الشركات التي تسعى لتحقيق أهداف استدامة طموحة لتقليل استهلاك الوقود الأحفوري وتقليص النفايات، بحاجة إلى التوسع في استراتيجياتها، ولا تقتصر فقط على التحول إلى الطاقة المتجددة؛ إذ إن ما يقارب من نصف الانبعاثات العالمية، ترتبط بإنتاج واستهلاك السلع الأساسية مثل الطعام، والتغليف، والمباني، والمنسوجات. ولتسريع عملية إزالة الكربون، يتطلب الأمر إعادة النظر في المواد والخدمات التي تُستورد من الموردين، في كيفية توزيع واستهلاك المنتجات من قبل العملاء، وفي مصير هذه المنتجات بعد انتهاء عمرها الافتراضي أيضًا.
تظهر هنا أهمية النماذج الدائرية، التي تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من الموارد، ما يسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، وتقليل الضغط على الأنظمة البيئية. بالنسبة للشركات، تُعدّ هذه النماذج فرصة لتحسين القدرة التنافسية، من خلال زيادة كفاءة استخدام الموارد، وتعزيز القدرة على التكيف مع تقلبات أسواق المواد عبر سلاسل توريد مغلقة.
علاوةً على ذلك، تُعد العروض الدائرية مثل الأثاث المُعاد تجديده، أو المنتجات المصنوعة من مواد مُعاد تدويرها، من الخيارات التي تستهوي العملاء الراغبين في تحقيق أهداف الاستدامة. وعلى الرغم من هذه المزايا، تظل الأعمال الدائرية نادرة نسبيًّا؛ وذلك بسبب صعوبة تأمين النماذج التي تتماشى مع استراتيجيات الشركات وقدراتها.
في هذه المقالة، نستعرض أربع مسارات نحو تطبيق النماذج الدائرية، استنادًا إلى أبحاثنا في المنظمات التي تبنت هذه الأفكار، بالإضافة إلى تقديم أبرز الاعتبارات التي تسهم في تنفيذها بفعالية. تركز المبادئ الأساسية لهذه النماذج على أهداف بسيطة، لكنها فعّالة مثل: استخدام أقل، وإطالة عمر المنتجات، وإعادة الاستخدام، واستخدام المنتجات بطرائق جديدة، وغالبًا ما تُدْمَجُ هذه الأهداف للحصول على أفضل النتائج.
تمديد عمر المنتج
إعادة الاستخدام، وإعادة البيع، والإصلاح، أو التجديد، من بين الاستراتيجيات التي تساعد الشركات على تحقيق أقصى استفادة من عمر المنتجات؛ ما يقلل النفايات، ويحد من استهلاك الموارد الجديدة.
تصميم المنتجات لتدوم طويلًا
لتمكين عمليات الإصلاح أو التجديد، يجب تصميم المنتجات بحيث تكون متينة وقابلة للتفكيك وإعادة التجميع. قد يتطلب ذلك استخدام مواد أكثر قوة، وتجنب المواد اللاصقة في التجميع، والتأكد من إمكانية استخدام الأدوات القياسية في عمليات الإصلاح.
وزارة الدفاع الهولندية مثال على ذلك؛ إذ اعتمدت نهجًا دائريًّا في زيها العسكري، من خلال تنظيفه وإصلاحه لتوسيع عمره الافتراضي، كما عدّلت التصميم لتمكين استبدال الأجزاء التالفة مثل الأكمام، ما قلل من النفايات، وحقق توفيرًا ماليًّا يتراوح بين 8 إلى 10 ملايين يورو سنويًّا. كما صممت شركة فيرفون هواتفها باستخدام مكونات قابلة للتبديل. فبدلًا من شراء جهاز جديد، يمكن ببساطة ترقية هذه الأجزاء للعملاء الذين يرغبون في تحسين الكاميرا أو البطارية، ما يساعد في تأخير تقادم الأجهزة.
