطرة أدارتها نخب ما بعد الاستقلال.

و الأمر قد ينطبق إلى حد بعيد على بعض القبائل الرحل من الفايكينج عند نزولهم جماعات من الشمال الأوربي وغاراتهم على الشعوب الجرمانية والأوربية الأخرى.

وتتكرر هذه الآلية في حالات أخرى، مثل أيقونة الثقافة الشعبية الليتوانية تاداس بليندا، الذي صوّر بوصفه القلب القاسي الرحيم» و قرينه روبن هود الذي يأخذ من الأغنياء ليعطى الفقراء، بينما تشير الأدلة إلى أن بليندا كان في الواقع سارق خيول أعدم رجمًا على يد حشد غاضب، قبل أن يُعاد تشكيله لاحقا باعتباره «لص نبيل على يد مثقفين حضريين، أولا في خدمة القومية الليتوانية، ثم في الحقبة السوفييتية بوصفه رائدا للصراع الطبقي الفلاحي.

ومع ذلك، فإن مثل هذه التفكيكات لم تنجح تماما في تفسير الجذور الشعبية الأولى لهذه الأساطير أو سبب احتضانها بحماسة من قبل فئات دنيا متنوعة.

فما تزال ديناميات صناعة الأسطورة معقدة؛ إذ إن مكان وزمان نشأتها لا يقلان أهمية - وإن كانا أصعب تتبعا - عن الكيفية التي تُعاد صياغتها بها لاحقا. كما أن استجابات الجمهور الشعبي الإعادة الصياغة الأدبية للتاريخ الشفهي أو الشعبي تؤثر بدورها في التمثيلات الثقافية اللاحقة.

بل إن اللص نفسه قد يسعى أحيانًا إلى التماهي مع النص الأسطوري المتوقع منه. وهكذا، فإن أساطير اللصوص لا يمكن اختزالها في مسار أحادي الاتجاه، تُحوّل فيه قسوة الواقع الفلاحي إلى حكايات ممجدة على يد نخب ثقافية بعيدة؛ بل يشارك الفاعلون من الفئات الدنيا والنخب على السواء في صياغة معان متنازع عليها بعمق.

(2) المنهج، وعي الفلاحين، وإشكالية المصادر والتسمية

نشأ اهتمام هو بسباوم باللصوصية أصلا من اهتمامه الأوسع بسخط الفلاحين وأشكال مقاومتهم. وقد أعيد التأكيد بقوة على مركزية تحليل معنى اللصوصية في وعي الفلاحين، وعلى موقع الجريمة داخل الصراع

الطبقي في دراسة راناجيت غوها حول الهند الاستعمارية، التي نشرت بعد ثلاثين عامًا من كتاب هو بسباوم. أشار غوها، أولا، إلى أن الفلاح كان غالبًا مستعدا لتحمل، بل وحتى لتأييد، طيف واسع من الأفعال التي تُعدّ جرائم ناجمة عن الفقر. وثانيا، أوضح أن التمرد الفلاحي الفعلي كان يسبقه عادة «موجة من الاعتداءات التمهيدية»، أي زيادة في النشاط الإجرامي الريفي وهي ظاهرة تظهر في فترات الإفقار الشديد وتشير إلى تراجع مستوى تسامح الفلاح مع شروط وجوده. وثالثًا، رأى أن هذا النوع من الجريمة الريفية، بما فيها اللصوصية، كان يؤدي وظيفة قلبية، سواء رمزيًا أو صريحًا، من خلال تحدي الهرميات الاجتماعية وقواعد الخضوع، وإدخال حالة من التداخل والغموض تسمح للفلاحين بإضفاء معانٍ جديدة على خرق القانون والعنف الريفي، وهو أمر يسره اختلاف موقف الفلاحين من الأفعال المصنفة كجرائم عن موقف خصومهم الطبقيين و رجال السلطة.

وقد جاء توجيه غوها الانتباه إلى ضرورة قراءة المصادر بطرائق مختلفة للوصول إلى وعي كل من الفلاح واللص في سياق نقاشات منهجية أوسع.

ورغم إقرار هو بسباوم بالصعوبات التي يطرحها اعتماده على الفولكلور والأدب، فإن أنصاره ردّوا على المشككين بالإشارة إلى أن هؤلاء غالبا ما يغفلون بدورهم عن نقد اعتمادهم غير المفحوص على نصوص مكتوبة صادرة عن النخب، ولا سيما سجلات الشرطة والمحاكم. فهذه المصادر، إضافة إلى ميلها إلى دمج جميع أشكال خرق القانون الريفي في فئة إجرامية واحدة غير مميزة، لا يتوقع منها أن تعكس تصورات شعبية أو صورًا ذاتية للصوص بوصفهم مقاومين شرعيين.

ففي حين قد تكون أرشيفات الدولة مفيدة في إعادة بناء تسلسل الأحداث، فإنها تقول القليل - بل قد تكون مضللة بعمق . بشأن المعنى والدلالة. فقد يظهر فعل واحد، أو نمط من النشاط، في السجلات الرسمية تحت التصنيف الشامل للصوصية، في حين يكون قد فسر من قبل الطبقات الدنيا الريفية، التي لا صوت لها في الأرشيف، بوصفه فعل تحد أو مقاومة أو احتجاج.

وقد أظهرت كثير من الدراسات حول اللصوصية في الشرق الأوسط ميلًا - أحيانًا غير واع - إلى تفضيل النصوص المكتوبة، وافتراض أن المصادر الأرشيفية التي أنتجتها النخب أقل ذاتية وأقل تحيرا من المواد المنقولة شفهيا. ويصبح هذا النهج إشكاليا بصورة خاصة عندما تتعلق الأحداث المدروسة بذكريات لا تزال حية، ويمكن الوصول فيها بسهولة إلى أصوات شعبية.

وظهر خط نقدي جديد ومختلف حين سعت الدراسات النسوية إلى «تجنيس» دراسات اللصوصية. ولم يقتصر هذا الجهد على البحث عن لصوص من النساء، بل تناول قضايا مثل تقسيم العمل داخل المجتمعات الفلاحية بما قد يسهل أنشطة اللصوص، ودور الأسر الممتدة والتنظيم المنزلي.

وطرحت دراسات النوع الاجتماعي، على وجه الخصوص، سؤالا عما إذا كان الاهتمام المستمر باللصوصية يخفي نظرة رومانسية للعنف الذكوري. وبالفعل، فقد جرى في جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديد شيفرات ثقافية متجذرة للشرف والعار، ومفاهيم معينة للرجولة، بوصفها عناصر أساسية في تشكيل التعاطف الشعبي مع شخصيات مغامرة تعيش على هامش النظام الاجتماعي والقانوني أو خارجه.

(3) أسئلة الكتاب

إلى أي حد، إذن، تساعد الأعمال الحديثة في الحقل الأوسع الدراسات اللصوصية على إيضاح تجربة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ؟

ولماذا غابت المنطقة إلى حد كبير عن السجالات التاريخية المشار إليها أعلاه؟

ولماذا كان الاهتمام باللصوصية محدودًا رغم أن الظاهرة نفسها، والجريمة الريفية عموما، كانت واسعة الانتشار ؟

ولماذا لا يُحتفى إلا بعدد ضئيل جدا من اللصوص الأفراد أو يدانوا ؟

ولماذا لا نجد في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا ما يقابل شخصیات مثل زاباتا أو بانشو فيا في المكسيك، أو لامبيو في البرازيل، أو ند كيلي في أستراليا، أو سالفاتوري جوليانو في صقلية أو باي لانغ في الصين، فضلا عن «ملكة اللصوص» الهندية فولان ديفي؟

وما الذي نعنيه أصلا باللصوصية في السياق الشرق أوسطي ؟ من الذي أصبح لصا، ولماذا، وفي أي ظروف؟ ماذا كان يفعل اللصوص، وكيف نظر إلى أفعالهم من قبل النخب والفئات الدنيا ؟

ما طبيعة العلاقات بين اللصوص والفلاحين، وبين اللصوص وعوالم السلطة ؟ والأهم من ذلك كله من الذي كتب عن اللصوص، وما هي المصادر التي استخدمها ؟

إن تطوير هو بسباوم لمفهوم اللصوصية الاجتماعية بوصفه شكلا من أشكال احتجاج الفلاحين استند أساسا إلى تحليله للتاريخ الأوروبي.

غير أن هذا المفهوم أثبت جاذبية خاصة للباحثين في العالم غير الأوروبي، حيث كانت المجتمعات الفلاحية واسعة العدد وحيث كانت اللصوصية لا تزال قائمة أو حاضرة بقوة في الذاكرة الحديثة.

وكان ذلك واضحًا خصوصًا في مناطق احتفظت بتقاليد حية من الشعبوية الفلاحية، مثل أمريكا اللاتينية، أو في حالات أسند فيها للفلاحين، ومعهم ها مشهم من اللصوص، دور تاريخي ذي دلالة سياسية، كما في الصين. غير أن هذه الشروط لم تكن متوافرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من سكان المنطقة كانوا حتى وقت قريب جدًا، ريفيين، فإن التأريخ الوطني ظل خاضعا لهيمنة سياسات النخب الحضرية. وعلى خلاف قوميات أخرى لم تمجد القوميات الشرق أوسطية الفلاحين بوصفهم خزان الثقافة «الوطنية الأصيلة، بل مالت إلى استبعاد الريف وسكانه من الفعل السياسي الفعلي ومن «الجماعة التاريخية المتخيلة على السواء.

وقد يكون هذا الاستبعاد أحد الأسباب الرئيسة لضعف الاهتمام باللصوصية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وللتشكيك في مفهوم اللصوصية الاجتماعية تحديدًا، إذ لم تدمج شخصيات اللصوص في السرديات القومية أو أيديولوجيات بناء الدولة بوصفها أبطالا.

