القائمة الرئيسية

يبدأ التغيير القيادي من تغيير طريقتك في القيادة

يبدأ التغيير القيادي من تغيير طريقتك في القيادة
ملخص المقال

المقال يوضح أن القيادة الفعّالة تتطلب التكيّف مع السياق والتحديات المتغيرة، إذ لم تعد المرونة والتعاطف كافيتين بمفردهما، بل يجب على القادة تحديد نوع التغيير المطلوب—تعزيز نطاق الاستراتيجية الحالية، إعادة تصوّر الأنشطة لتحقيقها، أو تغيير الاتجاه كليًا—ثم تنفيذ ثلاث مهام رئيسة: رسم المخطط للتوجه المستقبلي، ترسيخ عقلية الفريق للتحفيز والتبني، وإيصال الرسالة لتفعيل التغيير على أرض الواقع. يستعرض المقال أمثلة عملية، مثل أبل في تعزيز نطاق الابتكار، ونتفليكس في إعادة تصوّر أساليب تقديم المحتوى، وليغو في تغيير الاتجاه لتعافي الشركة، موضحًا أن أساليب القيادة المثلى تتغير بحسب البيئة والظروف، وأن النجاح القيادي يعتمد على قدرة القائد على التكيّف مع السياق بدل التمسك بمبادئ عامة ثابتة.

ترجمة أبرار اللهيبي

بي. توم هنسكر، وجوناثان نولز

يمكن للمتطلبات الوظيفية في الوظائف القيادية أن تتغير بصورة جذرية وغير متوقعة؛ ما يشكِّل تحدِّيات قاسية للقادة كما حدث في السنتين الأخيرتَين الماضيتَين. كان على القادة تقسيم جهدهم بين الاستجابة لوباء كوفيد-19 وإدارة القوى العاملة عن بُعد، كما امتدَّ الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، ليشمل قضايا مثل العدالة الاجتماعية، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتغيُّر المناخ، وإجراءات العمل الهجين، وانعدام الاستقرار الجيوسياسيّ.

من السهل استنتاج أن المتطلبات الأساسية للقيادة هي المرونة والتعاطف، كما قال كثيرٌ من المعلقين. هذه الصفات مفيدة بالتأكيد ولا سيما في هذه الظروف القاسية، إلا أن المتطلب الدائم للقيادة هو أن تكون فعَّالة في سياقها. القادة المؤثرون هم أولئك الذين يكيِّفون نهجهم القيادي وفقًا للسياق والتحدِّيات التي يواجهونها.

والتاريخ حافل بأمثلة لقادة أظهروا مهارات قيادية وحُسن تصرف قياديًّا تحت ظروف معيَّنة، إلا أنهم لم يقدروا على تغيير نهجهم القيادي لاحقًا أو لم يرغبوا في ذلك. نلاحظ دائمًا في مجال الأعمال عدم ملاءمة المؤسّس لشغل منصب القائد لإدارة العمل بمجرد تحقيق مستوى معيَّن، لما يتطلبه الأمر من مهارات وأسلوب قيادي مختلف. جزء من نجاح شركة ألفابت هو دليل على الوعي القيادي الذي يتمتَّع به كلٌّ من سيرجي برين ولاري بيج؛ إذ أدرك كلٌّ منهما الحاجة إلى الابتعاد عن دور الرئيس التنفيذي. كما تُعَدُّ بعض المصاعب التي تواجهها شركة فيسبوك حاليًّا نتيجةً لفشل مارك زوكربيرج في إدراك ضرورة إجراء تغييرات قيادية.

ثلاثة متطلبات أساسية لقيادة التغيير الفعَّال

شجَّعنا القادة في أثناء عملنا معهم على النظر إلى الفاعلية في سياقها، وتشمل ثلاث مهام رئيسة:

رسم المخطط: لاحظ الناشر الراحل أرنولد غلاسكو، أن القادة العظماء يكتشفون المشكلات قبل تحوُّلها إلى أزمة، كما أنهم يرسمون باستمرار خارطة للتغيرات الديناميكية في بيئة الشركة، ويُنشئون رؤية واضحة ومرتَّبة حسب الأولوية للمستقبل الذي تتجه إليه المؤسسة.

ترسيخ العقلية: المهمة الثانية للقيادة هي ضمان أن فريق الإدارة لا يقتصر على الفهم النظري للمخطط. فالعقلية القيادية تُسهم في بناء قناعة مشتركة بأهمية التغيير، وتزيد روح الحماس للتحسينات التي سيحقِّقها التغيير الناجح. هذا الحماس ضروري لأن تحقيق التغيير أصعب من الحفاظ على الوضع الراهن.