وعلى الرغم من الفوائد، فإن تصميم المنتجات القابلة للتفكيك والإصلاح، يتطلب التوازن بين المكونات الأكثر متانة، ما يزيد من تعقيد وكلفة التصنيع. يُعد هذا الأسلوب أساسيًّا لدعم النماذج الدائرية في كثير من المجالات بالرغم من هذه التحديات.
إنشاء قدرات للإصلاح والتجديد
يتطلب تمديد عمر المنتج تطوير قدرات الإصلاح والتجديد، سواء داخليًّا أو عبر شراكات مع جهات خارجية. عندها اختارت وزارة الدفاع الهولندية التعاون مع Biga Groep، وهي منظمة اجتماعية تدعم المجتمعات الفقيرة، لإنشاء منشأة إصلاح صناعية.
كبرت هذه الشراكة مع مرور الوقت، ما أتاح توسيع القدرة على الإصلاح وخلق وظائف جديدة. من الضروري أن يتعاون فريق التصميم مع المختصين في الإصلاح، لفهم احتياجات التصميم لضمان استدامة المنتج.
مع إطلاق الشركة لبرنامجها الخاص بالإصلاح والتجديد، واجهت تحديات تتعلق بصعوبة إصلاح بعض المنتجات، الأمر الذي استدعى تعزيز التعاون بين فرق التصميم وشركاء الصيانة لضمان تحسين التصاميم المستقبلية. لإنجاح هذا النهج، يجب على الشركات التخطيط بعناية لتوفير خدمات الإصلاح وقِطَعِ الغيار على المدى الطويل، سواء من خلال تمديد الضمان، أو تقديمها كخدمات مدفوعة توفر إيرادات إضافية. كما أن تبني خطط إعادة الشراء يشجع العملاء على إعادة المنتجات بدلًا من التخلص منها، ما يتيح للشركات فرصة تجديدها وإعادة طرحها في السوق. في بعض الصناعات، مثل الهواتف المحمولة، باتت شركات مستقلة تقدم بالفعل خدمات الإصلاح وإعادة البيع، ما يعزز استدامة المنتجات، ويطيل دورة حياتها.
يمكن للمصنعين دعم هذه السوق، من خلال توفير قطع الغيار وأدوات الإصلاح والأدلة الإرشادية، وهو ما قد يصبح متطلبًا قانونيًّا بموجب قوانين “الحق في الإصلاح”، التي بدأت بالظهور في مختلف الدول. فعلى سبيل المثال، تُلزِم قوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة بالحق في الإصلاح، الشركاتِ المصنعةَ بتوفير قطع الغيار للمحترفين، لمدة تصل إلى 10 سنوات لبعض فئات المنتجات.
أحد التحديات الناشئة في هذا المجال، يتعلق بدعم المكونات البرمجية في المنتجات الذكية؛ إذ يصبح الحفاظ على البرمجيات وصيانتها جانبين أساسيين لضمان استدامة هذه الأجهزة.
الاستفادة من البيانات والتحول الرقمي
يمكن للبيانات والتقنيات الرقمية أن تعزز كفاءة عمليات الصيانة والإصلاح والتجديد، ما يساعد الشركات على تحسين استراتيجياتها في إطالة عمر المنتجات وتعزيز استدامتها. كما يستخدم بعض المصنعين أجهزة استشعار متصلة بالإنترنت، وتقنيات التحليل التنبئي لمراقبة حالة المنتجات، وجدولة عمليات الصيانة بشكل استباقي. ويمكن لتحليل البيانات أيضًا أن يوفر رؤى حول أنماط استخدام العملاء، والأعطال الشائعة، ودرجة التآكل؛ ما يساعد في تحسين تصاميم المنتجات، وجعلها أكثر متانة وكفاءة.
بالإضافة إلى ذلك، توفر المنصات الرقمية قنوات فعالة لإعادة بيع المنتجات المستعملة والمجددة، خاصة عند دعمها ببيانات دقيقة عن حالة المنتج وتاريخه، ما يعزز الشفافية والثقة في سوق إعادة البيع. قد تكتشف بعض العلامات التجارية أن منتجاتها المستعملة أو المجددة تُباع بالفعل على منصات مثل eBay، وVestiaire Collective، وBack Market، ما يفتح أمامها فرصًا جديدة لتعزيز استدامتها، وتحقيق قيمة إضافية من منتجاتها السابقة.