والاستثناء الأبرز هو البلقان في ظل الحكم العثماني، حيث تحولت صيغة مخصوصة من اللصوصية - الكليفت والهايدوك - إلى عنصر مركزي في خطاب تحرّري نخبوي، وهو ما استتبع اهتمامًا أكاديميا كثيفًا.

أما في قلب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد أسند إلى اللصوصية دور معاكس تقريبا. فعمليات بناء الدولة كانت في الغالب سلطوية، تقودها نخب راسخة وحكام متجذرون، ولم يكن هناك مجال للهايدوك الثوري، فضلا عن زاباتا جديد.

(4) اللصوصية وبناء الدولة: مصر و الدولة العثمانية

مع ذلك، ظهرت بعض المساهمات الأكاديمية المحدودة التي تناولت ظاهرة اللصوصية في الشرق الأوسط. ومن أبرزها أعمال ناثان براون حول مصر في أواخر القرن التاسع عشر، وكارين باركي حول الدولة العثمانية في القرن السابع عشر، وأندرو غولد حول الأناضول في القرن التاسع عشر. غير أن هذه الدراسات الثلاث تشترك في رفض مفهوم «اللصوصية الاجتماعية»، وتجد دلالة اللصوصية الأساسية في ارتباطها بعوالم السلطة، وبصورة أدق في دورها ضمن عمليات بناء الدولة.

فبالنسبة لكل من براون وباركي، لم يكن اللصوص سوى نقمة خالصة وأداة قمع، مارسوا العنف ضد الفلاحين واستغلوهم وعملوا بالتواطؤ مع أصحاب النفوذ المحليين بمختلف أنواعهم. ويذهب براون أبعد من أنطون بلوك، إذ يشدد على الطابع النفعي الخالص للصوص، معتبرًا أنهم لم يكونوا ممثلين المصالح الأعيان ولا للفلاحين على السواء.

ينصب اهتمام براون الأساسي على توظيف خطاب «مكافحة اللصوصية» في خدمة مشروع نخبوي لبناء الدولة القومية. ففي مصر أواخر القرن التاسع عشر، كانت الحكومة الخديوية، التي تكافح من أجل البقاء، تؤسس مقاومتها للتغلغل الإمبراطوري البريطاني، كما تبرر ادعاءاتها بالشرعية، على قدرتها على فرض الأمن في الريف. وقد شاركت النخبة المصرية بريطانيا مخاوفها من تمرد الفلاحين، وكانت قلقة بالقدر نفسه - إن لم يكن أكثر - على سلامتها الجسدية وأمن ممتلكاتها.

وعلى خلاف البلقان، لم تطلق قيادة قومية في مصر العنان لقوة اللصوص في الأرياف الشاسعة لمواجهة السلطة الأجنبية، ولم تحتف نخبة مثقفة ببطولات قطاع الطرق. بل على العكس يبين براون كيف اكتشفت السلطات الخديوية، أو ربما اخترعت في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أزمة غير مسبوقة من الجريمة الريفية العنيفة، واستثمرت هذه الأزمة» المتخيلة لتحقيق غايتين:

تعزيز مطالبها بالسيادة في مواجهة البريطانيين.

وتشديد سيطرتها على الفلاحين من خلال تبرير برنامج طموح لبناء الدولة، تمثل في إنشاء مؤسسات تأديبية جديدة وتعزيز القائمة منها، مثل جهاز شرطة مركزي، والسجون والمحاكم، ومدونات قانونية وطنية.

وقد فشلت لجان مكافحة اللصوصية ذات الطابع القمعي وألغيت لاحقا، غير أن سلطات الاحتلال البريطاني سرعان ما استولت على السلاح الأيديولوجي الذي صاغته الحكومة الخديوية، واستخدمته ضد صانعيه مستندة إلى استمرار انعدام الأمن الريفي لتبرير تعميق حضورها داخل الإدارة المصرية. ومع ذلك، ظل خطاب النظام» مركزيا لدى البريطانيين كما كان لدى السلطات المصرية، وبقي اللص رمزا للفوضى والعنف، وتهديدًا لحياة المصريين والبريطانيين وممتلكاتهم على حد سواء.

أما بالنسبة لباركي، الذي يتبنى طرحًا قريبا من بلوك، فإن اللصوص كانوا بالفعل ظاهرة مرتبطة بالتدهور المادي الحاد الذي عرفته الدولة العثمانية خلال الأزمة العالمية في القرن السابع عشر، غير أن أهميتهم لا تكمن في تمثيلهم لفلاحين متمردين، بل في طموحاتهم إزاء الدولة العثمانية ذات الطابع الأبوي.

فقد كان انتشارهم نتيجة مباشرة لسياسات بناء الدولة العثمانية نفسها، إذ جرى تجنيدهم في جيوش نظامية جديدة، وتلقوا تدريبا على استخدام السلاح، ثم سرحوا بصورة فجائية.

وضع هؤلاء خارج البنية الاقتصادية، فتحوّلوا إلى مرتزقة، إما في خدمة أعيان محليين وزعماء حرب، أو كونوا عصابات الصوصية خاصة بهم، ليصبحوا أدوات قمع في أيدي ملاك الأراضي أو المسؤولين أو المتمردين من زعماء الأقاليم.

وقد ردّت الدولة العثمانية على هذه الظاهرة بسياسة تقوم على المساومة والاستيعاب. فحين كانت العصابات تشكل تهديدا مباشرًا، كانت تقمع بالقوة. لكن في حالات أكثر شيوعًا، كانت تستوعب ببساطة، حيث يُعرض على قادتها مناصب رسمية داخل الدولة. ووفقًا لباركي، فإن هذا الاستيعاب النخبوي كان الهدف الأساسي لنشاط كثير من اللصوص.

وبالفعل، كما يشير براون وباركي، لم تكن اللصوصية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نشاطًا ينتمي حصريا إلى الفئات الدنيا.

فكثيرا ما أقام اللصوص علاقات تكافلية مع ما كان موجودًا من قوى القانون والسلطة المحلية، سواء عبر تواطؤ علني أو خفي يحصل اللصوص بموجبه على الحماية مقابل نصيب من الغنائم.

وكان هذا النمط شائعًا على نحو خاص في الحالات التي ربطت فيها علاقات القرابة القبلية - الحقيقية أو المتخيلة - اللصوص مباشرة بملاك أراض أو مسؤولين في الدولة. بل إن اللصوصية قد شكلت أحيانًا مسارًا للترقي الاجتماعي.

وغالبا ما اقتحم اللصوص المشهد السياسي في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما قبل الحديثة، الأمر الذي أدخلهم إلى الأرشيفات الرسمية، غير أنهم كانوا أقرب إلى «بارونات السلب» عند هو بسباوم، لا إلى «اللص الاجتماعي».

فقد كانت سياسة الاستيعاب مقابل الخضوع استراتيجية مركزية لدى الدول في التعامل مع كل العناصر المتمردة أو المزعجة التي يتعذر القضاء عليها بالقوة، وكثيرا ما تدرج قادة اللصوص وزعماء الحرب المحليون إلى مناصب رسمية رفيعة.

ورغم مظاهر القوة التي أدوها، فإن حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الحديثة، وجيوشها، كانت في الواقع صغيرة وضعيفة، تفتقر إلى الوسائل المادية اللازمة لفرض إرادتها على مساحات واسعة.

وكان البقاء السياسي يتطلب قدرة عالية على المناورة واستيعاب المصالح المتعددة، مع استخدام محدود للقوة العقابية النموذجية. وتكثر الأمثلة على التفاوض مع اللصوص واستيعابهم وتوظيفهم.

ومن أبرز هذه الحالات حالة الشريف مولاي أحمد الريسوني في المغرب في القرن التاسع عشر. فقد بدأ حياته سارق ماشية ومهرب أسلحة، ثم انتقل إلى خطف الأوروبيين مقابل فدية وهو نشاط شديد الربحية، قبل أن يرسخ نفسه زعيما محليا قويا في شمال غرب المغرب.

وفي نهاية المطاف، حصل من سلطان المغرب على منصب حاكم مدينة أصيلة الساحلية، ومن هذا الموقع أقام علاقات جيدة مع الحماية الإسبانية الناشئة.

(5) البدو، الغزو القبلي، التمرد، والحدود بين اللصوصية والاقتصاد الريفي

أقر هو بسباوم بانتشار الروابط بين اللصوص وعوالم السلطة لكنه أكد أن «اللصوصية الاجتماعية تمثل ظاهرة مختلفة نوعيا، وتستحق الاهتمام بقدر ما تعبر في ظروف معينة، عن سخط الفلاحين.

وعلى النقيض من ذلك، فإن رفض باركي لمفهوم اللص الاجتماعي كان متجدرًا في إنكارها لوجود استراتيجيات تمرد فلاحية لدى فلاحي الدولة العثمانية. فمن وجهة نظرها، لم يكن غياب التمرد نتيجة لعدم وجود ضائقة مادية، إذ عانى الفلاحون العثمانيون من مشاق كثيرة شبيهة بتلك التي أفضت إلى ثورات ريفية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، بل كان نتيجة توافر بدائل مفضلة عن استراتيجية التحدي العلني المحفوفة بالمخاطر.

فقد فضّل الفلاحون العثمانيون الذين افتقروا - بحسب هذا الطرح - إلى الارتباط العميق بالأرض الذي يميز الوعي الفلاحي مغادرة الأرض بدلًا من القتال من أجلها، لتغدو اللصوصية الإجرامية البحتة نفسها إحدى استراتيجيات البقاء المفضلة للفلاحين السابقين الهائمين على وجوههم بعد فرارهم من قراهم.

