ترجمة: لولوة العيدان
إلى أي مدى تقبل مؤسستكم الموظفين ذوي التباينات العصبية؟ وما جهودكم لإشراكهم بفاعلية في بيئة العمل؟ من المعروف أن كثيرًا من المؤسسات تتجاهل الأفراد الذين يعانون اضطرابات مثل التوحد، أو عسر القراءة، أو متلازمة توريت، ما يؤثر سلبًا في فرص توظيفهم واستقرارهم الوظيفي، وهذا يؤدي إلى خسارة المؤسسات لمواهب فريدة وتنوع في القوى العاملة.
يحث مفهوم التنوع العصبي على أنه: “لا يوجد نموذج واحد للدماغ الطبيعي”، وأن هذه الاختلافات تعود بالنفع على كل من المؤسسات والمجتمع. قد تُصنَّف الاضطرابات مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه، والتّوحد، وخلل الأداء التنموي، وعسر القراءة، وعسر الحساب، ومتلازمة توريت، تحت مظلة التنوع العصبي، لكن الأفراد ذوي التباينات العصبية لا يشكلون مجموعة متجانسة، بل هم مجموعة كبيرة ومتنوعة تختلف بشدة من حيث مهاراتهم وقدراتهم.
بينما يُتوقع أن يصل حجم سوق التنوع والإنصاف والشمول العالمي إلى رقمٍ فلكي قيمته ٢٨.٩ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠م، فإن غالبية برامج التنوع والإنصاف والشمول تغفل عن التنوع العصبي. لا تضع سوى واحدة من بين كل عشر مؤسسات التنوع العصبي ضمن أولوياتها الرئيسة، رغم تقديرات تشير إلى أن ١٥٪ إلى ٢٠٪ من سكان العالم يعانون تباينات عصبية.
تركز بعض المؤسسات على التباين العصبي بوصفه شكلًا من أشكال إدماج ذوي الإعاقة، على الرغم من اعتراض كثير من ذوي التباينات العصبية على تصنيف خصائصهم على أنها اضطرابات، أو إعاقات، أو اختلافات، أو أمراض. نحن نقترح ببساطة أنه يمكن للأفراد ذوي التباينات العصبية الإسهام في بيئة العمل إسهامًا فعالًا، عندما تدرك المؤسسات نقاط قوتهم وتدعم احتياجاتهم.
من الضروري إدماج التباين العصبي في حوار التنوع والإنصاف والشمول، لا سيما من أجل تحقيق العدالة والشمولية، والاستفادة من المزايا الفريدة التي يتمتع بها الأفراد ذوو التباينات العصبية. أدركت شركات رائدة مثل “ديلويت”، و”هيوولت باكارد إنتربرايز”، و”مايكروسوفت”، و”إرنست ويونغ”، و”جي بي مورغان تشيس”، و”ساب” أهمية تنفيذ برامج التنوع العصبي.
لم يكتفِ برنامج التنوع العصبي في “ساب” بتعزيز سمعة الشركة بصفتها جهة عمل جاذبة، بل عزز روح الابتكار ورفع معنويات الموظفين. فعلى سبيل المثال، أسهم حل فني قدمه موظف ذو تباينات عصبية في توفير ٤٠ مليون دولار في مشروعٍ واحد فقط. في مثالٍ آخر، أظهرت دراساتٌ أجراها بنك “جي بي مورغان” أن الموظفين المشاركين في برنامج التنوع العصبي يُظهرون كفاءةً استثنائيةً في إنجاز المهام، متفوقين على زملائهم تفوقًا ملحوظًا في سرعة الأداء والإنتاجية. وفي الوقت نفسه، أشارت شركة “إرنست ويونغ” إلى أن موظفيها ذوي التباينات العصبية يُبدعون في تطوير حلول مبتكرة، ويتقنون أتمتة العمليات بسرعةٍ فائقة، كما نجحوا في إحداث تحسينات جذرية في العمليات، ما أدى إلى تقليص وقت التدريب التقني.
