القائمة الرئيسية

أصحاب الأداء المتميز لديهم قوة عظمى؛ وهي السعادة

أصحاب الأداء المتميز لديهم قوة عظمى؛ وهي السعادة
ملخص المقال

المقال يستعرض نتائج دراسة واسعة شملت نحو مليون جندي في الجيش الأمريكي على مدى خمس سنوات، أظهرت أن السعادة والتفاؤل من أقوى المؤشرات على الأداء الاستثنائي في العمل، بما في ذلك الفوز بجوائز الأداء والبطولة، حتى بعد التحكم في العوامل الديموغرافية والأداء السابق. كما يبيّن البحث أن السعادة ليست مجرد شعور شخصي، بل تؤثر على الصحة والإبداع والالتزام وتقليل الغياب، ما يجعلها عاملًا حاسمًا في نجاح المؤسسات. ويؤكد المقال أن القادة يستطيعون تعزيز السعادة من خلال قياس الرفاهية، وتنمية السعادة عبر تمارين عملية وبرامج تدريبية، والحفاظ على الموظفين السعداء، مع التأكيد على أن القادة يجب أن يكونوا قدوة في هذا المجال، لأن تأثير السعادة معدي ويؤثر في ثقافة وأداء المنظمة بشكل عام.

ترجمة: جود الدهيشي

توصلت استقصائية دراسية واسعة النطاق إلى أن الرفاهية أحد المؤشرات التي تساعد في التنبؤ بأداء وظيفي متفوّق.

بول ب. ليستر، وإد دينر، ومارتن سيلجمان

 البحث

تتبّع الباحثون ما يقارب مليون فردٍ من أفراد الجيش الأمريكي لمدة خمس سنوات، وقاموا بقياس سعادتهم وتفاؤلهم النسبي باستخدام 25 سؤالًا مأخوذًا من PANAS “جدول التأثيرات الإيجابية والسلبية“، واختبار التوجه الحياتي. وقد ضُمِّنت الأسئلة في استطلاع أعمق يُجريه كل جندي في الجيش كل عام؛ حيث يجمع قياس الرفاهية هذا بين التقييمات الذاتية للأفراد وتقاريرهم حول تواتر الأحاسيس الإيجابية والسلبية التي عاشوها، وذلك للتوصل إلى مقياس الباحثين للسعادة. حتى بعد أن سيطر الباحثون على الأداء السابق ومجموعة العوامل الديموغرافية، استمر الجنود الأكثر سعادة وتفاؤلًا في كسب مزيد من جوائز الأداء الوظيفي على مدار السنوات الخمس التالية، مقارنة بأولئك الذين كانوا في البداية غير سعداء ومتشائمين.

لقد أدى التخبط الذي أحدثه العمل خلال الجائحة العالمية على رضا الموظفين عن وظائفهم ورفاهيتهم العاطفية إلى تركيز قادة الأعمال على احتضان سعادة القوى العاملة، كما لم يسبق لها مثيل. وفي حين أن كثيرًا منا -إن لم يكن أغلبنا- محفّزون بالاهتمام الصادق للأشخاص الذين يحرّكون مؤسساتنا، فإننا ندرك أيضًا بدهيًّا أن سعادة الموظفين من شأنها أن تُنعش الأداء الوظيفي، ومع ذلك، لا يزال هناك سؤالان ملحّان: أيهما يأتي أولًا؛ النجاح، أم السعادة؟ أم السعادة ثم النجاح؟ وإلى أي مدًى السعادة المبدئية تهم؟