وقد يشكل هذا التشكيك العام في التمرد الفلاحي سببًا إضافيا لعدم شعبية مفهوم اللصوصية الاجتماعية في دراسات الشرق الأوسط. فالكثير من الأبحاث الحديثة حول اللصوصية في مناطق أخرى من العالم انطلقت من اهتمام أوسع بمقاومة الفلاحين.

أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن صعود دراسات الفلاحين بوصفها حقلا بحثيًا مستقلا في سبعينيات القرن العشرين قوبل باستجابة محدودة نسبيًا.

وبما أن المنطقة بدت وكأنها تفتقر إلى الانتفاضات الريفية الكبرى المميزة لحالات مثل الصين، أو إلى الحركات الفلاحية ذات الدلالة السياسية كما في أمريكا اللاتينية، فقد مال مؤرخو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى اعتبار الريف مجالا غير مثير للاهتمام، ولم يبحث وعي سكانه وفاعليتهم إلا نادرا.

وإذا كان بعض مؤرخي المنطقة قد اكتفوا بمشاركة توصيف ماركس للفلاحين بوصفهم بطاطا في أكياس»، فإن نظرتهم إلى البدو - الذين يُعدّون مرشحين أساسيين لتشكيل عصابات لصوص - كانت في أحيان كثيرة عدائية صراحة. فاتباعًا للتقليد الذي رسخه ابن خلدون، صوّرت الكتابات الأكاديمية البدو بوصفهم مجرد أدوات بيد زعمائهم، ولم يُنظر إلى مقاومتهم إلا كعرض من أعراض الصراع الأزلي بين فوضى القبيلة (الصحراء) والنظام الذي تفرضه الدولة المدن والأرض المزروعة.

ويعتمد رفض براون لمفهوم اللص الاجتماعي في مصر، ورفض باركي له في الدولة العثمانية، إلى حد كبير على قراءة دقيقة للوثائق الرسمية المحفوظة في أرشيفات الدولة.

غير أن اعتماد منهج مختلف قد يقود إلى نتائج مغايرة، وهو ما يظهر بوضوح عند باركي نفسها حين تتناول التقاليد الشعبية، إذ تصبح أكثر انفتاحًا على احتمال وجود لصوصية اجتماعية.

فالمصادر التي تنتجها الدولة والنخب حول المعارضة الريفية بل حول الجريمة عمومًا، تعج بمشكلات تفسيرية دائمة التوصيفات العامة، ودمج أنماط مختلفة من العنف الريفي تحت مسمى الجريمة، واستخدام مصطلحات اللصوصية وقطع الطريق كأدوات للبحث عن الشرعية.

ففي مصر أواخر القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، جمعت لجان مكافحة اللصوصية جميع أشكال العنف الريفي في فئة واحدة غير مميزة هي «الأشرار».

كما أن استخدام باركي لمفهوم اللصوصية كان أوسع نطاقا، إذ شمل ظاهرة مائعة مثل تمردات الجلاليين في الدولة العثمانية خلال القرن السابع عشر. فقد كانت الدولة العثمانية تطلق هذا الوصف على جميع خصومها المسلحين في الريف، سواء أكانوا عصابات صغيرة أم حركات تمرد واسعة، بهدف نزع الشرعية عن أي اضطراب ريفي عبر ربطه بتمرد سابق صادم في الذاكرة الجماعية.

وبالنسبة لدولة مثل الدولة العثمانية، لم تكن اللصوصية والسطو مجرد جرائم، بل كانت في الوقت نفسه أشكالا من التمرد على سلطتها.

وغالبًا ما استخدمت المصادر لغة هجومية ملونة تحمل في مفرداتها دلالات اللص والتمرد معًا. وقد جعلت هذه اللغة الفوقية للمصادر الرسمية من الصعب تفكيك أنشطة الجماعات المختلفة وتمييزها عن بعضها.

ونظرًا للحمولة الأيديولوجية القوية الكامنة في المواد الأرشيفية فمن غير المرجح للغاية أن تظهر أنشطة اللصوص، أو أي شكل من أشكال العنف الريفي، إلا في صورة شديدة السلبية. فالأرشيفات المصرية والعثمانية تزخر بوصف وحشي لأفعال اللصوص ومعاناة الفقراء على أيديهم، بما في ذلك العرائض والشكاوى المقدمة من الفلاحين أنفسهم.

غير أن هذه الأدلة كلها غير مباشرة، إذ إن عرائض القرويين الأمتين، وكذلك الأقوال المنسوبة إلى اللصوص في سجلات المحاكم، قد مرت جميعها عبر أقلام الكتاب. 

ومع أن معظم أنشطة اللصوصية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - كما أشار هو بسباوم في السياق الأوروبي - كانت في الواقع سرقة وابتزازا بسيطين يستهدفان الفقراء العزل، فإن التوصيفات العامة ذات الطابع الأيديولوجي في السجلات الرسمية تجعل قصصًا أخرى أكثر تعقيدا غير مرئية.

ولعل أشهر مثال على إطلاق صفة اللصوصية على حالة حقيقية من المقاومة الفلاحية هو توصيف البريطانيين لثورة عام 1936 في فلسطين الانتدابية.

فقد دأب المسؤولون البريطانيون ووسائل الإعلام على وصف المقاتلين الفلاحين المتمردين بأنهم خارجون على القانون ولصوص وعصابات وقطاع طرق، في محاولة لتجريد الانتفاضة من أهدافها القومية و من اعتبارها جهاداً وفق الشريعة الإسلامية إلى كونها عملية اجرامية، وهي ممارسة لغوية استمرت في بعض الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية لاحقا.

ويظهر نزاع مشابه حول التسمية في حالة أنشطة المنفيين بعد سقوط الأندلس، إذ وصفتهم المصادر الإسبانية باللصوص، في حين أعاد باحثون من شمال أفريقيا تقديمهم بوصفهم آخر بقايا المقاومة الإسلامية ضد الاسترداد.

(6) الجزائر الاستعمارية، الأسطورة الحداثة والاقتصاد غير الرسمي

تتجلى الإمكانات التي يفتحها تفكيك صراعات التسمية والمعنى بوضوح في دراسة حالة الجزائر الاستعمارية. ففي هذا السياق نلاحظ اختراع المستوطنين الفرنسيين لما يمكن تسميته «أسطورة اللصوصية الجزائرية»، وهي أسطورة استخدمت لاحقا لتجريد الجزائريين من شرعية مطالبهم بالأرض، ولنزع الشرعية عن مقاومتهم لسياسات نزع الملكية.

وتقدم هذه الحالة مثالا كلاسيكيا على النتائج الاجتماعية والسياسية للتأثير الثوري الذي أحدثته الرأسمالية في اقتصاد ما قبل صناعي.

في منطقة غابية قريبة من مدينة عنابة في شمال شرق الجزائر حافظ السكان المحليون على توازن بيئي هش عبر ممارسة تعرف باسم «الكار»، وهي إحراق مضبوط للغابات بغرض توفير مراعي وأراض زراعية. ومع تزايد أعداد المستوطنين الفرنسيين بعد احتلال الجزائر عام 1830 ، اندلع صراع أولا حول مفاهيم ملكية الأرض واستخدامها، انتهى إلى نزع ملكية السكان المحليين. ثم جرى تجريم ممارسة «الكار» بوصفها عادة محلية، قبل أن تُصنَّف لاحقا كفعل لصوصي ورمز للمقاومة السياسية، ولا سيما الدينية.

كان الجزائريون، رغم اعترافهم بالملكية الشكلية للغابات من قبل ملاك عثمانيين، يرون أنهم يمتلكون هم أيضًا حقوقًا فيها بوصفهم من يعملون فيها. وعلى وجه الخصوص، اعتبروا أن الأراضي التي أزالوا غطاءها الغابي بعملهم الخاص هي ملك لهم، وارثا لأبنائهم.

أما السلطات الاستعمارية الفرنسية، فقد تجاهلت هذه الادعاءات العرفية، وشرعت في سياسة تحويل الغابات إلى ملكية خاصة خالصة، ثم مصادرتها ومنح امتيازاتها لرجال أعمال فرنسيين لاستغلالها تجاريًا، ولا سيما في إنتاج الفلين.

وبناءً على ذلك، فرضت قيود متزايدة على استخدام الجزائريين للغابات تحت طائلة عقوبات صارمة شملت الغرامات الكبيرة والمسؤولية الجماعية.

ورد الجزائريون بسلسلة من التكتيكات المتنوعة التحايل على حراس الغابات، تقديم العرائض إلى السلطات الاستعمارية وأحيانًا إحراق الغابات عمدًا. وكانت ممارسة «الكار» تنطوي دائما على احتمال خروج الحرائق عن السيطرة من غير قصد.

غير أن الفرنسيين لم يستطيعوا، أو لم يرغبوا في التمييز بين الحوادث العرضية والحرق المتعمد. وبمرور الوقت، صار ينظر إلى جميع حرائق «الكار» بوصفها أعمال حرق متعمدة، وسعت السلطات إلى حظر هذه الممارسة كليًا، وهو ما مثل بالنسبة للجزائريين، هجوما قاتلا على نمط حياتهم.

كانت السلطات الفرنسية ملتزمة بتدمير الاقتصاد السياسي المحلي للسكان الأصليين، ولم تكن قادرة على الاعتراف بشرعية مقاومتهم أو التسامح معها. وكان حلّها لمعضلتها - أي الطريقة التي جعلت بها الوضع قابلا للفهم من وجهة نظرها - هو تحويل المقاومين الجزائريين إلى «لصوص» يمارسون الحرق العمد.