التحديات التي يواجهها الموظفون ذوو التباينات العصبية
رغم المزايا العديدة التي يمكن أن يجلبها وجود القوى العاملة المتنوعة عصبيًّا للمؤسسة، فإن كثيرًا من الأفراد ذوي التباينات العصبية يواجهون تحديات قد تعيق قدرتهم في الحصول على وظيفة والاستمرار فيها، وقد يفضي بهم ذلك إلى الشعور بالاستبعاد من بيئة العمل تمامًا.
يكمن أحد التحديات الرئيسة في بناء جسور التواصل الفعّال، فغالبًا ما يختلف الأفراد ذوو التباينات العصبية عن الأفراد ذوي النمط العصبي العادي في كيفية استقبال واستيعاب الإشارات الاجتماعية الدقيقة والتعاطف العميق، وقد يؤدي ذلك إلى سوء الفهم في أثناء مقابلات العمل؛ فقد تُفسَّر سلوكات معينة، مثل قلة التواصل البصري، أو الاختلافات في نبرة الصوت، أو سرعة الكلام، على أنها ضعف في التواصل أو عدم الارتياح، ما قد يؤثر سلبًا في انطباع من يجري المُقابلة، ويُقلل من فرص التوظيف.
لا يمكن تجاهل تأثير البيئة المحيطة في تجربة العمل؛ فمساحات المكاتب التقليدية المفتوحة وإضاءتها القوية وأصواتها الصاخبة، بالإضافة إلى التغيير المتكرر لمكتب العمل، قد تُشكّل بيئةً مرهقةً للأفراد ذوي التباينات العصبية، ما يؤثر سلبًا في تركيزهم وإنتاجيتهم. على الرغم من تزايد مفهوم العمل عن بعد، ما يساعد في تجنب الضغط الحسي في المكتب، فإن ذوي التباينات العصبية قد يواجهون صعوباتٍ في التواصل، والفهم الاجتماعي، وتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية.
تُسهم هذه العوامل مجتمعةً في ارتفاع معدلات البطالة ونقص العمالة بين الأفراد ذوي التباينات العصبية إلى مستوياتٍ مقلقةٍ، حيث تتجاوز ٨٥٪ و٩٠٪. وإذا لم تبذل المؤسسات جهودًا مُركّزةً، فسوف يُترك طالبو العمل والموظفون ذوو التباينات العصبية بلا دعم. إن تجاهل هذه الفئة المهمة من المجتمع يُعرضهم للتهميش والحرمان من فرص التطور والنمو المهني، وقد يؤدي إلى عواقب نفسية واجتماعية وخيمة. كما أن ذلك يحرم المؤسسات من الاستفادة من مواهب استثنائيةٍ، ويُعرّضها لخسائر فادحة على المدى الطويل.
من خلال أبحاثنا واستشاراتنا وتفاعلنا مع كثير من المؤسسات، لاحظنا أن كثيرًا من المديرين يفتقرون إلى المعرفة الكافية لدعم الموظفين ذوي التباينات العصبية. ولذلك، نقترح اعتماد مسار الموظف المهني بوصفه دليلًا، وتحديد آليات دعم مُخصصة لكل مرحلة من رحلته المهنية، بدءًا من مرحلة الجذب والتوظيف، مرورًا بالتوجيه والتطوير، وصولًا إلى مرحلة التقدم المهني، وتحقيق الأداء المتميز، والاحتفاظ بالكفاءات. يضمن ذلك استقطاب الموظفين ذوي التباينات العصبية والاحتفاظ بهم، بالإضافة إلى إدارتهم ودعمهم في أثناء فترة عملهم لدى المؤسسة لضمان ازدهارهم. وسوف نوضح الأنشطة التي يجب تضمينها في كل مرحلة.
بناء بيئة عمل شاملة للتنوع العصبي
لتعزيز بيئة عمل شاملة للتنوع العصبي، يتعين على أصحاب العمل اتخاذ إجراءات في كل مرحلة من مسار الموظف ذي الاختلافات العصبية.
