القائمة الرئيسية

عندما يُعرقل المرؤوسون طريق نجاحك: كيف تتصرف؟

عندما يُعرقل المرؤوسون طريق نجاحك: كيف تتصرف؟
ملخص المقال

المقال يسلط الضوء على ظاهرة المضايقات العكسية في بيئات العمل، حيث يوجه الموظفون الأقل سلطة السلوكيات المسيئة نحو رؤسائهم، مما يقلب الديناميكيات التقليدية للسلطة ويخلق ضغوطًا نفسية وبيئة عمل سامة. تتراوح هذه المضايقات بين الإساءات اللفظية، الترهيب، والتلاعب بسلوكيات تهدف لإضعاف مكانة المدير، وقد تؤدي إلى فقدان الثقة وتدهور معنويات الفريق. لمعالجة هذه الظاهرة، يقترح المقال نهجًا متكاملًا يشمل: تعزيز ثقافة الاحترام والمساءلة، وتمكين القادة بمهارات حل النزاعات، وبناء آليات قوية للإبلاغ عن المضايقات، والاستجابة الفورية والفعّالة للحوادث مع دعم الضحايا، ومتابعة البيئة لمنع أي انتقام لاحق. ويؤكد المقال أن التعامل الجاد مع المضايقات العكسية لا يهدف فقط لمنع السلوكيات الضارة، بل لتعزيز بيئة عمل شاملة قائمة على الاحترام، النزاهة، والعدالة، بما يضمن استدامة المنظمة ونجاحها.

ترجمة: جود الدهيشي

نُشر من قِبَل بنيامين ليكر وسماح شفقات

المضايقات العكسية هي شكل نادر من المضايقات في بيئة العمل، لكنها تقلب موازين القوى التقليدية رأسًا على عقب. فبدلًا من أن يكون أصحاب النفوذ هم المعتدين، يستهدف الموظفون الأقل سلطة رؤساءهم، ما يكشف عن التعقيد الحقيقي للسلوكيات المسيئة في بيئات العمل. قد تأخذ هذه الظاهرة أشكالًا مختلفة، مثل توجيه الإساءات اللفظية للرؤساء، أو ممارسة الترهيب الجسدي، أو زعزعة سلطتهم بنشر شائعات مغرضة، أو التلاعب بسلوكيات تهدف إلى الإضرار بمكانتهم. وعلى الرغم من أنها أقل شيوعًا من المضايقات التقليدية التي تأتي من الأعلى إلى الأسفل، إلا أن تأثيرها قد يكون بالخطورة نفسها، حيث تخلق ضغوطًا نفسية هائلة وتؤدي إلى انتكاسات مهنية كبيرة للضحايا.

تخيل موظفًا مبتدئًا يواصل تدمير مديره من خلال نشر معلومات كاذبة، أو الاعتراض العلني على قراراته، أو تنفيذ عمليات تخريب دقيقة لكنها مؤثرة، مثل هذه التصرفات لا تضعف سلطة المدير فحسب، بل تخلق بيئة عمل عدائية وتزعزع استقرار الفريق بأكمله. أو تخيل مساعدًا إداريًّا يعتمد على سلوكيات سلبية وعدوانية غير مباشرة لإرباك رئيسه، مثل التظاهر “بنسيان” المهام المهمة، أو التأخر المتعمد عن الاجتماعات الحاسمة، أو الإدلاء بتعليقات ساخرة تُقلِّل من شأن قرارات المدير أمام الآخرين. على الرغم من أن هذه الأفعال قد تبدو غير مؤذية للوهلةِ الأولى، فإنها تسهم تدريجيًّا في خلق بيئة عمل سامة تقوض مصداقية القائد وتضعف فاعليته. عندما تترسخ هذه النوعية من المضايقات في بيئة العمل، فإنها تقوض أسس الاحترام والثقة بين الموظفين على جميع المستويات. في بيئة يشعر فيها المرؤوسون بأنهم قادرون على مضايقة رؤسائهم دون عواقب، تصبح معنويات الفريق وتماسكه في خطر. هذا النمط السام لا يؤثر فقط على الضحايا المباشرين، بل يمتد ليؤثر على المناخ التنظيمي بأكمله. لذا، لمعالجة هذه المشكلة، لا بد من اتباع نهج شامل ومتعدد الجوانب يتضمن سياسات واضحة، وتثقيفًا مستمرًّا، ونظم دعم قوية، ويمكن للمنظمات البدء بتنفيذ الخطوات التالية:

أولًا، تعزيز ثقافة الاحترام والمساءلة: من الضروري تأسيس بيئة عمل يكون فيها الاحترام أولوية قصوى، ويُحاسَب الجميع على سلوكاتهم. يتطلب ذلك وضع توقعات واضحة للسلوكات المقبولة، وتقديم تدريبات منتظمة حول المضايقات المهنية وأهمية الاحترام، وضمان وجود عواقب فعلية لأي شكل من أشكال المضايقة، بصرف النظر عن مرتكبها أو منصبه. ولا ننسى بأنه يجب أن تُوضَّح السياسات المتعلقة بالسلوكيات المقبولة لجميع الموظفين من خلال جلسات التوجيه، والكتيبات الإرشادية، والتذكيرات الدورية. كما تُعد الدورات التدريبية المنتظمة حول المضايقات وسلوكات العمل أداة أساسية لتعزيز هذه القيم، ويفضل أن تتضمن سيناريوهات واقعية وتمارين تفاعلية تساعد الموظفين على التعرف إلى التصرفات غير اللائقة. إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام الاستبيانات مجهولة الهوية لقياس مدى فاعلية هذه المبادرات، ما يتيح للقادة فرصة تعديل السياسات والبرامج وفقًا للاحتياجات الفعلية للموظفين.

ثانيًا، تمكين القادة من مهارات حل النزاعات: تزويد القادة والمديرين بالمهارات اللازمة للتعامل مع النزاعات بفاعلية يعد أمرًا بالغ الأهمية للحد من آثار المضايقات العكسية. يساعد التدريب على حل النزاعات، والاستماع الفاعل، والتواصل الحازم مع القادة على معالجة المشكلات بسرعة ومنع تفاقمها. يجب أن يتعلم القادة أساليب مختلفة لحل النزاعات، مثل الوساطة والتفاوض، وأن يمارسوا هذه المهارات من خلال سيناريوهات محاكاة واقعية. إذ يمكن أن يُحدث استخدام الاستماع الفاعل والتواصل الحازم فرقًا كبيرًا في قدرة القادة على فهم مخاوف الموظفين والاستجابة لها، ما يسهم في خلق بيئة عمل أكثر صحة وتعاونًا. وإضافةً إلى ذلك، يمكن أن يكون إنشاء مجموعات دعم بين الأقران مفيدًا، حيث يتشارك القادة تجاربهم واستراتيجياتهم في التعامل مع النزاعات، ما يعزز من قدرتهم على إدارة التحديات بشكل أكثر فاعلية.

ثالثًا، إنّ بناء آليات قوية للإبلاغ عن المضايقات هو أساس أي بيئة عمل تحترم موظفيها: من الضروري توفير قنوات آمنة ومتاحة للجميع للإبلاغ عن المضايقات، مع ضمان الحفاظ على سرية المبلغين لحمايتهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود عملية واضحة وشفافة للتعامل مع الشكاوى يعزز الثقة ويعكس التزام الإدارة بالحفاظ على بيئة عمل محترمة. ولضمان معالجة الشكاوى بحيادية، يمكن إدخال خدمات الوساطة من أطراف ثالثة، ما يوفر ضمانات إضافية، ويوفر مستوى من النزاهة قد يطمئن الموظفين أكثر. وعليه، تساعد خيارات الإبلاغ المجهولة، مثل الخطوط الساخنة والنماذج الإلكترونية، الموظفين على التحدث بحرية دون خوف، لكنها قد تشكّل تحديًا للقيادة في الاستجابة بفاعلية بسبب غياب تفاصيل الأطراف المعنية. وللتغلب على ذلك، يمكن للقيادة تعزيز ثقافة الشفافية من خلال سياسة الباب المفتوح، ما يشجع الموظفين على النقاش المباشر، كما يمكنها تنظيم برامج تدريبية وتوعوية مستمرة تستند إلى القضايا الشائعة في التقارير المجهولة، بالإضافة إلى تطوير سياسات العمل باستمرار لمعالجة المشكلات النظامية المحتملة. بهذه الخطوات، تصبح القيادة أكثر قدرة على التعامل مع قضايا المضايقات بفاعلية، حتى في ظل التقارير المجهولة.

وأخيرًا، الاستجابة بفاعلية لحوادث المضايقات: التعامل مع حوادث التحرش فور وقوعها أمر ضروري، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمضايقات العكسيّة، حيث تتغير ديناميكيات القوة التقليدية. لذا، على القادة أن يكونوا مستعدين لاتخاذ إجراءات حاسمة لا تعالج السلوك غير اللائق فحسب، بل تضمن أيضًا الدعم الكامل للضحية. فعند تلقي بلاغ عن المضايقات العكسية، يجب على القادة اتباع نهج مدروس وفاعل، يشمل الخطوات التالية:

  • باشر التحقيق فورًا

عند وقوع حادثة تحرش أو مضايقة، يجب فتح تحقيق شامل وحيادي لجمع كل الحقائق المتعلقة بالواقعة، ويشمل ذلك مقابلة الضحية، والمتحرش المزعوم، وأي شهود محتملين. ففي حالات المضايقات العكسيّة، حيث يكون هناك اختلال في ميزان القوى، فمن الضروري التعامل مع هذه التحقيقات بحساسية وسرية تامة، ما يحمي جميع الأطراف ويعزز الثقة في العملية. لذا، يجب أن يأخذ التحقيق في الحسبان تعقيدات هذه الديناميكيات، لضمان تقديم تقييم عادلٍ. أما في الحالات المجهولة التي لا يمكن التحقيق فيها بشكلٍ فردي، فإن مراجعة التقارير المجمّعة قد يساعد في كشف أنماط التحرش المتكررة، ما يسمح باتخاذ تدابير تنظيمية أوسع لمواجهتها.