غير أن الخطابات النخبوية كانت دائما قابلة لقدر كبير من التشكل. وتظهر حالة مصر كيف يمكن أن تتحول دلالة أنشطة كانت في أوقات الاستقرار السياسي وتوافق النخب، تُصنف ببساطة ضمن الجريمة، إلى أفعال مقاومة بفعل السياق السياسي الأوسع.

فقد عرفت لجان مكافحة اللصوصية في أواخر القرن التاسع عشر جميع أشكال العنف الريفي بوصفها جريمة. غير أن أفعالا مشابهة قام بها الفلاحون عام 1919 - من قتل شيوخ القرى والهجوم على الشرطة، وسرقة الممتلكات المنقولة، والطعام والماشية، ولا سيما تلك التي كان الأثرياء قد اكتنزوها خلال الحرب - أعيد تفسيرها، ولو لفترة وجيزة، بوصفها مظاهر تمرد فلاحي وجزءًا من نضال وطني، بل ثورة موجهة ضد الحماية البريطانية، ومؤيدة للاستقلال، وتقودها النخبة الليبرالية من الطبقة الوسطى في حزب الوفد.

وخلال القرن العشرين في الشرق الأوسط، واصلت أيديولوجيات الحداثة السائدة حصر اللص في الهامش المرضي للمجتمع، في حين جرى تطبيق هذا الوصف بصورة عشوائية على طيف واسع من أشكال المعارضة الريفية.

فمنذ عشرينيات القرن الماضي، دمجت الجمهورية التركية الجديدة جميع مظاهر المعارضة الريفية المسلحة - سواء كانت كردية قومية، أو دينية، أو فلاحية، أو إجرامية - في فئة واحدة هي «اللصوص»، ثم عرفت هذه الفئة بوصفها تهديدًا للدولة وسحقتها. وبالطريقة نفسها، استخدم رضا شاه في إيران خطاب رجل النظام لإرساء السيطرة المادية للدولة الجديدة على الريف، ليس فقط على المجرمين الريفيين بمختلف أنواعهم، بل أيضًا - وباللغة التبريرية ذاتها - على زعماء القبائل والحكام المحليين شبه المستقلين، وسكانهم من الرعاة والمزارعين.

وبالنسبة للنخبة القومية في إيران البهلوية، شكل القضاء على اللصوصية عنصرا مركزيًا في التحول الأوسع الهادف إلى تحويل الرعاة الرحل «المزعجين» إلى مزارعين مستقرين ومنتجين. وقد واصل محمد رضا شاه هذا المشروع لاحقا. ومع أن القوة القبلية كانت قد سحقت بصورة حاسمة جزئيًا بالقوة العسكرية ولكن أساسًا عبر التحوّل الاجتماعي والاقتصادي، فإن ظاهرة صنفت من جديد بوصفها «لصوصية» عادت إلى الظهور.

وكما في تركيا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث أطلق وصف اللصوصية على المعارضة الكردية في الأرياف، جرى في إيران إطلاق هذا الوصف على حركات حرب العصابات التي نفذت عمليات مسلحة ضد نظام الشاه في السبعينيات.

(7) البدو، الغزو الطرق التجارية، والحماية بين الشرعية واللصوصية

لقد ساهمت ممارسات الغزو البدوي، المنتشرة في مجتمعات ما قبل الحداثة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تعقيد فهم أنشطة اللصوص وهوياتهم. فقد استبعد هو بسباوم صراحة الجماعات التي كان الغزو جزءًا طبيعيًا من نمط حياتها - مثل البدو - من نطاق «اللصوصية الاجتماعية». غير أن السؤال يظل مطروحًا: هل كان هؤلاء الغزاة يُعدون في نظرهم هم لصوصا أصلا؟

لقد تبنت الأدبيات، في الغالب، وجهة نظر أولئك الذين كانوا هدفًا لتلك الغزوات. لكن ماذا يمكن أن نستنتج عن تصورات الغزاة أنفسهم ؟ ففي أنحاء الشرق الأوسط، اضطلعت القبائل البدوية، على سبيل المثال، بدور الحماة المأجورين للقوافل التي تنقل الأشخاص والبضائع على طرق التجارة والحج.

وقد بدا هذا النظام، من الخارج، أشبه بابتزاز منظم، لكنه كان ينظر إليه من الداخل باعتباره تعويضًا مشروعًا عن عبور الغرباء في أراض قبلية. غير أن هذا الترتيب كان كثيرًا ما ينهار، فتهاجم القبائل القوافل التي كانت قد تقاضت أجرًا لحمايتها من قطاع الطرق واللصوص.

وقد سجلت السلطات المحلية والرحالة الأوروبيون مثل هذه الانهيارات بوصفها ناتجة عن تفضيل بدوي فطري للغنيمة على الالتزام، أو عن «همجية» بدوية متأصلة.

غير أن عوامل أخرى كانت فاعلة بلا شك. فالإخلال بدفع المبالغ المتفق عليها، كليا أو جزئيا، كان كفيلا بتوتير العلاقات بين التجار والقبائل، ودفع الأخيرة إلى الاستيلاء على ما اعتبرته حقا مسلوبًا. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، أدت التغييرات التي ترعاها الدولة في أنماط ملكية الأرض، وفقدان حقوق الرعي العرفية، إلى دفع البدو المجرّدين من أراضيهم إلى تعويض أنفسهم عبر مهاجمة طرق تجارية كانت في السابق آمنة، حتى وإن كانت هذه الطرق مضمونة من قبل زعمائهم أنفسهم.

وكانت غارات البدو على الحجاج في طريق الحج معروفة على نطاق واسع، رغم أن شيوخ القبائل كانوا يتلقون إعانات من الدولة العثمانية لردع مثل هذه الأفعال.

غير أن النظام القائم على الإعانات كان كثيرا ما ينهار، فيضطر البدو عندئذ إلى الاستيلاء على ما يرونه ضروريا لبقائهم. وقد نسبت المصادر العثمانية هذه الغارات بسرعة إلى ميل بدوي «طبيعي» نحو الجريمة، متجاهلة السياق الاقتصادي والسياسي الذي أفرزها.

نشأ لصوص من هذا النوع من داخل المجتمعات الفلاحية والرعوية، ولا سيما تلك ذات التنظيم القبلي، وبقوا على درجات متفاوتة من التواصل مع السكان المحليين. وقد يكون هذا التواصل وثيقا وداعمًا، خاصة حين تربطهم علاقات قرابة، لكنه قد يكون أيضًا عدائيا واستغلاليًا إلى حد بعيد.

وغالبا ما قدمت المجتمعات المستقرة والرحل على السواء المأوى والعون للصوص، لكن حين يُرفض هذا العون، كان تعامل اللصوص مع القرى المعادية» يتسم بقدر بالغ من القسوة.

وفي هذا السياق، تتأكل إلى حد ما الحدود التي رسمها هو بسباوم بين الغزو البدوي واللصوصية بالمعنى الدقيق، إذ كانت الفواصل بين البدو والفلاحين في الشرق الأوسط غالبا مرنة وقابلة للاختراق. فكثير من المزارعين المستقرين كانوا في الأصل بدوا جرى توطينهم حديثا، وكانت المجتمعات نفسها تجمع بين الزراعة والرعي، وترتبط بروابط قبلية مشتركة.

ومن ثم، يمكن النظر إلى بعض أشكال الغزو البدوي لا بوصفها ظاهرة منفصلة ومعادية للحياة الفلاحية، بل باعتبارها أحد أوجه النشاط الاقتصادي الفلاحي في ظروف الشدة وربما السخط. غير أن الروابط القبلية، رغم أنها لا تفصل بالضرورة بين البدوي والفلاح، قد تعيق في الوقت ذاته نشوء تضامن أوسع قائم على الجغرافيا أو الطبقة، نظرًا لتكريسها هياكل هرمية عمودية، وتشجيعها العنف بين القبائل، وهو ما كان غالبًا قاتلا لأي تمرد مستدام.

وهكذا، شكلت اللصوصية جزءا من استراتيجيات البقاء لدى الفلاحين والرعاة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. غير أن هذا لا يعني بالضرورة وجود عصابات الصوص دائمة. ففي كثير من المجتمعات الريفية، لم تكن اللصوصية نمط حياة دائما يستلزم قطيعة نهائية مع الأصول الفلاحية أو الرعوية، بل كانت نشاطا مؤقتًا يلجأ إليه في أوقات الشدة ويُترك بزوالها، أو نشاطا موسميًا أو جزئيًا يُمارس لتعويض ضعف عوائد العمل الزراعي أو الرعوي.

وقد تكون اللصوصية أيضًا استراتيجية للفئات المهمشة والمقصاة اجتماعيًا، أولئك الذين لا يملكون ما يخسرونه. ويقدم المغرب في القرن التاسع عشر أمثلة عديدة على عبيد فارين تحولوا إلى قطاع طرق. فقد كون العبد الهارب بلال على سبيل المثال، عصابة مارست نهب المسافرين، متنقلا من أراضي قبيلة إلى أخرى كلما شعر بالتهديد، واستمرت مسيرته نحو عشر سنوات.

ونشط عبيد آخرون في شمال المغرب وجنوبه، وغالبا ما ارتبطوا بأشخاص أحرار. وعادةً ما أصبح هؤلاء العبيد لصوصا بعد انقطاع مسارهم في العبودية؛ فكثيرا ما كانوا حراسا شخصيين أو متمرسين في استخدام السلاح، فانطلقوا في نشاطهم المستقل حين سنحت الفرصة.