إيصال الرسالة: إذا كان المخطط يقدِّم تعريفًا واضحًا للتغيير المطلوب، والعقلية تولِّد الرغبة في التغيير، فإن الرسالة هي الأداة الأساسية لتفعيل هذا التغيير بين الموظفين. رسالة القائد تمثِّل النداء الذي يوجِّه طاقات المؤسسة إلى هدف محدد، إضافة إلى غرس المواقف والسلوكات اللازمة لتحقيقه.

تُمثِّل هذه المهام الثلاثة حجر الأساس لقيادة التغيير، ولكن هدف كلِّ مهمة يختلف باختلاف نوع التغيير الذي يسعى القائد إلى تحقيقه. يتحقق التغيير في ثلاثة أشكال مختلفة، كما وضَّحنا في مقالات سابقة:

  1. تعزيز نطاق الاستراتيجية الحالية للشركة.
  2. إعادة تصوُّر الأنشطة المستخدمة لتحقيق تلك الاستراتيجية.
  3. تغيير الاتجاه بالكامل.

نوضِّح فيما يلي كيفية اختلاف أهداف مهام “المخطط، والعقلية، والرسالة” بناءً على نوع التغيير الذي يسعى القائد إلى تحقيقه.

يشير بحثنا أن تعزيز النطاق (مضاعفة الجهد) هو القرار الصحيح لـ 20% من الشركات أو خطوط الأعمال التي تُحقِّق أداءً قويًّا من حيث التوافق مع الهدف والمزايا النسبية، ولا يتطلب تغيير الاتجاه (التحول) سوى من 15% من الشركات التي تحقِّق أداءً ضعيفًا في كلا البعدَين. أما بشأن ما يقرب من ثلثي الشركات، فإن التغيير المطلوب هو إعادة تصوُّر الأنشطة المستخدمة لتنفيذ استراتيجياتها بدلًا من إعادة تصور الاستراتيجية ذاتها.

تعزيز النطاق

تزداد حاجة إدراك القائد للمخاطر الثنائية المتمثلة في الرضا عن الذات (الاعتقاد بعدم وجود الحاجة إلى التغيير)، والكبرياء (الثقة المفرطة في جودة القيادة)، خصوصًا عند تحقيق أداء جيِّد في العمل من حيث التوافق مع الأهداف والميزة النسبية. فالقادة الفعَّالون ممن يأخذون السياق في الاعتبار، يقاومون الرضا عن الذات كونهم متعطشين دائمًا للتغيير والكبرياء بالاعتراف بأن آراءهم أقل أهمية من آراء أصحاب المصلحة الأساسيين.

تكمن أهمية المهمة الأولى (رسم المخطط) في سياق التغيير هذا في السعي الدائم إلى تحقيق التميُّز، وتعزيز التفرُّد ومحركاته الحالية، والفوائد والقيم كما يراها العملاء وأصحاب المصلحة الأساسيون. كما أن المهمة الثانية (ترسيخ العقلية) فالمطلوب تحقيقه هنا هو ترسيخ عقلية ترقى إلى مستوى التحدِّي، سواء كانت في صورة تنافسية محتدمة أو التزام فطري بالتفوق. وأخيرًا، تشكِّل مهمة إيصال الرسالة أهميةَ الحفاظ على تركيز جلِّ اهتمامنا على الأولويات القصوى للأعمال بدلًا من توجيهه إلى المسائل العابرة أو المنفصلة عن الاستراتيجية الأساسية للشركة.

ركَّزت قيادة شركة أبل على استمرار تعزيز نطاق التغيير على مدار العقدَين الماضيَين. اختارت الشركة نفسها كإطار مرجعي تنافسي؛ ما يخلق دائمًا تحدِّيًا لتعزيز مكانتها الريادية من خلال الابتكار المستهدف والتعمق المستمر في تكامل الأجهزة والبرمجيات والخدمات، دون الحاجة إلى عمليات الاستحواذ واسعة النطاق (أكبر استحواذ حقَّقته أبل كان شراء شركة بيتس في عام 2014م بقيمة 3 ملايين دولار). ونتج عن ذلك تقديم قيمة مميزة ومتَّسقة لقاعدة عملاء متزايدة ومتفاعلة.

إعادة التصوُّر

عندما نعيد تصوُّر هدف التغيير، فإن مهمة القائد في رسم المخطط هي ابتكار مسارات جديدة توصل للهدف الحالي. تصاحبها عقلية تركِّز على التجريب والمخاطر المستهدفة. تهدف مهمة إعادة التصور غالبًا إلى التحول الرقمي، وتعلُّم الآلة، والذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب أكثر كفاءة في الأداء، بدلًا من إعادة اختراع العمليات الحالية كليًّا. مهمة إيصال الرسالة في هذا السياق هي التأكيد على الامتيازات التي سيستمر العملاء وأصحاب المصلحة الآخرون في الاستمتاع بها إذا حسّنّا الأساليب المستخدمة لتقديمها. (هذا ما تهدف كثيرٌ من الشركات لتحقيقه باستخدام الذكاء الاصطناعي).

