مارثا إي. مانغيلسدورف
ليس من السهل تطوير ابتكار رائد في شركة راسخة وإيصاله إلى السوق بنجاح، ويزداد التحدي صعوبة حين يسعى المرء إلى تحقيق ذلك أكثر من مرة واحدة. في كتابهم الجديد “المبتكرون المتسلسلون: كيف يبتكر الأفراد ويقدمون ابتكارات رائدة في الشركات الناضجة؟” (ستانفورد، كاليفورنيا: مطبعة جامعة ستانفورد، مايو 2012م)، يصف آبي غريفين، وريموند إل. برايس، وبروس أ. فويجاك، سنوات من البحث أجرَوها حول نوع من الموظفين القادرين على تحقيق هذا الإنجاز. غريفين تشغل كرسي رويال إل. غارف الرئاسي في التسويق في كلية ديفيد إيكليس للأعمال بجامعة يوتا، وكانت سابقًا رئيسة تحرير مجلة إدارة ابتكار المنتجات (Journal of Product Innovation Management). أما برايس، فهو يشغل كرسي ويليام إتش. سيفيرنز لسلوك الإنسان في كلية الهندسة بجامعة إلينوي في إربانا-شامبين. وفويجاك، هو عميد مشارك للإدارة في كلية الهندسة بالجامعة نفسها، بالإضافة إلى كونه أستاذًا مساعدًا هناك.
المبتكرون المتسلسلون، الذين يُعرّفهم المؤلفون بأنهم الأشخاص الذين يطورون ويطرحون في السوق منتجين رائدين ناجحين على الأقل داخل شركة راسخة، ليسوا شائعين كثيرًا. يقدّر غريفين وبرايس وفويجاك أن نسبتهم تتراوح بين واحد من كل خمسين عضوًا في فرق البحث والتطوير والهندسة في المؤسسات الصغيرة، إلى واحد من كل مئتين في المؤسسات الكبرى، وربما يصل الأمر إلى واحد فقط من كل خمسمئة في معظم شركات فورتشن 200 (Fortune 200). ومن خلال وصف المؤلفين للسمات النمطية للمبتكرين المتسلسلين، يتضح سبب ندرتهم: إذ يمتلكون مزيجًا فريدًا من المهارات؛ فغالبًا ما يكون لديهم سجل حافل بالتميز التقني (ما يمنحهم حرية أكبر للابتكار داخل شركاتهم)، وتركيز قوي على حل المشكلات الجوهرية للعملاء، (ما يساعدهم على اختيار قضايا ذات صلة تجارية لمعالجتها). كما يتمتعون أيضًا بالاستعداد والقدرة على “عبور الجسر”، حسب تعبير المؤلفين، من مجرد ابتكار حل جيد إلى خوض غمار السياسات التنظيمية اللازمة لإقناع الآخرين في الشركة بقيمة ابتكارهم. وتشمل السمات الإضافية للمبتكرين المتسلسلين الفضول والتفكير المنظومي (systems thinking). وكما يوضح المؤلفون: “إن التفكير المنظومي يمكّن المبتكرين المتسلسلين من دمج بيانات ومعلومات متفرقة. أما الفضول، فيدفعهم للبحث عن قطع الأحجية، في حين أن التفكير المنظومي يبحث عن أنماط تساعدهم على الربط الإبداعي بين هذه القطع بطرائق منطقية وقوية”.
الفصل المعنون بـ”العمليات التي يبتكر بها المبتكرون المتسلسلون” يُعد من أكثر أقسام الكتاب إثارة للاهتمام؛ ففي حين أن عمليات تطوير المنتجات الرسمية في الشركات الكبرى تميل إلى اتباع مراحل خطية، يشير المؤلفون إلى أن “المبتكرين المتسلسلين يتبعون نهجًا غير خطي في تطوير المنتجات”، ويشمل هذا النهج “تداخلًا وتكرارًا وتغذيةً راجعةً أكثر بكثير” بين المراحل، مقارنة بعمليات تطوير المنتجات الجديدة الرسمية. فعلى سبيل المثال، قد ينتقل المبتكر المتسلسل ذهابًا وإيابًا بين تطوير المنتج وتهيئة السوق لتقبله، أو بين فهم المشكلة وابتكار الحلول والتحقق منها، فقد بدأ المبتكر المتسلسل آدم غودات (Adam Gudat) في شركة كاتربيلر (Caterpillar) بابتكار أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) للمعدات الزراعية، وقد أدى دمج ذلك مع تقنيات مثل رسم الخرائط بالأقمار الصناعية والحساسات، إلى ظهور تقنيات “الزراعة الدقيقة” (precision farming)، التي تتيح للمزارعين التكيف مع الظروف في كل حقل على حدةٍ.
