القائمة الرئيسية

يوجد “أنا” في الفريق

يوجد “أنا” في الفريق
ملخص المقال

يتناول المقال أهمية التركيز على تطوير مهارات الأفراد قبل الفريق عند إدارة تغييرات جذرية في بيئة العمل، مستندًا إلى دراسة في مصنع إلكترونيات، حيث وجد الباحثون أن الفرق التي أعادت تأهيل مهارات أعضائها فرديًا أولًا حققت أداءً أفضل بنسبة تصل إلى 12% مقارنة بالفرق التي ركزت مباشرة على التنسيق الجماعي، وأن المكافآت الفردية في هذه المرحلة عززت التعلم الذاتي. بعد إتقان المهارات الفردية، يمكن للفريق الانتقال إلى تحسين التنسيق الجماعي مع دعم المكافآت الجماعية لتعزيز التعاون، ما يحقق أداء أعلى واستجابة أسرع للتغيير. ويؤكد المقال أن التتابع الزمني في تطوير المهارات—من الفرد إلى الفريق—هو أساس النجاح في التكيف مع التحولات الكبيرة، سواء في المصانع أو المجالات الأخرى، وأن تجاهل هذه الأولوية يؤدي إلى صعوبات في التأقلم وأداء أقل.

ترجمة أبرار اللهيبي

تظهر الدراسات أن التركيز على تحسين الأداء الفردي قبل المجموعة يؤدي إلى نتائج أفضل عند التعامل مع التغيرات الجذرية

إيليد ن. شيرف، سوبرا تانجيريلا، وأليكس نينغ لي

تخيل أنّك تدير مصنعًا لجمع الأجهزة الإلكترونية، ويعمل بها المشغلون بصورة مترابطة في خطوط التجميع، ويواجهون تحولًا تكنولوجيًّا جذريًّا نفذته مؤخرًا، حيث استُبدلت مهام سابقة كانت تعد يدويًّا، بالأيادي الروبوتية والآلات المبرمجة تلقائيًّا لتسهيل عملية التجميع.

تتولى الأيادي الروبوتية الآن التحركات المتكررة والدقيقة، مثل تركيب الأجزاء معًا ووضع المواد اللاصقة، ويحرر هذا التغيير المشغلين من الأعمال المملة، ويصب تركيزهم على جوانب أكثر تعقيدًا في عملية التجميع، مثل مراقبة الجودة، واستكشاف الأخطاء وإصلاحها والتسلسل الأمثل للعمليات، إلا أن عليهم التأقلم مع بيئة العمل الجديدة: يجب عليهم تعلم كيفية تشغيل وصيانة هذه الأنظمة التلقائية فرديًّا، وكيفية التنسيق على نحو مختلف كمجموعة.

يمكننا أن نُسقط هذا التغيير في كيفية انتماء أعضاء الفريق لأدوارهم الفردية، ولبعضهم بعضًا، على شتى أنواع التغيرات التي تطرأ في مختلف بيئات العمل، سواء أكانت ناتجة عن قرارات تنظيمية لتبني تكنولوجيا جديدة، أو تجديد في اللوائح القانونية، أو تحولات هيكلية، كلها تتطلب تهيئة للتكيُّف على المستويين الفردي والجماعي.

فعلى سبيل المثال، لو أن فريق المحاسبة يواجه تغييرًا في قوانين الإفصاح، قد يتطلب ذلك إتقان قواعد الإبلاغ الجديدة بشكل فردي، إلى جانب إعادة النظر في التعاون داخل الفريق لبناء نظام رقابة داخلية جديد. وقد يحتاج الموظفون في مؤسسة ما عند التحول من هيكل وظيفي إلى هيكل تقسيمي إلى اكتساب المعرفة فرديًّا عن المنتجات والخدمات المقدمة من كل قسم، بالإضافة إلى تعلم كيفية التنسيق مع الزملاء بفاعلية في بيئة جديدة متعددة الوظائف.

للنجاح في إدارة التغيير لا بد من التغلب على تحديات التعلم والتكيف، لكن، وكما ننوه في ورقتنا البحثية التي أجريت مؤخرًا في أورجنايزيشن ساينس، أن القادة عادة لا يولون اهتمامًا كافيًا ما إذا كان أفراد الفريق يعيدون تأهيل مهاراتهم، أو متى وكيفية العمل على ذلك، وعادةً ما يتركز اهتمامهم على الفريق ككُلّ. أظهر بحثنا فوائد محتملة في إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل مهارات الفريق بشكل منفرد.