إعادة تدوير الموارد لتحقيق أقصى فائدة
تسعى الشركات التي تعتمد على إعادة التدوير إلى تحقيق أكبر قيمة ممكنة من المواد المهدرة، وهو ما يستلزم التمييز بين الموارد البيولوجية والتقنية. وفقًا لمفهوم “من المهد إلى المهد”، تشمل الموارد البيولوجية المواد الطبيعية مثل القطن والخشب، في حين تتضمن الموارد التقنية المعادن والمواد الاصطناعية، ويتطلب كل نوع طريقة معالجة مختلفة لتحقيق أفضل النتائج.
نظرًا لأن الموارد البيولوجية قابلة للتجدد، يجب إعطاء الأولوية لاستعادة العناصر الغذائية وإعادة استخدامها، لدعم النظم البيئية وضمان استدامة الإنتاج؛ فالمخلفات النباتية والحيوانية يمكن تحويلها إلى سماد طبيعي يعزز صحة التربة، كما يمكن الاستفادة من الغاز الحيوي المستخرج من خلال الهضم اللاهوائي كمصدر للطاقة المتجددة.
إعادة التصنيع أو إعادة تدوير المواد التقنية
يمكن إعادة استخدام المعادن المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية، مثل النحاس، والليثيوم، والألمنيوم، والذهب، بشكل غير محدود نظريًّا، خاصة عند استعادتها بصورتها النقية. في المقابل، يُعد البلاستيك موردًا غير متجدد، كما أن إعادة استخدام العبوات البلاستيكية تظل محدودة. لذا، يُمكن أن تكون إعادة التدوير خيارًا فعالًا للحفاظ على دورة حياة المواد التقنية. على سبيل المثال، تعتمد شركة Charpak البريطانية لتصنيع العبوات على البلاستيك المعاد تدويره كمادة خام في منتجاتها، التي يمكن إعادة تدويرها مرة أخرى، ما يعزز من استدامتها.
تحويل النفايات إلى مصدر دخل
يمكن أن يشمل نهج إعادة الاستخدام تحويل الموارد المهدرة إلى منتجات ذات قيمة من خلال عمليات معالجة وسيطة. على سبيل المثال، تستخدم شركتا Biohm وEcovative، المتخصصتان في علوم المواد، المخلفات الزراعية لتنمية الفطريات الميكوريزية، التي تُستخدم كمواد حيوية في التغليف والأزياء ومواد البناء. أما شركة Entomics Biosystems للتقنيات الحيوية، فتستفيد من النفايات العضوية في تربية يرقات الحشرات، التي تُحوَّل لاحقًا إلى مصدر بروتين مستدام، يُستخدم علفًا للحيوانات في قطاع تربية المواشي.
نظرًا لتقلبات صناعة الأزياء، يمكن أن يشكّل المخزون غير المبيع مصدرًا كبيرًا للهدر لدى الشركات المصنعة للملابس. في هذا السياق، أطلقت علامة LVMH الفاخرة منصة Nona Source، التي تتيح للآخرين شراء الأقمشة والخيوط والجلود الفائضة من المخزون، مما لا يقلل الهدر فحسب، بل يوفر أيضًا فرصة للمصممين المستقلين للوصول إلى مواد فاخرة، قد لا تكون متاحة لهم عادةً. كما تعمل Rype Office على إعادة تصنيع الأثاث المكتبي المستخدم، وتحويله إلى منتجات عالية الجودة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية لتلبية احتياجات الشركات.
وبما أن الأثاث يشكّل ما يصل إلى 30% من الانبعاثات المحتجزة في المباني التجارية، فإن الاعتماد على الأثاث المُعاد تصنيعه يسهم في تقليل البصمة الكربونية، والحفاظ على الموارد، والحد من النفايات.