 فقد قرّبتنا نتائج بحثنا الأخير، الذي نُشر في مجلة دراسات السعادة، خطوة كبيرة من الإجابة عن هذين السؤالين. بالنسبة إلى دراستنا، استقصينا ما يقارب مليون جندي في الجيش الأمريكي لمدة خمس سنوات تقريبًا؛ حيث طلبنا منهم أولًا تقييم رفاهيتهم -سعادتهم، إذا صح التعبير- إلى جانب تفاؤلهم، ثم تتبعنا الجنود الذين حصلوا لاحقًا على جوائز بناءً على أدائهم الوظيفي؛ حيث جمعنا بياناتنا في خضم الحروب في العراق وأفغانستان؛ لذلك كانت الأخطار عالية: فبعض تلك الجوائز كان عن أدائهم الوظيفي المتقن الموكل إليهم، بينما حصل البعض الآخر على جوائز لأدائهم الاستثنائي بالأفعال البطولية. ويُعد تلقي جائزة في الجيش، إما عن الأداء الوظيفي المثالي أو البطولي، حدثًا نادرًا نسبيًّا. من بين ما يقرب من مليون جندي في عينتنا الاستقصائية، حصل 12٪ فقط على جائزة من أي نوع خلال السنوات الخمس التي أجرينا فيها الدراسة، وفي حين أنّ توقعاتنا بأن الرفاهية والتفاؤل سيؤثران في الأداء، فإننا فوجئنا بمدى أهميتهما؛ فلقد شهدنا أربعة أضعاف عدد الجوائز التي حصل عليها الجنود الأسعد في البداية (الربع الأعلى)، مقارنةً بأولئك الذين كانوا أكثر تعاسة في البداية (الربع الأدنى)، وهو فارقٌ ضخم في الأداء بين هاتين المجموعتين. وقد ظلت هذه الفجوة قائمة عندما أخذنا في الحُسبان المكانة؛ وهي (الضباط مقابل الجنود المستجدين)، والجنس، والعرق، والتعليم، وغير ذلك من الإحصائيات السكانية. واقعيًّا، كانت السعادة -وإلى أقل حد من التفاؤل- أفضل في التنبؤ بالجوائز من أي عامل سكّاني فحصناه.

قد تتغاضى عن هذه النتائج إذا كنت تعتقد أن البيانات العسكرية بطريقة ما، لا تنطبق على عالم الأعمال، ولكنك ستكون مخطئًا إذا فعلت ذلك. رغم ذلك، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تُعد أكبر جهة توظيف في العالم، حيث تتفوّق على وول مارت بنحو مليون موظف، مما يبلغ إجمالي أصولها نحو 3 تريليونات دولار (مقارنة بـ236 مليار دولار لوول مارت) وتحتفظ أيضًا بأكثر من 290 مليار دولار من رصيدها (مقارنة بـ44 مليار دولار لوول مارت). ولهذا، فإن الجيش الأمريكي ليس مجرد “شركة أمريكية ضخمة”؛ بل إنه -واقعيًّا- من أضخم الشركات التجارية على الإطلاق بفارق كبير؛ لذا فإن ما نتعلمه من الجيش بإمكانه غالبًا أن ينطبق على عالم الأعمال. هناك أكثر من 190 فئة وظيفية متميزة في الجيش -من كاتب إلى طيار، وطاهٍ إلى قائد- وقد أدرجنا معظمها في بيناتنا.

بوجيز العبارة، لا تشكل السعادة والتفاؤل أهمية بالنسبة إلى أداء الموظفين فحسب؛ بل إنهما أيضًا يشكلان أهمية كبيرة، وكلاهما يرسَّخ بمدى نجاح الموظفين. وتسلط أبحاثنا العسكرية، بجانب الأبحاث الأخرى في مجال العلوم السلوكية التي وُلِدت على مدى السنوات الأربعين الماضية، الضوء على الميزة التنافسية التي تقدمها سعادة الموظفين للشركات؛ حيث هناك بعض الأمور المتعلقة بسعادة الموظفين التي ينبغي لكل رائد أعمال أن يعرفها، وأن يكون قادرًا على تطبيقها. وعندما تجلينا من جائحة عالمية محبطة، فمن الأفضل لنا جميعًا تقييم كيفية التأثير في سعادة وتفاؤل من حولنا في مكان العمل.

وهذا يثير التساؤل: ما السعادة حقًّا؟ تشير غالبًا الأدبيات العلمية السلوكية إلى السعادة كرفاهية ذاتية؛ لأن معنى السعادة يختلف باختلاف السياقات. وكما هي الحال مع معظم المفاهيم التي تنشأ من علم النفس، تتعدد المفاهيم، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسعادة، فإنها تتحد عمومًا حول ثلاثة مجالات: تقييم الشخص نفسه لرضاه عن الحياة، وما مقدار الأحاسيس الإيجابية (مثل الاستمتاع، أو الحماس، أو الإلهام، أو الفخر) التي يعايشونها، ومدى ضآلة الأحاسيس السلبية (مثل المعاداة، أو الطيش، أو الخوف، أو العصبية) التي يعانونها. قمنا بدمج هذه العناصر الثلاثة للتوصل إلى مقياسنا للسعادة.