كشفت دراستنا حول كيفية تأقلم الأفراد والجماعات مع التغيير في شركة مصنعية، أن تكيُّف الفريق مع التغيرات الجذرية يحدث بشكل أسرع إذا ما ركزنا على التعلم الفردي أولًا.

أعد تأهيل مهارات الفرد قبل الفريق

يُبنى الفريق الناجح بمهارات على مستويين مختلفين: على أفراد الفريق العمل لأداء مهامهم بكل احترافية، كما يجب عليهم العمل بصورة جيدة مع بعضهم، ونزعم أنه من الصعب على الفريق إتقان وتعزيز التنسيق الجماعي، ما لم يتقن كل فرد مهاراته، وهذا بسبب أن التنسيق الجماعي لا يُحقق إلا بمهارات الأفراد، وللتعامل جيدًا مع التغيرات الجذرية لا بد من تطوير المهارات الفردية أولًا.

تؤكد دراستنا هذه الآراء، حيث قمنا بدراسة حول تغيير جذري في أحد أقسام شركة كبيرة لتصنيع الإلكترونيات في شرق الصين، يعمل فيها أكثر من 10.000 موظف. تابعنا 116 فريق إنتاج لعدة شهور، كانت هذه الفرق قد بدأت للتو بالتكيف مع سلسلة تطورات تكنولوجية جذرية تتطلب استخدام أدوات جديدة وعمليات إنتاج مختلفة. ولقياس أداء الفريق قبل وبعد التغيير، استعنّا بمعيار الأداء في الشركة نفسها وهو العائد، أي نسبة المنتجات التي تُصنع وفق المواصفات التقنية المطلوبة.

وكما توقعنا، أثرت الحاجة للتأقلم مع التغيير سلبًا على العائد. كان متوسط نسبة العائد 99.15% قبل أسبوعين من التغيير، وتراجعت النسبة إلى 93.82% بعد أربعة أسابيع تقريبًا من التغيير، إلا أن هذا التراجع لم يكن بالتساوي على جميع الفرق. نعزو هذا التمايز بين الفرق إلى تباين شدة التغيير الذي واجهته: وجب على بعضهم تعلم الكثير مرة أخرى على المستويين الفردي والجماعي. ومع أخذ شدة التغيير في الحسبان، وجدنا أن الفرق التي ركزت في البداية على إعادة تأهيل مهارات الأفراد سجلت معدل أداء أفضل بنسبة 12% مقارنة بالفرق الأخرى التي ركزت على تحسين التنسيق الجماعي، ولعب نظام المكافآت دورًا حاسمًا: حيث تفوق أعضاء الفرق الذين حصلوا على مكافآت فردية في التعافي من التغيير مقارنة بمن حصلوا على مكافآت جماعية في المرحلة الأولية.

عندما تفحصنا العائد مجددًا بعد شهرين وفي مرحلة لاحقة من التغيير، صعد متوسط نسب العائد مرة أخرى إلى 96.95% في جميع الفرق، إلا أن أداءهم كان عالي التباين مقارنة بما قبل التغيير.

في هذه المرحلة، الفرق التي بدأت بإعادة تأهيل مهارات الأفراد وعملت على التنسيق الجماعي لاحقًا، حققت أداء أفضل بنسبة 11% من الفرق التي لم تُجرِ هذا التحول، وقد مكّن نظام المكافآت الجماعي هذه الفرق من الانتقال بسهولة من إعادة تأهيل مهارات الأفراد إلى التنسيق الجماعي.

أدر التغيير على مرحلتين

يُبيّن بحثنا أن إدارة تغيير مؤسسي جذري بحاجة إلى استجابة متتابعة على فترتين.

على القادة حث الأفراد في المراحل الأولية التي تتبع حدوث التغيير، على إعادة تأهيل مهاراتهم في أداء المهام، ولا يعني ذلك التدريب فقط، بل منح الأعضاء وقتًا لتجربة وإتقان أداء المهام فرديًّا قبل الانخراط في محاولة تحسين الفريق ككل. وفي سياق دراستنا، مُنح أعضاء الفرق التي نجحت مبكرًا، المزيد من الوقت للتجربة لإكمال مهامهم بطرق مختلفة، وتطويع المعدات بما يتناسب مع احتياجاتهم. إذ يجب أن يدعم نظام المكافآت إعادة التأهيل الفردي في هذه المرحلة، ويركز الأفراد في الفريق على تحسين المهارات الفردية حين تعكس المكافآت مساهماتهم، ما يعزز التركيز الذاتي والسعي لتحقيق الأهداف الشخصية.

