ترجمة: عبد الملك البلادي
يسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم في طيف واسع من المجالات، وفي مقدمتها قطاع الترفيه وهوليوود، اللذان يحظيان باهتمام كبير لما قد يترتب على هذه التقنيات من آثار مباشرة عليهما. ويتجلى القلق هنا في قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنتاج معظم المخرجات التي يقوم عليها هذا القطاع: نصوص بأشكالها المختلفة مثل القصص والسيناريوهات ونسخ الإعلانات والمراجعات، إلى جانب الحملات التسويقية، والصور الثابتة والمتحركة. ومع ما تواجهه هذه الصناعات من ضغوط اقتصادية، يتصاعد الطلب على مزيد من الإنتاجية وعلى “منتج” أقل تكلفة. ويضاف إلى ذلك أن نسبة غير قليلة من الأعمال الترفيهية الراهنة مشتقة أصلًا من محتوى سابق، وهو ما يجعلها بيئة مواتية لتقنيات توليدية تتعلم من هذا الإرث وتعيد تركيبه.
ولا يزال الحديث عن ترفيه يُنتَج بالذكاء الاصطناعي في بداياته، لكن المؤشرات توحي بأن تحوّلًا كبيرًا يلوح في الأفق. فقد أشار مقال نُشر مؤخرًا في وول ستريت جورنال إلى أن الأدوات المتاحة على نطاق واسع باتت قادرة على اقتراح خطوط حبكة، وبناء أبعاد للشخصيات، وصياغة حوارات، كما عرضت وحدة تفاعلية تُظهر مدى سهولة كتابة مسودة أولية لسيناريو عند تزويد تشات جي بي تي بعدد محدود من المطالبات. وتثير هذه التطورات، في الوقت نفسه، أسئلة دقيقة حول الملكية الفكرية، ولا سيما حين يُطلب من النظام توليد شخصية جديدة متأثرة بعمل معروف مثل سبونج بوب: هل يلزم إذن أصحاب العمل الأصلي؟ ومن يملك الحقوق؟ وهل يمكن أن تُحمى حقوق العمل الجديد نفسه؟
استُخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة فيلم (Everything Everywhere All at Once 2022)، ونحن نعلم يقينًا كيف ظهر ذلك. كتب توم مؤخرًا عن استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور خلفية للأفلام والتلفزيون، وهناك بالفعل أنظمة ذكاء اصطناعي توليدي يمكنها إنشاء مقاطع فيديو، على الرغم من أنها قصيرة وبدائية نسبيًّا. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي لتقديم تنبؤات تعتمد على البيانات حول كيفية استجابة المشاهدين للحبكات غير العادية.
فماذا يعني هذا لقطاع الترفيه؟ هناك العديد من المكونات المختلفة لهذا السؤال، كما يوحي تقرير جديد من منصة (Variety Intelligence). أقامت نقابة الكتاب الأمريكية (WGA) إضرابًا في شهر مايو، في المقام الأول على دخل كتاب الأفلام والتلفزيون من أجور خدمات البث، لكنها طالبت شركات الإنتاج أيضًا بـ”تنظيم استخدام المواد المنتجة باستخدام الذكاء الاصطناعي أو التقنيات المماثلة”، نظرًا لوجود الكثير من أوجه عدم اليقين حول ما سيحدث مع التقنية ومتى وكيف. تحدثنا مع اثنين من الخبراء في هذا المجال، وكلاهما يقطنان في لوس أنجلوس، وهذا ليس مستغربًا، كما أنّ كليهما مساهمان في مراكز في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، ومع ذلك، فإنهما لا يعملان معًا، ولديهما طرق مختلفة كليًّا في التقنية.
الحزم ضد الذكاء الاصطناعي التوليدي
سيصدر (جوناثان تابلين) أحدث كتبه في سبتمبر، والمعنون (نهاية الواقع: كيف يبيع أربعة مليارديرات مستقبلًا خياليًّا للكون والمريخ والعملات المشفرة). يُذكر أن (تابلين) هو المدير الفخري في (مختبر أنينبيرج للابتكار) في جامعة جنوب كاليفورنيا، ولديه مسيرة طويلة في قطاع الترفيه، وقد كان مديرًا لجولات الموسيقيين، بما في ذلك بوب ديلان، وفرقة ذا باند. إضافة إلى كونه منتجًا سينمائيًّا، ومصرفيًّا، وكاتبًا. وكما قد يُستنتج من العنوان، فالمؤلف ليس من المعجبين بكيفية تطوير أو نشر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية لشركات التقنية الكبرى.