المرحلة الأولى: الجذب
لجذب المرشحين ذوي التباينات العصبية، يجب على المؤسسات بناء ثقافة شاملة للتنوع العصبي، والتواصل مع المرشحين المحتملين بشأن هذه الثقافة. إن تعيين رواد أو رعاة تنفيذيين لمبادرات التنوع العصبي كما فعلت شركة “إرنست ويونغ”، سيسلط الضوء على أهمية هذه القضية، وسيحفز التغيير في جميع أرجاء المؤسسة. يمكن أيضًا إنشاء مجموعة موارد للموظفين لتمكين الأفراد، الذين يعدون أنفسهم ضمن طيف التباينات العصبية، من الالتقاء وتبادل الخبرات ودعم بعضهم، بالإضافة إلى الدعوة إلى توفير الدعم في مكان العمل، وربما تثقيف الزملاء خارج المجموعة. من المهم أيضًا زيادة وعي الموظفين الحاليين بالتنوع العصبي وفوائده من خلال رعاية جلسات إعلامية، وتوزيع مقالات، ومشاركة قصص حول هذا الموضوع في جميع أنحاء المؤسسة.
يجب أن تنعكس هذه الثقافة الشاملة للتنوع العصبي على علامة المؤسسة التجارية. فعندما يزور المرشحون مواقع مؤسستكم الإلكترونية، أو يتصفحون منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي، يجب أن يلاحظوا أدلة تقدير مؤسستكم وتعزيزها للتنوع والشمول، وأنها تعد جهة عمل شاملة للتباين العصبي.
لجذب المرشحين ذوي التباينات العصبية، صُغ إعلانات الوظائف بعناية لتجنب أي غموض أو سوء فهم. على سبيل المثال، ركز على تحديد المهام والمسؤوليات المطلوبة من الموظف بوضوح، بدلًا من سرد قائمة طويلة بالصفات المطلوبة والمفضلة؛ فعادةً ما يفسر الأفراد المصابون بالتوحد الأمور تفسيرًا حرفيًّا، ومن ثم قد لا يتقدمون على وظيفة إذا لم يستوفوا جميع المعايير المذكورة. كما ينبغي للمؤسسات أن تنظر في نشر إعلانات الوظائف على منصات غير تقليدية، مثل “الإنستغرام” أو على حلقات “بودكاست”، التي قد تكون فعَّالة في الوصول إلى المرشحين الذين يفضلون وسائل الإعلام السمع-بصرية.
المرحلة الثانية: التوظيف
عادةً ما تميل استراتيجيات التوظيف التقليدية إلى تفضيل المرشحين الذين يتمتعون بمهارات اجتماعية قوية، وشبكات مهنية واسعة، ومسارات مهنية تقليدية، قد لا يتمتع بها جميع المرشحين، سواء كانوا من ذوي النمط العصبي العادي أو ذوي التباينات العصبية. يمكن للأفراد ذوي التباينات العصبية امتلاك مجموعة واسعة من المواهب، وقد يكونون مناسبين لأي دور تقريبًا؛ لذلك يجب على المؤسسات تجنب الخطأ الشائع المتمثل في تحديد أدوار محددة للأفراد ذوي التباينات العصبية بناءً على افتراض أن ذلك سيؤدي إلى توافق أفضل.
بدلًا من التركيز على نقاط الضعف المحتملة، ينبغي للمؤسسات تبني نهج يركز على نقاط القوة الفردية في عمليات التوظيف، مع إدراك أن كل فرد ذي تباينات عصبية يتميز بمجموعة فريدة من نقاط القوة، والتحديات، والخبرات المهنية والشخصية. إن فهم هذه الفروق الفردية سيساعد على مطابقة نقاط القوة والخبرات المحددة لكل فرد ذي تباينات عصبية مع متطلبات الوظيفة بشكل أفضل. كما يمكن الاستعانة بشركات استشارات التوظيف المتخصصة في التنوع العصبي، لتسهيل عملية البحث عن الموظفين ذوي التباينات العصبية وتوظيفهم، بالإضافة إلى تطوير فاعلية استراتيجيات التوظيف وشموليتها.