ماذا نعرف عن السعادة؟

عند بزوغ علم النفس الإيجابي في عام 2000م، كانت هناك كمية لا تقدر من الأبحاث في هذا المجال، حيث ذُكِرت الرفاهية في أكثر من 170 ألف مقال أكاديمي. عندها توصل بعض الباحثين إلى حقائق إدراكية بأن بعض الناس يبدون أكثر سعادة، وهو اعتقاد صحيح، وقد نظر الباحثون من كثب إلى العوامل الوراثية (العوامل التي نولد بها)، وكيف تؤثر بيئتنا في سعادتنا. إذا فكرنا في السعادة العامة كفطيرة، فإن البحث يشير إلى أن الوراثة تمثل قرابة 40٪ من تلك الفطيرة، بينما يُعزى 60٪ إلى عوامل أخرى، لا سيما تجاربهم الحياتية. ويمكن قول الشيء نفسه تقريبًا عن مكان العمل: في دراسة حديثة طويلة المدى، وجد الباحثون أنه في حين شكلت الوراثة قرابة 30٪ من الرضا الوظيفي في سن 21 عامًا، فإن أهمية الوراثة انخفضت إلى أقل من 20٪ عند قياسها مرة أخرى في سن 25 و30 سنةً. ولذلك، تصبح العوامل البيئية داخل مكان العمل أكثر أهمية بمرور الوقت.

ففي الآونة الأخيرة، تغيّرت الأهمية النسبية لبعض هذه العوامل البيئية؛ حيث أذاع “تقرير السعادة العالمي 2021م” أن السعادة في مكان العمل قبل الجائحة كانت ترجع -إلى حد كبير- إلى شعور الموظفين بالانتماء داخل المنظمة وبين زملائهم في العمل، والمرونة الممنوحة للعمال، والاندماجية، والشعور بالأهمية من عملهم (بترتيب تنازلي من الأهمية). لقد تغيرت الأمور بشكلٍ جذري في أثناء الجائحة؛ إذ أصبح وجود مدير داعم هو أكبر مؤشر للسعادة، وهو ما يقارب ضعف أهمية عامل السعادة في مكان العمل الذي يحتل المرتبة التالية؛ وهو ذو أهمية.

لا عجب أيضًا أن يكون المال مهمًّا لسعادة الموظفين، ولكن أظهرت الأبحاث أن هذا ينطبق في المقام الأول لأولئك الموظفين الذين بيّنوا أن المال مهم بالنسبة إليهم. وفي دراسة حديثة، كانت العلاقة بين الدخل والسعادة أكثر بأربع مرات بالنسبة للأشخاص الذين ذكروا أن المال مهم بالنسبة إليهم، مقارنة بأولئك الذين لا يهتمون كثيرًا بالمال. وعلى هذا، فبالنسبة إلى الموظفين الذين لا يندفعون وراء المال، فقد يكون الدخل لا يعدو كونه وسيلة فارغة للحفاظ على النتيجة.

في داخل مكان العمل، نعلم أن الموظفين الأكثر سعادة هم أكثر عرضة للبروز كقادة، وكسب درجات أعلى في تقييمات الأداء، ويميلون إلى أن يكونوا أفضل زملاء في الفريق. كما نعلم أيضًا، استنادًا إلى أبحاث مستفيضة، أن الموظفين الأكثر سعادة يتمتعون بصحة أفضل، ولديهم معدلات تغيّب أقل، ولديهم دوافع كبيرة للنجاح، وهم أكثر إبداعًا، ولديهم علاقات أفضل مع زملائهم، وأقل عرضة لتوديع الشركة. كل هذه العوامل المرتبطة بالسعادة تؤثر بشكل ملحوظ على صافي أرباح الشركة.

وتوضّح هذه البيانات المجتمعة أن هناك مجالًا كبيرًا للقادة والمنظمات للتأثير على السعادة داخل مكان العمل. بينما تتأثر السعادة بالوراثة والدوافع مثل إيجاد شعور بالمعنى، فإن جزءًا أكبر من فطيرة السعادة قد ينشأ عن عوامل مثل مرونة مكان العمل، والأجر المعقول، ونوع العمل، والمديرين الداعمين. مما يعني، بإمكان القادة تشكيل مكان العمل لجعل الموظفين أكثر سعادة.