يذكر (تابلين): “إن الطريقة التي يدربون بها نماذجهم هي من خلال استيعاب كل شيء على الإنترنت، دون الاهتمام بحقوق النشر. وتمتلك جوجل ذكاءً اصطناعيًّا لتوليد الموسيقا، دُرّب على مقاطع صوتية على منصة اليوتيوب، كما يمكنك أمره بما يلي: (اكتب لي أغنية تبدو مثل تايلور سويفت، بنهاية حزينة، وإيقاع سريع)، وستبدو الأغنية الناتجة مثلها إلى حد ما”. وأضاف أيضًا: “بوسع الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يقوم بإعادة الاستخدام هذه نفسها مع محتوى الفيديو المملوك للاستوديوهات”.
يرى (تابلين) أن الشاغل الأبرز يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يحل محل جزء من الأعمال التي ينهض بها الكتّاب والفنانون والمصوّرون وغيرهم من محترفي الإبداع في صناعة الفنون والترفيه، وهو يعتقد أن ذلك سيزيد من حدة الأزمات التي تُسهم أصلًا في تراجع السينما والتلفزيون. ويذهب إلى أن العلّة الأكبر في أفلام اليوم هي الإفراط في القوالب الجاهزة وغياب الأصالة، وهو ما يفسّر، في نظره، ضعف أداء الصناعة. ومن ثمّ، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي – بحسب تقديره – لن يفعل سوى إنتاج مزيد من المحتوى النمطي، بما يرفع قابلية التنبؤ ويُضعف عنصر المفاجأة. ويخلص إلى أن الترفيه، في جوهره، قائم على الأفكار الجديدة، وأن هذه التقنية لا تملك القدرة على توليدها.
ويُعبّر (تابلين) كذلك عن قلق بالغ من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تقليص عدد الفنانين القادرين على كسب عيشهم من مجالاتهم. فالعائدات في قطاع الترفيه تذهب بالفعل إلى قلّة محدودة؛ وهو واقع يلمسه الموسيقيون بوضوح، ولا سيما على منصّات البث، وله ما يقابله في هوليوود عبر الإيرادات الضخمة التي تُدرّها شباك التذاكر لصالح عدد محدود من نجوم الأفلام الرائجة. ويقول (تابلين): «حين يتشكل (اقتصاد خوارزمي)، تُضيّق الخوارزميات نطاق الأجور على معظم العاملين، بينما يحصل عدد قليل على رواتب هائلة». ولهذا يأمل في أن يظهر نظام ترخيص جماعي شبيه بما هو معمول به في عينات الموسيقى، بما يوفّر حماية للفنانين عندما يُستخدم محتواهم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
بعض المخاوف من تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي
عبّر (إيف بيرجكويست)، وهو مدير مشروع الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب في المشاريع الإعلامية في مركز تقنية الترفيه التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا، والممول من استوديوهات هوليوود، عن بعض المخاوف بشأن التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على صناعة الإعلام والترفيه قائلًا: “إنها تقنية ثورية تمامًا، تتميز بالتضليل وبعض الجنون”. وقد نستنتج أن رأيه في الذكاء الاصطناعي التوليدي ربما يكون أكثر إيجابية من رأي (تابلين).
سألنا (بيرجكويست) عما إذا كانت استوديوهات الأفلام ستتبنى الذكاء الاصطناعي التوليدي، فأجاب أن أجزاءً منها تفعل ذلك بالفعل. “تتمتع بعض المجموعات داخل الاستوديوهات بمهارة تكنولوجية عالية، مثل كبار مسؤولي التكنولوجيا، وجميع فناني المؤثرات البصرية، والفنيين، فهم متطورون للغاية، ويعملون مع شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تقوم الاستوديوهات بالكثير من أعمال ما بعد الإنتاج في الأفلام -وخاصة في الرسوم المتحركة- وهناك الكثير من الضغوط لخفض التكاليف. وتتمتع شركات ما بعد الإنتاج بثقافة تطوير البرمجيات، لذلك تتبنى الذكاء الاصطناعي التوليدي”.