وتبرز هنا شخصية أخرى أقرب إلى الخارج على القانون منها إلى اللص الفلاحي أو البدوي، وهي شخصية الجندي الفار من الخدمة العسكرية. فقد شكل الجنود المسرحون عبر التاريخ مصدرا دائما لتغذية اللصوصية، إذ يمتلكون المعرفة العسكرية والتدريب، وأحيانًا السلاح. فقد أدى التسريح السريع والفوضوي في الدولة العثمانية خلال القرن السابع عشر إلى موجات من الجلاليين، في حين أسفر فرض التجنيد الحديث في القرنين التاسع عشر والعشرين عن أعداد كبيرة من الفارين من الخدمة، ولا سيما المنشقين عنها.

وكانت دوافع هؤلاء متنوعة: معارضة سياسية، خصومات شخصية، الرغبة في تفادي الخدمة العسكرية، أو الحاجة إلى العودة إلى الديار لأسباب عائلية أو حتى للمساعدة في الحصاد. وبمجرد خروجهم عن القانون، كان هؤلاء الفارون غالبا ما ينضمون إلى عصابات مدنية من اللصوص. وبحلول عشرينيات القرن العشرين، في بلدان مثل إيران وتركيا حيث عُدت الخدمة العسكرية ركيزة من ركائز الدولة الجديدة، أصبح الجندي الفار تهديدا حقيقيا للأمن الريفي.

(8) (الحداثة، الطرق الدولة، والتهريب بوصفه مقاومة غير رسمية)

يفترض غالبًا أن اللصوصية في المشرق العربي وشمال أفريقيا ، شأنها شأن الجريمة عمومًا، كانت ظاهرة متجذرة وثابتة لا تتغير، وأن القضاء النهائي عليها كان نتيجة طبيعية لمسار التحديث عموما، ولا سيما نجاح الدولة في إنشاء أجهزة شرطة ريفية أو قوات درك فعالة.

غير أن السؤال المطروح هو ما إذا كان بالإمكان على العكس من ذلك، رصد موجات أو «أوبئة» من اللصوصية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعكس اضطراب مجتمع بأكمله وصعود طبقات وبنى اجتماعية جديدة، ومقاومة مجتمعات أو شعوب كاملة لتدمير أنماط حياتها؟.

ترتبط زيادة معدلات اللصوصية عادة، وبشكل مفهوم بازدياد الإفقار الريفي والتهميش خلال فترات الأزمات الاقتصادية بوصفها إحدى استراتيجيات البقاء. غير أن وفرة المصادر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لا تشير فقط إلى ارتفاع في معدلات اللصوصية، بل توحي أيضًا بأن هذا الارتفاع كان نتيجة مباشرة للتغيّر السياسي والاقتصادي المتسارع - الذي يُشار إليه غالبًا باسم «التحديث» - وأنه شكل في الوقت نفسه شكلا من أشكال المقاومة لهذا التغير. وشمل ذلك المركزية السياسية، وتطور الرأسمالية، وتغلغلها في الأرياف.

لقد توفرت في الشرق الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الشرطان اللذان عُدًا ضروريين لظهور اللصوصية الاجتماعية:

1- صراع طبقي يولد تضامنا جماعيا في الريف.

2- غياب آليات مؤسسية - مثل الأحزاب السياسية أو النقابات الفلاحية - للتعبير عن هذا الصراع وإدارته.

فقد أدى التسويق السريع للزراعة مع اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي، وتجريم الحقوق العرفية للفلاحين في الأرض وللرعاة في المراعي، إلى نزع الملكية والإفقار في الريف، وتضافر ذلك مع أنظمة سياسية سلطوية، سواء كانت استعمارية أو مستقلة، ليحرم الفقراء الريفيين من بدائل واقعية عن اللجوء إلى اللاشرعية.

ويتجلى الارتباط بين التحديث واللصوصية بوضوح في حالة بناء الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر. فقد كان برنامج شق الطرق، على سبيل المثال، يهدف إلى تعزيز الأمن، وتنشيط التجارة، وربط أطراف الدولة بعضها ببعض. غير أن هذه الطرق الجديدة لم تكن مجرد أداة لسطوة الدولة، بل وفرت أيضًا فضاء وفرصا للطعن في هذه السلطة. فكما كانت الطرق نتاجا للتحديث العثماني، كان اللصوص الذين انتشروا عليها نتاجا له أيضًا.

وضم هؤلاء اللصوص طيفا واسعًا من الفارين من مؤسسات الدولة الجديدة وسياساتها بدوا يهربون من التوطين القسري وفلاحين أبعدوا عن أراضيهم بفعل انتشار الملكية الخاصة وأفقروا نتيجة تسويق الزراعة، ودركا مارقين، وجنودًا فارين من الجيش، ومتهربين من التجنيد.

وفي مصر كذلك، يبدو أن ارتفاع معدلات اللصوصية كان نتيجة تغيرات مماثلة أطلقتها الدولة الخديوية، تمثلت في انهيار اقتصاد الكفاف القديم، واستبداله بإنتاج محاصيل نقدية للتصدير، وتفاقم المديونية الريفية، وتزايد قبضة الدولة بمطالبها بالخدمة العسكرية والسخرة.

ويمكن رصد روابط عضوية بين المقاومة الفلاحية واللصوصية في الجمهورية التركية الناشئة، كما يتضح في مستويات العنف المنخفضة ولكن المستمرة التي سادت الأرياف خلال فترة ما بين الحربين. فقد مثل هذا العنف الملاذ الأخير للفلاحين في مواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات الدولة واتخذ شكل اعتداءات فردية على جباة الضرائب، والدرك ومخاتير القرى والمرابين وانتهاك حقوق الملكية الخاصة لملاك الأراضي والشركات الاحتكارية.

وشهدت إيران في الفترة نفسها إدخال سياسات مشابهة أفضت إلى نتائج مماثلة. فقد بدأ الهجوم المنهجي على نمط حياة الفقراء الريفيين في القرن التاسع عشر مع إدماج إيران في الاقتصاد العالمي وتعميق العلاقات الرأسمالية في الريف.

وفي عام 1927، أطلقت الملكية الإيرانية الموحدة حديثا برنامجا متسارعا من التشريعات الجذرية غير المسبوقة، شمل فرض التجنيد، وسن قوانين للأراضي أدت إلى فقدان حقوق الزراعة والرعي العرفية، وتشريعات للباس هدفت إلى القضاء على الثقافة القبلية، وسياسات لتوطين البدو، واحتكارات الإنتاج الأفيون والتبغ. وكان لهذه الإجراءات أثر فوري ومدمر على السكان الريفيين من فلاحين ورعاة على السواء.

وقد جاءت النتائج مطابقة تمامًا لما وصفه غوها في سياق الهند بوصفه اعتداءات تمهيدية» تسبق التمرد موجات متتالية من العنف الريفي بدأت في منتصف عشرينيات القرن العشرين بارتفاع معدلات الانفلات والسرقة، وبلغت ذروتها عام 1929 باندلاع انتفاضات فلاحية وبدوية في أنحاء البلاد، بلغت من الشدة حد تهديد بقاء النظام نفسه. وبعد قمع هذه الانتفاضات، عادت الأرياف إلى حالة من الانفلات واللصوصية واستمر انعدام الأمن الخطير لعدة سنوات.

وكانت في صميم هذا العنف تمردات للقبائل البدوية التي ظلت مسلحة وقادرة على الحركة، ترافقت مع سخط فلاحي واسع، إذ كان كثير من الفلاحين في الأصل رعاة جرى توطينهم حديثا ولديهم روابط قبلية مع البدو.

كما شكلت اللصوصية واسعة النطاق عنصرا أساسيا في هذه الانتفاضات، نفذتها مجموعات ذات صلات قبلية. ولم يكن من الممكن التمييز بين أفعال المتمردين القبليين وعصابات اللصوص، بل ولم يكن من الممكن التمييز بين المجموعتين نفسيهما، غير أن الطرفين أظهرا أحيانًا حساسية لافتة تجاه قاعدتهما الاجتماعية الأوسع، على نحو يذكر بسمات «اللص الاجتماعي».

9. (التهريب الاحتكارات، والاقتصاد غير الرسمي بوصفه مقاومة)

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم يؤد مسار التحديث إلى تحفيز اللصوصية فحسب، بل أسفر أيضًا عن أنماط حديثة من الجريمة، وأنتج أشكالا جديدة من التحايل والمقاومة لدى الفئات الدنيا. فمع ترسيخ الدول سيطرتها على الأقاليم الوطنية، وفرضها قيودًا وضرائب على حركة السلع والأشخاص، وإنشائها حدودًا يُفترض - قانونيا ونظريا - أنها غير قابلة للاختراق اندلع التهريب على نطاق واسع.

وفي مختلف أنحاء المشرق العربي وشمال أفريقيا، كما في أماكن أخرى، ارتبط التهريب باللصوصية ارتباطا وثيقا، إذ مارس اللصوص التهريب، وشارك المهربون في أعمال اللصوصية. وكان كلا النشاطين، ولا سيما التهريب مرتبطين مباشرة بسياسات الدولة. فحيثما فرضت قيود، ولا سيما حين عُدت هذه القيود غير مشروعة، ابتكر الأفراد والمجتمعات بأكملها وسائل للالتفاف عليها.

وقد شكل التهريب، شأنه شأن اللصوصية، وسيلة للبقاء في أوقات الشدة، وفرصة اقتصادية، وشكلا من أشكال مقاومة السلطة. ويُظهر الصراع الذي اندلع في أواخر الدولة العثمانية بين شركة تبغ فرنسية حصلت على امتياز احتكاري جديد، وبين المزارعين المحليين المدعومين بشبكات تهريب توافر هذه الدوافع الثلاثة معا.

