كايِل بي. موراي وجيرالد هوبل
يُفترض على نطاق واسع أن الشركات المهيمنة في العديد من أسواق التقنية تمتلك ميزة قوية تُمكّنها غالبًا من تعزيز تفوّقها مع مرور الوقت. غير أن هذا الافتراض ليس صحيحًا بالضرورة، فعلى مدى العقد الماضي، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، مثل Friendster وMySpace وBebo، إقبالًا كبيرًا من المستخدمين في البداية، لكنها سرعان ما فقدت مكانتها أمام منافسين جدد وتلاشت في الخلفية.
أما Facebook فقد نجح –على النقيض من ذلك– في توسيع مكانته بشكل ملحوظ في السوق العالمية، حتى مع مواجهته تزايد أعداد المستخدمين غير الراضين. وقد شهدت شركات تقنية معروفة مثل Microsoft وAOL أنماطًا مشابهة من الظهور والنمو والسيطرة، تلتها حالة من خيبة أمل أو فتور لدى المستهلكين وفقدان لقيمة العلامة التجارية. فما الذي يدفع الشركات للانتقال من قوة السوق إلى حالة من الهشاشة؟
أظهرت الأبحاث أن عدة عوامل تؤثر في قدرة الشركة على الحفاظ على ريادتها السوقية، من بينها الابتكار التقني، وتغيرات بنية السوق، ودورات حياة المنتجات القصيرة، وقوة رأس المال، والقدرة على الترويج. إلا أن ثمة عاملًا حاسمًا تم تجاهله إلى حد كبير، وهو القوى النفسية التي توجه قرارات المستهلكين، وتحديدًا درجة شعور الناس بأن لديهم حرية الاختيار. وخلال العقد الماضي، اتبعنا منهج الاقتصاد السلوكي لتحليل هذه الظاهرة.
فبمجرد أن يتعلم الناس التعامل مع واجهة تقنية فريدة لشركة ما، يصبحون أكثر كفاءة في استخدامها، وغالبًا ما يترددون في الانتقال إلى منتجات منافسة تتطلب مهارات جديدة أو تتيح نقلًا محدودًا للمهارات الحالية. كما أثبتت شركات مثل Microsoft من خلال نظام التشغيل Windows وبرمجيات Office أن المبادِرِين الأوائل الذين يحققون حصة سوقية مهيمنة هم في موقع مثالي لتزويد العملاء بخبرة خاصة بالواجهة تمنحهم هذا النوع من التفوق التنافسي. ولتحليل هذه الظاهرة، أنشأنا مجموعة من المواقع الإلكترونية الفريدة التي تتيح للمستهلكين البحث عن مجموعة متنوعة من الأخبار، ثم أجرينا سلسلة من التجارب لدراسة مدى تأثر تفضيلات المستهلكين بخبرة الواجهة المحددة، فقد أُتيح لبعض المشاركين اختيار الموقع الذي يتعلمون استخدامه، في حين أُلزم آخرون بواجهة واحدة دون بدائل. ووجدنا أنه بمجرد أن يتعلم المستهلكون استخدام واجهة معينة، يترددون في التحول عنها، وفي بعض الحالات احتفظ الموقع الأول بجميع مستخدميه، في حين انتهى الأمر بالواجهة المنافسة إلى حصة سوقية معدومة.
لكننا اكتشفنا أيضًا أن هناك حدودًا للمدى الذي يمكن للشركات الرائدة استغلال ولاء العملاء من خلال التدريب وواجهة الاستخدام الفريدة. فعلى وجه التحديد، ٥١٪ من المستهلكين الذين لم يكن لديهم خيار في اختيار الواجهة التي تعلموا استخدامها انتقلوا إلى موقع منافس بمجرد توفره. في حين من بين أولئك الذين أُتيحت لهم حرية اختيار الموقع الذي يتعلمون استخدامه، لم ينتقل سوى ٢٣٪ إلى المنافس، رغم أن مستخدمين آخرين صنفوا موقع المنافس بأنه متفوق في عدة جوانب (بما في ذلك سهولة الاستخدام، والمتعة، والكفاءة، والفعالية). وباختصار، وجدنا أن ميزة الشركة الرائدة في تثبيت مجموعة من المهارات غير القابلة للنقل لدى قاعدة عملائها تقابلها قوة نفسية مضادة، تُحفز الناس على مقاومة القيود المفروضة على حرية اختيارهم.