ويظن أيضًا أن أكثر من شركة من شركات الإنتاج ستتبنى التقنية، كونها تصور بالفعل على شاشات كبيرة تعتمد على (LED) وستحتاج إلى صور توليدية لها. توقّع (بيرجكويست) أن تبني الأدوات التي تقدم الممثلين الافتراضيين وتركيب الأصوات بشكلٍ متكرر من قبل صناع محتوى المقاطع القصيرة لينشروها على منصة (TikTok)، أو منصة (YouTube)، ومن قِبل منتجي ألعاب الفيديو أيضًا، وأشار إلى أن “قنوات البث والإعلانات الرقمية والألعاب هي ما يشاهده الأطفال هذه الأيام”، كما ذكر أنه “لم تعد صناعة الإعلام تحتكر الترفيه”، كما يقوم صانعو الأجهزة (مثل الكاميرات) أيضًا، بتجربة تأثيرات بصرية توليدية داخل الكاميرا.
لاحظ (بيرجكويست) أن الجانب التجاري لاستوديوهات الأفلام التقليدية يكون أحيانًا أكثر ترددًا في تبني الذكاء الاصطناعي، وذلك ببساطة لأنهم لا يمتلكون النوع نفسه من ثقافة البيانات أو البرامج. وقال: “يتم تثبيته على المنظمات والأشخاص غير المستعدين”. حتى استوديوهات البث الجديدة، مثل (Netflix)، و(Prime Video)، واجهت الكثير من آلام النمو في رحلات الذكاء الاصطناعي.
ذكر (بيرجكويست) أيضًا، أنه قبل بدء إضراب نقابة الكتاب الأميركيين في مايو، أخبره العديد من كتاب السيناريو أنهم ينظرون إلى أمثال (تشات جي بي تي) على أنها: “أداة مساعدة إبداعية رائعة”، ولكنها ليست شيئًا سيحل محل الكتّاب. وأكد (بيرجكويست) على أهمية العصف الذهني لإنتاج الأفكار، لكنه سينتج محتوى متوسط المستوى. كما قال: “إنه ليس قريبًا من القدرة على التجريد الرمزي (symbolic abstraction) اللازم لتطوير السيناريو، ولا يمكنه إخراج سيناريو ببنية سردية وأبعاد شخصية”، على الأقل ليس الآن. وقد تكون نماذج اللغة المستقبلية ذات المستويات الأعلى من الذكاء والنماذج الجديدة للذكاء الاصطناعي قادرة على القيام بذلك.
يعتقد (بيرجكويست) أنه سيكون للذكاء الاصطناعي التوليدي تأثيرات هائلة ليس على الترفيه فحسب، بل يمتد إلى التعليم أيضًا، ويعتقد أن المؤسسات التعليمية مثل كلية الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا تحتاج إلى تكثيف الدروس لمواكبة جنون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديدة التي يتم إصدارها كل أسبوع تقريبًا. كما يعدّ (بيرجكويست) دورات تدريبية بنفسه حول التقنية لجمعية مهندسي الصور المتحركة والتلفزيون، وهي منظمة تمثل خبراء التقنية في وسائل الإعلام.
هل أصاب الخبيران؟
على الرغم من التباين الحاد بين موقفي (تابلين) و(بيرجكويست) إزاء الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن كليهما قد يكون مصيبًا في تقدير جانب من آثاره. فالضغوط الاقتصادية قد تدفع روّاد الصناعة – ولو في بعض قطاعاتها – إلى تبنّي هذه الأدوات الجديدة، كما أنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي مرشّح لإحداث تحوّلات جذرية في عمليات الإنتاج وما بعد الإنتاج، وفي آليات التوزيع، وفي أنماط حقوق الملكية الفكرية. وقد لا تصبّ هذه التقنية في مصلحة الفنانين التقليديين أو الشركات التي توظّفهم، غير أنّها، في المقابل، مرجّحة لإعادة تشكيل الصناعة على نحوٍ عميق خلال السنوات القليلة المقبلة. ومن المأمول أن يحمل بعض هذه التحوّلات جوانب إيجابية، حتى وإن كان لا مفرّ من تبعات سلبية متوقّعة. وربما كان الخبر المطمئن الوحيد هو أن أيًّا من الخبيرين لا يتوقع اختفاء العنصر البشري من المشهد في المستقبل القريب.