تصميم المنتجات مع مراعاة إعادة التدوير
إن تصميم المنتجات بطريقة تدعم إعادة التدوير يعد عنصرًا أساسيًّا في تعزيز الاستدامة وتقليل الهدر. في الوقت الحالي، تعاني كثير من المنتجات من معدلات إعادة تدوير متدنية؛ إذ تتحول الملابس المستعملة، مثلًا، إلى مواد تنظيف بدلًا من إعادة تصنيعها كمنسوجات جديدة، والسبب في ذلك، أن كثيرًا من المنتجات غير مصممة لتكون قابلة لإعادة التدوير بشكل فعال.
غالبًا ما تتكون المنتجات من خليط من المواد التي يصعب فصلها ومعالجتها، ما يحدّ من إمكانية إعادة تدويرها بكفاءة. فمثلًا، تحتوي الملابس على ألياف طبيعية وصناعية، في حين تتكوّن الأجهزة الإلكترونية من معادن وبلاستيك وزجاج، وغيرها من المواد التي تتطلب عمليات معالجة منفصلة. أما عبوات التغليف، فكثيرًا ما تشتمل على بطانات وملصقات تعيق إعادة التدوير. من الناحية المثالية، ينبغي أن تُصنَّع المنتجات من مواد موحدة، مثل الأقمشة أحادية الألياف، أو العبوات المصنوعة بالكامل من PET، لكن ذلك ليس دائمًا ممكنًا، ما يتطلب ابتكار حلول تحقق توازنًا بين قابلية التدوير وكفاءة المنتج.
تصميم المنتجات بطريقة تسهل إعادة استخدامها
يجب على المصممين أيضًا مراعاة إمكانية التفكيك، تمامًا كما هو الحال في النماذج التي تركز على إطالة عمر الاستخدام؛ لذا ينبغي تصميم المنتجات بحيث يمكن تفكيك مكوناتها بسهولة، ما يسهل إعادة تصنيعها أو إعادة تدويرها بكفاءة.
في هذا السياق، طُبّق هذا المبدأ في مشروع “المباني كبنوك للمواد” المموّل من الاتحاد الأوروبي؛ إذ طُوِّرت معايير وأدوات مثل “بروتوكول التصميم العكسي للمباني”، بهدف تسهيل تفكيك المباني واستعادة المواد وإعادة استخدامها، ما يعزز الاستدامة في قطاع البناء.
كما يتطلب هذا النهج التصميمي تطوير مواد وعمليات جديدة تلبي معايير الجودة والأداء، ما يستدعي إعادة التفكير في دورة حياة المنتج بالكامل. على سبيل المثال، عملت Charpak مع شركاء في مجال الابتكار لاعتماد تصميمات معيارية تسهّل إعادة التدوير، واستبدلت البلاستيك الأسود بآخر رمادي قابل لإعادة التدوير بنسبة 100%.
تطلب هذا التحول إجراء تحليل شامل لدورة حياة المنتج، مع التركيز على مرحلة ما بعد الاستخدام، لضمان تحقيق التوازن بين الاستدامة والجودة. فعلى سبيل المثال، كان من الضروري دمج نسبة معينة من المواد الخام الجديدة للحفاظ على الخصائص الوظيفية والجمالية المطلوبة، ما يعكس أهمية إبداع حلول مبتكرة تحقق التكامل بين الأداء البيئي والعملي للمنتج.

صَمِّم المنتجات بطريقة تسهّل تفكيكها لإعادة التصنيع أو التدوير.
أربعة نُهُج لتحقيق الاستدامة الدائرية
غالبًا ما تبدأ المؤسسات التي تطوّر نماذج أعمال دائرية بأحد المسارات التالية، وقد تجمع بين عدة مسارات معًا.
إنشاء أنظمة لوجستية عكسية وشراكات فعّالة
لا يكفي تصميم المنتجات الدائرية لتحقيق الاستدامة ما لم تُدعَم بأنظمة لوجستية عكسية فعّالة؛ إذ تركز سلاسل التوريد الحديثة غالبًا على الإنتاج والتوزيع، مع إهمال استرجاع المنتجات وإعادة استخدامها. لذا، يتعين على المصنّعين الساعين إلى النموذج الدائري، ضمان ليس فقط إعادة التدوير الفعّال، بل أيضًا تأمين تدفق مستدام للمواد الخام.