يُنصح بأن يتيح المسؤولون عن التوظيف للمرشحين استخدام وسائل بديلة لتقديم طلبات التوظيف، مثل مقاطع الفيديو أو الأعمال الفنية، بدلًا من طلبات التقديم التقليدية. كما يجب تزويد المرشحين بأكبر قدر ممكن من المعلومات في جميع مراحل عملية التوظيف، وذلك للحد من المفاجآت المحتملة وتقليل الشعور بالتوتر. يمكن تخفيف القلق لدى المرشحين بتزويدهم بالتفاصيل المتعلقة بالأسئلة المحتملة في المقابلات، وأسماء الأشخاص الحاضرين، وحالة المكان، وكيفية الوصول إلى المبنى، وموقع المرافق مثل دورات المياه، ومياه الشرب، والمصاعد، وغيرها.
يجب أن يتحلى المُقَابِلون بالمرونة الكافية. فعلى سبيل المثال، في مقر الاتصالات الحكومية بالمملكة المتحدة، يُسمح للمرشحين بإحضار الملاحظات والخرائط الذهنية إلى المقابلات، ويُمنحون وقتًا إضافيًّا للتفكير، ويمكنهم تأجيل الإجابة عن الأسئلة إلى وقت لاحق في المقابلة. يمكن لهذا أن يساعد المرشحين ذوي التباينات العصبية الذين يجدون صعوبة في معالجة المعلومات وتوصيلها شفهيًّا. يمكن للمُقَابلين أيضًا تجنب طرح عدة أسئلة في وقت واحد، ما يتيح للمرشحين الوقت الكافي لتجهيز إجاباتهم عن كل سؤال على حدة. بالإضافة إلى ذلك، إذا اختار المرشح الكشف عن تنوعه العصبي في تقديمه الوظيفي، يُنصح بسؤالهم عما إذا كان هناك أي ترتيبات معقولة يمكن اتخاذها لتسهيل عملية المقابلة عليهم.
ينبغي لمسؤول التوظيف ومديريه اعتماد وسائل متعددة لتقييم المرشحين، بدلًا من الاعتماد الكلي على المقابلات الرسمية التقليدية، وذلك لإتاحة الفرصة للمرشحين ذوي التباينات العصبية لإبراز نقاط قوتهم. قد يواجه الأفراد ذوو التباينات العصبية تحديات في التفاعل الاجتماعي والتواصل، ما قد يعوقهم عن التواصل الفعال مع المُقَابلين وتوضيح مهاراتهم وقدراتهم. قد يفضل بعض المرشحين إثبات قدراتهم العملية بدلًا من مجرد شرح مهاراتهم وقدراتهم النظرية. لذلك، قد تكون تقييمات المهارات العملية، والحوارات غير الرسمية، والأنشطة الجماعية، والعروض التقديمية، والتجارب العملية، والاختبارات التطبيقية فعالة في فهم قدرات المرشح الحقيقية. يمكنك استخدام مجموعة متنوعة من الأساليب لإجراء تقييمات عادلة وفعالة، مثل ألعاب “بايميتركس”، ولعبة “ليغو” البنائية، ومشاريع الروبوتات، ما دامت هذه الأساليب متوافقة مع المهارات المطلوبة للوظيفة. طوّرت شركة مايكروسوفت في أثناء جائحة كورونا عوالم في لعبة “ماينكرافت” مع تحديات مخصصة، ما أتاح لمجموعات صغيرة من المرشحين العمل معًا، واكتشفوا أن هذا أتاح لهم فرصة عرض مهاراتهم في التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات والقيادة.