لماذا تُعد نتائج دراسة الجيش ذات أهمية لجميع أصحاب العمل؟

إن النتائج الاستقصائية التي توصلنا إليها من دراستنا قابلة للتطبيق على نطاق واسع؛ لأن العينة التي استخدمناها لم تُستقَ من مجال وظيفي محدد؛ مثل مندوبي المبيعات أو المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، مما يتصور غالبًا في الأبحاث المنشورة حول السعادة بمكان العمل. على الأصح، بينما كان بعض الجنود في دراستنا يعملون في وظائف عسكرية نموذجية؛ مثل جند المشاة الموجودين، كان العديد منهم من العاملين في المكاتب وسائقي الشاحنات وضباط الشرطة والمهنيين الطبيين وخبراء اللوجستيات والطيارين والمهندسين والاستراتيجيين، وغيرها. ونتيجةً لهذا، فإن قياسنا للعديد من المهن على هذا النطاق، وفي دراسة واحدة فريدة من نوعها، جعل نتائجنا قابلة للتطبيق بشكل كبير على عالم الأعمال. خلاصة القول؛ كانت السعادة مهمة في جميع مجالات العمل. والتجربة أيضًا مهمة لأسباب أخرى؛ نظرًا لأهميتها واستمرارها لمدة خمس سنوات -بما يقرب من مليون شخص، فهي أكبر دراسة رفاهية طويلة المدى أجريت على الإطلاق- فقد تمكنا من إجراء تحليلات أكثر تفصيلًا للبيانات، وإظهار أن النتائج كانت صحيحة بغض النظر عن التركيبة السكانية، على النحو الموضح أعلاه.

وعلى نقيض معظم الدراسات البحثية، لم تكتفِ دراستنا بفحص الأداء بشكلٍ عمومي؛ بل إننا درسنا تأثير السعادة على الأداء الاستثنائي؛ نظرًا لأننا ركزنا على 12% فقط من إجمالي التجربة؛ أولئك الذين حصلوا على جائزة عن أدائهم المثالي في العمل. حيث نال الجنود التعساء جوائز الأداء والبطولة، ولكن ربع عدد السعداء الذين نالوها عندما كانوا في البداية. ومما يُضمّن لنا بالنسبة لقطاع الأعمال، أن الموظفين الأكثر سعادة يحصلون على تقدير غير متكافئ لأدائهم الاستثنائي، ويصبحون النجوم البارزين في المنظمة. ويجزم مبدأ باريتو أن 80% من النتائج تنشأ عن 20% من الأسباب، فإذا طبقنا هذا المبدأ على دراستنا، فسوف نرى أن استخدام السعادة والتفاؤل ( لدى الذين توقعوا الجوائز بنفس المستوى لدى الذي تنبؤوا بالسعادة) للمساعدة في تحديد الموظفين، وتوظيفهم، والاحتفاظ بهم، من المرجح أن يؤدي إلى نبوغ عدد أكثر قليلًا من النجوم البارزين، ومن المتوقع أن يكون له تأثير كبير على النتيجة النهائية.

وفي الختام، تباينت الجوائز التي شملتها الدراسة من حيث النوع والمعنى التنظيمي ومستوى التأثير، مما يدل على أن الصلة بين السعادة والأداء تُهيمن على العديد من أنواع الإنجازات المختلفة. فالتدقيق المُتزمّت والتوثيق الذي يسبق لمنح الجائزة العسكرية، يعززان من الحجة لصالح هذه الجوائز بعدّها مؤشرات عالية الموثوقية للأداء. وربما الأهم من ذلك، أن أيًّا من الجوائز التي حصل عليها لم تكن تَعِد بتعويض مالي. ففي الجيش الأميركي، إذا كُرِّمت على وسام النجمة الفضية عن بطولتك في القتال، أو ميدالية الخدمة المتميزة لقيادتك الناجحة لكتيبة تدريبية، فلن تحصل على مكافأة قدرها 10 آلاف دولار. هذا يعني أنّ مكافآت الأداء الذي تحركه تعكس دوافع داخلية، وليس مكافآت مالية خارجية صريحة.