فبالنسبة لشبكات التهريب الاحترافية والمنظمة جيدا، مثلت محاولات الشركة السيطرة على إنتاج التبغ وبيعه فرصة لتحقيق ثروات طائلة، إذ كان يُهرّب ما يقرب من نصف محصول التبغ خارج نطاق الاحتكار.

أما بالنسبة للفلاحين المنتجين، فقد أصبح التهريب وسيلة لتعويض تراجع دخلهم الناتج عن عمل الاحتكار، كما أتاح لهم بيع محاصيلهم للمهربين التهرب من الضرائب الحكومية، ومن تسليم حصة المالك في حال كانوا مزارعين بالمشاركة.

ولم يكن المنتجون وحدهم متواطئين مع التهريب، بل شمل التواطؤ المستهلكين أيضًا، الذين كانوا يشترون التبغ من المهربين الذين يطوفون القرى من بيت إلى بيت. بل إن بعض ممثلي الدولة العثمانية أنفسهم - من موظفين ودرك - كانوا يتغاضون عن التهريب أو يشاركون فيه.

وبالنسبة للفلاحين، كان التهريب استراتيجية بقاء ومقاومة في آن واحد، غير أن نجاحه كان مشروطًا بانغراسه في بيئة اجتماعية متعاطفة ترى فيه نشاطًا مشروعًا، بل و «خيرا اجتماعيًا» بقدر ما كان يعيق عمل الشركة الاحتكارية ويقوضه.

وكان التهريب وسيلة خفية لكنها فعالة لإضعاف الاحتكار وجزءا من صراع أوسع ضده جمع بين أشكال احتجاج معترف بها - مثل التظاهرات ورفع العرائض - وبين تحد عنيف تمثل في أعمال شغب ورشق مكاتب الشركة بالحجارة، والاعتداء على قواتها.

وكان الصراع بين الشركة والمهربين مريرًا وعنيفا، إذ تشير تقارير إلى سقوط آلاف القتلى سنويًا خلال سنواته الأولى. ومع ذلك، ورغم أن هذه المقاومة أرهقت عمل الاحتكار على الأرض، فإنها لم تقدم تحديًا شاملا لاستمراره، إذ ظلت مبعثرة ومحصورة في الأرياف والبلدات الصغيرة، واتسمت بطابع دوني شبه كامل ولم تحظ بدعم نخبوي مستمر.

وعلى النقيض من ذلك، تكشف المقارنة مع إيران المجاورة حدود هذه المقاومة؛ ففي إيران، نجحت حركة حضرية واسعة قادها تحالف قوي من العلماء والتجار والمثقفين الإصلاحيين في إلغاء احتكار تبغ مماثل.

أما في الدولة العثمانية، فقد اضطر الاحتكار في نهاية المطاف إلى التعايش مع التهريب، كما تعلمت الدولة التعايش مع الاحتكار.

واستمر هذا الوضع حتى جرى تأميم الشركة في عهد الجمهورية التركية، التي أخرجت السيطرة الأجنبية لكنها أبقت على الاحتكار في إطار سياساتها الاقتصادية الدولتية، فيما استمر التهريب.

وبوجه عام، لم يكن التهريب - كغيره من أشكال اللصوصية -سهل القمع. فالعقوبات القانونية قد تكون صارمة، لكن تطبيقها كان يتوقف على القبض على الجناة، وهو أمر بالغ الصعوبة. وبما أن إثبات التهم، بل وحتى العثور على المتهمين أنفسهم، كان غالبًا مستحيلا، لجأت السلطات إلى العقاب الجماعي، فحملت القرى المجاورة مسؤولية الجرائم، وجعلت من الفلاحين أكباش فداء جاهزين.

وفيما قد يجادل الباحثون لاحقا حول طبيعة العلاقة بين اللصوص والفلاحين، لم يكن لدى السلطات العثمانية شك في وجود روابط دعم متبادلة بينهم. وقد شاعت العقوبات الجماعية كذلك في إيران، ولا سيما ضد البدو، حيث أجيز نهب الخيام رسميًا، وهو ما كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى توليد مزيد من اللصوصية لدى مجتمعات قبلية أفقرت وسحقت وأصبحت عطشي للثأر.

10. (اللصوصية والتهريب في البحر القرصنة والمجتمعات الساحلية)

كما في البر، كان من الممكن أن تُمارس اللصوصية والتهريب في البحر، وقد افترضت السلطات المعاصرة وجود روابط وثيقة وودية بين المجتمعات الساحلية المحلية وبين لصوص البحر أو القراصنة.

فقد كان القرويون يزودون القراصنة الذين كانوا يجوبون السواحل ويراقبون الموانئ من بعيد ويختبئون في الخلجان والمرافئ الصغيرة، بالمعلومات عن السفن القادمة، إضافة إلى الطعام والمأوى. ويقدم أحد الأمثلة من أوائل القرن الثامن عشر صورة واضحة عن ذلك، حين قضت محكمة عثمانية بإلزام قرويين على الساحل الإيجي بتعويض مالك شحنة تبغ نهبت على يد قراصنة، بعد ثبوت أن أحد القرويين قد نقل معلومات عن الشحنة إليهم. ولأن القراصنة أنفسهم، وكذلك القروي الذي سرب المعلومات، قد أفلتوا من العقاب، فقد تحمل بقية القرويين الثمن.

وكما في حالة اللصوصية البرية، اتخذ الاهتمام الأكاديمي والشعبي باللصوصية البحرية، ولا سيما في البحر المتوسط منظورا نخبويا في الغالب. فعن القراصنة البربر في غرب المتوسط بين القرنين السادس عشر وبدايات التاسع عشر نعرف الكثير عن دورهم في العلاقات بين الدول، وفي الحروب البحرية، وعن الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية والقانونية لأنشطتهم، وعن موقعهم في تجارة الرقيق، والعلاقات الإسلامية - المسيحية، كما تُرى من خلال فدية الأسرى.

غير أننا نعرف القليل جدًا عن القراصنة أنفسهم أو عن أفراد طواقمهم، في تباين صارخ مع معرفتنا الواسعة بما يُسمى «العصر الذهبي» للقرصنة في المحيط الأطلسي في أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر، حيث تتوافر دراسات عن حياة القراصنة الأفراد وعن القرصنة بوصفها استجابة جماعية لقسوة الحياة البحرية.

ومع ذلك، يمكن مقاربة القرصنة في غرب المتوسط، الإسلامية والمسيحية على السواء، من منظور دوني، يتتبع ليس فقط أدوارها الاقتصادية والسياسية الكبرى، بل أيضًا خلفيات القراصنة ودوافعهم وطبيعة أنشطتهم. فمن وجهة نظر مجتمعاتهم، يبدو القراصنة البربر قريبين جدا من نموذج «المنتقم» عند هو بسباوم. بل إن مصطلح «قرصان» في العربية يميز بوضوح بين هذا النمط من المقاتلين البحريين وبين «سارق البحر العادي.

وكان القراصنة البربر نظراء بحريين للصوص الموريسكيين في أندلس القرن السادس عشر. ففي مطلع القرن السابع عشر، بدأت إسبانيا في طرد جماعي للموريسكيين، وهم المسلمون الإسبان الذين اعتنقوا المسيحية بعد سقوط الأندلس لكنهم ظلوا موضع ريبة. وقد بلغ عدد الذين نقلوا بالسفن وتركوا على سواحل شمال أفريقيا ما لا يقل عن نصف مليون شخص، وربما أكثر. واستقر مئات الآلاف من هؤلاء حيث أجبروا على النزول من السفن الإسبانية، في مدن ساحلية شمال أفريقية.

وقد كرس هؤلاء الموريسكيون المشردون والمجردون من ممتلكاتهم أنفسهم لمهاجمة من كانوا مواطنيهم سابقا، مطلقين ما عرف في المصادر العربية بـ«الجهاد البحري»، حيث وصف القراصنة بأنهم مجاهدون

وقد تكونت «جمهورية القراصنة» في ميناء سلا أساسا من موريسكيين مطرودين، أصبح بعضهم شخصيات مشهورة. ووجد هؤلاء القراصنة تمثيلا لهم في الأدب النخبوي السجالي والتراجمي، كما وجدوا مكانهم في الشعر والأغاني الشعبية، حيث اكتسبوا سمات «المنتقم» الذي يخلد الظلم ويمنح الأمل بالثأر.

وهكذا، يمكن ربط ظاهرة القراصنة البربر، التي أرعبت أوروبا في بدايات العصر الحديث، مباشرة بالكوارث التي حلت بالموريسكيين الإسبان، وباستراتيجياتهم الفردية والجماعية في الانتقام والتعويض وبوجه عام، لم تكن موجات القرصنة الكبرى، شأنها شأن اللصوصية، أخطارًا دائمة وعشوائية، بل كانت تنشأ نتيجة التفكك الاجتماعي والصراع العسكري.

فكما أفرزت التعبئة العسكرية في القرن السابع عشر الجلاليين وأنتج التجنيد الإجباري في القرن العشرين موجات من الفارين كذلك تكاثرت القرصنة في أزمنة الصراع البحري الواسع، ولا سيما بعد انتهائه.

ففي شرق المتوسط، مثلا، شهدت عشرينيات القرن التاسع عشر انفجارًا في القرصنة اليونانية ارتبط بحرب الاستقلال اليونانية. ويمكن النظر إلى هؤلاء القراصنة اليونانيين بوصفهم نظراء بحريين للكليفت في البر، وقد جرى تمجيدهم تبعا لذلك سواء في الخطاب القومي اليوناني أو في المشاعر الفيلهيلينية في أوروبا الغربية.