المرحلة الثالثة: الانضمام للعمل
يجب تزويد الموظفين الجدد بأكبر قدر ممكن من المعلومات قبل يومهم الأول للمساعدة في تخفيف المخاوف والقلق، وهذا الأمر يمكن أن يكون مفيدًا خاصةً للموظفين الذين يعانون تباينات عصبية؛ إذ قد يواجهون صعوبة في قراءة الإشارات الاجتماعية والثقافية. وفّر تفاصيل مثل وقت الوصول، ومكان التوجه، واسم الشخص الذي سيجتمع معه، وقواعد اللباس في مكان العمل. أطلِع المرشحين المستقبليين على ثقافة المؤسسة وقواعد العمل السائدة، بما في ذلك ساعات العمل، وأوقات الراحة، وقنوات التواصل، والفعاليات الاجتماعية، وإذا كشف أحد المرشحين عن تباينه العصبي، فاستفسر منه قبل بدء العمل عما إذا كانت هناك أي ترتيبات معقولة يمكن اتخاذها في مكان العمل لدعمه. من المهم أن ندرك أن احتياجات الأفراد ذوي التباينات العصبية قد تختلف، كما تختلف احتياجاتهم عن غيرهم في مجتمع التباين العصبي نفسه. لذلك، من الضروري الاستفسار من كل فرد عن احتياجاته.
من الضروري ضمان وضوح التواصل مع الموظفين ذوي التباينات العصبية، لا سيما من قبل مديريهم، وذلك باستخدام لغة واضحة ومباشرة. قد يؤدي المزاح أو السخرية أو الأسلوب غير الرسمي إلى سوء الفهم؛ لذلك يجب على المديرين أن يكونوا واضحين وصريحين عند شرح المواقف والتوقعات. قد يكون من المفيد التركيز على التواصل الكتابي بدلًا من الشفوي قدر الإمكان، وتقديم معلومات واضحة وموجزة حول متطلبات الوظيفة وتوقعات الأداء، مع التأكد من فهم الموظف ذي التباينات العصبية لهذه المعلومات فهمًا كاملًا. كما أثبتت فاعلية وتأثير توفير مجموعة متنوعة من أدوات التواصل الكتابي والمرئي للموظفين ذوي التباينات العصبية، مثل تحويل الصوت إلى نص والعكس، والخرائط الذهنية، وبرامج قراءة الشاشة.
يجب على المؤسسات أيضًا النظر في توفير الدعم الداخلي والخارجي للموظفين ذوي التباين العصبي. قد يشمل الدعم الداخلي للمؤسسة زملاء الدعم (الذين يمكنهم مساعدة الموظف في التعرف إلى الأعراف الاجتماعية الخاصة بالمؤسسة)، ومُرشدين (خبراء يمكنهم تقديم المعرفة والإرشاد المهني)، ومجموعات موارد الموظفين. يمكن للموظفين ذوي التباين العصبي طلب المساعدة من هذه الموارد إذا رغبوا في الكشف عن تباينهم العصبي للآخرين، أو مناقشة أسلوب عملهم المفضل، أو شرح كيف قد يؤثر تباينهم العصبي في عملهم.
يمكن أن يشمل الدعم الخارجي مدربين شخصيين (يمكنهم تقديم إرشادات حول إدارة الشؤون المالية، وتحسين الصحة النفسية، وتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية)، ومستشارين مهنيين، ومجموعات دعم خارجية، وموارد مجتمعية وحكومية. كما تقدم بعض المؤسسات المتخصصة، مثل “سبيشيالسترين”، دعمًا لما بعد التوظيف للموظفين ذوي التباين العصبي ومديريهم على مدار عدة أشهر.
قد يكون من المفيد دمج آليات الدعم الداخلية والخارجية في بعض الحالات. فعلى سبيل المثال، يمكن للمُرشد والمدرب التواصل بشأن فرص التدريب المحددة المتعلقة بوظيفة الموظف ذي التباين العصبي أو طموحاته المهنية.
