ترجمة: سمية القحطاني
أدَّت شركة نيفيديا عملًا استثنائيًّا بحيث ارتفعت أسهمها إلى ٨٠٠٪ لتصبح في قائمة الشركات العشر الأكثر قيمةً على مستوى العالم، بعد أن حوَّلت مجالها من المعالجات الرسومية إلى التقنية والذكاء الاصطناعي، ويأتي هذا التحول بفضل الرئيس التنفيذي جينسن الذي حطَّم التوقعات حول تغيير مسار الشركة من خلال الابتكار النوعي.
يعبّر هذا الحدث عن الاتجاه المتزايد نحو تبنّي الشركات العريقة مفهوم الابتكار النوعي. فعلى سبيل المثال، أصبحت شركة ليكسيس نيكسيس رائدةً في مجال تحليل البيانات الضخمة عبر إنشاء نموذج عملٍ تبلغ قيمته مليارات الدولارات، متجاوزًا بذلك الشركةَ الأم المتخصصة في القانون. كذلك طوّرت شركة ديلويت للاستشارات نموذجَ عملٍ جديدًا يُسمّى «ديلويت بكسل»، يقوم على التعاون مع مصادر عملٍ خارجية بدلًا من توظيف المستشارين لديها على نحوٍ دائم. كما توسّعت شركة بست باي خارج نطاق البيع بالتجزئة لتغدو شركةً متخصصةً في التقنيات الصحية لخدمة كبار السن. وأخيرًا، نقلت شركة ماستر كارد تركيزها في الآونة الأخيرة إلى ابتكار حلول دفعٍ رقمية، بدلًا من متابعة المعاملات.
يخدم الجيل الجديد من القادة المشاريع المبتكرة ويتبنَّى الابتكارات النوعية بشغف، ورغم صعوبة العمل على تغيير سياسات ناجحة ومستقرة يطوِّر المهتمون الابتكاراتِ النوعيةَ حتى تصل إلى نموذج قائم يمكن العمل عليه لتقود التحول المطلوب، في حين يكون العمل التقليدي ببناء مشروع من الصفر أسهل من قيادة التحول، يكمن هنا ما نسمِّيه بـ (الطموح الاستراتيجي) الذي يتلخص في توفير بيئة داعمة لمن يتبنَّى التغيير.
الطموح
ربَطَ الرؤساء التنفيذيون لهذه الشركات (ليكسيس نيكسيس – شركة ديلويت للاستشارات – بست باي – ماستر كارد) التغييرَ بالأمل والطموح، في حين كان السواد الأعظم يخاف التغيير.
يبدأ التحول بالانتماء إلى فكرة سائدة ذات طابع إنساني تخدم المجتمع على نحوٍ مباشر، مثلما فعلت جولي الرئيسة التنفيذية لشركة بست باي عندما استحدثت (لإثراء حياة الناس من خلال التقنية والإسهام في المصلحة العامة) نهجًا تستند إليه وتلتزم به. تتخذ كلٌّ من هذه الشركات شعارات رنانة توضِّح من خلالها موقفها من القضايا الاجتماعية؛ مثل قضايا تغيُّر المناخ، وحملات نبذ العنصرية؛ لتأتي شركة بست باي بشعار استراتيجي خاص بها؛ إذ تلتزم الشركة بتطويع التقنية لصالح المجتمع. ومن هذا المنطلق تأتي شركة جنرال موتور بطرح رؤية مستقبلية للحفاظ على المناخ عن طريق “بيع مركبات خالية تمامًا من انبعاثات العادم بحلول عام 2035م” ليحافظ الشعار على تقدُّم الشركة على مدى عقود. وفي شركة انالقو ديفايز شجَّع الرئيس التنفيذي مهندسي تقنيات أشباه المواصلات (semiconductor) على الجمع بين البرمجيات وتحليل البيانات والمكونات المادية لحلِّ مشكلات العملاء بشعار “تجاوز السيليكون” [يعني بذلك التفوق على الشركات التقنية بوادي السيليكون]. قاد هذا التحول الشركة إلى فرص نمو غير مسبوقة.
تسمح الشعارات التي تحاكي العاطفة والمنطق والطموح للقادة بالتغيير وإرساء قواعد جديدة واتخاذ قرارات استراتيجية دون عناء الإقناع والتسويغ. يبدأ تنفيذ القرار برأس الهرم من خلال إبلاغ المديرين الذين يلونه لتأخذ القواعد الجديدة طريقها بالانتشار لكلِّ فرد في المنظمة، ويتسع بعد ذلك مجال الابتكار وظهور مشاريع جديدة. وكذلك إعادة النظر في الابتكارات التي تعاني من الركود لفترات طويلة؛ يساعد هذا النهج على سدِّ الثغرات وتوثيق العلاقة بين الابتكار واستراتيجية الشركة.