  • إجراءات تأديبية صارمة وواضحة

بعد انتهاء التحقيق، يجب اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة بحق المتحرش وفقًا لخطورة فعله، سواء أكان ذلك تحذيرًا رسميًّا أم فصلًا نهائيًّا. فمن الضروري توضيح العواقب بشكل صريح للمتحرش، مع توثيق جميع الخطوات المتخذة لضمان الشفافية والعدالة في تنفيذ السياسات. وبما أن المضايقات العكسيّة تنطوي على ديناميكيات سلطة غير تقليدية، يجب على القادة أن يكونوا حذرين في التعامل مع العقوبات لضمان العدالة التامة، دون تحيز لأي طرفٍ، سواء أكان المرؤوس أم المسؤول الأعلى. وبذلك، تعزز المؤسسة بيئة عمل قائمة على الاحترام والمساءلة، ما يضمن شعور الجميع بالأمان والإنصاف.

  • تمكين الضحية واستعادة الثقة

عند وقوع حادثة تحرش، لا يقتصر دور المؤسسة على التعامل مع الفعل نفسه، بل يمتد إلى دعم الضحية بكل الوسائل الممكنة. وقد يشمل ذلك تقديم استشارات نفسية، أو تعديل بيئة العمل لضمان الشعور بالأمان، أو اتخاذ تدابير تحمي رفاه الموظف. لكنَّ الدعم لا يجب أن يكون لحظيًّا فقط، بل من الضروري المتابعة المستمرة، والاستماع بإنصات إلى مخاوف الضحية، وتوفير كل ما يعزز شعورها بالأمان. ففي حالات المضايقات العكسيّة، قد يشعر الشخص الضحية بالتقليل من شأنه بسبب تعرضه للإساءة من مرؤوس، فيصبح تمكينه واستعادة ثقته بنفسه ضرورة حتمية، حيث تعكس التزام المؤسسة بحماية جميع موظفيها وتعزيز بيئة يسودها الاحترام والعدالة.

  • المتابعة لضمان بيئة عمل خالية من الانتقام

حتى بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، لا ينتهي دور القيادة هنا، بل يجب الاستمرار في مراقبة بيئة العمل، لرصد أي بوادر انتقام أو مضايقات مستمرة. ففي حالات المضايقات العكسيّة، من الضروري إجراء مراجعات دورية للتأكد من توقف السلوك المسيء، وضمان أن كلا الطرفين -الرئيس والمرؤوس- يدركان بوضوح التزام المؤسسة بتوفير بيئة قائمة على الاحترام المتبادل. ولترسيخ هذه الثقافة، ينبغي الاستمرار في إطلاق برامج تدريبية وتوعوية تسلط الضوء على جميع أشكال التحرش، بما في ذلك الديناميكيات العكسية، ما يعزز ثقافة عمل قائمة على النزاهة والإنصاف. فعندما تدرك المؤسسات تعقيدات المضايقات العكسيّة وتتعامل معها بجدية، فإنها لا تحمي موظفيها فحسب، بل تبني بيئة عمل أكثر شمولًا ودعمًا للجميع. فالأمر لا يقتصر على منع التحرش، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة يشعر فيها كل فرد، بصرف النظر عن منصبه، بالتقدير والاحترام. وعلى الجانب الآخر، فإن التغاضي عن هذه السلوكيات لا يكرّس بيئة سامة فحسب، بل يهدد أيضًا جوهر نجاح المنظمة واستدامتها. فإن اتخاذ موقف حاسم ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل أكثر عدلًا وتمكينًا، حيث يزدهر الجميع في بيئة عمل قائمة على النزاهة والاحترام المتبادل.

نبذَّة عن المؤلفين

بنيامين ليكر هو أستاذ في مجال القيادة في كلية هينلي للأعمال في جامعة ريدينغ، ومؤلف مشارك لكتاب “صناعة الوظائف” (منشورات تابعة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2024م). سماح شفقات هي محاضِرة أولى في سلوكيات المنظمات في كلية إدارة الأعمال في جامعة ليفربول.

مقالات ذات صلة