الابتعاد عن القائد
تعمل المقاومة النفسية بهذا الشكل، فعندما يتعلم الناس استخدام واجهة إلكترونية معينة مرتبطة بالبحث عن المعلومات أو التسوق عبر الإنترنت مثلًا، غالبًا ما يصبحون مرتبطين بها ويطورون مستويات عالية جدًّا من الولاء، حتى عندما تتوفر بدائل منافسة متكافئة؛ إذ إن تكلفة التحول تفوق فائدة استخدام منتج آخر. إلا أن أبحاثنا تشير إلى أن عمق الولاء يضعف عندما يشعر المستهلكون بأن حريتهم في الاختيار مقيدة. فعلى وجه التحديد، كلما شعر الناس بأن خياراتهم محدودة وأن واجهة واحدة تهيمن على السوق، يتفاعلون مع هذا القيد بالابتعاد عن عرض الشركة الرائدة، مما يعرّضهم لتكاليف التحول المرتبطة بذلك.
وبالتالي، تصبح الشركات التي تبدو كأنها تحتكر السوق عرضة بشكل مفاجئ لانسلاخ العملاء عنها. وقد شهدنا ذلك مع متصفح Internet Explorer من Microsoft، إذ انخفضت حصته السوقية من ٦٧٪ في سبتمبر ٢٠٠٨م إلى ٣٩٪ بحلول سبتمبر ٢٠١١م، في حين ارتفعت حصة متصفح Chrome من Google من ١٪ في سبتمبر ٢٠٠٨م إلى ٢٢٪ في سبتمبر ٢٠١١م. وتشير نتائجنا إلى أنه رغم عدم وجود فرق موضوعي في جودة منتج الشركة المهيمنة ومنتج المنافس الجديد، إلا أن المستهلكين يبدؤون في اعتبار عرض الشركة الرائدة أكثر إرهاقًا في الاستخدام مقارنة بالبدائل. ويظل هذا صحيحًا حتى عندما يكون المستهلكون أكثر مهارة فعليًّا في استخدام الواجهة المهيمنة، مما يشير إلى أنه عندما يتوفر منافس فعّال، يكون كثير من المستهلكين ميالين للتحول إليه. وهذا لا يعني أن جميع العملاء سيغيرون ولاءهم بين ليلة وضحاها، لكن عندما تظهر بدائل جذابة، تصبح الشركة الرائدة معرضة بشكل خاص لفقدان أولئك المستهلكين الذين يشعرون بأن الشركة المهيمنة قد قيّدت قدرتهم على اختيار المنتجات بحرية.
بحثنا يحمل آثارًا مهمة لفرق الإدارة التنفيذية، سواء في الشركات الرائدة أو منافسيها، وبعض هذه الآثار قد تبدو مخالفة للتوقعات السائدة.
الآثار بالنسبة إلى قادة السوق
نظرًا للمخاطر المرتبطة بإثارة ردود فعل نفسية مقاومة لدى المستخدمين الحاليين والمحتملين، ينبغي على قادة السوق أن يتحلوا بالحذر من الوقوع في فخ الهيمنة المفرطة أو الظهور بمظهر النجاح المطلق. ومن المفارقات أن دعم المنافسين، بل وحتى تشجيعهم قد يكون في صالح الأعمال التجارية. تشير نتائجنا –على سبيل المثال– إلى أن المستهلكين الذين يعتقدون أنهم اختاروا بحرية استخدام جهاز حاسوب شخصي يعمل بنظام ويندوز (Windows) بدلًا من جهاز ماك (Mac)، قد يكونون أكثر ميلًا للولاء لشركة مايكروسوفت (Microsoft). وهذا يشير أيضًا إلى أن استثمار مايكروسوفت مبلغ 150 مليون دولار في شركة آبل (Apple) عام 1997م لضمان بقائها (وبذلك توفير خيار حقيقي للمستهلكين في أنظمة التشغيل)، ربما كان خطوة مهمة نحو الحفاظ على هيمنتها في الأسواق الأساسية لأجهزة الحاسوب الشخصية.