تغيير قواعد اللعبة
يغلب على الأساليب التقليدية أن تجنُّب التغيير يؤدي إلى تجنُّب المخاطرة، لينحصر التغيير على حدوث مشكلة تهدِّد وجود الشركة لتضطر بعدها إلى التغيير، في حين يكون التجديد حافزًا أساسيًّا لمواكبة التغييرات الجديدة في المنظمات.
عندما توجَّه الرئيس التنفيذي السابق لشركة ماستر كارد نحو رفع شعار “الحرب على النقود الورقية” في عام ٢٠١٠م لم يتخذ الشعار لغرض التأثير العاطفي وكسب الكثير من المؤيدين فقط، بل وضع مقياسًا جديدًا للشركة وهو الاستحواذ على ٨٥٪ من مشتريات التجزئة التي لا تزال تتم بالنقود أو الشيكات، وقد تنبَّأ بانجا بمستقبل الثورة الرقمية المالية، ودفع الشركة نحو نجاح جديد بدلًا من البقاء في نطاق بطاقات الائتمان، وأدَّى هذا التحول إلى إثارة مشاعر الموظفين وتوفير المنطق الاستراتيجي لتطبيق النموِّ على مجالات جديدة من النمو، وبحلول عام ٢٠٢٠م، أصدرت ماستر كارد محافظ ومنتجات وخدمات حقَّقت إيرادات سنوية تبلغ ١.٥ مليار دولار، بما في ذلك خدمات الدفع الحديثة، وإطلاق حلول للمساعدة على رقمنة سلاسل التوريد.
تشكيل حركة قيادية
لدى الرؤساء التنفيذيين تأثير محدود في القرارات التي يتخذها الموظفون؛ لذلك إذا أرادوا ترسيخ توجهات جديدة في المنظمة، فإنهم بحاجة إلى انضمام الكثير من الأشخاص الجدد لتسهيل عملية التغيير، ومن حسن الحظ وبسبب الطبيعة البشرية وفطرتها في التعايش والانتماء والاستجابة للتغيير يتغير الأعضاء في مجموعة ما، فمن الطبيعي تغيُّر حركة القيادة، واتخاذ قرارات تسهم في التغيير وخدمة التوجه الجديد، ويفيد هذا التحرك والتغيير المجتمعَ ويُطمئِن الناس بأن الخروج عن القواعد التقليدية وابتكار طرائق جديدة للعمل أمر مقبول وتحوُّل ثقافي.
وفي شركة انقلو ديفايز، أعطى روش المسؤوليةَ للقادة المئة الأوائل في الهندسة والأعمال لوضع البرمجيات والخوارزميات والأعمال الرقمية في صميم القدرات الهندسية واستراتيجية الأعمال للشركة، بدلًا من اتخاذ القرار بمفرده، في حين كان كثيرٌ منهم يشككون في قدراتهم الشخصية ويؤيدون رؤية رئيسهم ويعتمدون على منتجات جاهزة لدعم النمو، تحدَّى روش فريقه بزيادة معدل الابتكار في الأعمال؛ إذ استجاب الفريق لهذا التحدي وأنشأ سلسلة عمليات ومبيعات، وطوَّر منتجاتٍ تركِّز كلٌّ منها على جانب مختلف لتحقيق الهدف وزيادة معدل الابتكار.
فرص التغيير والاستكشاف
تتيح الشركاتُ التي تُشجّع الابتكارَ داخل المؤسسة لموظفيها قدرًا أكبر من الجرأة وتقبّل التغيير، وتدفعهم إلى الابتكار والخروج عن المألوف، والعمل على تحقيق أهدافٍ أكبر. وفي المقابل، يتعلّم المديرون في المنظمات العريقة – في الغالب – الالتزامَ بنطاق عملهم، وتجنّبَ تجاوز حدود الأقسام، والتركيزَ على تحقيق نتائج تتّسق مع مسؤولياتهم الراهنة. ولذلك، ينبغي لمن لم يتقبّل التغيير ولم يدعم الابتكار أن يُعيد النظر؛ إذ ثمة أولويةٌ دائمة لمن يمتلك مسارًا طويلَ الأمد. ويمنح الابتكارُ قوةً على اختراق التسلسل الهرمي للشركة، ودعمَ الابتكار والتغيير بصرف النظر عن مصدره.
منح روش فرصة للابتكار؛ ما أدَّى إلى ظهور ابتكار استخدام البرمجيات بدلًا من الدوائر السيليكونية في محوّلات إشارات المحطات الأساسية للهواتف المحمولة، وأصبح هذا الابتكار مفتاحًا رئيسًا لظهور شبكات الجيل الخامس. وألهم هذا الابتكار نائب رئيس شركة انقلو ديفايز لإجراء سلسلة من التجارب التجارية في إنترنت الأشياء؛ وهي مبادرة أدَّت إلى تطوير جهاز استشعار عن بُعد متصل بالإنترنت للمحركات الكهربائية، يتضمن تحليلات تنبؤية لدعم الصيانة. كذلك قاد هذا الابتكار إلى صنع جهاز يخضع حاليًّا للتجارب يمكنه أن يكشف، من قرب، حدوثَ فشل في القلب لدى المرضى. وتعتمد هذه التقنيات الناشئة على التقنية الأساسية لشركة انقلو ديفايز، ومع تكامل التقنية بالأجهزة والبرمجيات والخدمات تزيد فرصة الابتكار لخدمة مجالات أخرى، مثلما تنبَّأ روش بالمستقبل تمامًا.