للوصول إلى هذا الهدف، قد يكون من الضروري إدخال ابتكارات في قطاع معالجة النفايات ضمن سلسلة القيمة، مثل تطوير تقنيات وعمليات فعّالة لجمع وفرز وإعادة تدوير النفايات إلى مواد خام جديدة، ولكن في بعض الحالات، مثل نفايات البلاستيك بعد الاستهلاك، قد يكون من الصعب استرجاع المنتجات بشكل مباشر. ويدخل البلاستيك في مجرى إدارة النفايات، ويحتاج إلى عمليات فرز ومعالجة قبل إعادة استخدامه. تعاملت شركة Charpak مع هذه التحديات في المملكة المتحدة، من خلال شراكتها مع المجالس المحلية ومزودي خدمات إدارة النفايات والمعالجين، لتأسيس حلقة دائرية محلية للبلاستيك. ضمن برنامج شراكة نفايات كامبريدجشير وبيتر بورو (RECAP)؛ إذ يُجمَع البلاستيك من المنازل، ويفرز وينظف، ويرسل لإعادة معالجته وتحويله إلى موادَّ جديدةٍ، والتي تقوم Charpak بتوريدها لاستخدامها في منتجاتها.
كما واجهت Rype Office صعوبة في تأمين الأثاث المستعمل؛ إذ كانت تعتمد عادة على أحداث إخلاء المكاتب غير المنتظمة. وللتغلب على هذه المشكلة، أنشأت قنوات استرجاع بالشراكة مع شركات تجديد المباني، ووفرت لعملائها خيارات التأجير والشراء مع إعادة البيع، وإذا لم يكن الأثاث المعاد تصنيعه كافيًا لتلبية متطلبات العملاء، توصي Rype Office باستخدام قطع جديدة، يمكن إعادة تصنيعها بسهولة مع مرور الوقت؛ ما يضمن استمرارية توافر الإمدادات في المستقبل.
تحقيق أقصى استفادة من المنتجات
قد لا يشعر المستهلكون دائمًا بالحاجة إلى امتلاك المنتجات. بدلًا من ذلك، يمكن للشركات إتاحة الوصول إلى
منتجاتها أو خدماتها عبر نماذج عمل قائمة على المشاركة والتأجير، أو تقديم الخدمات بدلًا من بيع المنتجات. تعمل
هذه الأساليب على تعزيز الدائرية من خلال زيادة استخدام الموارد، وتشجيع العملاء على استخدام أقل، ولكن
لفترات أطول، ما يعزز إعادة الاستخدام، كما توفر هذه النماذج فرصًا للوصول إلى منتجات قد يصعب الحصول
عليها. ومن الأمثلة على ذلك، التأجير قصير الأجل للسيارات (مثل Zipcar)، أو الملابس المصممة (مثل
Rent the Runway)، أو منصات نظير إلى نظير مثل Hello Tractor، التي تتيح للمزارعين تأجير
المعدات غير المستخدمة. كما يقدم نموذج المنتجات كخدمة؛ إذ يحتفظ الموردون بالملكية، ويدفع
العملاء بناءً على الاستخدام الفعلي.
تصميم الخدمات بناءً على احتياجات العملاء
يمكن أن يكون فهم أهداف العملاء دافعًا لنماذج دائرية مبتكرة. كما توضح شركة Signify، فإن العملاء يرغبون في إضاءة موثوقة وفعّالة، ونموذج “الإضاءة كخدمة” يوفر حلًّا لهذه الرغبة، من خلال تجنب تعقيدات إدارة الموارد، وتقليل النفقات الرأسمالية على المعدات. وبالمثل، يفضل كثير من سكان المدن عدم امتلاك سيارات، لكنهم في بعض الأحيان يحتاجون إلى وسيلة نقل مرنة وأكثر راحة من الدراجة أو الحافلة أو القطار. هذه الفكرة هي أساس نماذج التنقل المشترك مثل Zipcar، فبدلًا من أن تمتلك الأسر سيارات نادرًا ما تُستخدم، يمكن للعملاء الوصول إلى سيارات مشتركة عند الحاجة.