يعاني كثير من الأفراد ذوي التباين العصبي تحديات حسية مرتبطة بالإضاءة، والأصوات، والروائح، والملمس، وقد يحتاجون إلى بيئة عمل ملائمة لاحتياجاتهم الحسية. وجدت شركة “فريدي ماك”، المتخصصة في تمويل الإسكان، أن توفير إضاءة خافتة، وسماعات إلغاء الضجيج، أو تخصيص مساحة هادئة في المكتب للموظفين ذوي التباين العصبي، قد أسهمت في تعزيز راحتهم وزيادة إنتاجيتهم. يمكن أيضًا أن يسهم السماح للموظفين بإحضار أدوات الدعم الحسي إلى المكتب، وتوفير مساحات هادئة مخصصة لهم في تعزيز إنتاجيتهم. فعلى سبيل المثال، أشارت موظفة تعاني متلازمة توريت إلى أن وجود مساحة هادئة يمكنها اللجوء إليها عند ظهور أعراضها كان بمنزلة دعمٍ فعالٍ للغاية؛ إذ شعرت بالراحة ولم تشعر بأنها تزعج زملاءها.
من الشائع أيضًا أن يستمتع الأفراد ذوو التباين العصبي بالروتين، ويكرهوا التغيير المفاجئ، ما يجعل التغييرات غير المتوقعة في الروتين أمرًا يجب تجنبه أو الإشارة إليه مسبقًا. على سبيل المثال، قد يشكل العمل من مكتبٍ متغيرٍ تحديًا حقيقيًّا للموظفين ذوي التباين العصبي. يمكن بدلًا من ذلك السماح للموظفين بالعمل وفقًا لساعات ومواقع مرنة، ما يتيح لهم تكييف بيئة العمل لتناسب احتياجاتهم الفردية على أفضل وجه.
المرحلة الرابعة: التطوير
يجب أن يتميز تدريب الموظفين ذوي التباين العصبي وتطويرهم بالنهج الشخصي نفسه القائم على نقاط القوة الذي اعتُمد في عملية التوظيف. بدلًا من التركيز على أي قصور أو نقاط ضعف محتملة لدى الفرد، يجب أن نهدف إلى تعزيز نقاط قوته أو تطبيقها بطرائق جديدة ومبتكرة. ويجب ضمان توفير التدريب في عدة صيغ، بحيث يتمكن الموظف ذو التباين العصبي من الوصول إليه بالطريقة التي تناسب احتياجاته.
إن بناء مؤسسة شاملة للتباين العصبي يتطلب جهودًا متخصصة في التدريب والتطوير، تعود بالنفع على الموظفين ذوي التباينات العصبية وعلى القوى العاملة بأكملها. قد تؤثر التحيزات سلبًا في مبادرات التنوع والشمول في مكان العمل، فغالبًا ما ينفر الناس من شخص أو مجموعة يتصرفون بتصرفات تتعارض مع توقعاتهم، ولكن في كثير من الحالات، لا يدركون هذه التحيزات وتأثيرها القوي في اتخاذ قراراتهم وتفاعلهم مع الآخرين. لضمان معاملة الموظفين ذوي التباينات العصبية بعدلٍ، وتوفير فرصٍ لهم للإسهام في تقدم المؤسسة، يجب على جميع المديرين والموظفين الخضوع لتدريب يهدف إلى الاعتراف بالتحيزات الواعية وغير الواعية، بما في ذلك التحيزات تجاه الأفراد ذوي التباينات العصبية، ومحاولة التخفيف من آثارها. يجب أن يسهم هذا التدريب في تبديد المعتقدات الخاطئة حول الأفراد ذوي الاختلافات العصبية وتقديم توجيهات عملية حول كيفية العمل بفاعلية معهم.