الآثار بالنسبة إلى المنافسين الأصغر حجمًا
ستكون الشركات الرائدة في السوق في وضع غير مؤاتٍ إذا ما أثارت هيمنتها ردود فعل مقاومة ضمن قاعدة عملائها. وفي مثل هذه الحالات، سيتعين عليها أن تجذب العملاء الذين يسعون بدافع ذاتي للبحث عن بدائل معقولة تقدمها شركات أخرى، ربما تكون أصغر حجمًا، خصوصًا إذا تمكن هؤلاء العملاء من إعادة تطبيق المهارات التي اكتسبوها. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي استمرار هيمنة غوغل (Google) على البحث في الإنترنت إلى ظهور فئة من المستخدمين المقاومين الذين يبحثون بنشاط عن بديل مقبول.
عند توفر الخيار، قد يكون من الأفضل للشركات الحفاظ على صورة الشركة الصغيرة، فقد يؤثر ذلك على نظرة المستهلكين لجعل واجهة المستخدم تبدو أسهل وأكثر جاذبية مما هي عليه في الواقع. وفي الحقيقة، قد تكون الأسواق التي يهيمن عليها لاعبون أقوياء للغاية جاهزة لدخول منافسين جدد عندما تخلق المقاومة النفسية فئة من المستهلكين المستعدين للتحول. ومن المفارقات، أن النجاح المبكر لخدمة إلكترونية جديدة (مثل متجر تطبيقات آيفون (iPhone App Store)) قد يجعلها أكثر عرضة للمنافسة (على سبيل المثال، من تطبيقات أندرويد (Android) التابعة لغوغل).
هناك مجموعة معقدة من العوامل تؤثر في الخيارات التي يتخذها المستهلكون في الأسواق المتغيرة بسرعة، مثل تطبيقات الهواتف المحمولة، والشبكات الاجتماعية، وغيرها من الواجهات الإلكترونية الناشئة. ويستجيب اللاعبون الطموحون بالتركيز على تطوير المنتجات، وبناء العلامة التجارية، وتحقيق الكتلة الحرجة بسرعة. وتشير أبحاثنا إلى أن أحد المحركات الأساسية للولاء لدى المستهلكين هو مدى شعورهم بأن لديهم حرية الاختيار في الواجهة التي يستخدمونها، وأن المقاومة النفسية يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة على تفضيلات المستهلكين وحصص السوق على حد سواء.
لا يزال هناك الكثير مما لا نعرفه بشأن كيفية تمكن الشركات المهيمنة من مواجهة آثار المقاومة النفسية، فمن الممكن –على سبيل المثال– أن الشركة التي تتصدر السوق من خلال التجديد السريع والابتكار المستمر في خطوط منتجاتها –كما فعلت آبل (Apple) مع أجهزة آيبود (iPod)، وآيفون (iPhone)، وآيباد (iPad)– تستطيع أن تتجاوز توقعات المستهلكين باستمرار وتقلل من المقاومة النفسية لديهم. وقد تؤدي الحصص السوقية الصغيرة أو حتى الفشل في خطوط منتجات أخرى إلى تخفيف آثار المقاومة النفسية (فعلى سبيل المثال، تحتل آبل حصة مهيمنة في سوق الأجهزة اللوحية، لكنها تملك حصة صغيرة نسبيًّا في أجهزة الحاسوب المكتبية والمحمولة). وفي نهاية المطاف، ينبغي لقادة السوق الذين يرغبون في البقاء في الصدارة أن يسعوا لإيجاد طريقة لمعالجة ضعفهم أمام المقاومة النفسية لدى المستهلكين، ويبدو أن مفتاح النجاح يكمن في جعل المستهلكين مرتبطين بالمنتج، مع شعورهم بأنهم ما زالوا أحرارًا في الاختيار. فالمستهلكون الذين يدركون أنهم قادرون على الانتقال إلى منافس في أي وقت يكونون أكثر رضا وأقل ميلًا للانشقاق.