 وعلى الرغم من أن الإنجاز الأكبر لهذه الدراسة ربما يكون ربط السعادة بالأداء المثالي، فإنه يكرر العديد من نتائج البحوث الاستقصائية السابقة. وفي حين أنّ التكرار قد لا يستحوذ على العناوين الرئيسة، ونادرًا ما تتم مكافأته في الأوساط الأكاديمية، فإنه يشكل الأساس للعلم. وفي الوقت الرّاهن، يتصدّى مجال العلوم السلوكية لأزمة في التكرار، مما يثير تساؤلات حول صحة العديد من النظريات القيادية والإدارية والسلوكية الراسخة مُنذ مدًى طويل، والتي يتم تدريسها في معظم برامج الماجستير في إدارة الأعمال. واقعيًّا، وجد التعاون العلمي المفتوح في عام 2015م، أن أقل من 40% من التجارب الرائدة في مجال العلوم السلوكية يمكن تكرارها. وفي المقابل، فإن نتائجنا التي توصلنا إليها دقيقة للغاية، وتمثل نتائج طويلة الأجل، وتشمل العديد من الوظائف.

ماذا بوسع قادة الأعمال أن يفعلوا بشأن سعادة الموظفين؟

قبل كل شيء، نقترح أن يتبع القادة العلم وأن يتّخذوا نهجًا منظمًا في التوظيف والترقية وتنمية سعادة الموظفين. وفي حين أن النهج سيختلف بناءً على احتياجات المنظمة، فينبغي أن يلتزم القادة بثلاثة إجراءات:

1. مقدار السعادة لدى الموظفين والمرشحين للوظائف

من نواحٍ كثيرة، يتطلب “توظيف السعداء” قدرًا من فهم وجهة النظر. وفي حين أننا لا نعتقد أن السعادة ينبغي أن تُصبح في مرتبة أعلى من المعرفة، أو المهارات، أو الموهبة اللازمة للحصول على الوظيفة، فإننا نحبّذ بشكل متحفظ توظيف مقاييس السعادة والتفاؤل كعوامل تمييزية أو كنقطة حاسمة؛ لأن المخاطر منخفضة والفوائد قد تكون مهمة. من المهم أيضًا استخدام أدوات تقييم مجربة وعدم الارتكاز على حدس الإدارة استنادًا على تأثير الموظف. وفعلًا تستخدم العديد من المنظمات مجموعة متنوعة من الدراسات الاستطلاعية لتقييم المرشحين للوظائف، وحتى لو كانت إضافة هذه الأسئلة حول السعادة والتفاؤل إلى النتائج الاستطلاعية للمرشّحين تؤدي فقط إلى زيادة طفيفة في الإنتاجية والربحية اللاحقة، فإن معظم القادة سيغتنمون هذه الفرصة؛ لأنها لا تكلف شيئًا تقريبًا. بَيدَ أنَّ هذا سيختلف بطبيعة الحال بين المنظمات والقطاعات، فمن المرجح أن تكون معظم المنظمات أفضل حالًا إذا قامت بتوظيف شخص فعلًا سعيد ومتفائل نسبيًّا؛ لأن ذلك سيؤثر على الأداء الاستثنائي ويخفض من تقلبات العمالة. فإذا قمنا باستقراء نتائجنا التي توصلنا إليها من الدراسة الاستطلاعية العسكرية إلى سياق القطاع الخاص، حيث سيتم تعيين 1000 موظف، فعندها استخدام الرفاهية كمعيار للتوظيف سيؤدي إلى حوالي 11 أداءً استثنائيًّا، أكثر مما لو قامت الشركة ببساطة بتعيين الموظفين دون التفكير في الرفاهية على الإطلاق.