في مرحلة لاحقة بعد تغيير جذري، وبمجرد أن أتقن أعضاء الفريق مهاراتهم الفردية، يمكنهم الشروع بتجربة التنسيق وسير المهام وتمييز التكرارات في عملهم الجماعي. وفي دراستنا، ما إن أتقن أعضاء الفريق مهامهم الجديدة فرديًّا، أصبح من الواضح إمكانيتهم في أداء مهامهم بشكل أسرع مما كان عليه في السابق. تتضمن هذه النتيجة أنه كان على الفرق إعادة توزيع المهام بما يحقق كفاءة أكبر في سير العمل. هذه هي المرحلة التي يجب التركيز فيها على المكافآت الجماعية، إذ يصبح أعضاء الفريق أكثر حرصًا على تعلم المهارات الجماعية حين تكون المكافآت جماعية والفروقات بين الأجور مُقلصة، وتعزز هذه المكافآت التركيز على الآخرين والتعاون والسعي لتحقيق أهداف الفريق.

تكمن أهمية توالي المكافآت في ضبط تركيز أعضاء الفريق على المهام الأولى وبالتسلسل الصحيح، وهذا بالتتابُع من التركيز الأولي وهو التأهيل الفردي، إلى ممارسة التنسيق الجماعي. وتقديم المكافآت الجماعية من البداية لا يحفز عملية التأهيل الفردي التي تشكل أساس العمل الجماعي.

التوقيت مهم

قدمنا في بحثنا هذا عدة دلائل تجريبية لدعم فكرة بناء مهارات الفرد قبل الفريق لتحسين التكيُّف مع التغيرات في بيئة الأعمال، وندرك الآن إمكانية إسقاط هذا المبدأ بالمثل على عدة مجالات أخرى.

سن قانون جديد في كرة القدم في أوائل التسعينيات، بمنع حراس المرمى من استخدام أيديهم في التقاط الكرة من المدافعين، وهذا يمثل تغييرًا جذريًّا في مسار لعب هذه الرياضة، حيث استدعى ذلك إتقان مهارات وأنماط تنسيق جديدة. كافح اللاعبون للتأقلم مع القانون الجديد في البداية إذ اعتاد المدافعون تمرير الكرة لحراس المرمى، وبما أن خبرة الحراس في استخدام أرجلهم عوضًا عن التقاط الكرة بأيديهم قليلة، ارتكبوا الأخطاء.

ركز العديد من المدربين في البداية على مهارة تسليم الكرة بين حراس المرمى والمدافعين لتحسين عملية التنسيق بين اللاعبين، إلا أن هذه الأساليب لم تكلل بالنجاح، فقد عكسوا التسلسل الصحيح بدفع اللاعبين للتركيز على التعاون معًا قبل أن يطور كلٌّ من الحراس والمدافعين مهاراتهم الفردية.

في المقابل، ركز مدربون آخرون على مساعدة حراس المرمى في احتراف مهارتَي المراوغة والتمرير دون إشراكهم في اللعب المشترك. لاحقًا، وعندما اكتسب اللاعبون هذه المهارات بشكل فردي، تمكّنوا فيما بعد من التنسيق بطرق إبداعية جديدة لتعزيز الدفاع والهجوم، وحققت هذه الاستراتيجية نجاحًا أكبر وأدت إلى إعادة تصور طريقة اللعب ككل.

لا يمكن بناء القدرات الجماعية إلا بوجود أساس مهارات فردية قوية. فعادةً ما يغفل القادة عن ذلك عند حدوث التغيير، فينشغلون بتحسين عمل الفريق الجماعي قبل أن يتقن الأفراد مهامهم. على القادة المسؤولين إدارة التغيير بتقديم المساحة الكافية والمحفزات للأفراد لتتيح لهم تجربة وتعلم التقنيات والمعارف الجديدة ذاتيًّا قبل إشراكهم في العمل الجماعي لتخطيط أفضل الطرق للتعاون الجماعي.

مقالات ذات صلة