استخدام المنصات الرقمية
يُظهر نموذج المشاركة الذي تتبعه Hello Tractor كيف يمكن للبيانات، والاتصال، والمنصات الرقمية تمكين نماذج المشاركة والتأجير والخدمات من متابعة وتحسين الموارد، وربط العرض مع الطلب، ومن خلال تطبيقها المحمول، تربط Hello Tractor بين المزارعين الصغار ومالكي الجرارات لتنظيم وإدارة الحجوزات والمدفوعات، كما تساعد الشركة مالكي الجرارات على تجهيز معداتهم بأجهزة “إنترنت الأشياء” منخفضة التكلفة لتتبع الموقع، ومستويات الوقود، وعمليات الجرار، واحتياجات الصيانة. تساعد هذه البيانات أيضًا في تقديم خدمات جديدة، مثل تحسين مسارات الجرارات لمالكيها، وتمكينهم من إدارة معداتهم بشكل أفضل. من المهم أن تدرك Hello Tractor أن الوصول إلى التكنولوجيا يختلف بين المزارعين الصغار؛ لذلك تتعاون مع وكلاء محليين لتسهيل الحجوزات وجمع الطلبات المحلية.
محاذاة الحوافز
تصميم الخدمات يعتمد اعتمادًا حاسمًا على محاذاة الحوافز بين مقدم الخدمة والعميل، بناءً على العوامل الاقتصادية والوظيفية والاستدامة. ولتحقيق أهداف الدائرية، يجب على المقدمين والعملاء استخدام المنتجات استخدامًا مسؤولًا وفعّالًا. كما تشمل عقود “الإضاءة كخدمة” لشركة Signify تقديم مؤشرات أداء لجودة الإضاءة وكفاءة الطاقة، في حين يهتم العملاء فقط بجودة الأداء وموثوقية الإضاءة. ومن خلال تمديد عمر المعدات والمواد عبر المراقبة، والتصميم المتين، وإعادة الاستخدام، والصيانة، والتجديد، وإعادة التدوير، تُقلَّلُ التكاليف للمقدمين. كما يسهل نموذج الخدمة تطبيق أنظمة لوجستية عكسية مغلقة؛ إذ يحتفظ المقدم بالتحكم بالموارد وسلسلة الإمداد.
تقليل استهلاك الموارد
يجب أن يكون الحد من استهلاك الموارد أولوية عند السعي لتحقيق الاستدامة، ولتحقيق هذا الهدف، يمكن للمنظمات التفكير بشكل شامل في كيفية تقليل استخدام الطاقة والمواد والمياه في عملياتها.
تعزيز الكفاءة لتقليل الهدر
يتطلب اعتماد الممارسات والتقنيات كفاءة تعزز استخدام الموارد وتقلل الهدر، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تسهم مبادئ التصنيع الرشيق في خفض استهلاك المواد والطاقة بشكل كبير، كما يمكن للمصممين ابتكار طرائق لتقديم القيمة نفسها باستخدام مواد أقل. بالإضافة إلى ذلك، يساعد دمج تقنيات موفرة للطاقة، مثل الإضاءة بتقنية LED وأنظمة التدفئة والتبريد المحسنة، في تقليل الأثر البيئي بشكل ملحوظ. ويمكن أيضًا تحسين الكفاءة عبر تعظيم الاستفادة من الموارد؛ فاستخدام الموارد المشتركة، مثل مساحات العمل المشترك أو مرافق التصنيع المشتركة، يسهم في تحسين استغلال المساحات والمعدات. كذلك، يتيح تصميم المباني بطريقة قابلة لإعادة التهيئة مرونة لاستخدامها في أغراض متعددة. وفي قطاع النقل، يضمن تحسين إدارة الأسطول تحميل المركبات بالكامل، ما يقلل عدد الرحلات ويخفض الانبعاثات والتكاليف. وبالمثل، تتيح الخدمات السحابية التكيف مع الطلب الفعلي، ما يساعد في تفادي استهلاك موارد زائدة عن الحاجة.