بعيدًا عن التوظيف، يجب أخذ سعادة الموظفين بالحُسبان عند قياس الأداء التنظيمي. بالتأكيد، لا يزال الأداء الموضوعي يشكل أهمية عظيمة، ولكن، في حين قد يؤدي الأداء العالي للقسم داخل الشركة إلى تحقيق أرباح قصيرة المدى، فقد ينجم هذا الأداء عن ممارسات قيادية وإدارية سامة، وبالتالي فإن هذه الأرباح قد تتبخر بسرعة إذا قرر الموظفون المغادرة كرد فعل لذلك. والاستنزاف غير المبرر مُكلف، وبقصد التّمثيل لا الحصر، انتبهت المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى هذه الحقيقة، حيث فصلت ضباطًا قياديين أسهموا في تعزيز مناخات تنظيمية مُزرية. وفي بعض الأحيان، فعلت ذلك بشكل استباقي وقائي، قبل وقوع حدثٍ كارثي. رغم كل شيء، إن تجنيد وتدريب مهندس مفاعل نووي يكلف مئات الآلاف من الدولارات، وسنوات من الجهد، وأكثر من ذلك بكثير لفعل الشيء نفسه مع الطيار. إن خسارة حتى عدد قليل من الموظفين بسبب التعاسة التي يتكبّدونها من القيادة السامة، أمر مكلف، ويخلق نقصًا في الموظفين، مما يزيد من المخاطر لأولئك الذين تلبّثوا. لا سيّما أن الاستنزاف ونقص المواهب في المؤسسة لهما آثار سلبية مماثلة، وبالتالي، فإننا نُناصر معاملة السعادة كنتيجة موضوعية للمنظمة، فضلًا عن كونها مؤشرًا رئيسًا لنجاح القيادة. في دراستنا الاستقصائية، استخدمنا أحد المقاييس الذهبية القياسية للرفاهية؛ وهو جدول التأثيرات الإيجابية والسلبية (PANAS)، والذي تم استخدامه في آلاف الدراسات المنشورة لاستثبات السعادة في مجموعة متنوعة من السياقات؛ حيث يستغرق إكماله حوالي 10 دقائق.

2. تنمية السعادة في قوتك العاملة

في ضوء متطلبات التدريب والتطوير المفروضة على مُعظم المؤسسات، قد تبدو فكرة المحاولة الفعّالة لتطوير موظفين أكثر سعادة في البداية شاقة، حيث تستغرق وقتًا طويلًا، ومكلفة. ورغم ذلك، تُظهر الدراسات الأكاديمية مرارًا وتكرارًا، أن مبادرات التدريب التي تستهدف رفاهية الموظفين لا تتطلب استثمارًا كبيرًا للوقت، وهي فعّالة من حيث التكلفة، وتحمل عائدًا مرتفعًا في الاستثمار.

فيما يلي ثلاثة أمثلة لتمارين بسيطة، كل منها مدعوم بأدلة شديدة على فاعليتها. في التمرين الأول، وهو زيارة الامتنان؛ حيث يقوم المشاركون بإعداد وتقديم شهادة امتنان مبرهنّة بـ300 كلمة لشخص غير حياتهم للأفضل. في التمرين الثاني، ثلاثة أشياء جيدة؛ يكتب المشاركون ثلاثة أشياء سارت على ما يرام كل يوم، وما الذي تسبب في سير هذه الأشياء على ما يرام، لمدة أسبوع. ثالثًا، استخدام نقاط القوة المميزة بطريقة جديدة؛ حيث يدعو المشاركين إلى إكمال استطلاع نقاط القوة عبر الإنترنت، ثم استخدام واحدة من أهم نقاط قوتهم بطريقة جديدة كل يوم لمدة أسبوع على الأقل. استخلصت هذه الأبحاث التي اختبرت هذه الأساليب أن تمارين الأشياء الثلاثة الجيدة ونقاط القوة المميزة، زادت بشكل كبير من السعادة وخفَّضت الاكتئاب على مدى ستة أشهر، في حين فعلت زيارة الامتنان الشيء نفسه على مدى شهر واحد. بطبيعة الحال، تعمل مثل هذه المبادرات الخاصة بالسعادة بتفوّق في مكان العمل عندما يرغب الناس في أن يصبحوا أكثر سعادة، ويكونون متهيّئين لبذل بعض الجهد في هذه العملية، ويعتقدون أن هذه الجهود ستؤتي ثمارها. وبغض النظر عن ذلك، فإن التكاليف منخفضة للغاية، ويمكن أن تحدث التدخلات على أي مستوًى من مستويات المنظمة، ولا تتطلب مستشارين خارجيين. أما بالنسبة للمنظمات الراغبة في القيام باستثمارات ضخمة، فهناك بالتأكيد برامج جاهزة ومُثبتة أثبتت فاعليتها في تحسين رفاهية الموظفين. فعلى سبيل المثال، خلال معمعة الحروب في العراق وأفغانستان، استثمر الجيش الأميركي بكثافة في مبادرات المرونة؛ مثل اللياقة البدنية الشاملة للجنود، والتي ثبتت أنها تعمل على تحسين الصحة النفسية لأفراد الخدمة. واحتوى البرنامج على تدريب مكثف لكادر كبير من المدربين، مما أسفر عن نسبة إجمالية تبلغ نحو مدرب واحد لكل 100 فرد من أفراد الخدمة. وعلى نحو مماثل، ثبت أن برنامج السعادة الدائمة وتعزيز الذات المستمر (ENHANCE) يحسن السعادة، مع تأثيرات استمرت لأكثر من ستة أشهر. وبرنامج السعادة الدائمة عبارة عن حزمة تدريبية مدتها 24 ساعة يمكن تقديمها شخصيًّا أو عبر الإنترنت، وتركز على تحديد القيم الأساسية، وتنمية اليقظة، وإرساء علاقات اجتماعية إيجابية، والتعامل مع السلبية والمحنة، وغيرها من المجالات.