(11) القرصنة الشرعية وغير الشرعية والاقتصاد البحري والساحلي

كانت القرصنة، مثل بعض أشكال اللصوصية البرية، عنصرًا متكاملا في الاقتصادات المحلية والإقليمية في البحر المتوسط قبل العصر الحديث، سواء في المجتمعات المسيحية أم الإسلامية، حيث اقترنت الفائدة المادية بالتبرير الديني. وقد جرى التمييز - على الأقل نظريا - بين «القرصنة الشرعية» و «القرصنة المحضة من خلال اشتراط أن تُمارس الأولى تحت رعاية سلطة معترف بها، يكون لها حق مشروع في نصيب من الغنائم.

غير أن الممارسة الفعلية للقرصنة الشرعية لم تكن تختلف كثيرًا عن القرصنة الصرفة، إذ لم يكن الفارق سوى امتلاك القراصنة رعاية شكلية من حاكم معترف به. ولهذا كان من السهل للغاية بل من شبه المحتوم في أوقات الشدة، أن يتحول القراصنة الشرعيون إلى قراصنة خارجين عن القانون.

ويقدم البحارة المالطيون مثالا واضحًا على ذلك، إذ راكموا خبرة تمتد قرونا تحت رعاية فرسان مالطا. ورغم أن أنشطتهم كانت من الناحية النظرية محصورة في أعداء المسيحية التقليديين فإنهم كانوا كثيرًا ما يغضون الطرف عن "الشروط الدقيقة"

لتراخيصهم حين يقل الصيد المشروع، فيها جمون سفنا صديقة ومعادية على حد سواء، وهو ما كان يحوّلهم قانونيا إلى قراصنة يواجهون عقوبة الإعدام.

وعندما ألغيت القرصنة قانونيًا في أواخر القرن الثامن عشر، وجدت هذه المجتمعات الساحلية نفسها محرومة من وسائل العيش التي كانت تُعدّ مشروعة في السابق. وقد امتثل كثيرون للحظر الجديد، فتوقفوا عن القرصنة، في حين لجأ آخرون إلى أشكال أخرى من الجريمة البحرية، ولا سيما التهريب، وهاجر بعضهم إلى شمال أفريقيا حاملين معهم خبراتهم، بينما واصل آخرون أنشطتهم كما كانت، وقد غدت الآن إجرامية خالصة.

ويمكن العثور على روايات عديدة عن أنشطتهم واعتقالهم ومصائرهم في أرشيفات محكمة الأميرالية التي أنشأها البريطانيون في مالطا.

ارتبطت اللصوصية البحرية أو القرصنة ارتباطا وثيقا بالتهريب وكانت كلتاهما متجذرتين في مياه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقدر ما كانت السرقة متجذرة في البر. وكما أن الرعي البدوي كان ينزلق بسهولة إلى اللصوصية، فإن الأنشطة الاقتصادية للمجتمعات الساحلية - من صيد الأسماك والملاحة - كانت تنزلق بدورها، وبصورة شبه غير محسوسة، إلى اللاشرعية، أي إلى التهريب والقرصنة.

وغالبًا ما كانت القرصنة في البحر المتوسط محدودة النطاق تتكون طواقمها من صيادين عاديين أو بحارة محليين وتستخدم قوارب صغيرة تعمل بالمجاديف، وهو ما يجعل صورتها بعيدة كل البعد عن تخيلات السفن الضخمة المسلحة بالمدافع الشائعة في المخيال الشعبي المرتبط بقرصنة البحر الكاريبي.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إليها أيضًا باعتبارها متصلة باستراتيجيات بقاء فلاحية وبحرية في آن واحد. وتبدو مدن الساحل في شمال أفريقيا، التي كانت قد أدت أدوارًا في اقتصادات القرصنة السابقة، مهيأة على نحو خاص للتكيف مع التهريب البحري.

وتتيح لنا اللصوصية البحرية والتهريب في شرق المتوسط لمحة عن القراصنة والمهربين أنفسهم. فإلى حد ما، قدمت حياة الخارجين عن القانون تحديًا كامنًا للتسلسلات الهرمية القائمة. وتشير القلة التي نعرفها عن التركيب الدقيق لعصابات اللصوص البريين أو أطقم القراصنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى سيولة في الحدود الاجتماعية والدينية والإثنية، وهي حدود تصور رسميًا بوصفها صارمة وغير قابلة للاختراق.

وقد يعكس ذلك لا مبالاة الفئات الدنيا بهذه الحدود أو تحديا مقصودًا لها، أو قد يكون دليلا على عدم إكتراث طبقي سائد تجاهها.

وقد لاحظ بعض الباحثين الطابع الديني والإثني المختلط بشكل لافت العصابات الجريمة الحضرية في إسطنبول في القرن السابع عشر، وكذلك لأطقم القراصنة المتعددة اللغات والأديان. فمع أن الموريسكيين الأندلسيين كانوا قوة مهيمنة في القرصنة البربرية، فإن الطاقم الواحد قد يضم مسلمين إسبانا ومغاربة إضافة إلى مرتدين ومسيحيين من اليونان وروسيا وفرنسا وهولندا وغيرها. لقد كانت بالفعل أطقما خليطة.

ويبدو أن القرصنة كانت توفّر ، أو على الأقل تعد بإمكانية، تحول سريع في مصير الفرد، بل بنوع من الحراك الاجتماعي. وتروي إحدى الروايات العثمانية النادرة في الأدب الشعبي من أواخر القرن السابع عشر قصة عبد يتحوّل إلى قائد قراصنة، في سرد يعكس هذه الإمكانية المتخيلة للارتقاء الاجتماعي عبر حياة الخارجين عن القانون

(12) الأساطير الشعبية، الوعي الدوني، واللص البطل

إن ما نعرفه عن اللصوص البريين والبحريين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سواء في العصور ما قبل الحديثة أو حتى في الفترات الحديثة نسبيًا، يستند إلى فئتين متناقضتين من المصادر. فمن جهة، هناك التقارير الرسمية، وسجلات المحاكم، والصحافة التي لم تكن مستقلة في الغالب وكانت دائما نخبوية التوجه.

ومن جهة أخرى، هناك الحكايات الشعبية، والقصائد والأغاني. تؤكد الفئة الأولى، بلا استثناء تقريبا، على العنف الفوضوي للصوص وتهديدهم للحياة والممتلكات، ولا سيما ممتلكات الأغنياء، وإن كانت معاناة الفلاحين تستدعى أحيانًا لدعم هذا التصوير.

أما الفئة الثانية، فتتوافق إلى حد كبير مع نظيراتها الثقافية في مناطق أخرى من العالم، إذ تسعى إلى فهم ظاهرة اللصوصية من وجهة نظر أولئك الذين كانوا على خلاف مع النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم، فتحوّل اللص أحيانًا إلى بطل مغامر يهزم السلطات رغم اختلال موازين القوة، وأحيانا أخرى إلى منتقم للظلم.

وقد انصب اهتمام كبير على محاولة تفسير هذه السرديات المتناقضة والتوفيق بينها، أي على البحث عن «الحقيقة» بشأن أنشطة اللصوص.

غير أن النظر إليها بوصفها تعبيرًا عن رؤيتين عالميتين متعارضتين جذريا - رؤية أولئك الذين استفادوا من الوضع القائم، ورؤية أولئك الذين لم يستفيدوا منه - قد يكون أكثر جدوى. فبدلا من السعي إلى التوفيق بينها، يمكن تفكيك هذه السرديات لاستخلاص تصوّرات الفئات الدنيا عن اللصوص وربما - وهو الأهم - تصوراتهم عن السلطات، التي كانت العدو المشترك لهم وللصوص على السواء.

إلى أي حد تتيح لنا الثقافة الشعبية في الشرق الأوسط النفاذ فعلا إلى العالم النفسي للفئات الدنيا ؟ على الرغم من إعادة اختراع شخصيات اللصوص على يد قوميين في البلقان أو ماركسيين أتراك، يبدو أن كثيرًا من أساطير اللصوص في الشرق الأوسط كانت ذات أصول شعبية حقيقية.

فقد نشأت الحكايات الشعبية وتبلورت ضمن تقليد شفهي وانتشرت عبر رواة محترفين كانوا يتمتعون بحرية الارتجال ما أتاح لهم تشكيل رواياتهم استجابة لتوقعات جمهورهم. وعلى نحو أعم، فإن المواقف الشعبية من السلطة والشرعية، ومن العدالة والمقاومة، كانت حاسمة في تشكيل الكيفية التي بنيت بها سرديات اللصوص وأدرجت في الخطاب الشعبي.

وغالبا ما تضمنت الحكايات الشعبية عنصرًا بدائيا من الوعي الطبقي، إذ تقابل بين ملك تافه وغبي، وفقير يسعى إلى العدالة والسعادة الحقيقية، لتنتهي القصة بانتصار الأخير. كما يمكن العثور على إشارات إلى تقويض دوني لمفاهيم النخب حول الجريمة والإجرام في الحكايات العثمانية، حيث تكثر الجرائم دون أن تقابل بإدانة تذكر.

وكان اللصوص الذين أعدموا ينالون أحيانًا إعجاب فقراء إسطنبول بسبب رجولتهم وشهامتهم»، كما يبدو أن هناك تعاطفا شعبيا مع السجناء، وقد شكلت الهجمات على السجون سمة متكررة في انتفاضات المدينة.

ويمكن تتبع كثير من الصفات المحمودة التي منحتها الأساطير الشعبية للبطل اللص إلى توافق ثقافي شعبي أوسع، عززته جاذبية الأدب البيكارسكي وشيفرات محلية للشرف والرجولة.

ويظهر هذا المزيج بوضوح في السياق الحضري من خلال ظواهر مثل «القبضايات في المدن العثمانية، و«اللوتية» في إيران، و «البلطجية» في مصر. فقد شكلت هذه العصابات المنظمة من شبان أميين منحدرين من أوساط حضرية فقيرة عنصرا مهما في مدن الشرق الأوسط قبل الحداثة.