التصميم للحد من الهدر
يبدأ تقليل استهلاك الموارد من مرحلة تصميم المنتج أو العملية الإنتاجية، فعلى سبيل المثال، يمكن تحقيق وفورات كبيرة في التغليف قبل حتى تعديل المنتج نفسه. كما قامت متاجر التجزئة البريطانية Tesco وWaitrose بتقليل النفايات البلاستيكية عبر إزالة الأغلفة البلاستيكية عن بعض عبوات المواد الغذائية والمشروبات. من جهة أخرى، تطور شركات التكنولوجيا الغذائية مثل Mori وApeel Sciences طبقات تغليف صالحة للأكل لإطالة عمر المنتجات الطازجة، ما يغني عن استخدام البلاستيك. أما المنتجات السائلة الضخمة، مثل مستحضرات التنظيف والتجميل، فيمكن إعادة تصميمها على شكل مركزات أو أقراص، ما يقلل حجمها ووزنها، ومن ثم يحدّ من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالشحن، إضافة إلى خفض تكاليف التخزين والتوزيع وتقليل بصمتها البيئية.
توظيف تحليلات البيانات
تؤدي الأدوات الرقمية دورًا أساسيًّا في تقليل استهلاك الموارد والحد من الهدر، كما تساعد التحليلات المتقدمة في تحديد أفضل الطرائق لتحقيق ذلك بفعالية. على سبيل المثال، تمكنت Ikea من خفض هدر الطعام في مطاعمها بنسبة 54%، من خلال استخدام موازين ذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة وإدارة الفائض، كما تعاونت مع منصة Too Good to Go لبيع الأطعمة غير المباعة المبيعة بأسعار مخفضة، ما أسهم في تقليل الهدر وتعزيز الاستدامة.
عوامل النجاح الأساسية في تبني الاقتصاد الدائري
تتوفر كثير من الفرص أمام الشركات لدمج الاستدامة الدائرية في منتجاتها وعملياتها، ولكن نجاح هذه المبادرات يعتمد على عدة عوامل أساسية، أبرزها:
الملاءمة الاستراتيجية
يشكل التوافق مع استراتيجية العمل حجر الأساس في التحول نحو الاقتصاد الدائري. لذلك، من الضروري اختيار نموذج يتماشى مع هوية الشركة وموقعها في السوق، ويستفيد من نقاط قوتها الأساسية، ويجب أن يعزز النموذج المختار كلًّا من الاستدامة والربحية. على سبيل المثال، ينبغي للعلامات التجارية الفاخرة تقديم تجربة بيع متميزة لمنتجاتها المعاد بيعها أو المجددة أو المعاد تصنيعها، بما يضمن الحفاظ على قيمتها وجودتها في نظر العملاء.
القيادة الملتزمة والعقلية الدائرية
يبدأ التحول نحو الاقتصاد الدائري من القيادة والرؤية والثقافة المؤسسية، ويجب على قادة الشركة تبني هذا النهج ودعمه، من خلال توفير الموارد والتدريب اللازم لجميع الموظفين. أحد الدروس الأساسية في هذا المجال، هو أن الاستدامة الدائرية لا ينبغي أن تقتصر على مبادرات محدودة، بل تتطلب ترسيخ عقلية تجعل الجميع ينظرون باستمرار إلى الهدر كفرصة لإعادة الاستخدام والاستفادة، وليس كنهاية لدورة المنتج.
من الصعب على معظم الشركات تحقيق الاستدامة الدائرية بمفردها.
يتطلب تحقيق الاستدامة تغيير النظرة إلى النفايات كمصدر يمكن الاستفادة منه. فقد نجحت British Sugar في إعادة تدوير المنتجات الثانوية لتصنيع السكر من الشمندر، وتحويلها إلى وقود حيوي ومنتجات صناعية وزراعية، بالإضافة إلى إطلاق نشاط تجاري جديد لإنتاج أعلاف الحيوانات.