كما يستثمر المبتكرون المتسلسلون كثيرًا من الوقت في المراحل الأولى جدًّا من الابتكار، أي في تحديد مشكلة مهمة وفهمها من عدة زوايا، وقد يشكل هذا تحدّيًا في ثقافات الأعمال التي تتسم بنفاد الصبر والتركيز على النتائج؛ إذ يلاحظ المؤلفون أنه في أثناء هذه المرحلة “قد تمر شهور عديدة… قبل أن يمتلكوا مفهومًا متطورًا بما يكفي للدخول في عملية تطوير المنتجات الجديدة الرسمية (NPD) للشركة. وخلال تلك المدة، قد يظهرون وكأنهم غير منتجين إطلاقًا؛ إذ قد لا يكون هناك مخرجات مادية تذكر”.
وعلى نحو أعم، قد يكون المبتكرون المتسلسلون في حالة تعارض مع العمليات التقليدية في مؤسساتهم؛ فالابتكارات نفسها تتنافس مع المنتجات القائمة للشركة على الموارد، وبدلًا من العمل مع فرق يحددها المديرون، يفضل المبتكرون المتسلسلون غالبًا استقطاب زملاء متوافقين معهم كمتطوعين. كما يفضل المبتكرون المتسلسلون إجراء أبحاثهم السوقية بأنفسهم؛ فهم يرغبون بشكل خاص في قضاء وقت مع العملاء، وطرح كثير من أسئلة “لماذا” لفهم احتياجاتهم.
يعترف غريفين وبرايس وفوجاك بأن الحياة داخل المؤسسات الراسخة ليست دائمًا سهلة للمبتكرين المتسلسلين، ولا لأولئك الذين يديرونهم. ويحتوي الكتاب على بعض الحكايات المثيرة حول المبتكرين المتسلسلين، فقد حصل تشاك هاوس، الذي طور عددًا من المنتجات الجديدة لشركة هيوليت-باكارد (Hewlett-Packard)، على “ميدالية التحدي” من رئيس الشركة آنذاك، كما يذكر المؤلفون، “كتذكرة لجميع العاملين في الشركة بأن خرق القواعد قد يرتبط بمكافآت عظيمة”. كما يروون أيضًا قصة آدم غودات في شركة كاتربيلر (Caterpillar)، الذي بدأ بتطوير أنظمة الملاحة باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للمعدات الزراعية، وقد أدى دمج ذلك مع تقنيات مثل رسم الخرائط بالأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار، إلى ظهور أساليب “الزراعة الدقيقة” (precision farming)، التي تتيح للمزارعين التكيف مع الظروف في كل حقل على حِدَةٍ. وهناك مبتكر متسلسل آخر ورد ذكره في الكتاب، هو توم أوزبورن، الذي كان في وقت من الأوقات معرضًا لفقدان وظيفته في شركة بروكتر آند جامبل (Procter & Gamble)، حين كان يدافع عن نموذج جديد للفوط الصحية النسائية، يختلف عن المنتجات الناجحة التي كانت لدى الشركة في ذلك الحين. وفي النهاية، وصل نهج أوزبورن إلى الأسواق، وحقق أرباحًا كبيرة لشركة P&G.
ويضم المؤلفون توصيات عملية للمبتكرين المتسلسلين والطامحين إلى ذلك، وللمديرين الذين يعملون معهم، وكذلك لمسؤولي الموارد البشرية، الذين قد يجدون المبتكرين المتسلسلين في شركاتهم يمثلون تحدّيًا. ومن المفارقات، أن المؤلفين يشيرون إلى أن عددًا من المبتكرين المتسلسلين الذين أجريت معهم مقابلات، يعتقدون أنه لو كانوا قد بدؤوا مسيرتهم اليوم، لما وظفتهم شركاتهم أصلًا، وهذا مؤشر مقلق بالنسبة للشركات. ولكن إذا كنت ترغب في جعل مؤسستك أكثر ترحيبًا بالمبتكرين المتسلسلين، أو إذا كنت أنت أو أحد معارفك يطمح لأن يكون مبتكرًا متسلسلًا، فإن هذا الكتاب جدير بالقراءة.