وتذكر أنشطتهم الفعلية، وكذلك المواقف تجاههم، بسردية اللص الاجتماعي. فقد كانت القوة الجسدية والشجاعة و «الرجولة» عناصر جوهرية في هوية أفراد هذه العصابات، إلى جانب الشرف والاستعداد للدفاع عنه بالعنف، سواء دفاعا عن النفس أو عن الحي أو أحيانًا عن المظلومين» بصورة عامة.

وكان الالتزام بمدونة فروسية أمرًا مهما ، كما جرى التشديد على حماية النساء والأطفال. وتنوعت المواقف تجاه هذه العصابات كما تنوعت المواقف تجاه اللصوص؛ فالوصف النخبوي ركز على سرقاتهم وبطالتهم وإثارتهم للاضطرابات، في حين يبدو أن صورتهم الذاتية قد لقيت قبولا نسبيًا لدى الفقراء الحضريين الذين خرجوا من صفوفهم، رغم احتفاظهم بمكانة هامشية أو منحرفة أحيانًا.

وعلى الرغم من ادعائهم تمثيل سكان أحيائهم، فقد أقامت كثير من هذه العصابات علاقات فعلية مع أعيان محليين، ولا سيما مع شخصيات دينية، قدموا لهم القوة في صراعات مع أحياء أخرى أو مع أعيان منافسين أو مع الحكومة. ولم تكن لهذه العصابات بالضرورة ميول سياسية محدّدة؛ فقد وجد «اللوتية» على جانبي الصراع خلال الثورة الدستورية الإيرانية.

غير أن القرن العشرين شهد ازديادًا في وضوح الروابط بين هذه العصابات وتيارات سياسية ذات طابع رجعي نسبيا، واتساع الفجوة بين أساطيرها الشعبية والأدوار التي أدتها فعليا، بما يعيد إلى الأذهان تشابهها مع نموذج المافيا الذي وصفه بلوك.

وتقرأ السير القليلة للصوص التي ظهرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن سياق هذه النصوص الثقافية السابقة. ومن أقدم شخصيات اللصوص الأبطال التي يُرجح وجودها التاريخي في مواقع متفرقة من حواضر الدولة العثمانية هي شخصية كورأوغلو العثمانية في القرن السادس عشر.

وتجعل السجلات العثمانية من الصعب التمييز بين لصوصيته الاجتماعية وسرقته المباشرة، غير أنه يبدو أنه إما مارس بالفعل أو اكتسب سريعًا سمعة، مهاجمة المسؤولين الذين اعتبروا مضطهدين للفقراء. وخلال جيل واحد، أصبح كور أوغلو موضوعا مفضلا لرواية القصص، وتحول من مخادع خشن إلى منتقم من الطغيان، وجرى تخليده في الشعر بوصفه «سيف الشعب»، وقيل إنه دعا الفلاحين إلى حمل السلاح في سبيل العدالة.

وتتيح لنا فترات أحدث رسم ملامح بعض شخصيات اللصوص بدرجة أوضح. فقد وفر الوجود الاستعماري الفرنسي في شمال أفريقيا، شأنه شأن السيطرة الأجنبية في أماكن أخرى، تربة خصبة لظهور أساطير اللصوص الاجتماعيين، حيث كانت للسلطات الاستعمارية وللسكان المحليين مصلحة متبادلة في إنتاج هذه السرديات فالسلطة وصفت المقاومة باللصوصية بينما استوعب الرأي الشعبي اللصوصية بوصفها مقاومة.

وقد اجتاحت موجة من اللصوصية - أو على الأقل من العنف الريف الجزائري عقب انتفاضة منطقة القبائل عام 1871 وقمعها، ثم تجددت في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، وأفرزت قصة محمد عبدون الشهيرة.

فقد اتهم هذا الرجل ظلمًا بالقتل، وسجن في جزيرة الشيطان، ثم هرب وعاد بعد سلسلة من المغامرات لينتقم.

وليس من الواضح ما إذا كان السكان المحليون قد دعموا عبدون أو خافوه، كما يصعب الفصل بين سرقاته وتمرده، غير أن أنشطته أسهمت في انتشار موقف من عدم التعاون مع السلطات الفرنسية، تمثل في رفض دفع الضرائب أو تولي مناصب شيوخ القرى المعينين من قبل الاستعمار أو الانضمام إلى الشرطة. وقد رأت السلطات الفرنسية في ذلك بوادر تمرد وردت عليه وفقا لذلك.

وقد أنتجت منطقة مجاورة في الجزائر شخصية «لص الشرف» الأشهر مسعود بن زلماط، الذي نشط في جبال الأوراس بين عامي 1917 و 1921 بدأت القصة عام 1915 حين وشي بعلي بن زلماط، وهو راع ، بتهمة السرقة، فحكم عليه بالسجن، ثم هرب وعاد ليقتل الواشي قبل أن يلوذ بالغابة. وانضم إلى مجموعة من الجنود الفارين، واتخذوا من الجبال مقرا لهم.

وبعد مقتل علي على يد القوات الحكومية، تولى أخوه مسعود قيادة العصابة وتعهد بالثأر له ، ونفّذ مع رجاله سلسلة من عمليات السلب والقتل.

جرت هذه الأحداث في سياق توتر محلي شديد؛ فقد كانت الحرب العالمية الأولى غير شعبية، وكان التجنيد في الجيش الفرنسي مكروها بشدة، وهو ما أضفى على أنشطة مسعود بن زلماط مسحة سياسية ودعمًا محليًا حقيقيًا، بل وإعجابًا. ووفقًا لتقارير الدرك الفرنسي، كان اللصوص يعتمدون على السكان المحليين في توفير الطعام والذخيرة والمأوى والمعلومات. وفي نهاية المطاف خان رعاة محليون مسعود، وقتل عام 1921 على يد جنود جزائريين أمازيغ في الجيش الفرنسي.

استندت سمعة مسعود بن زلماط إلى مصدرين محليين الأغاني التي كانت تنشدها النساء، وذكريات أوروبي هامشي إلى حد ما كان صديقا له. وقد صاغت هذه المواد صورة لص الشرف» الذي يسعى إلى حماية «البسطاء» من الأعيان المستغلين.

وأسهمت الأغاني الشعبية، باستخدام صور شعر الغزل، في تمجيد شجاعته ونبله وكرمه وحمايته للفقراء وازدرائه للمال وندبت مقتله عبر الخيانة، مدمجة إياه في تقاليد فولكلورية مشتركة على نطاق واسع.

ومع ذلك، ظل مسعود بن زلماط شخصية ذات أسطورة محلية ولم يدمج في السردية القومية الجزائرية. فشخصيات «زاباتا» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نادرة. غير أن إيران تقدم مثالاً واحدًا على الأقل لشخصية لص تحوّلت إلى ثوري وما تزال تحتل مكانة بارزة في الذاكرة الجماعية للنضال من أجل العدالة.

فقد كان ستار خان لصا سابقًا وعضوا في جماعات اللوتية، قبل أن يصبح مقاتلا بارزا في الثورة الدستورية الإيرانية في مطلع القرن العشرين. ولا تزال سمعته حية إلى اليوم، وقد غذاها مثقفون شعبويون مجدوا أفعاله، في مقابل مؤرخين نخبويين في العهد البهلوي اعتبروه مجرد لص.

ولد ستار خان عام 1868 ، وقضى شبابه متنقلا بين السجن وأعمال اللصوصية، متبعًا مسار شقيقه الأكبر الذي أعدم، كما خدم لفترة في الدرك المحلى. غير أن السير المتعاطفة معه أعادت صياغة هذه المرحلة من حياته لتناسب صورة اللوتي بوصفه مدافعا عن المظلومين. وقد أتاحت له الثورة الدستورية، ولا سيما الحرب الأهلية بين عامي 1908 و 1909 التي تمركزت في مسقط رأسه تبريز، أن يصبح شخصية وطنية بل وشخصية معترفا بها دوليًا بوصفه قائدًا بارزا في صفوف الدستوريين.

ويمثل ستار خان أحد أقدم أمثلة أبطال الأساطير عبر التصوير الفوتوغرافي في الشرق الأوسط، إذ انتشرت صوره على نطاق واسع في الصحافة وعلى شكل بطاقات بريدية، وهو متشحبأحزمة الذخيرة، في هيئة البطل اللص النموذجي.

وربما لم يكن على دراية عميقة بالأهداف السياسية الوطنية للحركة الدستورية، وربما كان مدفوعا أيضًا بالرغبة في الانتقام لمقتل شقيقه، غير أن دوره الجديد كان مشروطا بخلفيته اللوتية خبرته في السلاح، وحرصه على سمعته في الشجاعة والرجولة، ومكانته بوصفه حاميًا لحيه ، جعلته قائد ميليشيا طبيعيا، وسرعان ما نُسب إليه الفضل في الذاكرة الشعبية، في الدفاع عن المدينة ومقاومة الاستبداد.

المؤلف : اريك جون ارنست هو بسباوم (بالإنجليزية: Eric 2012-1917) يشتهر باسم(John Ernest Hobsbawm) «اريك هو بسباوم» أو «إي. جيه. هو بسباوم»، هو مؤرخ ومفكر ومؤلف بريطاني مثقف ومؤرخ ماركسي من بين أشهر أعماله ثلاثيته عن القرن التاسع عشر «عصر الثورة: أوروبا 1789-1848»، و «عصر رأس المال: 1848-1875»، و «عصر الإمبراطورية: 1949-1875»

مقالات ذات صلة