يؤدي المديرون دورًا حاسمًا في نجاح برامج التباين العصبي، ولكن يتعين تزويدهم بالمعرفة اللازمة لدعم موظفيهم ذوي التباينات العصبية. نوصي بأن تتعاون المؤسسات مع خبراء في مجال التباين العصبي لتطوير دعم إضافي لكل الموظفين ذوي التباينات العصبية والنمط العصبي العادي. فعلى سبيل المثال، توفر شركة “تقنية دي إكس إم” تدريبًا على الوعي بالتوحد لجميع موظفيها في المواقع التي يعمل فيها موظفون مصابون بالتوحد. ومع ذلك، فإن الكشف عن وجود موظف مصاب بالتوحد ضمن الفريق يعد مسألة تتعلق بالخصوصية وتتطلب موافقة الفرد. إن أي خرق للخصوصية قد يؤثر سلبًا في الموظف ذي التباينات العصبية وفريقه. عندما يكشف فرد ما عن حالته للإدارة العامة، أو مديره المباشر، دون رغبته في أن يطلع فريق العمل، فإن تلبية احتياجاته تتطلب الاستماع إليه وفهم ما يرغب في أن تقوم به المؤسسة لدعمه. يجب في النهاية أن يكون الاختيار للفرد فيما إذا كان يرغب في الكشف عن حالته، ويجب دعمه بغض النظر عن قراره.
المرحلة الخامسة: التقدم والأداء
يجب أن تُخصَّص إدارة للتقدم والأداء لتلبية الاحتياجات الفردية للموظفين ذوي التباين العصبي. تجنب استخدام وصف الوظائف القياسية على مستوى المؤسسة. وبدلًا من ذلك، والتزامًا بنهج التركيز على نقاط القوة، وفّر المرونة في متطلبات الوظيفة بالسماح بتعديل أوصاف الوظائف لتتناسب مع نقاط قوة الموظفين. تُعرف هذه الاستراتيجية التوظيفية المخصصة باسم “هندسة الوظيفة”، ويمكن تصميمها بالتعاون بين صاحب العمل والموظف. تتضمن هندسة الوظيفة إضافة أو حذف مهام معينة لتناسب نقاط القوة أو الضعف لدى شاغل الوظيفة. على سبيل المثال، يمكن إعفاء مهندس تصميم من حضور اجتماعات العملاء، ما يتيح له الاستفادة من مهاراته القوية في التصميم دون التعرض لضغوطات التفاعل مع العملاء والتحديات المحتملة التي قد تنجم عنها.
يجب الاتفاق على مؤشرات الأداء الرئيسة بناءً على متطلبات الوظيفة، مع مراعاة تجنب أي تحيزات متأصلة، ويجب تقييم الأداء بناءً على مؤشرات الأداء الرئيسة المتفق عليها، كما هو الحال مع جميع الموظفين. مع ذلك، من الضروري التذكر عند إجراء مناقشات الأداء أن الموظفين ذوي التباين العصبي قد لا يتمتعون بمستوى الثقة بالنفس نفسه أو القدرة على تسويق إنجازاتهم مقارنةً بزملائهم ذوي النمط العصبي العادي.
يجب على المؤسسات أيضًا التأكد من استجابة خطط التطوير الوظيفي للأهداف المهنية قصيرة وطويلة الأجل للأفراد، بما في ذلك مسارات التقدم إلى المناصب القيادية، وتوفير مسارات مهنية مرنة تساعد الأفراد على تحقيق كامل إمكاناتهم. فعلى سبيل المثال، قد يُنظر إلى الانتدابات الدولية في الشركات متعددة الجنسيات، على أنها جزء مهم من التقدم الوظيفي، ولكن هذا قد لا يتوافق مع اهتمامات أو نقاط القوة لدى موظف من ذوي التباينات العصبية. يجب دراسة هذه المهام بعناية وإدارتها إدارة مناسبة، بالنظر إلى أن مستوى القبول والدعم المتاح للموظفين ذوي التباينات العصبية قد يختلف اختلافًا كبيرًا بين الحدود الوطنية والثقافية. وبالمثل، تتضمن الأدوار القيادية في شركات الخدمات المهنية عادةً مسؤوليات تتعلق بإدارة علاقات العملاء وتطوير الأعمال. مع ذلك، قد يجد بعض الأفراد من ذوي التباينات العصبية صعوبة في هذا النوع من التفاعلات الاجتماعية، ويجب منحهم فرصًا للتقدم الوظيفي بناءً على خبرتهم ومهاراتهم المهنية.