نصيحتُنا: أولًا، قم بقياس مستوى الرفاهية. بعد ذلك، قم بالتمارين السهلة لإثبات أن الشركة تُقدّر رفاهية الموظفين. ثم، ابدأ بالاستثمار في البرامج الأكثر رسمية بمرور الوقت كزيادة لمستوى السعادة.

3. الاحتفاظ بالموظفين السعداء

لقد ذكّرتنا الجائحة ببعض الحقائق الصعبة، تحديدًا أن المنظمات قد تنكمش في الأوقات المضطربة بالسرعة نفسها التي تتوسع بها عندما يكون الاقتصاد مزدهرًا. بصورة جليّة، بيّنت دراستنا العسكرية أن المنظمات يجب أن ترغب في أن يكون الموظفون سعداء؛ لأن أداءهم أفضل بكثير من أولئك غير السعداء. ولكن تبين أن المنظمات تحتاج أيضًا إلى موظفين سعداء، لأن السعادة في الواقع معدية. فمثلًا، استطلع الباحثون عشرين عامًا من البيانات من 4700 مشارك في دراسة فرامنغهام للقلب طويلة المدى، وتبيّنوا أن السعادة لا يمكن أن تنتشر فقط عبر شبكة اجتماعية؛ بل وأيضًا أن الأشخاص السعداء هم أكثر ارتباطًا مع الأشخاص السعداء الآخرين داخل الشبكة. ولعلّ الاكتشاف الأكثر لفتًا للانتباه في هذه الدراسة؛ هو أن تأثير السعادة امتد إلى ثلاث درجات من الانفصال عن الشخص المحوري (أي أصدقاء أصدقائهم). ومن بين النتائج المهمة الأخرى التي توصلت إليها هذه الدراسة أن التعاسة معدية، مثل السعادة. وهذا التأثير المعدي يضع القادة في موقف حرجٍ متزعزع، خصوصًا إذا كانوا معرّضين لموقفٍ معقدٍ مُتمَثِّل في قدرتهم على الاحتفاظ بموظف واحد فقط من بين اثنين. ومع ثبات الأداء وغيره من العوامل التي تقوّم الاستمرارية، يتعين عليهم الاحتفاظ بالموظف الأكثر سعادة.

 كُن مثالًا يُحتذى به

تم الكشف عن عملنا مع الجيش بطريقة متسقة على مدى العقود الماضية عن حقيقة أساسية؛ وهي أنّ مبادرات رفاهية الموظفين تعمل بشكل أفضل عندما يُقدم القادة الواثقون المواد، وعندما يركزّ كبار القادة تركيزًا بليغًا على الجهد الإجمالي. ومن ثمّ، يتعيّن على القادة أن يكونوا على انصياع لاستثمار جهودهم في جعل المبادرات ناجحة؛ ليس فقط من خلال مناصرتها -على سبيل المثال، من خلال تأمين الموارد للبرنامج وتعزيز الرسائل الاستراتيجية الإيجابية- ولكن أيضًا من خلال المشاركة في التدريب ودمجه في سلوكاتهم الخاصة. فإذا أراد القادة تحسين سعادة الموظفين، فيتعيّن عليهم أن يكونوا قدوة لما يتم تدريسه لهم، حتى يصبح جزءًا لا يتجزأ من معجم وثقافة المنظمة. إننا نتعلم بشكل أفضل من خلال مراقبة الآخرين، لذا دعْ موظفيك يتعلموا كيف يكونون سعداء من خلال مراقبتك.

مقالات ذات صلة