استهداف مناطق التغيير
يحتاج الابتكار والتغيير إلى قوانين وحدود لاكتشاف الفجوات واقتناص الفرص لإيجاد حلول لها، واختيار فرص النمو المتوقع حدوثها، ثم تركيز الجهود على الابتكار. عندما اتخذ هوانغ من شركة نيفيديا شعار “من قلب الذكاء الاصطناعي” ودعا فريقه إلى التفكير الإبداعي بسؤال “ما الذي نتقنه ونحبُّ القيام به؟”، و”ما الشيء الذي لا وجود له اليوم، لكنّ العالم سيحبُّه لو أننا صنعناه؟” فإنه حدَّد أهدافًا واضحة بناءً على معرفته بالصناعات الريادية التي ستتبنَّى الذكاء الاصطناعي؛ شجَّع الفريق على البحث عن المشكلات وحلِّها في أربعة مجالات؛ وهي الألعاب، والمركبات ذاتية القيادة، والحوسبة المؤسسية، والحوسبة العلمية. وكانت هذه المجالات في السابق أسواقًا جديدة، وكما توقَّع هوانغ، على عكس زملائه، صناعة تقنيات أشباه المواصلات، فقد أصبحت هذه التقنيات حقيقة اليوم بعد أن كانت المعالجات تُباع في الماضي لمصنِّعي الحواسيب والأجهزة الإلكترونية فقط.
تكتشف الشركات هذه الفجوات باستخدام نهج بسيط يتمثل في عدَّة خطوات؛ البحث عن اتجاه رئيس يعكس مشكلات العملاء ويمكن حلُّه باستخدام الأصول التي تمتلكها وتطبيقها في أكثر قطاعات السوق جذبًا؛ على سبيل المثال تحت قيادة جولي نفَّذت شركة بست باي استراتيجية نمو جريئة تقوم على رعاية كبار السنِّ، حدَّدت الشركة الاتجاه الرئيس الذي كان زيادة عدد كبار السنِّ، فقد استغلت سمعتها ونفوذها في المنطقة كعلامة تجارية موثوقة على المستوى الوطني؛ إذ ساعدت خبراء تقنيين من جيك سكواد بتحديد مخاوف العملاء (كبار السنِّ)؛ مثل رغبتهم في العيش بأمان في منازلهم، ورغبة أبنائهم في الاطمئنان على سلامتهم، وأدَّى ذلك إلى تطوُّر بست باي في مجالات ومنتجات وخدمات جديدة، والمزيد من عمليات الاستحواذ وتطوير عروض تلبِّي احتياجات السوق. إن تحديد الأهداف بهذه الطريقة يساعد على توجيه الطاقة نحو الابتكار في المجالات التي تسعى الشركة إلى تحقيق النمو فيها.
الإجابة عن السؤال المهم “لماذا”
قيادة الابتكار في الشركات العريقة عمل شاقٌّ، ونادرًا ما تتعرض للتهديد لأنها تعمل على وتيرة واحدة ناجحة لمدى أعوام؛ على سبيل المثال، كانت كوداك تمتلك كلّ الأصول اللازمة للتصوير الرقمي، وكانت نوكيا تمتلك الأصول نفسها للهواتف الذكية، وتجاوزت بلوبستر فرصة الاستحواذ على نتفلكس، وكان بإمكان بارنز آند نوبل شراء أمازون. إن المشكلة هي أن قوة الأعمال التقليدية تجعل من الصعب تسويغ الاستثمارات التي تبدو وكأنها تخدم أجندة مختلفة. عندما نواجه تهديدًا، نلجأ نحن البشر إلى الأمان فيما نعرف؛ أي المهارات والقدرات والأعمال الروتينية التي جعلتنا ناجحين؛ وهذا يجعل من الصعب الانتقال إلى فرص جديدة من التغيير.
يوفّر الابتكارُ والتغييرُ خدمةً للمجتمع، ويُقيم جسرًا منطقيًّا بين الماضي والمستقبل، ليجيب عن السؤال الكبير: «لماذا؟». ونوجّه هذا الجواب إلى المبتكرين الناشئين داخل الشركات، ليعلموا أن المخاطرة والتوجّه نحو المجهول أمرٌ مقبول، وأنه يتيح للشركات المعنية دعمَ الابتكار واحتضانَه، وكذلك دعمَ نماذج الأعمال الجديدة واحتضانَها، حتى تبلغ نطاقًا أوسع.