المرحلة السادسة: الاحتفاظ بالموظفين
أُثبت سابقًا أن معدلات ترك العمل لدى الموظفين ذوي التباينات العصبية أعلى من معدلات ترك العمل لدى ذوي النمط العصبي الطبيعي، بسبب الافتقار إلى الدمج والدعم المستمر للذين يعانون التباين العصبي. يؤكد هذا أهمية دور المديرين في الاحتفاظ بالمواهب ذات التباينات العصبية، وتقديم الدعم المستمر لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والبيئية لهذه الفئة من الموظفين في بيئة العمل. مع ذلك، قد يفتقر بعض المديرين إلى الخبرة السابقة في العمل مع الأفراد ذوي الاختلافات العصبية أو التفاعل معهم، وبالتالي يحتاجون إلى تطوير مهاراتهم لفهم احتياجات هؤلاء الموظفين ودعمهم وتحسين فرص الاحتفاظ بهم. من الضروري طلب ملاحظات دورية من الموظفين ذوي التباينات العصبية وجميع أصحاب المصلحة، للتأكد من الحاجة إلى أي تعديلات أو تدريب إضافي.
يجب أن تخضع استراتيجية التباين العصبي في مؤسستكم لمراجعة دورية، وذلك بتقييم وتوظيف واستبقاء الأفراد ذوي التباين العصبي وفقًا لأهداف المؤسسة. ضمان النجاح المستمر باستخدام إطار عمل يقيم أداء مبادرات التباين العصبي ويحاسب أصحاب المصلحة على تحقيق تغييرات فعالة. يجب أن تكون مؤسستكم مستعدة للتكيف عند مواجهة أي تحديات في أي مرحلة من مسار الموظف بناءً على نتائج الأداء.
من التحديات الرئيسة في تقييم تركيبة القوى العاملة هو تردد الموظفين في الكشف عن التباينات العصبية لديهم. غالبًا ما يتجنب الموظفون الإفصاح عن ذلك خوفًا من الوصم. يمكن زيادة استعداد الموظفين لمناقشة التباينات العصبية لديهم بضمان اتخاذ مؤسستك خطوات لإنشاء ثقافة شاملة للجميع، بما في ذلك الأشخاص ذوو التباينات العصبية. كما يجب أن يكون بإمكان الموظفين طلب الدعم أو التسهيلات دون الحاجة إلى الإفصاح عن تشخيصهم.
في سعيكم لتعزيز جهودكم في مجال التباين العصبي، من الضروري تذكّر أن كل شخص لديه تباين عصبي فريد من نوعه. تعرّف إلى كل موظف على حدة بدلًا من افتراض احتياجاتهم، واسألهم عن التعديلات التي من شأنها أن تساعدهم. من المهم أيضًا أن تتذكر أنه لا يوجد أسلوب دعم واحد يناسب جميع الأفراد ذوي التباين العصبي. لذلك، يجب أن تقدم مؤسستكم دعمًا مخصصًا، بما في ذلك توفير مساحات عمل مرنة، وظروف عمل مناسبة، وأساليب اتصال فعالة. لا تتطلب معظم وسائل الدعم والتسهيلات المقدمة للمرشحين والموظفين ذوي التباينات العصبية تكاليفَ باهظة، بل إن كثيرًا منها مجاني تمامًا، ويحقق فوائد غير متوقعة، وقد وجد المديرون أن إجراء تغييرات بسيطة لدعم الموظفين ذوي التباينات العصبية قد ساعدهم على أن يصبحوا مديرين أفضل لجميع الموظفين.