نماذج متكاملة
تعتمد الاستدامة الدائرية على أربعة نماذج رئيسة: الاستخدام الأقل، والاستخدام الأطول، وإعادة الاستخدام، والاستخدام بطرائق جديدة. هذه النماذج ليست متعارضة، بل يمكن دمجها لإنشاء حلول دائرية فعالة.
على سبيل المثال، تقوم وزارة الدفاع الهولندية بإعادة تدوير المواد التي لم يعد من الممكن إصلاحها، وهو نموذج يمكن تطبيقه أيضًا على بطاريات السيارات الكهربائية. ومع التوقعات بأن تشكل السيارات الكهربائية أكثر من ثلثي مبيعات السيارات عالميًّا بحلول عام 2030م، ستزداد الضغوط الناجمة عن ندرة المعادن والنفايات الإلكترونية.
تبني نهج دائري أكثر شمولًا يمكن أن يطيل عمر البطاريات من خلال الصيانة والتجديد (الاستخدام الأطول)، وعند تراجع كفاءتها، يمكن إعادة تصنيعها لاستخدامها في أنظمة تخزين الطاقة ضمن شبكات الطاقة المتجددة (الاستخدام بطرائق جديدة). وأخيرًا، يمكن إعادة تدويرها لاستخلاص المواد الخام اللازمة لصنع بطاريات جديدة (إعادة الاستخدام).
عرض القيمة الجذابة
لتحقيق نجاح العروض الدائرية، يجب أن تتجاوز الفوائد البيئية لتلبية احتياجات العملاء من حيث: الوظائف، والجماليات، وسهولة الوصول، والاقتصاد، كما يجب أخذ تصميم سلسلة القيمة بعين الاعتبار لضمان قبول العملاء. على سبيل المثال، أدركت Rype Office أن العملاء لن يضحوا بجودة الأثاث وجماليته من أجل تقليل الكربون، لذا؛ قدمت خدمات تصميم داخلي لمساعدتهم في دمج القطع المعاد تصنيعها ضمن بيئات مكاتبهم. كما اعتمدت Hello Tractor على شبكة من الوكلاء المحليين بناءً على معرفة احتياجات المزارعين الصغار وضمان سهولة الوصول إليهم.
التحالفات والشراكات القائمة على القيمة
تواجه معظم الشركات صعوبة في بناء قدرات دائرية بمفردها، ورغم إمكانية دمج المتطلبات الدائرية في معايير الشراء الأخضر، تظهر التحديات عندما يعجز الموردون عن تلبية هذه المتطلبات على المدى القصير أو المتوسط. لذا؛ قد يتطلب الأمر شراكات مبتكرة مع الموردين والشركاء الآخرين.
ومثال على ذلك، مشروع RealCar من Jaguar Land Rover؛ إذ تعاونت مع شركاء من الصناعة والجامعات والقطاع العام لتطوير الألمنيوم المعاد تدويره من النفايات الصناعية لاستخدامه في سياراتها، مما استلزم تطوير أنواع جديدة من الألمنيوم تجمع بين الأداء العالي وقابلية التدوير.
الانتقال إلى الاقتصاد الدائري: رحلة من التعلم المستمر والتجربة
التحول إلى الاستدامة الدائرية ليس مهمة سهلة، بل يتطلب تعلمًا مستمرًّا وتجربة مستمرة. النماذج الناجحة غالبًا ما تظهر من خلال التعاون الفعّال مع العملاء والموردين والشركاء الآخرين. لذا؛ من المهم أن تستكشف الشركات ما يعمل وما لا يعمل، وتعدّل استراتيجياتها بناءً على الدروس التي تُتَعلَّم خلال هذه التجارب.
يمكن للشركات البدء بمشاريع تجريبية صغيرة لاختبار الأفكار في بيئة محكومة، ومن ثم التوسع في المبادرات الناجحة بشكل تدريجي. رغم تعقيد عملية التحول إلى الاقتصاد الدائري، فإن كثيرًا من الشركات قد بدأت بالفعل في تقديم خدمات مثل إعادة البيع أو الإصلاح أو التجديد، ما يسهل عليها الانتقال تدريجيًّا نحو النموذج الدائري.