أظهرت قيادة شركة نتفليكس مهارة استثنائية في السير على هذا المسار خلال العقدَين الماضيَين. ظلَّت الشركة متمسكة بهدف تقديم تجربة ترفيهية مريحة، ومخصصة، وغامرة، دون إعلانات، حتى مع التحولات الجذرية التي طرأت على التقنيات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف. حافظت قيادة الشركة على إحساس بالاستقرار حتى مع التحولات الكبيرة التي شهدتها، وذلك من خلال إبقاء تركيز الموظفين مصبوبًا على ابتكار الوسائل لتحقيق الغاية بدلًا من الغاية نفسها: في طرائق التوزيع حيث تحوَّلت من إرسال أقراص DVD عبر البريد إلى البثِّ المباشر، وفي نشاطها الأساسي حيث تحوَّلت من ناشر للمحتوى إلى منتج وناشر له، وفي تطويرها لنموذج يهدف إلى تقديم محتوى يدمج بين العالمية والمحلية. 

تغيير الاتجاه

على الشركات تغيير اتجاهها حين يضعف أداؤها، من حيث التوافق مع أهداف الشركة ومزاياها النسبية. تتمثل مهمة رسم المخطط في هذا السياق في شرح سبب الحاجة إلى التحول وكيفية إعادة تعريف هدف الشركة.

قد يكون الضغط أداة فعَّالة في سيناريوهات التغيير الأخرى، إلا أن هذا النهج عديم الجدوى عند تغيير الاتجاه. فقد يؤدي هذا الضغط إلى زيادة معدلات القلق؛ ما يُعيق حلَّ المشكلات بفاعلية، وقد يعزِّز السلوكات الحالية. تأتي هنا مهمة العقلية، على القادة بدلًا من ذلك بناء إيمان لدى الموظفين والعملاء والشركاء بالوجهة الجديدة للشركة وتهيئة بيئة تتقبل الأفكار الجديدة؛ ما يعكس مهمة إيصال الرسالة والتي تتمثل في تعزيز الشعور بالإمكانية.

يُعَدُّ التحول في مسار شركة ليغو بقيادة يورغن فيغ كنودستورب درسًا نموذجيًّا في كيفية الحفاظ على بيئة داعمة حتى مع إجراء تغييرات جذرية في الشركة. شملت هذه التغييرات خفض عدد أنواع المكعبات المنتجة من 13,000 إلى 6,500، والخروج من قطاع المتنزّهات الترفيهية، والتوسع في ألعاب الفيديو والأفلام، مع تغيير طريقة التفاعل مع العملاء. تحولت الشركة من إيرادات بلغت 800 مليون يورو (1 مليار دولار) وحالة شبه إفلاس في عام 2004م إلى إيرادات قاربت 6 مليارات يورو في عام 2020م.

تتخذ الكثير من المقالات المتعلقة بالقيادة شكل القوائم لتحديد الصفات أو القواعد العامة التي يجب توفرها في القادة. إلا أن هذه المعايير متغيرة، ودائمًا ما تعكس البيئة التي تنشأ فيها. يفسِّر هذا التطور كيف أن التنافسية (التي جسَّدها جاك ويلش في توجيهه الشهير في الثمانينيات بأن تكون الشركة الأولى أو الثانية في كلِّ صناعة تعمل فيها) حلَّ محلَّها الإبداع (كما دعت إليه أبل بشعارها الشهير “فكِّر على نحوٍ مختلف”)، ليستبدل بالاضطراب (الذي روَّج له مارك زوكربيرغ بشعاره “تحرَّك بسرعة وحطِّم القواعد”)، ثم التوسع الهائل (المشهور في شعار الـ10x الخاص بمجتمع رأس المال الاستثماري)، والذي استُبدل الآن بالاحتفاء بالتعاطف كميزة قيادية.

أيٌّ من هذه المثُل القيادية يُعَدُّ الأسمى لتطبيقه؟ الجواب هو أن القيادة تعتمد كثيرًا على السياق: المواقف والسلوكات الفعّالة في بيئة معيَّنة لن تؤدِّيا إلى النتائج نفسها في ظروف مختلفة. ونوع التغيير المطلوب، سواء كان تعزيز النطاق، أو إعادة تصوُّر الأنشطة، أو تغيير الاتجاه، هو ما يُشكِّل كيفية تعريف القادة الفعّالين لمهام رسم المخطط وترسيخ العقلية وإيصال الرسالة، وطريقة تنفيذها. وكما يقول مثل صيني بليغ: “يتكيف الحكيم مع الظروف، كما يتشكل الماء في الإناء”.

مقالات ذات صلة